إسلام ويب

تفسير سورة النازعات (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المواجهة بين أهل الإيمان وبين أهل الكفر مواجهة مستمرة، والقصص الواردة في هذا الباب كثيرة مستفيضة، وقد كان لها سهم كبير ونصيب وافر في كتاب الله، منذ بدء الخلق وحتى رسالة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن القصص التي تناولت الصراع بين الحق والباطل قصة موسى عليه السلام مع فرعون، فقد ذكرها القرآن في كثير من المواضع، واستحوذت على جزء كبير من بعض السور، حتى لتكاد بعض السور أن تكون في هذه القصة، مثل سورة القصص وسورة طه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها يوم أمس سورة النازعات، والآيات المباركات نستعين بالله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:15-26]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم بشرى نبيكم لكم من قوله في صحيح مسلم : ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) فيا لها من بشرى لمن فاز بها!

    وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من جاء مسجدي لم يأته إلا لخير يعلمه أو يتعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله )، وها نحن تلونا هذه الآيات وباسم الله نتدارسها.

    من القائل: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15]؟ أليس هذا كلام الله؟ من هو الله؟ الله الذي وهبنا وجودنا، ووهبنا أسماعنا وأبصارنا، وأعطانا عقولنا.. الذي خلق كل شيء لنا، ألا نعرفه؟! إذاً: نحن حمقى! كلامه هذا كيف وصلنا؟ وصلنا من طريق نبيه ومصطفاه وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أوحاه إليه في ظرف ثلاث وعشرين سنة، بدأ بـ اقْرَأْ [العلق:1] وانتهى بـ: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].

    إذاً: ربنا يتكلم؟ إي والله، هذا والله من كلامه.

    ماذا قال؟ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15] يخاطب من؟ لمن يقول: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15]؟ لرسوله ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم.

    أي موسى هذا؟ هاشمي.. قرشي.. عربي.. أعجمي؟ من موسى؟ هذا موسى بن عمران، كليم الله، نجي الله، نبي بني إسرائيل عليه وعلى نبينا السلام، وهذه الآيات قررت معتقدنا الحق وهو البعث الآخر.

    وتقرر هذه الآيات نبوة نبينا بما لا مجال للشك فيه، أسألكم بالله يا أهل المنطق والعقل! هل يعقل أن أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولا جلس بين يدي معلم قط، ولا عاش في أسرة تكتب وتقرأ أبداً، أن يحدثنا عن الكون والذرة؟ هل يعقل هذا؟! هل يمكن أن يحدثنا عن الملكوت الأعلى؟ هل له أن يحدثنا عن أعماق التاريخ البعيد؟ هل يستطيع أن يحدّثنا عن الطبائع والأخلاق؟ كيف يتم هذا؟ مستحيل! إلا أن يكون نبياً من أنبياء الله، مصطفى ممن يصطفي الله.

    موسى بن عمران عاش منذ ألف وثمانمائة سنة وزيادة قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، عاش في فلسطين، بل عاش في مصر، وعاش في سيناء ومات بها، فمن أين لهذا العربي الأمي أن يحدثنا عن أحداث ملأت التاريخ مثل أحداث بني إسرائيل؟ كيف يعقل هذا؟ فالذي يكذب بهذه النبوة المحمدية من أهبط المخلوقات، ولا يكذب بها إلا أحد رجلين: إما أمي أعمى، وإما محتال ماكر مخادع، يضلل الناس ليصرفهم عن الحق.

    1.   

    قصة موسى من سورة القصص

    قال تعالى: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات:15] موسى بن عمران جاءت أقاصيصه مفصلة مبينة، وأظهر ما كانت في سورة القصص، إذ قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: طسم [القصص:1] هذه اللهجة ما عرفتها العرب ولا حلمت بها أو خطر ببال أحد منهم أن يسمع هذه الحروف بهذا الصوت.. بهذا الجرس.. بهذا النغم، فهو أمر ما عرفه العرب. وسره: أن يجذب القلوب ويأتي بالنفوس الشاردة ويلوي رءوس المتكبرين؛ لتصغي وتسمع رغم أنفها، فما إن يسمع القرشي هذا النغم حتى ينهار ويذوب.

    قال تعالى: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص:1-2]، أي: هذه الحروف هي التي تألف منها هذا الكتاب المبين، فكيف يكون هذا سحراً أو شعراً؟ كيف يكون من أساطير الأولين؟

    نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص:3] وهذه بداية القصص: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص:3] وبعد: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:4-6].

    قصص عجب، يستحيل ألا يكون هذا من وحي الله وكلامه، ويل للكافرين.. ما أحطهم!

    سر تسمية موسى عليه السلام بهذا الاسم

    وكلمة (موسى): كلمة عبرية. وتعرفون موشي ديان عليه لعائن الرحمن، هلك في الأولين، دوّخ العرب، أذلهم، هزئ بهم، سخر منهم بتقدير الله وتدبيره؛ لأنهم فسقوا عن أمره، وخرجوا عن طاعته، فيأبى الله إلا أن يذلهم لشر خلقه، لا إله إلا الله محمد رسول الله! وموشي بالعبرية: الماء والشجر.

    موسى عليه السلام لما صدر الأمر الفرعوني بوجوب اتخاذ إجراء وقائي ضد بني إسرائيل؛ لأن السياسيين قالوا لفرعون: ملكك وعرشك سيسقط على أيدي هؤلاء الضعفة المساكين، هؤلاء لهم أصول عالية شريفة، هؤلاء أحفاد الأنبياء والرسل، لا يمكن أن يستمر الأمر لك هكذا، الخطر كله يأتي من هؤلاء، لاسيما وقد جاء موسى يحبو، وقد ربي في قصر فرعون بتدبير العزيز العليم.

    فمرة من المرات أراد أن يقوم فرعون فتعلق موسى بلحيته الطويلة الكثة، والحاج يقول: سبحان الله! فرعون عنده لحية والمسلمون يحلقون لحاهم؟! نعم؛ لأن اللحية زينة الفحول، كيف تكون فحلاً؟ إذا حلقت وجهك وشاربك تزييت بزي الإناث، ما رضيت بالفحولة، فلهذا ما كانوا يحلقون وجوههم أبداً إلا بعد أن سخر الشيطان منهم وعبث بقلوبهم.

    والشاهد عندنا: لما أخذ موسى بلحية فرعون وجذبها تشاءم فرعون، وقال: هذا هو، هذا الذي يسقط عرشنا، وهم بقتله، فشفعت له آسية بنت مزاحم تلك المؤمنة التي ذكرها تعالى في كتابه، واقرءوا قوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    نعم، حكم عليها بالإعدام، ووضعوها على أعواد المشنقة، إلا أنها اتصلت بذي العرش في هذه اللحظة الفاصلة وقالت: يا رب! يا رب! ابن لي عندك بيتاً في الجنة، واختارت الجار قبل الدار، ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11] فما وضع السيف على رأسها حتى فاضت روحها آمنة طيبة طاهرة. كانت امرأة مؤمنة تعيش في قصر كفر وفساد، فشفعت لموسى، وقالت: لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9].

    فقالت له: امتحنه، وإذا رأيته يعقل فلك ذلك، وأنه ما زال لا يميز بين الجمر والتمر، فجيء بطبق فيه رطب وآخر فيه جمر، فبدل أن يضع موسى يده على الرطب والتمر وضعها على الجمر، أخذ جمرة ورماها في فيه فلصقت في طرف لسانه فأصيب بلكنة، فأصبح فرعون يسخر منه، وقال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] أي: لا يفصح، ولكن موسى دعا ربه ورفع أكفه إلى مولاه قائلاً: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28] واستجاب الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه.

    موسى لما صدر أمر الحكومة القبطية بذبح الذكور هذا العام، كانت أيما إسرائيلية تحبل يجب أن تخبر عمدة الحي بأنها حبلى، وعلى المسئولين أن يتعاهدوها حتى إذا جاء الطلق والمخاض لا بد من الهيئة المختصة لتحضر عندها، فإن وضعت أنثى باركوها، وخلوها تخدم في البيوت، فإن وضعت ذكراً ذبحوه ودفنوه في الحفرة، وكان إجراء وقائياً حفاظاً على النظام والدولة.

    ثم خففوا هذا الحكم الجائر فجعلوه عاماً وعاماً، عام فيه ذبح للأولاد، وعام فيه عفو عام، قالوا: الأيدي العاملة قلّت، ونخشى أن نفقدها في يوم ما من الأيام، وفي العام الذي كان فيه العفو ولد هارون أخو موسى، بتدبير الله عز وجل، وفي العام الذي فيه الذبح ولد موسى، فماذا تصنع أمه؟ صدر الأمر الإلهي إليها كما تسمعون: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    هل هذا الكلام يقوله إنسان؟ مستحيل! من يدعي هذه الدعوى؟ من يضمن هذه الضمانة؟ من يقوى على أن يحقق هذا الهدف: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] لا يقوى عليه إلا الله.

    إذاً: فالله جل جلاله هو القائل، يستحيل أن يقول هذا الكلام غير الله: وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    تلقيه في البحر.. تلقيه في الماء يغرق أو تأكله الحوت، أو تستولي عليه أيدي المجرمين فتذبحه، أو تفعل به ما تشاء، فيعطيها ضمانة كاملة وفوق ذلك أن يرجع إليها وأن يرسله رسولاً، هذه الكلمة تشهد أن لا إله إلا الله، ولكن أين الذين يفسرون القرآن ويتدبرونه؟ ماتوا، نحن نقرؤه على الموتى فقط.

    إذاً: وضعته في صندوق من خشب ورمته في النيل، فحملته الأمواج حتى خرج في حديقة فرعون، الملاصقة لقصره، وكان النهر يجري وسطها، وكان وقتها الجواري يسبحن في الماء وعثرن على الصندوق فطرن فرحاً، ما هذا؟ ورفعوه إلى السيدة.. الملكة عليها السلام، فما إن فتحته حتى دخل قلبها.

    وأتى صاحب الفخامة والعظمة فرعون! فما إن نظر إليه حتى دخل في قلبه، وهذا مصداق قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] فما رآه أحد إلا أحبه، هل يوجد عندكم هذا الشخص؟ لا. إذا أحبه عشرة يبغضه عشرون، وهذا ما رآه أحد إلا أحبه، من فعل هذا؟ ذو العرش جل جلاله وعظم سلطانه، هذا الذي يعاديه البله ويحاربه الأغبياء، ويتنكر له العلمانيون الساقطون، هذا الله رب العالمين.

    إذاً: سموه موشى؛ لأنهم وجدوه بين الماء والشجر، هذه هي علة التسمية: لأنهم وجدوه بين الماء والشجر، وبالعبرية (مو): ماء، و(شى): الشجر، وفي العربية ليس هناك شي ولا شى، ولكن موسى ممال.

    هذا ابن عمران الذي أعطانا الله موجزاً لقصته، والمراد من هذا:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية؛ إذ أمي لا يقرأ ولا يكتب أنى له أن يتحدث عن تاريخ بني إسرائيل، وعن جزئيات وأحداث تمت في الظلام والليل، كيف يعقل هذا إن لم يكن صاحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! مستحيل!

    فوائد القصص

    ثانياً: في هذا القصص وفي غيره ما يثبت الله به قلب نبيه ليثبت في وجه الفراعنة: أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والأخنس بن شريق والعاص بن وائل، هؤلاء الطواغيت الفراعنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعرض له عرض كهذا لتزداد قوته الروحية، ويزداد ثباته وصبره حتى يؤدي رسالته، ومن جاء بعده من الدعاة الخالصين الصادقين يواجهون أحداثاً عظاماً وجساماً، ويثبتون إذا استشعروا هذه الآيات وعرفوا ما فيها.

    قال تعالى في سورة هود بعدما قص عليه قصة نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وشعيب: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120].

    نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ [هود:120] أخبارهم العظام.

    مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] الشيء الذي نثبت به فؤادك، ولولا أننا نثبته تهرب.. تفزع.. تخاف.. تلزم بيتك، وقد سبق أن شرد يونس بن متى، هرب من المدينة وترك أهلها، ما استطاع أن يقاوم الصلف والكبرياء والعنجهية والظلم والطغيان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى)

    ثم قال تعالى لبيان متى ذلك: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات:16] ناداه بواسطة ملك؟ لا والله، ناداه بكلامه الطيب الكريم: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] فقال موسى: يا رب! أكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.

    إثبات صفة الكلام لله عز وجل

    والعجب من الزنادقة الذين أفسدوا عقيدة المسلمين حتى ذبحوهم وسلخوهم، كيف تقول الله يتكلم؟ أنت ابن المرأة.. ابن العجوز تتكلم، وخالق الكون والكلام لا يتكلم؟! أي عقل.. أي فطرة.. أي بشرية.. أي عمى هذا؟ مسحوا عقيدة الإيمان من قلوب المسلمين، ما أصبح في قلوبهم خوف من الله.. ولا حب لله.. ولا تقدير ولا تعظيم، قالوا: ليس له يد ولا قدم ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا.. ولا. أين هو إذاً؟ لا فوق ولا تحت ولا.. ولا، قالوا: لا وجود له!! وهذا مذهب يهودي.

    الرسول صلى الله عليه وسلم قضى ثلاثة وعشرين عاماً مع رجال ونساء يحدثهم عن الله.. عن ضحك الله.. عن خشية الله.. عن قدرة الله.. عن مجيء الله، عن نزول الله، ثم يأتي عملاء اليهود فيمسخوا عقيدة المؤمنين في نفوسهم، وبعد ذلك ركبوا.. سادوا.. عملوا.. وتركونا هكذا.. حفنة من اليهود تذلنا ونحن في خير. كلوا البقلاوة!

    معنى قوله تعالى: (بالواد المقدس طوى)

    قال تعالى: هَلْ أتَاكَ [النازعات:15] أي: قد أتاك، وإنما جيء بـ(هل) الاستفهام للتحفيز والتحريك، فقال: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ [النازعات:15-16].

    بِالْوَادِ [النازعات:16] الأودية جمع واد، والوادي مكان سيل الماء وجريانه بين هضبتين أو جبلين، قد يتسع ويطول مئات الأميال.

    الْمُقَدَّسِ [النازعات:16] المطهر المنزه. فهي أرض مقدسة، كيف لا ورسول الله يناجي الله عليها وفيها؟ كيف لا تطهر ولا تقدّس؟

    واسم الوادي طُوًى [النازعات:16]، وادي طوى كوادي العقيق عندنا.

    فضل وادي العقيق

    عندنا وادي العقيق؟ وهل هذا الوادي مبارك؟ نعم. مبارك.

    وإليكم البرقية التالية للدلالة على أنه واد مبارك: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، إذ مكة فتحت في السنة الثامنة من الهجرة. وفي السنة التاسعة زال الحصار عن مكة وفتحها الله وأذن للمؤمنين بالحج، وبما أن المشركين ما زال لهم وجود وإسهام ومشاركة في أسواق الحج، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يراهم، ولا أن ينظر إليهم، أذن للخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يحج بالمسلمين، وهذه آية الخلافة لا ينكرها إلا مجنون أو معتوه أو أحمق أو مغرر أو مخدوع أو من عبثت بقلبه وعقله أصابع الماسونية، ونصبته يدجل على الغافلين ويغالط الجاهلين، ألا تكفي هذه؟ أنابه أن يحج بالمسلمين، وعندما مرض أنابه في الصلاة، فإذا مات أولى أن ينيبه، وكان في مرضه الأخير يقول لــعائشة: ( مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ) وهو يعرف علياً ويعرف العباس ويعرف عمر وعثمان ويعرف فلاناً وفلاناً، ولكن قال: ( مروا أبا بكر أن يصلي بالناس. قالت عائشة : إنه رجل أسيف -لا يتمالك يبكي لا يستطيع يصلي- قال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس ).

    وخرج الصديق وصلى وبينما هو في الصلاة وإذا بأريحية تهز رسول الله معافى في بدنه، لطيفة جاءت، حتى خرج وأزاح الستار فهاج الناس وكادوا يموتون من الفرح، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخر أبو بكر فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن ابق مكانك، وصلى الرسول بصلاة أبي بكر، الرسول جالس وأبو بكر قائم، ومع هذا يحاربون الإسلام؛ لأن أبا بكر لا يستحق الخلافة، هل يعقل هذا الكلام؟ عيب ترداد هذا، ونقسم المسلمين بهذا الباطل ونمزقهم.

    إذاً: بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ [النازعات:16] عندنا الوادي المبارك، لا يفخر علينا الفلسطينيون وحدهم، فعندنا الوادي المبارك.

    قلت لكم: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين حاجاً من هذا المكان، عازماً على الحج، وكل أهل المدينة يريدون الحج معه إلا مريض أو نفساء أو من لا يستطيع، أو من لم يجد مركوباً يركبه، خرج ولما وصل الموكب إلى وادي العقيق جاءت البرقية التالية من ذي العرش جل جلاله وعظم سلطانه: ( إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إنك بالوادي المبارك فقل عمرة في حج )، فقرن بين الحج والعمرة بعد أن كان لا يفكر إلا بالإفراد، وما خرج إلا ليفرد، لكن أراد الله شيئاً آخر، فجاء الخبر على الفور بهذا النص: ( إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إنك بالوادي المبارك فقل عمرة في حج )، هذا الوادي المبارك.

    كان عروة بن الزبير رضي الله عنه، تعرفون عن عروة بن الزبير؟ ماذا يقرب لـعائشة؟ هي خالته.

    عروة بن الزبير أخوه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجده أبو بكر، عائشة إذاً خالته، عروة كان له في وادي العقيق ألف عامل فلاحي زراعي، إذا أجدبت الشام حول البر من وادي العقيق إلى ديار الشام، ماذا تقولون؟ ألف عامل يشتغل في الفلاحة لـعروة بن الزبير، وبئر عروة موجود -والله- إلى الآن، وكم شربنا منه، ماؤه يشفي من الحصى، وكنا نؤمن بهذا لأننا مؤمنون، وإلا كيف صحراء جدباء تنتج البر وتحوله إلى الشام، وفي هذه الأيام تجلت لنا الحقيقة: المملكة صدرت البر إلى مصر، بواخر قمح، صدرت البر إلى روسيا لما أصابها الجدب.. إلى سويسرا، يكاد الإنسان لا يصدق، لكن صدقنا، فهذا واقع، لا تدري البركة أين يضعها الله عز وجل؟ كيف تنتج البر هذه الصحراء؟ الشام تجدب وعروة يحول آلاف الأطنان من البر إلى الشام، لا إله إلا الله!

    إذاً: عرفتم الوادي المبارك؟ إذا مررتم به احمدوا الله واذكروه، وويل للذين يتجمعون فيه للعب الورق والسخرية والاستهزاء، ويل لهم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)

    ثم قال تعالى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [النازعات:17] وهذا فيه إيجاز كبير، فالقصة لا تبدأ من هنا.

    هروب موسى عليه السلام من أرض مصر والتحاقه بأرض مدين

    القصة هي أن موسى ربي في حجر فرعون، ثم قتل نفساً خطأً، فنصحه ناصح بالهرب، فهرب من ديار مصر والتحق بأرض مدين، وتولاه كلاجئ سياسي شعيب عليه السلام، قبل أن تعرف الدنيا اللجوء السياسي على عهد موسى. تعرفون اللجوء السياسي؟ في القرآن.

    موسى لما نصح له الناصح الأمين، رجل فحل: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:20-21] خرج لا يعرف طريقاً وليس عنده جواز ولا دينار ولا درهم، كاد أن يموت من الجوع، أخذ يأكل ورق الشجر وهو رسول؟! لماذا لم ينزل عليه بقلاوة من السماء؟ ما نزلت على محمد وهو في شعب أبي طالب ثلاث سنين وهم يأكلون ورق الشجر! كيف تصفو يا عبد الله وتكمل؟ تريد أن تعيش في الدنيا في الجنة؟ يا واهم! إذا لم تجع هنا وتعطش كيف ترتوي هناك وتكتسي؟ إنه امتحان وابتلاء.

    فمشى عليه السلام الليل والنهار حتى انتهى إلى أرض مدين، فجلس تحت ظل شجرة وإذا بالرعاة يسقون مواشيهم، من أين؟ بئر حفرها ذو فضل وإحسان، وأهل الخير دائماً موجودين، وإذا فرغوا غطوها بصخرة حتى لا تمتلئ بالرمال والعيدان والأشجار، وإذا به يشاهد فتاتين أو امرأتين، وامرأتين أحسن، فلهذا ما عندنا السيدات والأخوات، ما عندنا إلا المؤمنين والمؤمنات، لا لهذه اللغة المائعة، فرأى امرأتين تذودان غنمهما بعيداً حتى لا تختلط بمواشي الناس، والناس ليس فيهم شهامة ولا مروءة -يعني مثلنا- كل يسقي ويمشي، فموسى تألم ونهض كالأسد، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] أعطني جامعية من جامعاتكم تجيب هذا الجواب، أو تعيش في هذا المناخ، هاتوا، أتحداكم. ما خطبكما؟ ما شأنكما؟ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23] ويفرغوا. لم؟ حتى لا نختلط بالفحول وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] يعني: ضرورة دعتنا إلى هذا، ولولا شيخوخة أبينا وعجزه لا نأتي أبداً، فأبونا هو الذي يسقي غنمه.

    قال تعالى: فَسَقَى لَهُمَا [القصص:24] رفع الحجر ودفعه، فشاهدتا قوة عجيبة في هذا الرجل، لعله قال: باسمك اللهم، فانتفض الحجر، لا شك، وعاد إلى الظل واتصل بذي العرش باللاسلكي، الكلمة التي قالها محفوظة عندنا، من مَنَّ بها علينا؟ ربنا، الكلمة التي قالها وهو تحت الشجرة والله محفوظة عندنا، كيف وصلتنا يا عباد الله؟ قولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذه مسجلة في كتاب الله، ماذا قال؟ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] احفظها يا شنقيطي! إذا جعت يوماً اتصل به باللاسلكي.

    رَبِّ [القصص:24] أي: يا رب.

    إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ [القصص:24] ولو قرص عيش.

    مِنْ خَيْرٍ [القصص:24] ولو حفنة تمر، ولو إناء لبن.

    فَقِيرٌ [القصص:24] لو قلت لأحد اليوم أنت فقير يضربك، والله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر:15].

    إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24] يعني: أي شيء تعطيني أنا راضي به، تمر.. قرص عيش.. كذا.. واستجاب الرحمن.

    فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] عجب! جاءت إحدى المرأتين تمشي على استحياء، والاستحياء هنا هل هو ثور أو بغل .. فرس.. موتور.. سيكل تركب عليه؟! جاءت تمشي على الحياء، لا إله إلا الله! كلها حياء، اتخذت من الحياء جواداً تركبه، متمكنة من الحياء تمام التمكن، كانت مضطرة أن تحمل رسالة من والدها إلى العبد الصالح، إلى الضيف الكريم.

    فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] الرسالة مكتوبة أو شفوية؟ هذه سفيرة، والرسالة شفوية، اسمع نصها بالحرف الواحد: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] جاءت من كذا ميل على رجليها لتبلغ هذه الرسالة.

    أما جماعتنا: أهلاً.. أهلاً! الشاب الكريم أنقذنا الله بك، عملت فينا كذا.. وكذا، والدنا طارت عينه.. فرح، قال: ائتوني به ليكرمه، هذا البطل.. هذا المؤمن، ساعة وهي تخطب.

    أو لعلي واهم فيما أقول؟ إني لعلى علم مما أقول، الحمد لله نجحنا نجاحاً كبيراً في هذه الديار، كيف؟ لما كنا في سورة الأحزاب نفسر قول الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] إلى قوله تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، كانت المرأة عندنا في المدينة إذا قرعت الباب أو لما بدأ التليفون تقول: مين.. مين؟ فنعجب، الإمالة هنا من قرأ بهذه الإمالة؟ أهل المدينة؟ (من) لا تمال أبداً، كيف مين؟ ولكن تطولها وترققها حتى تذيب مخاطبها، ليس هذا من القول المعروف، قولي: (من) والحمد لله! وقل أنت: إبراهيم. أين سعد؟ فتقول: لا أدري. فقط إذا كانت لا تدري. في المسجد إذا كان في المسجد، في السوق إذا كان في السوق، ولا تزد كلمة أخرى حرام، القول المعروف هو ما تتم به الرسالة، أما الإضافات والإطنابات فلا، عليها أن تقول: تسأل عمن يرحمك الله؟ عن راضي؟ أبو أولادي؟ يقول: إي نعم. تقول: أظنه الآن بالذات في المسجد، عفواً قد يكون الآن خرج من المسجد، وأحسبه يميل إلى بيت والدته على عادته في مثل هذه الساعة، وتسترسل في الحديث. يجوز هذا؟ لا. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32] الحمد لله! انتفع بهذا المؤمنات.

    وقد قلت لكم: هبوط العرب والمسلمين ما له من سبب سوى البعد عن كتاب الله، مصدر العلم واليقين والمعرفة والبطولات والشهامات والكرامات هو هذا القرآن، حولوه إلى الموتى وأصبحوا فقراء جامدين، يهرفون بما لا يعرفون، الذنب ذنبنا.

    قال تعالى: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] هذا هو اللجوء السياسي، احفظوا يا من يتعلمون السياسة؟ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] لا سلطان لفرعون ولا لدولته هنا، فهذا البلد مستقل، نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] عرفتم؟ أو قال: لا.. لا، أنت مطالب والحكومة تريدك، رحلوه، ردوه إلى حكومته تذبحه؛ لا.

    وهنا أذكر لكم حادثة تاريخية حتى تعرفوا السياسة على حقيقتها: في أيام كان شيخنا الطيب العقبي تغمده الله برحمته، خريج هذا المسجد، والله العظيم! هنا تربى وترعرع.. تلقى العلوم والمعارف، كان آية الله في الأرض، ما أظلت السماء ولا أقلت الغبراء أعلم من العقبي في أيامه قط وإلى اليوم وإلى بعد اليوم، خريج المسجد النبوي، أول من أنشأ جريدة القبلة، وحدثني بأنه كان يجمع الدخل فيقسمه ثلاثة أقسام: قسم للجريدة، وقسم لأسرته، وقسم لطلبة الحرم في مكة. هذا الطراز أين يوجد؟

    ثم تركها عند الطيب الساسي التونسي، وزرته وهو يديرها رحمة الله عليه، الطيب العقبي كان في الدرس في هذه السورة، وإذا بالزعيم المغربي عبد الكريم الخطابي منفي من فرنسا، كان في جزر واق واق -أو لا أدري- في أقصى الشرق الأوسط، وجاء بعد كذا سنة من المنفى فأرادوا أن يردوه إلى فرنسا أو إلى المنفى مرة أخرى، المهم جاءت الباخرة تملأ البنزين من بور سعيد، وهو ميناء مصري معروف، ففهم الإخوان أن الباخرة فيها الزعيم عبد الكريم الخطابي، فقالوا: هيا نحتال عليهم ونخرجه، ودبروا بتدبير الله فجاءوا بلباس امرأة فألبسوه إياه وأخرجوه. وأقلع ربان السفينة. أين عبد الكريم؟ قالوا: خرج. كيف خرج؟! فمشت السفينة وأصدرت فرنسا أيام عظمتها مرسوماً تهدد فيه الملك فاروق أن يرد عبد الكريم، فقال: لن يعود إليكم. فقد نزل بديارنا ولا خوف عليه. وذبحتم فاروق وأتيتم بشر الخلق، ماذا جنيتم؟ الخزي والعار والدمار والشنار إلى اليوم، وكنتم تتغنون، كلمة ملك مبغوضة، والله أعرف جماعة من اليمن إذا ذكرت كلمة (ملك) يتقززون منها، عبثت بهم اليهودية العالمية، عبثت بقلوب المؤمنين اليهودية، حتى هناك عالم من علمائنا يحتج بقول الله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا [النمل:34] هذا زعيم عالم كبير.

    قلت له: يا هذا! كلمة الملوك في القرآن الكريم الحاكمين، ما كان البشر يعرفون إلا الملك، فهل هذه تدل على عدم خيرية الملوك والملك؟! ومن ثم ما نجح إقليم استقل في بلاد المسلمين؛ لأن كلمة ملك مبغوضة؛ فاليهود يسخرون منهم.

    وعندنا حادثة أيضاً: كان موشي ديان في حفل عظيم في الكنيست الإسرائيلي، فخطب وهاج السامعين، فقام واحد أو اثنان ولم يصبرا فقالا: أنت الملك.. أنت الملك، قال: اسكت.. اسكت! ما حان الوقت بعد!!

    أبشركم والله الذي لا إله غيره! إن اليهود متى يتم لهم مرادهم يعلنون عن ملكهم رغم أنوفكم أنتم، الذين ذبحتم الملوك وسخرتم منهم، انظروا كيف يفعل اليهود العجب؟! والله إن دياراً إسلامية استقلت بلغت أربعين قطراً، لو ملك فيها أحد من أشراف الناس لما كان يصيبهم هذا البلاء، ولكن أبقار تساق، هذه هي حالنا.

    المهم فاروق قال: لن يعود الخطابي، وعاش في مصر حتى قبضه الله عز وجل، وسكتت فرنسا ماذا تصنع؟ تغزو مصر من أجل أسير؟ لا تستطيع.

    فضل مجالس الذكر

    على كل حال! أنتم في مسجد رسول الله، تتعلمون السياسة والآداب الشرعية، هذا كتاب الله نور الأنوار، ما هلكت أمة الإسلام إلا بعد أن أعرضت عنه وحولته إلى الموتى وهي تعيش في ظلام، متى تحيا؟ يوم أن تعود إلى القرآن.

    كيف تعود إلى القرآن يا شيخ؟! تعطل الحياة؟ الناس طاروا في السماء، صنعوا الهيدروجين والذرة و.. و.. وأنت تريد منا المسجد؟ هذا صوت الجماعة.

    الجواب: لا يا أبنائي! من صلاة الصبح وفحولكم ونساؤكم أيضاً في المصانع إلى غروب الشمس..نحن نجيز أن يوجد مصنع يتسع لخمسين ألف امرأة، أيما امرأة مات زوجها، عندها يتامى تشمر عن ساعدها وتتفضل تشتغل، مصنع تقام فيه الصلاة، الإمامة امرأة، والمواعظ والآداب والشغل كله نسائي، هذا نظام حياتنا، لكن هذا لا يستطيعونه، ننشئ مساحة من الأرض الزراعية تتسع لعشرين ألف شغالة، وعليها سور من حديد وبوابة وفي يدها الرشاش وتقام الصلاة والنساء يشتغلن ويتدرسن ويتعلمن ويأخذن أجوراً، افعلوا هذا، يقولون: لا نستطيع.

    إذاً: تستطيعون أن تضحكوا على بناتنا، وتسخروا منهن، وتنالوا رغبتكم الجامحة في النظر إليهن، هذا هو الواقع. فهمتم أو ما تفهمون؟ من صلاة الصبح إلى المغرب وأنتم في المصانع والمزارع والمتاجر، فإذا قال: حي على الصلاة؛ يقف دولاب العمل، وتقبلون على الله ربع ساعة.

    ومن المغرب إلى العشاء أهل القرية والمدينة والحي كلهم في بيوت الرب، لا يتخلف أحد بحال من الأحوال إلا مريض أو ممرض، ويجلس لهم مربٍ عليم بهدي الله ورسوله يلقنهم كل يوم آية وكل يوم حديث فقط، وطول العام وطول العمر هكذا، فهل يبقى بيننا جاهل؟ والله ما يبقى. هل يبقى بيننا فاسق؟ والله ما يبقى. هل يبقى بيننا لص؟ والله ما يكون. يا شيخ! لم تحلف؟ أنا أعرف، الذي يجلس يتلقى الهدى أنواره تزداد يوماً بعد يوم، أيسف ويرصف ويعود إلى الباطل والشر والفساد؟ لـِم يسرق ولو كان في حاجة إلى المال وأهل الحي يقتسمون الرزق بينهم؟ لا يشبع شابع وجائع جائع أبداً، لم يسرق؟ ماذا يريد بالمال؟ يتزوج يزوجونه، لا يسمحون للعزب أن يبقى، يزوجونه فيما بينهم، عرفوا الطريق إلى الله.

    هذا هو الطريق، عرضناه عليهم، يقولون: لا نستطيع.. لا نقدر. إذاً: ابقوا على ما أنتم عليه حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..