إسلام ويب

تفسير سورة عبس (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القيامة إذا قامت وعاين الناس أهوالها عندها ينشغل كل واحد بنفسه، فلا الأم ترعى ولدها، ولا الابن يحنو على أبيه، بل كل واحد منهم يفر من الآخر خشية أن يطلبه حسنة أو حسنتين، وفي ذلك اليوم العصيب ترى الوجوه المسفرة، الضاحكة المستبشرة، بما أعده الله لها من الجنة والمسرة، وترى الوجوه المكفهرة، الخاشعة المملوءة ذلة، لما أعده الله لها من النار الحامية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة عبس. وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:24-42] بهذا ختمت سورة عبس.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أنتم الآن جلستم تطلبون العلم، ووالله لطلبكم العلم خير من طلبكم الذهب والفضة.

    هل تصدقوني؟ والله إن طلبكم هذا العلم الإلهي لخير من الدنيا وما فيها، واسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ).

    والآن ندرس العلوم والمعارف الإلهية.

    بسم الله، من القائل: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24]؟ أليس الله؟ بلى. هذا كتابه بين أيدينا.. وذاك رسوله صلى الله عليه وسلم أمام أعيننا.. وهذه مدينته.. وهذا مسجده.. كيف يكفر المؤمن؟!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:100] لبيك اللهم لبيك، إذا ناداكم مولاكم تسكتون.. لا تجيبونه أو تقولون: لا؟ لا. نحن غير مؤمنين؟ أعوذ بالله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] من يقول: لا.. لا؟ ما كان هذا أبداً، لن يستطيع أحد تحت الشمس أن يقول هذه الكلمات، ونحن نشاهد ما فعلت طاعة الكافرين بنا، سلختنا من ديننا وإيماننا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100].

    ثم قال تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] وهذا الذي أريد أن تقفوا عليه وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] كيف يتم الكفر؟ الذي تتلى عليه آيات الله يسمعها في كل ساعة ليلاً ونهاراً والرسول بين يديه كيف يمكن أن يكفر؟ كيف هذا الكلام؟

    ومعنى هذا: إن أردنا المناعة.. الحصانة.. الحفظ؛ لنحفظ أنفسنا ونحصنها من الكفر وساحته وأهله، علينا ألا نفارق الله ورسوله.

    كيف لا نفارقهما؟ أي: نتلو كتاب الله عز وجل، عندما تأخذ تقرأ في القرآن فأنت تتحدث مع الله، أؤكد لك والله لتتكلم معه، وإن أنت صليت على رسوله وسلمت، وإن أنت مشيت وراء رسوله واقتفيت آثاره أنت إذاً معه، عرف العدو هذا فحولنا إلى المراقص والملاهي والملاعب والمسابح والمقاهي والأباطيل والترهات حتى فرغنا، ولما فرغنا وأصبحنا أبقاراً حلبنا وركبنا، لما شبع منا تركنا بهائم لا نعي.. ولا نفهم.. ولا نفصح.. ولا ندرك.

    دولة الإسلام قسمناها إلى ثلاثة وأربعين دولة حتى لا يجتمع شملها ولا ترفع رايتها!

    الدين الواحد قسمناه إلى أديان.. المذهب الواحد إلى مذاهب.. الجماعة الواحدة إلى جماعات، ولا تسأل عما ترتب عن هذا من العداء والبغضاء لبعضنا.. الحسد.. النفاق.. الكبر.. الشح.. البخل.

    فلا إله إلا الله ما سبب هذا؟ إنه البعد عن الله، أبعدونا عن الله، فأطعناهم.

    والآن مع الآية الكريمة! أين علماء الطبيعة والكون؟

    أين علماء التقنية؟

    أين علماء علم النفس والفلسفة الكاذبة ليحضروا معنا في هذه الآيات.

    بالأمس قال جل جلاله: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17] ثم عرض عرضاً كاملاً لتخلقة وتنشئة الإنسان مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [عبس:18-22].

    كيف ينكر الله ويكفره وهو الفاعل فيه هذا كله؟!

    لم لا يسأل؟ لم لا يتعرف؟!

    يسأل عن البصل والثوم والبر والكرفس، ولا يسأل عمن أنعم عليه.. عمن خلقه.. عمن هو صائر إليه.. عمن حياته بيديه.. عمن لا يسعد ولا ينجو إلا بإنعامه وإفضاله عليه؟

    لماذا لا يسأل .. يعيش خمسين سنة لا يقول: كيف الله؟

    عجب هذا الإنسان! لعن هذا الإنسان.

    لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ [عبس:23] لو قضى ما أمر الله به لارتفع إلى الملكوت الأعلى، وأصبح أطهر ما يكون في هذه العوالم، لكن ما يقضي لا يريد أن ينهض بتكليف، ولا أن يقوم أبداً بواجب، ولا أن يتخلى عن باطل ولا منكر، يأبى إلا أن يتعفن ويتدرن فلا يقبل في الملكوت الأعلى.

    والآن قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24] أبى أن ينظر إلى جسمه وخلقه وتكوينه وتطويره وكيف خرج من بطن أمه.

    نسي هذا فذكرناه به!

    الآن ينظر فقط إلى طعامه، البقلاوة والحلاوة والفواكه والخضار واللحوم.. هذه من أين؟ فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24] كيف تكون؟ كيف وجد؟ لماذا كان ووجد؟ من أجل من؟ فليفكر!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أنا صببنا الماء صباً)

    قال تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا [عبس:25]، من صب الماء من السماء؟ أمي؟ جدك؟ قبيلتك؟

    قالوا منذ سنيات: الآن أوجدوا المطر الصناعي فاهتز الناس: الآن التقنية جاءت بالمطر الصناعي، وأصاب فرنسا جدب من سنوات فقالوا لنا: صلوا لنا.. استغيثوا ربكم ليمطرنا.

    أين المطر الصناعي؟ المطر الصناعي والله لو تجتمع البشرية على إنزال قطرة واحدة من السماء ما أنزلتها، ولا تقوى عليها ولا تقدر على إنزالها، كل ما في الأمر يريدون ألا نرفع رءوسنا إلى السماء، يريدون ألا نذكر الله.

    والله يقول: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ [عبس:24] الكافر.. الملحد.. العلماني.. البلشفي.. الأحمر الذي يقول: (لا إله والحياة مادة)، هذا المخلوق فلينظر إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24] كيف وجد، فهذه الصحفة مملوءة بالفواكه والخضار.

    ثم قال تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا [عبس:25] كما تشاهدونه في الجبال والتلال والسهول والأودية، ينزل من السماء عذباً فراتاً لا يتكرر ولا يحتاج إلى تصفية، أحلى ما يكون.

    من أين تكون هذا الماء؟ قالوا: من البخار. والبخار من بخره؟ وإلى السماء من رفعه؟ وإلى تجمعه من جمعه؟ وإلى إنزاله من أنزله؟ كل هذا الفاعل له هو الله، لكنهم يريدون أن يفجروا حتى لا يلتزمون بأدب ولا خلق ولا إيمان ولا طاعة ولا استقامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم شققنا الأرض شقاً)

    قال تعالى: ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا [عبس:26] لو كانت الأرض صماء، لو رفضت الأرض أن تقبل الماء من يشقها؟

    هل تأتون بالسكاكين.. بالمحاريب.. بالقوة يا أرض تشققي ليدخل الماء؟!

    لو أراد الله ألا يدخل الماء والله ما دخل. وإن قلت فيه: لو شاء أن يخلق الأرض دائماً صماء كالصخور. من أين يدخل الماء؟ لكن خلقها ذات تربة قابلة للانشقاق هو الفاعل لذلك؛ لعلة وحكمة من أجل أن يوجد قوتاً لهذا المخلوق الذي يفخر بخالقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأنبتنا فيها حباً ...)

    ثم قال تعالى: فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا [عبس:27].

    فَأَنْبَتْنَا [عبس:27] الفاء هنا لها معناها؛ بسبب ذلك أنبتنا.

    فِيهَا [عبس:27] أي: في الأرض.

    حَبًّا * وَعِنَبًا [عبس:27-28].

    الحب: البر والذرة والقمح والشعير للغذاء.

    والعنب: الفاكهة. فكل الحبوب للتغذية، وكل أنواع الفواكه للتفكه، حَبًّا * وَعِنَبًا [عبس:27-28]

    ثانياً: وَقَضْبًا [عبس:28] نحن ننتفع بالبر والشعير والعنب والبهائم لها القضب، ما يقضب ويقطع ويحش ثم ينبت، كالبرسيم للبهائم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وزيتوناً ونخلاً)

    ثم قال تعالى: وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا [عبس:29].

    وَزَيْتُونًا [عبس:29] اللسان يقول: زيتون. لو تجتمع البشرية على أن توجد زيتوناً لا توجده!

    هذه الشجرة المباركة للدهن، ما من امرئ يريد أن يدهن بالدهن الحقيقي إلا هو الزيت والدهن الحقيقي!

    الزيتون يؤكل مع الخبز وهو غذاء كاف، إذا عندك قطعة خبز مع كم حبة زيتون فهو غذاء وافي، لا تحتاج إلى الفيتامينات الأخرى.

    من أنبت الزيتون؟ هذا الزيتون حلف الله به ليعلمنا ويعلمنا أنه خلق لنا أمراً عظيماً، خلق لنا شيئاً كبيراً الزيتون وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:1-3] .

    وَنَخْلًا [عبس:29] النخل يستطيع الإنسان أن يعيش على التمر طول حياته ففيه أغذية.. وفيه فيتامينات الفاكهة ويحتوي على الدهون.

    هذا التمر .. من خلق النخلة؟ كيف هذه النخلة؟ هذه عمتنا أخت أبينا آدم. قيل: إن طينتها التي تكونت منها من فضل طينة آدم.

    ولهذا يقول أبو القاسم صلوا عليه وسلموا وتسليماً يقول: ( إن من الشجر لشجرة مثلها مثل ابن آدم، فدلوني عليها ) فأخذ المشايخ من أصحابه يضربون في الصحاري يبحثون عن هذه الشجرة ( مثلها مثل ابن آدم )، وعبد الله بن عمر يومها غلام ذكي طفل صغير فوقع في نفسه أنها النخلة، ولكن غلبه الحياء فما أخبر، فلما ما عرفوا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها النخلة )، لما عاد عمر مع طفله إلى البيت قال عبد الله : يا أبتاه أنا وقع في نفسي النخلة. قال: لِمَ لم تقلها؟ لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم.

    النخلة انظر إليها في نشأتها وتربيتها ونهايتها كالإنسان!

    الإنسان إذا لم يبلغ سبع سنوات لا ينفع أمه ولا أباه، والنخلة كذلك ممكن أربع سنوات عرجون عرجونين صنو كذا.. لكن السبع تأخذ في الفائدة، تبلغ الشبيبة ثلاثاً وثلاثين سنة وهي جبارة على الأرض، أربعين تأخذ في الضعف، ستين تظهر عليها الشيخوخة كالإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم ضربها مثلاً للمسلم.

    ما هو المثل؟ المسلم ليس نحن، المسلم بحق، المسلم كلامه طيب.. روحه طيبة.. أعماله طيبة.. نومه طيب.. فكره طيب.. كل ما فيه طيب، ليس فيه شيء خبيث، النخلة.. الليف.. الجمار.. الجريد.. الشوك.. كل ما فيها طيب، فالمسلم في نفعه كالنخلة في نفعها. هذا وجه المثل.

    إذاً: والنخلة تعرفون عنها أن مريم عليها السلام لما جاءها المخاض وهزها الطلق أمرت بأن تأتي إلى جذع النخلة؛ لتضع تحتها روح الله عيسى عليه السلام، ولهذا النصارى يقدسون النخلة، ويكبرون من شأنها، ويجعلونها في أماكن خاصة؛ لأن عيسى ولد تحتها.

    ولد عيسى ؟ ولد.

    كيف يولد وتعبدونه مع الله؟ أين العقول؟

    يعترفون بأن مريم هزها المخاض والطلق فأتت إلى جذع النخلة فولدت تحتها، ويقولون: عيسى هو الله. سكارى هؤلاء أم مجانين؟!

    وهكذا الشياطين تعبث بالآدميين، وتحيل عقولهم إلى أوساخ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحدائق غلباً...)

    ثم قال تعالى: وَحَدَائِقَ غُلْبًا [عبس:30] والأغلب: الأسد.

    والغلباء: الممتلئة بالأشجار والظلال، بساتين حدقت بالجدران الحديدية والحجرية، وامتدت ظلالها وأشجارها ونخيلها فكانت بذلك غلباً.

    من فعل هذا؟ الله.

    وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31]، أي: وأنبتنا بذلك الماء الذي صببناه وشققنا الأرض له أنبتنا فيه فَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس:31].

    الفاكهة: كل ما يتفكه به العنب.. التفاح.. البرتقال.. الرمان.. الخوخ هذه كلها فواكه.

    والأب: ما تعلفه بهائمنا من التبن وغيره.

    إذاً: هذا هو طعام الإنسان. من أطعمه؟ الله. لِمَ يكفره؟ لِمَ يتنكر له ويجحده؟ ما الدافع إلى ذلك؟

    الدافع حتى لا يغتسل من جنابة.. حتى لا يقول: لا إله إلا الله.. حتى لا يتخلى عن رذيلة من الرذائل ولا قبيحة من القبائح، الطريق إلى ذلك أن يكفر، يقول: أين الله؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (متاعاً لكم ولأنعامكم)

    وأخيراً يقول تعالى: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس:32]، أي: هذا الذي سمعتم تتمتعون به أنتم في أغذيتكم طول حياتكم وأنعامكم أيضاً، وهي الإبل والبقر والغنم أيضاً تأكل هذه النباتات، فإذا أكلت ولدت، فإذا ولدت شربتم اللبن وأكلتم اللحم، واستخرجتم من اللبن الزبدة والدهان و.. و، كل هذا من أجلكم يا بني آدم ولا تذكروننا.. ولا تشكروننا، تعبث بكم الشياطين هذا العبث، تنسيكم خالقكم يا بني آدم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة)

    إذاً: أبوا أن يذكروا.. أبوا أن يشكروا.. أبوا أن يعلموا، خلهم، وجاء دور النهاية، فقال تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ [عبس:33] انتهت الدنيا، بين لنا كيف خلقنا، وكيف خلق أنعامنا، وخلق لنا الحياة، وإلى متى وتنتهي، وكيف البداية وكيف النهاية، ثم قال تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ [عبس:33] صيحة إسرافيل الثانية، وسميت الصاخة؛ لأنها تصخ الأسماع والآذان حتى يصاب السامع بالصمم من قوتها وشدتها، وبالأمس سماها الطامة التي تعلو وتغلب كل شيء دونها، وسماها الحاقة الواجبة الوقوع، وسماها الواقعة فلا محالة هي واقعة، وسماها القارعة؛ لأنها تقرع الأفئدة والقلوب فتتمزق.

    كل هذه تدل على نهاية هذه الحياة وبداية الحياة الأخرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس:34-35].

    المرء: الإنسان ذكر أو أنثى.. زوج أو زوجة.

    يفر من من؟ مِنْ أَخِيهِ [عبس:34].

    لم؟ لا يستطيع أن يطلبه شيئاً أو يسأله شيئاً فهو مشغول بنفسه، وهنا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيشرح ويفصل. فيقول: إذا كان هذا اليوم في عرصات القيامة وساحة فصل القضاء تجيء المرأة لزوجها، وتقول: أي بعلي لقد كنت لك خير الأزواج، وأنا الآن في حاجة إلى حسنة ترجح بها كفة ميزاني. فيقول: نعم، لقد كنت لي خير الأزواج ويثني عليها خيراً، ولكن يقول لها: نفسي نفسي، لا يستطيع أن يعطيها حسنة. ويأتي الرجل إلى أمه، بل تأتي الأم أولاً وتقول: أي ولدي لقد علمت أني كنت خير الأمهات لك، وفعلت.. وفعلت ومعك حسنة واحدة أعطني إياها، فيقول: نعم أماه ويثني عليها خيراً ثم يقول: ولكن نفسي نفسي، وكذلك مع الأب، وكل يحاول أن يطلب حسنة واحدة فلا يجدها، ويفر الأب من ابنه، والابن من أبيه، والأخ من أخيه، والعم من عمه، وأول من يتبرأ إبراهيم من أبيه، ولوط من امرأته، ونوح من ابنه .. سلسلة؛ وذلكم لعظم الهول، وشدة البلاء، وصعوبة الموقف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وصاحبته وبنيه)

    قال تعالى: وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:36].

    وَصَاحِبَتِهِ [عبس:36] من هي الصاحبة؟ الزوجة. إياكم وأن تصبحوا فرنسيين! امرأة لا تحل له صاحبة له.

    المراد من الصاحبة: الزوجة، ليس عندنا مؤمن يصاحب فتاة في الجامعة ويمشي معها في الشوارع .. في الحدائق العامة.. في المنتزهات.. في السينما. إن قلت له: من هذه؟ يقول: هذه صاحبتي، لا يوجد هذا في الإسلام أبداً، الصاحبة هي الزوجة؛ لأنها تصحبك في حياتك ليل نهار، أما أن يتخذ الفتى المسلم فتاة مسلمة، ولا يعقد عليها ولا يدخل بها ويعرفها في الجامعة أو في العمل ويخلو بها ويتجول معها في الشوارع والحدائق، ويقول: هذه صاحبتي، هذا لا وجود له في الإسلام، هذا عند اليهود والنصارى والمجوس.

    وبالمناسبة أريد أن أوجه كلمة إلى الغافلات؛ لأنهن يسمعن، وإن كان البعض منهن لا يردن أن يسمعن الدرس، يتجمعن ويتشاغلن بأكل الفصفص والحديث، ولا يسمعن .. مريضات.

    أقول لهن: اسمعن يا نساء المؤمنين! لا يحل للمؤمنة أن ترفع صوتها في الشوارع! الآن نأتي إلى المسجد صباح مساء ونزدحم مع النساء والرجال، لا نسمع كلام الرجال إلا نادراً، والكلام الذي نسمعه كلام النساء. هذا مسخ.

    تغيرت الطبيعة أم ماذا؟

    لعلي واهم؟ اخرج إلى باب الشارع فقلما تسمع صوت الفحل، وتسمع أصوات النساء!

    من أذن لكن في رفع أصواتكن؟

    ممنوع إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر. ومن قالت: لا. أنا تقدمية لست برجعية فلم تأت بيت الرب؟

    ماذا تريدين؟

    اسمعي رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم الحكيم يقول: ( من نابه شيء في صلاته ) أي: حدث له حادث وهو يصلي بأن قرع الباب قارع، أو ناداه مناد وهو قائم في الصلاة يناجي الله. ماذا يصنع؟ يقول: ( فليسبح الرجل ) فليقل الفحل: سبحان الله.. سبحان الله. حتى يفهم الذي يقرع الباب أو الذي ينادي أيا فلان إذا سمع سبحان الله فهم أن أخاه في الصلاة فكف وسكت.

    والمرأة المؤمنة ماذا تصنع؟ قال: ( فلتصفح ) التصفيح غير التسبيح.

    التسبيح: سبحان الله.

    والتصفيح: باليدين.

    التسبيح للرجال، والتصفيق والتصفيح للنساء.

    والله لو تجتمع البشرية كلها في عقل واحد لكان عقل النبي أعظم وأعلم، لو تجتمع المعارف البشرية كلها والله ما كانت علم محمد، ليست دعاوى، ادرسوا سيرته واقرءوا أحاديثه وتشريعه وتقنينه.

    إذاً: يقول: النساء يصفحنا فقط، لم؟ لا يعرف الناس لم؛ ولهذا يعجبون ويقولون: ما هذا التشدد؟ ما هذا التزمت؟ وهذا الكلام كلام إخوانكم نحكيه لكم.

    نقول: ما عرفوا.. ما علموا.. ما فكروا في أنهم في هذه الأيام القليلة يتهيئون تهيئاً خاصاً ليعرجوا إلى السماء.

    هل هناك من يذكر هذا؟ ما علموا أنهم في هذه الأيام عبارة عن تهيئة واستعداد للعروج لاختراق مسافة ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.

    كيف يعمل صاحب هذه الرحلة؟ لا بد وأن يبتعد عن بعض المآكل.. عن بعض المشارب.. عن بعض الملابس.. عن بعض المساكن.. عن بعض الكلام.. عن.. عن؛ لأنه يستعد.

    وقلت لكم: الذين ارتادوا الفضاء كم يوم وهم يعلفونهم كالأبقار، ويجرون عليهم إجراءات خاصة، أليس كذلك أو من السوق يطلعوه للسماء؟

    كيف أنت تريد أن تعرج إلى السماء ولا تتهيأ؟ ما تريد إذاً؟

    من هنا ما فهموا أن مس المرأة لا يجوز، وأن الكلام معها باطل، وأن رفع صوتها حرام، لا يدرون كيف، اسمع! ونحن نتكلم والله لعلى علم يقيني، أعطوني فحلاً منكم وكلكم فحول.

    أفضحك يا ناصر! خليك أنت صغير، عبد الله أنت أهل لها، أنت فحل؟ فحل. كلكم فحول، أتحدى من يقول: إذا سمعت صوت المرأة ونبرتها وجرسها في لغتها لا يحدث في نفسي خيال!

    أتحداكم! أبا جميل سيد الفحول، من الفحل الذي ينظر إلى امرأة نظرة قاصدة أو يسمع صوتها أو يصافحها في يدها وما يحدث أثر ذلك في نفسه. من يقول: لا؟ لا أحد. إذاً: يحدث أثر ذلك على النفس.

    إذاً: نحن نحافظ على طهارة أرواحنا، وزكاة نفوسنا لقضاء قضاه الله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    فمن هنا عندما ترفع المرأة صوتها يسمعها الرجل يتأثر بها، يحصل له دخن.. ظلمة.. عفن.. على تلك الروح التي يطهرها بالصيام والرباط والجهاد، فالذين لا يعرفون أننا نعمل على تزكية أنفسنا لنتمكن من العروج إلى الملكوت الأعلى، لا نتكلم عن جهلٍ، عرج رسول الله وصاحبه جبريل وانتهى إلى سدرة المنتهى، ليس هناك خيالات، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    زك نفسك يا عبد الله! طهرها بهذه الوظائف التعبدية، وأبعدها عما يدسيها ويخبثها من كلمة السوء.. ونظرة الباطل.. وحركة الحرام.. وكل شيء اسمه إثم فإنه يفسد هذه النفس، فلو عرف النساء هذا لما رفعن أصواتهن في الشوارع، أنا أعجب لهذه الظاهرة، تدخل إلى بيت المؤمن ضيفاً لا تسمع صوت امرأته، أليس كذلك؟ أو تقول: كان في الزمان الأول؟ إلى الآن.

    وعائشة رضي الله عنها تقول: الديوثة من النساء التي يسمع ضيفها صوتها في حجرتها، والديوث لا يدخل الجنة.

    هل تسمعون عن الديوث؟ المغاربة يسموه الطحان.

    لو تقول: أيام كنا فحولاً، لو تقول لشخص: اسكت يا طحان! يذبحك؛ لأنك قلت: ديوث. لماذا سموه طحاناً؟ لأنه مغلوب لامرأته، المرأة التي تطحن الحب لتوجد خبز الأسرة إذ مضت قرون والله ما فيها راحة في فرنسا ولا في إيطاليا فضلاً عن بلاد الإسلام، المرأة التي تطحن، فإذا غلبته تقول: اجلس اطحن وهي تخرج تغني، غلبته، طحنته أصبح طحاناً، فسموه الطحان، وهو الديوث، من هو الديوث؟ ( الذي يرضى الخبث في أهله ). هكذا يقول أبو القاسم: ( يرضى الخبث في أهله ) زوجته.. ابنته.. أمه.. عمته.

    إذاً: الديوثة من النساء تقول الصديقة: هي التي يسمع الضيف صوتها في حجرتها، في الحجرة لا ترفعين صوتك يا مؤمنة وفي الشوارع والازدحام مع الفحول ترفعين صوتك وتتبرجين به.

    أيجوز هذا؟ وأنت آتية إلى بيت الله، إن شاء الله ما تسمعون بعد اليوم صوت امرأة في الشوارع.

    هل سمعت يا مؤمنة؟ هل بلغك إذا كنت في صلاتك وقرع الباب أو ناداك مناد.. ابنك أو أخوك أو أحد، كيف تقولين؟ صفقي يعلم أنك في الصلاة فيسكت وينتظر، أما أن تقولي: سبحان الله، لا، سبحان الله كلمة الفحل.

    ونعود إلى السياق الكريم إذ قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ [عبس:34-36]، من صاحبته؟ في المدرسة؟ زوجته. إذا وجدت كلمة الصاحبة في القرآن والسنة فهي الزوجة، ليس هناك مؤمن يصاحب امرأة لا تحل له، لا في الشارع ولا في السفر.

    وَبَنِيهِ [عبس:36] وكذلك يفر من أولاده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)

    ثم يقول تعالى لبيان علة ذلك: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] كل واحد له شغل يشغله عن أن يلتفت إلى أم أو أب أو أخ أو زوجة أو ولد.

    وهنا تقول الصديقة عائشة رضي الله عنها لما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ).

    (حفاة) أو هناك نعل ياباني؟ والله لا يوجد.

    (عراة) هل هناك بدلة؟ والله ما يوجد، لا مصنع يشتغل ولا هي محفوظة من الدنيا.

    (غرلاً) هذه الكلمة أجنبية علينا. ما معنى غرل؟ الغرل: جمع أغرل. والأغرل عند العرب: الذي ما قطعت غلفة ذكره، ما ختن، تلك القطعة من الجلد باقية. بمعنى: ما ختنوا؛ لأنهم خلقوا الآن خلقاً جديداً.

    ( حفاة، عراة، غرلاً، منهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم إلى شحمة أذنه، ومنهم إلى نصفه، ومنهم إلى ركبتيه وإلى حقويه ) بحسب كمالاتهم الروحية.

    في هذه الحالة: ( قالت عائشة: واسوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض ) صاحت كاد يغمى عليها ( قال: يا عائشة! إن لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ) لا يفكرون في النساء ولا في الرجال؟! من يفكر في نظر العورة أو لا ينظرها؟!

    كل مشغول بهمه وكربه، متى يصدر الحكم عليه، أيسعد سعادة أبدية.. أو يشقى شقاءً أبدياً؟

    في هذا الكرب لا يفكر الإنسان ولا يخطر بباله شيء، لا تخافي يا عائشة ! لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] يغنيه عم؟ عن أن ينظر إلى فلان عار أو فلانة عارية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ مسفرة)

    ثم قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ [عبس:38]. وتمام المنظر ما قد عرفتم من حال الناس وقوفاً يوم القيامة ( حفارة عراة غرلاً ) العرق يتصبب.. بحاراً يمشون فيها، في هذه الحال كل مشغول بنفسه ينجو أو لا ينجو؟ هنا تتجلى حقيقة وهي أنهم ينقسمون إلى قسمين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39]، أهل الجنة.. أولياء الله.. أهل النعيم المقيم في ساحة فصل القضاء يعرفون بوجوههم.

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ [عبس:38] أسفرت الشمس إذا طلعت مشرقة مستنيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ضاحكة مستبشرة)

    ثم قال تعالى: ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:39].

    ضَاحِكَةٌ [عبس:39] مبتسمة ابتساماً ليس فيها قهقهة.

    نحن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا نقهقه، فقد كان صلى الله عليه وسلم جل ضحكه الابتسامة صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ضَاحِكَةٌ [عبس:39] أي: مبتسمة.

    زد مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:39] بخير أمامها، فقد سمعتم قول الله: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووجوه يومئذ عليها غبرة ...)

    قال تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [عبس:40].

    وَوُجُوهٌ [عبس:40] أي: أخرى.

    وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [عبس:40] الغبرة تعرفونها، غبرة تراب.. اسوداد.. يبوسة.. جفاف.

    ثم قال تعالى: تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ [عبس:41].

    تَرْهَقُهَا [عبس:41] تغشاها قَتَرَةٌ [عبس:41] والقترة: ظلمة أيضاً وسواد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك هم الكفرة الفجرة)

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:42] والأولون قال لهم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس:38-39].

    وإليكم ما جاء في أولياء الله في كتاب الله، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64] الآن وفي الآخرة.

    إذاً: أولئك البعداء هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:42].

    الْكَفَرَةُ [عبس:42] بقلوبهم.

    الْفَجَرَةُ [عبس:42] بأعمالهم وسلوكهم.

    الكفر محله القلب، أليس كذلك؟ بلى. والفجور السرقة.. والزنا.. والقتل.. والغيبة.. والباطل، هذا يعمله الإنسان بقلبه أو بجوارحه؟ بجوارحه.

    وفجرة: جمع فاجر. والفاجر من هو؟ طويل.. أسود.. رقيق.. أحمر؟ من هو الفاجر هذا؟

    الفاجر: الذي يفجر عن النظام ويخرج عن سلكه، مثل ما يتفجر الماء في الأنبوب، كأنه أنبوب يخرج الماء من هنا وهناك، يصيح الناس: الماء تفجر. فالفاجر عبد أو أمة خرج عن منهج التربية الإلهية، وفسق عن أمر الله وخرج عن طاعته.. ترك الواجبات.. غشي المحرمات.. غير مبال ولا خائف ولا مراقب لله، حتى مات على ذلك، ذلكم هو الفاجر، وجمعه فجرة، كالكافر جمعه كفرة.

    نعوذ بالله من الفجور، ومن الكفور.. اللهم إنا آمنا بك، وصدقنا رسولك، وأطعناك بما تحب أن نطيعك فيه، فلا تجعلنا مع الكافرين، ولا مع الفاجرين يا رب العالمين.

    وبهذا ختمت سورة عبس، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.