إسلام ويب

تفسير سورة المطففين (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كثيراً ممن يكذبون بآيات الله ويجحدون رسالاته إنما يحملهم على ذلك انغماسهم في السوء والباطل والشر، فإذا تليت الآيات على الواحد منهم قال: إنما هي أساطير الأولين، وذلك لعدم رغبته في الخروج مما هو فيه من متاع الدنيا، سواء كان منصباً ورياسة، أو كان مالاً وثروة، أو كان انغماساً في الشهوات الحيوانية والملذات البهيمية، فأولئك توعدهم الله وعيداً شديداً، وأعد لهم عذاباً أليماً.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المطففين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة المطففين، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين:4-17] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    سبب نزول فاتحة سورة المطففين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن فاتحة سورة المطففين نزلت في المدينة، أي: هذه المدينة النبوية بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان لنزولها سبب علمتموه، وهو أن أهل المدينة كانوا قبل انبثاق هذا النور في ديارهم وصدورهم أسوأ الناس كيلاً ووزناً، والذي يبخس الناس ويطفف يسيء إلى عباد الله، والله عز وجل لا يرضى أن يؤذى عبيده، فالله عز وجل أرحم بعبيده منهم بأنفسهم، فلا يحل ظلم إنسان أبداً، وإن كان من أكفر الكفار وأفجر الفجار.

    إذاً: ولم يرد الله عز وجل أن تبقى هذه السيئة يعرف بها أناس احتضنوا دعوة الله، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والله يؤهلهم لأن يكونوا سادة الدنيا وأئمة العالم، فأنزل هذه الآيات وما إن تليت عليهم وتداولها النساء والرجال فرحاً بها وبكل ما ينزل الله من الآيات حتى أصبحوا بل أمسوا أحسن الناس كيلاً ووزناً إلى اليوم.

    والآية وإن كان سببها خاصاً لكن معناها عام، فويل لكل مطفف ومطففة إلى يوم القيامة، فكل من يبخس الناس حقوقهم، فيأخذ أموالهم بالاحتيال والغش، وبالسلطان والقوة هذا ويل له، إلا أن ينقذه الله بتوبة نصوح، ولا تفهم أن هذا الويل نزل في أهل المدينة ورفع، بل هو خالد بخلود القرآن، فويل لكل مطفف ومطففة باخس الوزن أو الكيل، فوفِ يا عبد الله يوفِ الله لك، وإن حاولت أن تستقيم وما قدرت فاعلم أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فأنت ابذل جهدك في أن تزن وزناً معتدلاً، فإن عجزت لا تخف؛ لأن الله قال وقوله الحق: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    خطورة التطفيف في الصلاة

    وهنا ألفت نظركم مذكراً أيضاً إلى أن منا من ليس بتاجر فلا يبيع ولا يشتري، ولكنه يبيع ويشتري مع الله، فيا ويل من يبخس الله حقه، إنهم أولئك الذين لا يطمئنون في ركوع ولا سجود في صلاتهم، فإنهم مطففون ومن أسوأ المطففين؛ لما سمعتم من قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن أسوأ الناس سرقة من يسرق من صلاته، وتلا: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] ).

    فالصلاة حق الله يجب أن تؤديها رغم أنفك يا عبد الله، فإنه مقابل خلقك ورزقك، ولا فضل لك في ذلك، فهي ضريبة حياتك، فلا تغش فيها مولاك، فأحسن صلاتك.

    وها أنتم تصلون مع إمام المسلمين في المسجد النبوي، فكما يصلون صلوا، صليتم العصر والظهر والمغرب والعشاء فصلوا هكذا في مساجدكم وبيوتكم، فالذين يطففون في الركوع والسجود والتلاوة صلاتهم باطلة.

    ومن أراد أن يستدل بأدلة منطقية عقلية فإن الذين لا يطمئنون في صلاتهم، ولا يخشعون فيها، إذا خرجوا من المسجد يزاولون المعاصي، قد يكذب أحدهم.. قد يغتاب.. قد يسب.. قد ينمم.. قد يسرق.. قد.. قد، ولا يستطيع أن يستعصم والعصمة زالت، هذا برهان كالشمس، ولو صلى ما غنى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    فإذا طففنا فيها وبخسنا حق الله فيها ابتلينا بأنواع البلاء التي أحالت حياتنا إلى جحيم لا يطاق، فاذكروا هذا ولا تنسوه، وليرنا الله عز وجل نوفي حقه في هذه العبادة.

    الإيمان هو القوة الدافعة في حياة الإنسان

    ثم قال تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5]، أي: ألا يظن هؤلاء المطففون الباخسون المنتقصون حقوق العباد وحقوق الرب، أما يظنون أنهم مبعوثون ليوم القيامة؟ فمن ظن -بمعنى أيقن- أنه مبعوث ليقف بين يدي الله ويحاسبه فمن الآن يصحح مسيرته.. ومن الآن يعدل موقفه.

    وأما المصاب بالإلحاد والعلمانية والبلشفة الحمراء (لا إله والحياة مادة) فلا تنفعه موعظة، إذ لا بد من وجود هذه الركيزة، من وجود إيمان يقيني بأنك يا عبد الله بعد موتك مبعوث حياً، وتستنطق وتستجوب وتحاسب بدقة، ثم الجزاء بحسب نتائج عملك، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، فقووا هذا المعتقد في نفوسكم.

    وإذا رأيتم الضعف في إنسان منا أيها المسلمون! ردوه إلى ضعف هذا المعتقد.

    وأقول على علم: لا يخطر ببالك أن هذه مواعظ، والله لعلى علم يقيني، كما نعرف أن السماء فوق والأرض أسفل، أيما خلل في سلوك ابنك أو أخيك فرده إلى ضعف هذه العقيدة، وأيما قوة دافعة تتحمل كل التكاليف وتنهض بالواجبات، وتقف في وجه الشهوات كالجبل الأشم فمردها إلى قوة المعتقد، ولهذا الإيمان يزيد وينقص، فزيدوا في طاقة إيمانكم، واعلموا أن الإيمان يقوي الطاعة، والطاعة تقويه، سبحان الله العظيم! قد تصلي ركعتين خاشعتين تذرف فيهما الدمع ويرتفع منسوب إيمانك إلى درجة مائة وستين، فتقوي إيمانك بذكر الله والتفكر في آياته ويزداد إيمانك فتصلي ليلة كاملة، وقد لا يفهم أكثر المستمعين؛ لأننا -كما تعرفون- ما ربينا في حجور الصالحين.

    أعيد القول: الإيمان هو القوة الدافعة للإنسان لأن ينهض بما يعهد إليه.. بما يكلف به.. بما يسند إليه، وهو الذي يحجبه دون الشهوات والأهواء والمفاسد والشرور، فإن قوي قوي.. وإن ضعف ضعف.

    قوة الإيمان يكون بكثرة العمل الصالح

    أيضاً: العمل الصالح يقوي الإيمان أيضاً ويزيد في طاقته، فهو ينتج العمل الصالح ويقوي العمل الصالح، واقرءوا قول الله تعالى من سورة النساء: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، أي: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به هذا معنى يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [النساء:66]؛ لأنهم لا يؤمرون إلا بأفعال تزيد في إيمانهم وآدابهم وأخلاقهم وفي بركات حياتهم، وليس عندنا تكليف لا يفيد في حياتنا الدنيوية والأخروية، ولا وجود له، والله لا وجود له، فلا تفهم أبداً أن الله يكلفك بقول أو عمل لا يعود عليك نفعه الآن؛ لأن الله حكيم، لا يأمر بعبث أبداً.

    وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ [النساء:66] أولاً خَيْرًا لَهُمْ [النساء:66] ثانياً: وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66] أي: للإيمان في قلوبهم.

    نعم، تمشي في الشارع فتجد شوكة وترفعها حتى لا تؤذي مؤمن أو مؤمنة فيرتفع منسوب إيمانك، ويزداد إيمانك، وتمر بك فتاة سقط حجابها أو أطلت من نافذتها فتطأطئ رأسك حتى لا تنظر إليها، والله يرتفع منسوب إيمانك درجات لا تتصورها، وتجد حلاوة ذلك في نفسك، بمعنى: أن العمل الصالح يزيد في طاقة الإيمان، وبترك الصالحات يموت الإيمان في قلبه، وشيئاً فشيئاً يضمحل ويتبخر.

    عظمة يوم القيامة

    وقوله: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:4] من يبعثهم؟ ربهم وخالقهم.

    لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:5] فهو عظيم لا نستطيع أن نقدر عظمة هذا اليوم، حسبنا أن نسمع الله تعالى يقول: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل:17] أي: يوماً يجعل الأطفال شيباً.

    والشاعر يقول:

    والهم يكسب الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم

    نعم، الهم والكرب هو الذي يشيب، فالهول في هذا اليوم يجعل الطفل يشيب؛ لعظمة هذا اليوم، العظيم قال في هذا اليوم عظيم، فهل نقدره حق قدره؟ لا نستطيع.

    أما مباديه فحسبك أن تقرأ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:1-6].

    وتقرأ: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1].. السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [الانفطار:1-2]، أي يوم أعظم من هذا؟ أي هول أعظم من هذا الهول؟

    يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]، لمن يقوم الناس من قبورهم؟ لمولاهم.. سيدهم.. ربهم، يقومون له؛ لأنه دعاهم يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:52].

    واستمع أيضاً: يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41-42].

    إذاً: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:5-6] من أجل أن يحاسبهم ويجزيهم، فهو الذي خلقنا وكلفنا والحمد له وأعطانا مقومات العمل: العقل والسمع والبصر، وأنزل الكتاب، وبعث الرسول وقال: اعملوا فستجزون بأعمالكم، الخير بمثله، والشر بمثله، فمن استجاب وعمل فليهنه عمله، وليبشر بشرى عظمى أنه ينزل الملكوت الأعلى، ومن لوى رأسه وانتكس وتنكر لخالقه وعبد عدوه وجرى وراء الشيطان فقد عرفتم ما سجين، تصور دركة أسفل الكائنات، وذلكم السجن المسمى بسجين.

    مصير أهل الكفر والفجور يوم القيامة

    ثم قال تعالى: كَلَّا [المطففين:7] وهي كلمة ردع، فليرتدع المطففون والشاكون والمصابون بالزيغ في قلوبهم، فليرتدعوا قبل فوات الوقت.

    إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7]، وقد عرفتم أن سجين هو سجن، وبولغ في اللفظ كما يقال في الذي يكثر الشرب: شريب، وفي الذي يكثر السكر: سكير، وفي الحار حرارة شديدة فلفل: حرير، فصيغة فعيل دالة على المبالغة في الوصف.

    وتصور آخر نقطة في الكون، ثم توجد سجلات ودفاتر وكتب المجرمين وأرواحهم معها محبوسون، فلما يبعثهم الله وتقوم المحكمة ويجيء الرب عز وجل للقضاء حينئذٍ يؤتى بهم وبكتبهم من سجين.

    هل تعرفون أن الله تعالى يأتي لفصل القضاء؟

    اقرءوا قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [الزمر:68-69] من القاضي؟ الله.

    ثم قال تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ [المطففين:7] الفجار جمع فاجر.

    فإن قيل: يا شيخ! ما المراد من الفاجر هذا؟ هل هو طويل.. قزم.. أبيض.. أحمر.. من عائلة بني فلان.. من الفجار؟

    ما تعرف الفاجر أنت؟! يجب أن نعرف الفاجر وندعو الله تعالى أن يتوب عليه.

    من هو الفاجر؟ الذي يخرج عن نظام الله.

    الذي يخرج عن نظام الدولة تسمونه مجرماً، فالحديد في يديه ويسحب.

    فمثلاً الأنوار الخاصة بالسيارات التي في الطرقات محترمة، فهل تستطيع أن تتجاوز بسيارتك؟ لا. لأنك إذا فعلت ذلك تعتبر مخالفاً، ويلقى عليك القبض وتعذب، وتسحب منك الرخصة، وإذا سنت الحكومة قوانين فالذي يخرج عنها يقال فيه: فاجر، فجر عن النظام أي: خرج عنه، وهو مشتق من تفجر الماء، الماء يتفجر، كان يمشي في أنبوب بعد ما تعطلت الأنبوب ينفجر من هنا وهناك.

    فالفجار: جمع فاجر، وهو الإنسان الذي لا يقوم بالواجب ولا ينتهي عن المحرم، لا يفعل الواجبات ولا يترك المحرمات، معناه: فجر عن الطريق، أي: لا يمشي في الطريق أبداً، الطريق هذا حلال ائته، هذا حرام تجنبه، هذا جائز افعله، هذا مكروه اكرهه، هذه فريضة انهض بها، وهكذا إلى ساعة الموت، لا تفجر لا يمين ولا شمال.

    إذاً: فالفجار -والعياذ بالله- هم الكفرة المشركون الظالمون الفاسقون، قل ما شئت؛ لأنهم خرجوا عن نظام الله تعالى.

    إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] وأرواحهم معهم.

    وقد قلت لكم: في السجون توجد ملفات للمسجونين، فإذا استدعي السجين يؤخذ ملفه معه، وفيه ما سجل عليه من خطايا.

    إذاً: سجين فيه أرواح المجرمين، وفيه كتبهم المرقومة المدونة المكتوبة، وإذا جاء يوم الفصل والقضاء يأتي المجرم وكتابه، وتتجلى عدالة الله فيه، وهذا معنى قوله تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7].

    ثم قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين:8] لتهويل الموقف، نعم وما يدرينا، لولا أن الله أدرانا؟ لا ندري.

    ثم قال: كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:9]، أي: ما فيه زيادة ولا نقص، بل كتابة واضحة، فلا تقول: ممكن معماة: سطر يخفى وحرف يزيد، لا، بل كما تشاهد الكتاب المرقوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين)

    ثم قال تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:10] هذا إعلان رسمي يعلنه الملك جل جلاله وعظم سلطانه، فيقول: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي: يومئذ تقوم القيامة، فيومئذ يبعثون من قبورهم، ويقفون للحساب في هذا اليوم.

    وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ [المطففين:10] لمن؟ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:10] بآيات الله.. بلقاء الله.. برسول الله.. بعدل الله.. برحمة الله؛ لأن المكذب لا ينصاع ولا ينقاد، فما دام أنكر وجود الله أو وجود الوقوف بين يديه، أو وجود شريعة له ورسول، فإذا أنكر هذا انتهى أمره، ولا يستقيم على شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يكذبون بيوم الدين)

    ثم بين سبحانه وتعالى المكذبين بقوله: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المطففين:11]، سبحان الله! يفسر الله عز وجل، ويبين لنا، ولو قلت أنت: يكذبون بماذا؟ قال: بِيَوْمِ الدِّينِ [المطففين:11].

    هل تدرون ما يوم الدين؟ سبق أن عرفتم أنه يوم القيامة، الدين بمعنى الجزاء، والدين الآن تكاليف نجزى بها ونثاب عليها، فهي دين أيضاً.

    إذاً: المراد من يوم الدين يوم الحساب والجزاء، عندما يكون الله الملك الحق وحده، واقرءوا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، وعندما يقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] فلا يجيبه أحد، إذ لم يبق على الكون أحد، فيجيب نفسه قائلاً: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:16-17].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يكذب به إلا كل معتد أثيم)

    من الذي يكذب بيوم الدين؟ قال تعالى: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [المطففين:12].

    وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ أي: بيوم الدين والجزاء، ما يكذب بالبعث الآخر والحياة الثانية، إِلَّا من؟ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [المطففين:12] وصدق الله العظيم، لا يكذب بيوم القيامة إلا المتعدون الآثمون المنغمسون في بؤر الشر والفساد، وادرسوا هذا وطبقوه على أبناء الدنيا في العالم، الله يقول: ما يكذب بيوم القيامة وينكر، ويقول: لا بعث ولا حياة أخرى ولا جزاء إلا عبد انغمس في السوء والباطل والشر والفساد، فأصبح أثيماً، معتدياً على الخلق والخالق، فهذا الذي كثر اعتداؤه وكثر خبثه، هو الذي يكذب بيوم الدين، إذ لا معنى للتكذيب بيوم القيامة أبداً.

    تريد أدلة؟ كل ذرة في الكون تشهد أنه لا بد من حساب وجزاء، لم يكذب بيوم الدين؟!

    هل رأيتم عبداً صالحاً براً تقياً سخياً كريماً يكذب بيوم الدين؟ لا أبداً، لم؟ بل يفرح إذا أخبر به، فالمجرمون المتوغلون في الإجرام هم الذين يوسوس لهم الشيطان ويقول: لا بعث ولا جزاء، هذه الحقيقة.

    ويشهد لهذا المعنى ويقرره قول الله تعالى من سورة القيامة، إذ قال تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة:3-4].

    إذاً: فما هو سر إنكاره ليوم القيامة وتكذيبه بالبعث الآخر؟

    قال: بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ [القيامة:5] أي: المكذب لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5]، وهذا المعنى واضح، فخالق الإنسان وغارز له غرائز، وطبع له طبائعه أفصح عنه وبين. وأنت اخل بمن هو مغموس في الزنا واللواط وسفك الدماء والجرائم والخبث.. واسأله: لم ما تؤمن بالبعث الآخر؟ يقول لك: لا بعث ولا.. ولا؛ من أجل أن يواصل مسيرته إلى دار البوار.

    هذا الله يخبر: بل يريد الإنسان المكذب بالبعث الآخر المنكر ليوم القيامة يوم الجزاء والحساب، يريد من تكذيبه أن يواصل فجوره حتى يموت.

    وهذه الآية شاهد آخر: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ [المطففين:12] أي: بالبعث الآخر، بيوم القيامة، بالدار الآخرة وما فيها إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [المطففين:12]. والمعتدي: هو الذي يأكل الناس ودماءهم.

    والأثيم: الذي ينغمس في كل مزبلة، فما من إثم إلا ويزاوله، فهذا ينكر البعث حتى يواصل خبثه وما عليه.

    هل تجدون هذه المعارف في غير القرآن؟

    والله ما تجدونها، ولا يعرفها علماء النفس ولا الاجتماع، ولا يحومون حولها بحال من الأحوال، هذه معارف القرآن الكريم.

    ومع الأسف العدو عرف أن هذا الكتاب لا يساويه كتاب، هذا هو الروح، هذا هو الحياة، فانتزعوه من المسلمين وحولوه إلى المقابر والمآتم، ونحن ما زلنا سكارى لا ندري.

    فإن قيل: يا شيخ! هل يجوز قراءة القرآن على الموتى؟

    أقول: إلى الآن نسأل، ما نزل القرآن ليقرأ على الموتى والله العظيم، بل يقرأ على الأحياء.

    رئيس الوزراء لما يجلس مع وزرائه يقول لأحدهم: اقرأ علينا شيئاً من القرآن، فيقرأ آية تتناسب مع الموضوع الذي يعالجونه تشع أنوار قلوبهم ويعرفوا الطريق إلى ربهم.

    مدير الشركة أو المؤسسة يجلس مع عماله: من يقرأ علينا شيئاً من القرآن؟ فيقرأ القارئ آيات فيزداد إيمانهم، وتزداد غبطتهم في ربهم، ويتخلون عن رذائل الدنيا ومفاسدها.

    يجتمع الرجل مع أهله: أي بني! اقرأ علينا شيئاً من القرآن، فيقرءون آية، وكل آية تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ إذ الآية معناها: العلامة، فجعلها الله علامة على أي شيء؟ على وجوده إلهاً لا إله غيره، وعلى أن كتابه كتابه، ورسوله رسوله، كل آية.

    وإذا ما فهمت فنقول قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] فهذا كلام، وهل الذي تكلم به يكون معدوماً؟ أيعقل هذا؟ يوجد كلام بدون متكلم؟ مستحيل أن يوجد كلام بدون متكلم.

    إذاً: الله موجود وهذا كلامه، وأما أن تقول: لا، كلام من؟ فهات، وقد قامت الدنيا وقعدت والجن معها على أن ينسبوا هذا القرآن لغير الله ما استطاعوا، كلام من هذا؟!

    إذاً: آية واحدة تدل على وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته، ومن نزلت عليه هذه الآية لا يكون رسولاً؟ مستحيل أن يكون غير رسول، كيف يكون غير رسول وينزل عليه وحيه وكلامه؟

    فلهذا ستة آلاف ومائتان وأربعون آية، كل آية وإن كانت حرفاً واحداً (ص) تدل دلالة عقلية على وجود الله رباً وإلهاً، وعلى أن محمداً رسول الله.

    قد يقولون: يا شيخ! أنت تريد من الوزراء والمسئولين يقرءون القرآن؟

    فأقول: هل هذا عيب؟! هل تعرفون رجلاً أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم؟ افهم! لعل الشيطان يوسوس لك يقول: يتعصبون لنبيهم، انزع هذه الخرافة من ذهنك، والله ما عرفت الدنيا أكمل من محمد في أخلاقه.. في آدابه.. في معارفه.. في كمالاته.. في ذاته، وليست القضية تعصباً، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو المصطفى المجتبى المختار، الذي اصطفاه رب العالمين عنده، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:14-15]، مقام ما وقفه أحد من الخلق وقفه رسول الله وهو كما هو.

    اسمع! مرة قال لـعبد الله بن مسعود الهذلي القصير الأسمر: ( يا ابن أم عبد ) كناه بكنية ( اقرأ علينا شيئاً من القرآن )، فاندهش عبد الله وقال: ( أعليك أنزل وعليك أقرأ يا رسول الله؟ قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري. فقال عبد الله : فقرأت فاتحة النساء إلى أن انتهيت إلى قول الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41] قال: فما راعني إلا الرسول وعيناه تذرفان الدموع وهو يقول: حسبك.. حسبك )، يبكي، عرف قال: كيف أؤتى شهيداً على أمتي، يا ويلها!

    وإن قلتم: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نريد وزيراً أو سلطاناً يقرأ القرآن؟

    فأقول: تعرفون عمر بن عبد العزيز الأموي لو كان عند أوروبا لكانت المؤلفات الحاوية لتاريخه تتجاوز مائتي كتاب، وترى إخوانك المسلمين من عهد الاستعمار إلى اليوم يقرءون ويتمجدون به، لكن ما دام مسلم يذكر بالله، الصلاة.. الطهر.. الصفاء، لا يقرأ. وعمر بن عبد العزيز عد في سلسلة الخلفاء الراشدين، إنه خامسهم.

    والمعروف به.. المأثور عنه.. والمحفوظ أنه إذا كان صلى الصبح بالمسلمين -وهو خليفة المؤمنين- عاد إلى بيته من المسجد وجمع نساءه وأطفاله وخدمه وقرأ شيئاً من القرآن، فلما يأخذ القارئ يقرأ يأخذون في البكاء، فقال راوي القصة: لو دخلت عليهم وهم يبكون لقلت: بين أيديهم جنازة. ولا تفهم أبداً أن هذا البكاء والتمرغ على الأرض من شدة الشوق والحنين هو نتيجة قراءة، ولا تقول: مات عزيزهم.

    كيف كانت أخلاقهم؟ هل شممنا رائحتها؟ هل عرفنا من هم؟ ورثوا دار السلام ونزلوها، ونحن المحرمون والعياذ بالله.

    وعمر بن عبد العزيز اسمع ما يؤثر عنه، فقد كان في أيامه تؤخذ مروحة ويروح عليه من الحر، وليس هناك كهرباء، بل خادم يروح عليه حتى ينام، فنام الخادم وسقطت المروحة من يده ونام، فاستيقظ عمر وجد الخادم نائماً، فأخذ المروحة وأخذ يروح عليه، ففزع الخادم قال: لا، أنا وأنت سواء، أنت روحت علي حتى نمت وأنا أروح عليك.

    هل تفعلون هذا يا جماعة المسلمين؟ أنتم أولياء الله، أما سلاطينكم وجنرالاتكم لا ندري كيف نقومهم، هل يشعرون بهذا الشعور؟ يحسون بهذا الإحساس؟ هذه مدرسة القرآن التي تخرج أمثال عمر بن عبد العزيز ، ومن يوم أن أغلقنا أبواب هذه المدرسة ونحن هابطون.. هابطون.. والناس يعلون حتى أصبحنا غثاء كغثاء السيل.

    وسمعتم اليوم إمام المسجد يدعو لفلسطين أن يحررها الله، هل يمكن؟

    لن تحرر فلسطين إلا إذا أسلمنا حق الإسلام لله رب العالمين؛ لأن الذي يدير الملكوت اسمه الله، ليس هو بن غوريون ولا موشي ولا.. ولا، من هو الذي يدير الكون؟ الله، ومع هذا سندعو الله كما وعدناكم، وإذا دعونا أن يحرر فلسطين معناه أنه يتوب علينا أولاً، والله لهذا الطريق، أولاً يتوب علينا، فإذا رجعنا إليه فتح لنا الشرق والغرب، ولله سنن لا تتخلف، فلا بأس أن يحرر فلسطين، ولكن نعلم أنه يتوب على المسلمين أولاً إذ هم الأداة والآلة، فإذا تابوا تحررت.

    إذاً: يجب أن نعود إلى القرآن العظيم.

    وأعيد القول: يا معاشر المسلمين! أيها المبلغون! يا دعاة الحق! كيف يتوب المسلمون؟ من يقوى على أن يتيبهم ويتوبهم؟ فوق الطاقة هذا أليس كذلك؟ فكروا.

    1.   

    أثر مجالس الذكر والعلم في حياة الأمة

    الموضوع كما أتصوره إما أن المسئولين في العالم الإسلامي يجتمعون في الروضة المحمدية، ويبايعون إمامهم، ويعاهدوا علماء الشريعة -القرآن والسنة- أن يقدموا لهم دستوراً قرآنياً، ويطبقونه في أربع وعشرين ساعة، هذا هو الطريق، سهل على الله، أليست قلوبهم بيد الله؟ بلى.

    هذا الموضوع قدمناه لهم منذ ثلاثين سنة ووضعناه بين أيديهم، وكأنما وضعناه على القبور لا حراك.. أموات، والآن إن الله على كل شيء قدير، تتحرك القلوب وتفزع إلى الله، كيف النجاة؟ ما سبيل النجاة؟ نأتي إلى المدينة النبوية ونتعاهد في الروضة على إقامة دين الله وشرعه، فيتغير نظام الكون بكامله، وهذا نكله إلى الله.

    أما قول الجماعات المتطرفة: نجبر الحكام على أن يفعلوا، فنقول: لا تستطيعون.. لا تقدرون.. لا تقوون.. لستم بأقوياء ولا قادرين.

    قالوا: نعم نستطيع.

    أنا أقول لهم: تعالوا نجربكم تجربة عملية، هل تستطيعون أم لا؟

    هيا نبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقط أهل كل قرية من قراكم وأهل كل حي من أحياء مدنكم، وهم مسلمون، ليس فيهم يهود ولا مجوس ولا نصارى، فأهل كل قرية.. أهل كل حي يوسعون مسجدهم، ولو يبنونه بالخشب وجريد النخل أو الأثل، المهم يكنهم من الحر والقر كما قال عمر . ولا نحتاج إلى حديد ولا.. ولا، فيتسع لهم فقط ويحضرون بنسائهم وأطفالهم إلى ذلك المسجد مساء كل يوم، ولا يبقى رجل ولا امرأة خارج المسجد، إلا مريض أو ممرض له، أو نفساء أو مريضة، فأهل القرية كلهم في المسجد، وأهل الحي كلهم في المسجد، ويجلس لهم عالم بالكتاب والسنة، عالم بالوحي الإلهي، ذو بصيرة، فيلقنهم يوماً آية ويوماً حديثاً، ويحفظون الآية ويبين لهم معناها، ويضع أيديهم على المطلوب منها لهم، إن كانت عقيدة تعتقد وتعقد في القلب ولا تنحل، وإن كانت خلقاً يتحلون به على الفور، وإن كانت أداء واجب التزموه، وإن كانت تدعو إلى ترك باطل أو سوء تركوه، يوم آية ويوم حديث، طول العام.

    وهنا وقفة: أنتم معي؟ هل أهل قرية يحضرون بنسائهم وأطفالهم ورجالهم عام كامل يتلقون الهدى ويلتزمون، هل تتصور أن يوجد بينهم سارق؟ هل يعقل أن يوجد بينهم فاجر زان؟ هل يعقل أن يوجد بينهم جائع وهم شباع.. يوجد بينهم عاري وهم مكسوون.. يوجد بينهم مظلوم وهم قادرون.. يوجد بينهم وقح عربيد ولا يؤدبونه ولا يخلقونه بالأخلاق الفاضلة؟

    الجواب: والله ما يوجد، إلا نادر والنادر لا حكم له.

    إذاً: أصبح أهل القرية أسرة واحدة، من أي أسر؟ من أسر الصحابة.

    أما أسر اليوم فخليها تغني.

    فيظهر الحب.. الولاء.. الصدق.. الوفاء، وأعظم من ذلك يا شيخ! حب الدنيا يزول، وينمحي هذا الحب الذي يحملك على الرشوة والربا والتكالب والخيانة، وينتهي البذخ والترف والإسراف، وطابت النفوس وأشرقت الأرواح، والله ليتوفر المال حتى نبحث إلى جهة نبعث إليها. وصندوق الحي هذا أو القرية في المسجد ماذا؟ امتلأ.. فاض، هذا هو الطريق، فإذا كنتم عاجزين عن هذا الخير وهذا النور والله لأعجز مليون مرة أن تصلحوا الحكام بالهراوة وتقيموا شريعة الله، وهذا كلام مزعج لا تسمعونه في غير هذا المكان، والله لأعجز مليون مرة؛ لأن الذي يدير الملكوت هو الله، عليم حكيم.. لطيف خبير.. سميع عليم.. عزيز حكيم، فهذه أنظمته في كونه في إحياء عباده، لم بعث محمداً وأنزل القرآن؟ فإذا لم نسلم له القلوب والوجوه إسلاماً حقيقياً أنى لنا أن نسمو ونعلو ونرتفع، أو نسعد ونكمل في الدنيا والآخرة؟

    هل لكم أن تنقلوا هذه الرسالة؟ لا تستطيعون، أنتم من حدب وصوب، لم ما نجرب؟

    نخاف من الله، إذا حاصرنا في بيته يسلط علينا الحيات، لا والله أبداً.

    لما تسأل: أين أهل القرية؟ يقال: في المسجد.

    لماذا؟ يقال: يستمطرون رحمات ربهم، احتاجوا إلى مولاهم فهم بنسائهم وأطفالهم أكفهم مرفوعة، يسألونه الغيث، يسألونه الرحمة والهداية، وطهارة الأرواح وزكاة النفوس.

    فأهل القرية قد صلوا العشاء خرجوا عائدين إلى بيوتهم في لطف.. في خوف من الله.. خشوع.. سكون.. طمأنينة، وينزلون بيوتهم كالملائكة.

    أما أن نعرض عن طريق محمد ومنهجه فهيهات هيهات أن نسمو ونكمل. وهكذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هل تدرون قصته؟

    كان في مكة الضغط الحصار، كما ذكر الله في القرآن في الآيات الآتية: وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:30-31] فيتعجبون ويضحكون من أبي بكر وفلان وفلان، وفي هذه الحال بالذات الرسول جمع المؤمنين في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، هل جمعهم للأناشيد أو لأي شيء؟ ليدعوا الله ويذكروه. وما إن هيأ الله له فرصة الهجرة وهاجر بعناية الله نزل بديار عوف بن مالك في قباء، فبنى مسجده في أقل من أسبوع، دخل يوم الإثنين وخرج يوم الجمعة.

    بنى مسجد قباء لم؟ ليجمع فيه المؤمنين والمؤمنات، وأطفال المؤمنين والمؤمنات، ومشت ناقته لما وصلت هنا عند الروضة كانت مقبرة وجريد النخل وكذا.. بركت، وأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله، المنزل؟ فانبعثت به راحلته، قال: ( دعوها فإنها مأمورة )، هنا يبنى المسجد، والله كأنكم تشاهدونه وهو يحمل اللبن على كتفيه، وهو يقول: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة )، نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل اللبن والحجارة ويبني مسجده، وجلس لهم حسب تعاليم ربه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2] ماذا يفعل بهم؟ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة:2] أي: يطهر قلوبهم.. يهذب أنفسهم، أخلاقهم من أدرانها، آدابهم من أسوئها، وليست كتعليم المدارس للوظيفة، يعلمهم ويزكيهم، وهذا عرفه جده إبراهيم لما سأل الله أن يرزق إسماعيل ولداً و.. و.. قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129].

    إذاً: اسمعوا.. بلغوا! والله العظيم! لن تقوم لكم يا عرب ويا مسلمون دولة قرآنية إلا إذا أخذتم هذا الطريق، وهو لا يكلف شيئاً أبداً، فكل ما في الأمر الحكومة تستريح، لم يبق غاش ولا مجرم ولا.. ولا، استراحت حكومته، هنئوها، أبواب السجون تغلق.

    ثانياً: ما يبقى فقير بينكم، والله ليفيض المال؛ لأن إسرافنا لو نأخذ بقدر الحاجة فقط، ماذا نصنع بهذا المال؟ لكن لما أرى أنني آمن على قوتي وقوت أولادي لا نشح ولا نبخل، فتكون جماعة متكافلة، فلم يبق فقر مدقع ولا جهل ولا ظلام ولا.. ولا، وحينئذٍ أصبحتم أنواراً تتلألأ، فأبناؤكم يحكمونكم بالكتاب والسنة، هل فهمتم هذا؟ بلغوا.

    أزيدكم؟ والله الذي لا إله غيره! ما وصلتم إلى كمال إلا من طريق محمد صلى الله عليه وسلم، أما مع العنترية والعنجهية والآراء والشهوات والأطماع و.. و.. فلا يمكن أن تبنى دار الكمال بهذا، وإنما تبنى على أرواح تذوب في ذات الله.

    1.   

    فضل الدعاء في يوم الجمعة

    يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! هذا اليوم يوم جمعة، وفي يوم الجمعة ساعة لا يوافيها مؤمن يصلي يدعو الله شيئاً إلا أعطاه.

    وهذا اليوم المبارك يوم الجمعة هو اليوم الذي خلق الله فيه آدم وأنزله إلى الأرض، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة القيامة، وهذا اليوم أفضل أيام الدنيا، وصرف الله عنه اليهود والنصارى، وادخره لكم أيها المتأخرون يوم الجمعة، وهذه الساعة الراجح في أنها بعد صلاة العصر.

    قد يقول القائل: نحن ما نحن الآن في صلاة، ألسنا ننتظر صلاة المغرب؟

    أقول: نحن في صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى صلاة وجلس ينتظر الأخرى فهو في صلاة ).

    أضيف إلى هذا أنها العشر الأواخر من رمضان، فالرجاء كبير في أن يستجاب لنا، فندعو وأنتم أمنوا، والذي يدعو كالذي يؤمن على حد سواء، فلهذا أنبهكم بالمزورين والمطوفين عندما يزورونكم أو يطوفونكم أنتم قولوا: آمين فقط، هو يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] قل: آمين، ولا تردد خلفه، فإن الترديد فيه عبث، ولا حاجة إلى هذا، ربنا اغفر لنا ولإخواننا، قل: آمين، والدليل: أن الإمام يوم الجمعة لما يأخذ يدعو تدعون معه وإلا تقولوا: آمين؟

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره هذا يدعو، هل الصحابة يعيدون كلامه أو يقولون: آمين؟ يقولون: آمين.

    وأدل دليل: أن موسى عليه السلام كان يدعو وكان هارون يقول: آمين، قال الله تعالى لهما: قَدْ أُجِيبَتْ َعْوَتُكُمَا [يونس:89]، مع أن الداعي موسى، واقرأ الآية من سورة يونس، فلما دعا قال الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس:89]، فجمع بين موسى وهارون مع أن الداعي موسى.

    إذاً: الداعي والمؤمن شريكان بالنص، فلهذا إن شاء الله إذا ذهبتم إلى مكة ما نراكم تطوفون جماعات وأنتم تقرءون وهم يرددون، إنما تقرءون وهم يؤمنون، أما أن واحداً يقول كلمة والثاني يعيدها، فلا ينبغي هذا مظهر من مظاهر الجهل.

    عندنا شاب جزائري مؤمن يأتي إلينا للحج والعمرة قال لي: يا شيخ! أنا لا أعرف ما يدعون به، ولكني أتسمع الذي يعجبني دعاؤه أقول: ربي أعطني مثل هذا، فهذا مظهر من مظاهر الإيمان واليقين.

    فلهذا انتبهوا! إذا زوروكم أو طوفوكم يدعون فقولوا: آمين فقط، خليه هو يدعو والله يستجيب وأنت تقول: آمين.

    فاللهم يا حي يا قيوم.. يا بديع السماوات والأرض.. يا ذا الجلال والإكرام.. يا رحمن يا رحيم.. إنا نسألك وأنت خير مسئول ألا تدع لنا في مجلسنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها.

    اللهم إنا نسألك يا خير مسئول وندعوك يا خير من يدعى، يا رب العالمين أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تهدي قلوبنا، وأن تزكي أرواحنا، وأن تطهر نفوسنا، وأن تجعلنا من صالح عبادك.

    اللهم إنا نسألك أن تجمع كلمة المسلمين على الحق.. اللهم اجمع كلمتهم على الحق.. اللهم ردهم إليك مرداً جميلاً، حتى يحكموا كتابك، ويسوسوا أممهم بدينك وشريعتك يا رب العالمين.. اللهم اجمع قلوبهم على تقواك حتى يعبدوك حق عبادتك، وحتى يطبقوا شرعك فيهم وفيمن يسوسونهم ويحكمونهم من إخوانهم يا رب العالمين.

    اللهم رد الديار المقدسة والمسجد الأقصى إلى المسلمين يا رب العالمين، اللهم رده إلى المسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم إن بيننا من يشكو آلاماً وأمراضاً وأسقاماً، اللهم فاشف مريضنا.. اللهم اشف مريضنا، اللهم اشف مريضنا يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك لعبدك عبد العزيز بن صالح إمام هذا المسجد، قد انقطع عنه هذا العام بكامله لمرض أنت تعلمه وأنت الذي أصبته، إنا نسألك يا خير مسئول أن تشفيه شفاءً عاجلاً، اللهم اشفه شفاء عاجلاً.. اللهم اشفه شفاء عاجلاً لنسمع صوته في محراب رسولك يا رب العالمين.

    ونسألك اللهم لتلك المؤمنة التي دعوناك وما خيبتنا، لتلك الأمة التي دعوناك يا رب! اللهم اشفها يا رب العالمين شفاء عاجل، شفاءً لا يغادر سقماً.

    يا رب العالمين! هذه أكفنا قد رفعناها إليك، يا من يجيب المضطر إذا دعاه.. يا رب العالمين! إنا نستغيثك فأغثنا، اللهم إنا نستغيثك فأغثنا، يا غياث المستغيثين.. ويا رب العالمين! اللهم اسق هذه الديار فقد أجدبت وقحطت، اللهم اسقها وأغثها برحمتك يا رب العالمين.

    اللهم اجمع قلوبنا على تقواك.

    اللهم إنا نسألك أخلاقاً فاضلة وآداب رفيعة سامية.

    اللهم حببنا إلى بعضنا، وارزقنا الولاء لعبادك المؤمنين يا رب العالمين.

    وصل اللهم على نبيك محمد وآله وصحبه أجمعين.