إسلام ويب

تفسير سورة المطففين (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان قوم شعيب ممن يطففون الكيل ويخسرون الميزان، فبعث الله إليهم نبيه يحذرهم مغبة ذلك الفعل الذي يمنع القطر من السماء، مبيناً لهم أنهم مبعوثون مجموعون بين يدي الله تعالى فيحاسبهم على فجورهم وطغيانهم، ومن المعلوم عند كل مسلم أن التطفيف لا يقتصر على المكيل والموزون فقط، أو في المعاملات التجارية والتبادلية بين الناس، وإنما يتجاوز ذلك إلى التطفيف في الأعمال والعبادات؛ من صلاة وصيام وزكاة وغير ذلك.

    1.   

    بين يدي سورة المطففين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا اليوم لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة المطففين.

    وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تلاوتها ودراستها، تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:1-14] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سورة المطففين سورة مكية مدنية، فأوائلها نزل بالمدينة، وأواخرها نزل بمكة، فهي مكية الأول، مدنية الآخر.

    وقد انتهى إلى علم المستمعين والمستمعات أن المكيات من القرآن الكريم تعالج العقيدة، إما بإيجادها، وإما بتصفيتها وإصلاحها، وإما بتقويتها، وهذه هي المهمة التي تنهض بها السور القرآنية المكية.

    وأما السور المدنية فهي تعالج شئون الحياة العامة: في السياسة والمال والاقتصاد.. وفي الحرب والسلم.. تعالج الآداب والأخلاق والعبادات.

    وهذه السورة المدنية المكية هي أولاً تعالج مسألة اجتماعية مالية بحتة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويل للمطففين)

    يقول تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1].

    وكلمة (وَيْلٌ) يا معاشر المستمعين والمستمعات! تدل على العذاب سواءً كان كبيراً أو صغيراً، فالرجل يقول لأخيه: ويلك أمامك حية، فهي كلمة تدل على عذاب متوقع، وقد أطلقت وأريد بها في القرآن الكريم عذاب خاص معين، وهو وادي من أودية العالم الأسفل يقال له: ويل.

    المطففون: جمع مطفف، والطف والتطفيف أخذ شيء قليل، فالمطفف هو ذاك الذي يأخذ قليلاً زائداً عن الذي وجب عليه إعطاؤه أو أخذه، فالتطفيف فيه بخس ونقص شيء من المكيل أو الموزون يتعلق بأموال الناس، والإسلام دين الله جاء للرحمة لا للعذاب، ومن هنا حرم على أتباعه وأهله أكل الحرام، فلا يسمح الله لعبده أن يأكل محرماً، سواء كان رباً أو سرقة، أو اختلاساً أو غشاً.

    إذاً: أكل الحرام حرام وممنوع، وآثاره على النفس كبيرة جداً، والذي يعيش على الحرام لا يستجاب له دعاء، ولا يقبل منه طلب، واسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( فأنى يستجاب لذلك ) أي: كيف يستجاب لهذا الداعي ( ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وقد غذي بالحرام ).

    فمن هنا كان هذا القدر القليل الذي يأخذه المكتال أو الوازن والمسمى بالتطفيف كان ظلماً توعد الله عليه بالعذاب الأليم، إذ ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله ). ‏

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ...)

    ثم بين تعالى المراد من هؤلاء المطففين فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين:2].

    فقوله: (إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) أي: أنهم إذا أخذوا منهم حبهم.. برهم.. تمرهم.. وما يشتهونه وفوا الكيل، ولا ينقصونه ولا يبخسونه؛ لأنهم يأخذون لصالحهم.

    ثم قال تعالى: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:3]، أي: ينقصون. وهذه طبيعة مكروهة، لو فعلها ابنك ما ترضى، وذلك أنه إذا اشترى لنفسه يوفي، أي: إن كال أو وزن، ولكنه إذا باع لغيره يبخس وينقص ولو قليلاً. وهل هذا الخلق لا يحبه أحد. ولو شاهد الناس من ينقص دائماً سواء اشترى أو باع فإنهم يتركونه، فكيف لك أنك إذا بعت لي نقصت، وإذا اشتريت مني وفيت. إذاً: أنت تحب نفسك فقط، وهذا الخلق ليس بحميد.

    وهذه الآية الكريمة نزلت هنا بالمدينة، وقد كان أهل المدينة من الأوس والخزرج أخبث الناس كيلاً ووزناً بشهاداتهم على أنفسهم، حيث قالوا: كنا أسوأ الناس كيلاً ووزناً، فما إن نزلت فينا هذه السورة حتى أصبحنا أحسن الناس كيلاً ووزناً.

    وقد استمر أهل المدينة على ما سمعتم إلى أيام مضت، ولما كثر العمال من غير أهل المدينة وأسند إليهم الموازين في الدكاكين فقدنا ذلك الكمال، وقبل أربعين سنة مضت والله كنت إذا اشتريت من أحدهم أرحمه، لأنه يترك الميزان حتى يقع، فتقول له: يا عم! نقص يقول لك: لا. لقد أمرنا الله بتوفية الكيل والميزان. فمرت قرون مضت وهم بسبب هذه الآية التي أدبهم الله بها وكملهم أحسن الناس في العالم كيلاً ووزناً.

    إذاً قوله: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين:2] أي: يطلبون الوفاء والكمال لأنفسهم.

    وقوله: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين:3] أي: إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار على حد قول الشاعر:

    ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ولقد نهيتك عن بنات الأوبر

    والشاهد في قوله: (ولقد جنيتك) أي: جنيت لك، جنيت له، لا جنيته هو، وهذا سائغ للتخفيف.

    فقوله: كَالُوهُمْ [المطففين:3] أي: كالوا لهم.

    أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين:3] أي: وزنوا لهم.

    يُخْسِرُونَ [المطففين:3] أي: ينقصون، أو ننقص، وإن قل النقص.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون...)

    ثم قال تعالى لهم: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5] فإذا كانوا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم فكيف يستمرون على البخس في الكيل والوزن؟

    مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5] أي يوم عظيم هذا؟ هذا يوم يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل:17-18]، فهذا اليوم يوم الهول الكبير، الذي يمتد طوله فيكون خمسين ألف سنة بأيامنا هذه.

    أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:4] من يبعثهم؟ الله. يبعثهم وقد كانوا في بطن الأرض، فنحن الذين دفناهم وقبرناهم ثم سوف يبعثهم مولاهم، قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41-42]، وقال: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:52]، يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ أي: القبور سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]، وقال: كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر:7-8].

    هذه الآية الواعظة: ألا يظن أولئك المطففون في الكيل والوزن أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟!

    ماذا تعرفون عن هذا اليوم؟

    والله إن أحدهم ليكاد يغرق في عرقه، فمنهم من يلجمه العرق إلجاماً.. ومنهم من يصل إلى رقبته.. إلى حقوه.. إلى ركبتيه؛ فيختلفون باختلاف إيمانهم وصالح أعمالهم.

    وهذا اليوم العظيم لا يذكرونه.. لا يفكرون فيه.. ينسونه.. وهل يستطيعون ألا يوجدوا فيه؟ من يصرفهم أو يمنعهم من أن يكونوا بين الناس فيه؟

    وهذه موعظة ما إن سمعوها.. ما إن تلاها المؤمنون والمؤمنات حتى أصبحوا والله العظيم لأحسن الناس كيلاً ووزناً، وهكذا ينتفع المؤمنون بوحي الله.. بأوامره ونواهيه.. بقوة إيمانهم وصدقهم في ذلك، ويمتد هذا الصلاح -كما قلت لكم- قروناً عديدة أربعة عشر قرناً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6].

    يَقُومُ لأنهم كانوا نائمين.. راقدين تحت الأرض، فدعاهم الداعي فقاموا، لم؟ للحساب والجزاء، لا لشيء، وإنما من أجل الحساب، وبعد الحساب الدقيق الجزاء الأوفى، إما في نعيم مقيم في الملكوت الأعلى حيث دار السلام ودار الأبرار، وإما في عذاب أليم في دار البوار في الملكوت الأسفل.

    وليس هناك من يقول: أنا لا أحضر، فهل الذي ما ملك ألا يحضر في الدنيا يملك ألا يحضر الآخرة؟

    فأنت جيء بك وأنت لا تدري ولا أمك تدري، وتؤخذ وأنت لا تدري.

    فكيف إذاً تقول: أنا ما أبعث؟! إذاً أنت أحمق لا تدري ما تقول.

    كيف تقول: أنا لا أبعث؟! هل أنت تملك؟ إن كان في قدرتك نعم لا تبعث، ونحن نقول له كلمة واحدة: إن استطعت ألا تموت فأنت لا تبعث، فهل بلغكم أن أحداً قال: لن أموت وما مات؟ لا.

    إذاً: عيب! وعار على الآدمي بالعقل أن يقول: أنا لا أبعث وأنت تملك.

    وهنا ملحوظة: أنه ما ذكر النساء في هذا السياق، إذ من الجائز أن المؤمنة تكيل وتزن، أو تبيع في دارها وتشتري، فما ذكر النساء، فنقول: إن قوله: يَقُومُ النَّاسُ [المطففين:6] عام، فلم ما ذكر النساء؟

    نقول: قد غرز الله في قلوب عباده المؤمنين غريزة وهي أنهم لا يريدون أن يختلط بهم المؤمنات، فالمؤمنات مستورات مغطيات، ومكرمات في بيوتهن، أما الفحول فيتحملون الحر والبرد.. الإعياء والتعب.. الجهاد طول الحياة، فلهذا ترى ربنا عز وجل لا يذكر نساءنا إلا فيما لا بد من ذكره خوف اللبس أو الخفاء، ومعنى هذا: أن المجتمع الإسلامي القرآني مجتمع يختلف تمام الاختلاف عن المجتمعات غير الإسلامية.

    الآن أين نساؤنا؟ أين بناتنا؟ هن موجودات يسمعن هذه المواعظ، ويتلقين هذه المعارف، ولكنهن منعزلات، يحول بيننا وبينهن ستائر تمنع، أما في المجتمعات الأخرى فيجلس الرجال مع النساء.

    وكل من يأخذ بأيديكم إلى حضيض الهابطين فتبرءوا منه وابتعدوا من ساحته.

    ودعوى الحضارة والتمدن والترقي وإعطاء المرأة ما تستحق من كمالاتها، كل هذه كلمات ماسونية ساقطة باردة وسخة، وأهلها لصقوا بالأرض، قد يأسوا من السماء. وقالوا: لا بد وأن تواكبنا البشرية كلها، لن ندخل جهنم والناس في الجنة، وهؤلاء هم بنو عمنا اليهود.

    إذاً: من الجائز أن تكيل المرأة وتزن، ولم تذكر لأن الاكتفاء بذكر الرجال زيادة، فلا يحتاج إلى بيان، وإن كالت أو وزنت فلا تخسر، أو تتلقى هذا الوعيد الشديد.

    قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] كَلَّا هذه الكلمة للردع، أما يرتدع أولئك الذين يطففون؟ أما يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم كذا وكذا..؟ أما آن أن يقلعوا؟! فقالوا: أقلعنا وتبنا وأنبنا إلى ربنا، هذه الاستجابة المحمودة.

    1.   

    من صور التطفيف

    قبل أن ننتقل من هذه الآية: هل تعرفون من هو أسوأ الناس وأخبثهم كيلاً ووزناً؟

    تطفيف قوم شعيب للميزان

    قد يقول البعض: قوم شعيب، ولا بأس بذلك، فقوم شعيب قال الله تعالى فيهم: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [هود:84-85] الآيات.. حقاً هذه الأمة كانت من أقبح الناس كيلاً ووزناً، وكانوا يستغلون الغريب والجاهل، ويفعلون العجب، حتى العملة يزورونها ويغشونها، ولكن الله عز وجل بعث إليهم عبده ورسوله شعيباً، وكانوا مع هذا مشركين يعبدون الأوثان والقبور والأشجار، فكان الذنب مزدوجاً، فهناك ذنب يتعلق بأموال الناس اعتادوها وأكلوها، وهناك ذنب يتعلق بعقائدهم، ولما رفضوا الاستجابة أهلكهم الله كما أهلك من قبلهم.

    عظم التطفيف في الصلاة

    وهنا أقول: إن أقبح الناس وأسوأ الناس ذاك الذي يطفف في الصلاة والوضوء، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من أسوأ الناس سرقة من يسرق في صلاته )، والله يعلم إن بيننا لسارقين وسارقات، فنحن إذا سلمنا من الكيل والوزن فما عندنا دكاكين ولا عندنا أعمال تتطلب، لكن إذا كان بخس كيل الناس يتوعد الجبار عليه بالعذاب والويل فكيف بالذي يبخس ربه حقه؟! والله أمراً ما يطاق.

    إن الإسلام يندد بمن يطفف إخوانه، فيبيع لهم ويشتري منهم فيبخس الكيل والوزن، فكيف بالذي يبخس حق الله؟! وأسوأ الناس سرقة على الإطلاق الذي يسرق في صلاته.

    على سبيل المثال: الصلاة المعتدلة زمنها ست دقائق، فإذا صليتها أنت في أربع دقائق تكون قد سرقت دقيقتين، كذلك لو أن صلاة وافية زمنها ثمان دقائق وأنت صليتها في خمس دقائق، فإنك والله تكون قد طففت وأخذت ثلاث دقائق، وهذه مشكلة من أعظم المشاكل، فالصلاة تعامل مع الله، تكيل لله وتزن، فهل يصح منك يا عبد الله أن تبخس مولاك حقه؟

    فراجعوا أنفسكم من الآن، واعلموا أن إمامنا في هذا المسجد يصلي صلاة مقبولة، ليست طويلة مملة تضيع على الناس أوقاتهم أو أعمالهم، ولا هي بالناقصة المسروقة، فلنلتزم بأن نصلي مثل هذه الصلاة فقط، فمن نقص وبخس حق الله في الصلاة فقد توعده الرسول بهذا العذاب.

    أضيف إلى ذلك: أن قضية الصلاة ليست قضية مال، فالذي لم تصح صلاته لن يفلح، ولن تزكو له نفس، ولن تطيب له روح؛ لأن الصلاة عبارة عن عملية لتزكية النفس، فإن زاد فيها أو نقص قدم أو أخر بطل مفعولها، فهي أعظم من قضية المال.

    ولا أطيل عليكم، فالإمام سيصلي المغرب الليلة، واحفظوا في أذهانكم كيف سيصلي، وانظر كم دقيقة يصلي المغرب، فإن وجدته يصلي في خمس دقائق فلا تنقص أنت دقيقة وإلا ضاعت صلاتك.

    مرة أخرى: قضية الصلاة أشد وأقوى من قضية المال، فإن بخست إنساناً في مال فسوف يرزقه الله من جهة ثانية، لكن الصلاة إن نقصتها ما نفعتك، أي: لم تؤد المطلوب منها، وهو تزكية نفسك وتطهيرها، ومن لم تزك نفسه محكوم عليه بالخسران: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، ومن يراجع الله في هذا؟ لا أحد، فقد أقسم على هذا الحكم بأعظم إقسام: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: زكى نفسه، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] أي: دسى نفسه.

    والصالحات مزكيات، والطالحات مدسيات، والصلاة من أعظم الصالحات، فإذا بخستها.. نقصتها.. ما وفيتها؛ ما أنتجت لك النور والحسنة، فكنت كمن لا يصلي.

    ولهذا هيا نبتدئ، فلا نصلي صلاة نشك في صحتها، بل إذا قرأت لا تسرع، رتل الآية، وإذا كبرت كذلك، وإذا سبحت كذلك، وعلى الأقل تقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات في الركوع، وسبحان ربي الأعلى ثلاث مرات في السجود بتأنٍ، وهذا الأقل، ولكن لا تقل: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى بسرعة، أين التسبيح؟ لكن بتأنٍ: سبحان ربي الأعلى.. سبحان ربي الأعلى.. سبحان ربي الأعلى، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة، لكن تقول: ألتزم بسبع.. بتسع، وليس بسرعة: سبحان ربي الأعلى.. سبحان ربي الأعلى، فأي تسبيح هذا؟ أما تشاهدونهم يسبحون بأيديهم بسرعة؟ أهذا هو الذكر؟! وإذا لم تخرج الحروف من مخارجها فإنها لا تشع ذاك النور ولا توجده فيها.

    وإن ما تبين لكم الموقف أريكم صورة واضحة: أليس بين المسلمين من يصلي ويزني.. يصلي ويكذب.. يصلي ويغش.. يصلي ويخدع.. يصلي ويطلق.. يصلي ويكيد.. يصلي ويغتاب.. يصلي ويفجر؟

    نعم يوجد يا شيخ.

    فإن قيل: ما السبب؟

    قلنا: إن السبب فساد صلاته، فما أحسن صلاته حتى تنتج له النور، فإذا أنتجت له النور وأخذ النور بقلبه وسمعه وبصره فلا يستطيع أن يعصي الله، والظلام هو الذي يوقع في هذا، وشتان ما بين من يمشي في الظلام ومن يمشي في النور.

    أما سمعتم الله تعالى يقول: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] أيكذبنا الله؟ تعالى الله.. حاش الله أن يقول ما ليس بحق: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى [العنكبوت:45] لماذا ما نهتني أنا؟ لأنني ما أحسنتها، ما أديتها أداءً حسناً، أما هي فهي سنة من سنن الله، مثلاً الطعام يشبع.. الماء يروي.. النار تحرق.. الحديد يقطع، فهذه سنن لا تتبدل، فإن الصلاة إذا أديت كما أراد الله وبين الرسول صلى الله عليه وسلم تزكي النفس وتطهر الروح، وتصبح نوراً في قلب صاحبها، وصاحب النور لا يمشي على الخراة ويجلس على العذرة وهو يشاهد، فمن هنا عرفنا أننا نسرق الله في حقه، فنحن نصلي ولا نصلي.

    وعندنا مثل من أمثلة المدينة النبوية، فقد كانت أزقتها ضيقة، وليس هناك سيارات ولا بغال، فمر رجلان بالحي فسمعا رجلاً يغني، لا بالآلة ولا بالمزمار، ولكن يغني بلسانه، فقال أحدهما للآخر: يا ترى هذا صلى؟ نعم هو شهد صلاة العشاء؟ فقال له صاحبه: لو صلى ما غنى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    1.   

    إقامة الصلاة من دعائم الدولة الإسلامية

    من هنا يا معاشر المستمعين، أيها الساسة والمسيرون! اعلموا أن دعائم الدولة الإسلامية التي ينبغي أن تقوم عليها دعائمها أربع، منها: إقام الصلاة، فأيما دولة تقوم على الأرض في مكان ما لم تقم على هذه الدعائم الأربع إلا وهي دولة هاوية السلك، وسلطانها وإن طال المدى إلى هلاك، ولن تطهر ولن تصفو أبداً، ومن يتحداني ويرد علي؟

    ولقد عاشرنا وعاصرنا نيفاً وأربعين دولة إسلامية من إندونيسيا إلى المغرب، أما عصر الاستعمار فما كنا قد وجدنا، لكن عاصرنا عصر الاستقلالات، فاستقل في ديارنا نيف وأربعون دولة فما أقيمت الصلاة إجبارياً في دولة، ولا جبيت الزكاة إلزاماً في دولة، ولا وجدت هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دولة.

    إذاً: كيف يرجى لأهل تلك البلاد أن يطيبوا ويطهروا؟ أن يسموا ويرتفعوا؟ أن يسعدوا ويكملوا؟ والدولة لم تقم على أركانها الأربعة.

    فإن قيل: يا شيخ! من أين هذا الكلام ما رأيناه في كتب الفقه؟

    أنا أقول لكم: اسمعوا كلام ربكم من سورة الحج يا حجاج بيت الله، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] ومعنى مَكَّنَّاهُمْ : حكمناهم وتمكنوا من السيادة والحكم، وقد طردنا بريطانيا أو فرنسا.

    الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] ماذا فعلوا؟ فرفشوا؟ أقاموا أندية اللهو؟ ماذا فعلوا؟ قال: أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41].

    فإن قيل: يا شيخ! هل هناك مثال لهذه الآية؟

    الجواب: نعم، يا من يسمعني! لأنهم علموا كل من يقول الحق: هذا عميل.. ذنب.. العنه فإنه عدوك، اسمع الهدى والحق.

    أقول: لما بنى عبد العزيز تغمده الله برحمته هذه الدولة على هذه الدعائم الأربع، ويومها لم يكن هناك تلفون فضلاً عن الطيارة والسيارة.. فأقام هذه الدولة على أربع قوائم، قد أخذها حرفياً من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41] ووالله كما تسمعون، وإن شئتم أتيتكم بشيوخ أصحاب التسعين سنة والثمانين يحدثونكم، ووالله لساد هذه البلاد طهر وصفاء وأمن ما اكتحلت به عين الوجود في أي بلد ودار إلا أيام القرون الذهبية الثلاثة فقط، فكان أمن لا نظير له، طهر كذلك؛ لأن الله لا يخلف وعده أخبر بهذا وقال.

    فمن أقام دولته على هذه الأربع من أين يأتي الخبث؟ كيف يأتي الظلم والشر والفساد؟

    ولهذا نردد هذا الكلام والمرضى يتألمون، فما عرفوا الطريق إلى الله بعد، ونحن نقول: لعل هناك من ينقل هذا الخبر، لم ما ينهض حاكم من الحكام ويقول: الصلاة إجبارية، لهذا خلقنا، والمدني كالعسكري، والأمة كلها وتظهر كمالاته.

    فلو أقيمت الصلاة في أخبث بلاد والله لأصبحت أطهر بلاد، فما بقي لواط ولا زنا ولا باطل ولا شر ولا فساد.

    لم يعني؟ ما هم فحول؟ ما هم رجال؟ ما هم كذا؟

    ما المانع أن يلزم المواطن بالصلاة وهو مؤمن وإلا يعدم؟

    لماذا خلقت؟

    خلقت من أجل أن تذكر الله وتشكره، فلا حق لك في الحياة، ولا حق لك في الهواء ولا الغذاء ولا الماء حتى تذكر الله وتشكره، فإن كنت لا تريد هذا يقطع رأسك ولا تأكل طعام الناس، وهل يعجب الناس من هذا؟ لا، راجعوا كتب العلم، راجعوا كتب الفقه، لماذا خلقنا؟ لنرقص؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    إن أعظم مظاهر العبادة الصلاة؛ لأنها دائمة من سبع سنين إلى الموت.. إلى القبر، وبالليل والنهار وطول الحياة، فمن رفض إقام الصلاة رفض الإسلام، فهو كافر لا حق له في العيش.

    وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله إلى أن من ترك الصلاة ينتظر به آخر ساعة من نهار ويعدم، أما أبو حنيفة فيخالف وقال: لا، نحبسه ونضربه حتى يصلي، قلنا له: ليس هناك حاجة إلى هذا، فالمملكة الصلاة فيها إجبارية، ولكن للأسف الواحد منا إذا كان ابنه لا يصلي فإنه لا يبلغ عنه.. وإن كانت امرأته لا تصلي فإنه يسكت عنها.. وإن كان جاره لا يصلي فإنه يغمض عينيه، وهكذا حتى تنزل بنا المحنة. والمفروض أيما شخص لا يصلي أن يستدعى له على الفور الهيئة وسيارتها.

    وهل قتل واحد في المملكة من أجل الصلاة؟ والله ما بلغني، لم؟ لما يؤخذ إلى الدائرة وقد حضرت الصلاة فيقوم أهل الدائرة يصلون، فيخاف.. ويستحي كيف لا يصلي؟! ثم يتوضأ ويصلي، أو يحبسونه يومين.. ثلاثة وهو يصلي معهم اذهب إلى بيتك، ويقولون له: إياك أن تترك الصلاة.

    إذاً فقط نعلن حزمنا، ونبين للناس أننا خلقنا لهذه الصلاة. فإذا أقيمت الصلاة انتهى الخبث.

    وهيا تعالوا! هيا بنا نمشي إلى المحافظ ورئيس الشرطة، ونقول له: أعطنا من فضلك قائمة بالمجرمين في هذا الأسبوع عندكم، وهم عندهم قوائم كل يوم يسجلون كم جريمة، فنجد الجرائم مائة جريمة: هذا ضرب أباه.. وهذا لعن عمه.. هذا سرق جاره.. وهذا اعتدى على كذا.. وهذا شرب حشيش.. وهذا شرب خمراً.. وهكذا حتى مائة جريمة، وهنا نقول: إن وجدتم نسبة المقيمين للصلاة في هذه المائة أكثر من خمسة في المائة اذبحوني. وكذلك بالنسبة لألف جريمة سجلت في هذه الأيام مثلاً، إن وجدنا أكثر من خمسة في المائة أنا مستعد أن تذبحوني أضحية، هاتوا، خمسة وتسعين في المائة إما من تاركي الصلاة أو من المصلين السارقين الخائنين لربهم، ماذا تقولون في هذه يا عباد الله؟ من عنده رأي يقول.

    واذهبوا إلى أي بلد إسلامي وقولوا لرئيس الشرطة: أعطنا قائمة بالمجرمين هذا الأسبوع.. هذا العام، فلن تجد أكثر من خمسة في المائة من المقيمي الصلاة؛ لأن ربي تعالى يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وكل ما أنكره الشرع فهو منكر عندنا: من السرقة إلى قتل النفس، من الغيبة إلى النميمة، وما المانع أن تقوم الدولة على هذه الأسس؟

    ونعود إلى السياق الكريم، ولن يجني التعاسة والشقاء إلا المعرضون عن ذكر ربهم، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، قرى في العالم الإسلامي، مدن، أرياف أهلها متباعدون متناطحون كالكباش، متآكلون كالكلاب.. لا رحمة.. لا إخاء.. لا مودة.. لا صدق.. لا صفاء.. لا.. لا، كأنهم أعداء، هذا فقير لاصق بالأرض.. وهذا شبعان طائر في السماء، ولا يشعر هذا بهذا، ولا ذاك بذاك؛ لأنهم ما أقاموا الصلاة.. ما جبوا الزكاة.. ما أمروا بالمعروف ولا نهوا عن المنكر، فكيف تعز دولتهم أو تستغني؟ وكيف يسودهم الأمن والطهر؟ كيف يتحابون ويتوالون؟ الجهل مخيم، حال لا نشكوها إلا إلى الله.

    ومع الأسف لو كنا طليان أو أسبان أو برتغال لهان الأمر؛ فما عندنا كتاب ولا رسول ولا هداية، أما ونحن نملك كتاب الله، الذي هو دستور الحياة والكمال، ومعنا رسول الله يفسر ويبين، وطبق هذا الدستور ونجح وأفاد وأغنى وأعز وطهر ونعرض عنه ونعيش على الفراغ والهوى، لا تبكوا علينا، خلونا، هذه ذنوبنا، ونحن نتجرع الغصص لأننا مذنبون، قولوا هذا وكفى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن كتاب الفجار لفي سجين)

    اسمع هذا البيان يا عبد الله.. اسمعي يا أمة الله! كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:7-9]، أعطوا هذا الخبر ما يستحق، واذهبوا إلى بيوتكم طول الليل وأنتم تفكرون في هذا البيان الإلهي، ما هو أمر هين هذا، هذا حكم علينا وقضاء.

    قوله: سِجِّينٍ أي: سجن، يقولون: فلان سكير، أي: كثير السكر، شريب أي: لا يترك الشرب، فـ سِجِّينٍ مبالغة في السجن.

    وأين يوجد هذا السجن العظيم؟ في موسكو؟ في الصين بلاد الملاحدة الشيوعيين؟ لا.

    أين يوجد سجين؟

    هذا السجن يوجد بعد الأرض السابعة.

    الآن المفكرون ما عرفوا أين الأرضين السبع هذه، وأنتم كم سنة هابطون، كم سنة يا عم وأنت هابط إلى الأرض أسفل؟ لو عشت أربعمائة سنة ما تصل، ولو عشت أربعة آلاف سنة حتى تنتهي وما تنتهي، فأغمض عينيك وطأطئ رأسك وفكر: ما الذي أسفل؟ زجاج؟ وتحت الزجاج ماذا؟ حوت، وتحت الحوت ماذا؟ بحر، وتحت البحر ماذا؟ حتى تعجز ويكل عقلك ويتعب، آه! لا نستطيع.

    إذاً: ما عليك إلا أن تصدق المخبر الحكيم العليم.

    سِجِّينٍ [المطففين:7] هذا أسفل السافلين، ويسمى سجين أعظم من سجن، وهذا خاص بالأرواح اليوم والدفاتر المسجلة على المجرمين، هذه مهمته، ما يخلدون فيه أبداً.

    وهناك عالم آخر للشقاء اسمه النار بعد نهاية الكون كله، السماوات والأراضون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما سجين...)

    ثم قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين:8] يا بني، من يعلمك ما سجين؟ أسفل الكون.

    وهذا يوجد فيه أرواح المجرمين وكتبهم، يمكن أنا ما دخلت السجون ولا أعرفها، من الجائز أن يكون المسئول عن السجن يجعل ملفات المسجونين في مكتب عندهم؛ حتى إذا دعي هذا السجين يؤخذ الملف معه، وهذا معقول أليس كذلك؟

    إذاً: كتب إحصاء أعمال المجرمين كلها محصية: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]، وما أصبح يتبجح الأحمق ويقول: إيه! أربعون سنة تملأ البيت إذاً من الكتب، الآن أراكم الله أن مكتبة فيها سبعون ألف كتاب في ورقة، في شريط واحد، هل بقي للكفر من معنى؟ ما بقي، فهذه حقائق.

    وقبل اليوم قد يوجد من يقول: اسمع أربعين سنة وهم يكتبون يملون بستان بالكتب من أعمالي، والآن الذي يقول هذا الكلام أحمق، أخرجوه من البيت، ليس له عقل؛ لأن هذه الآلات الحديثة من أطلع الناس عليها؟ من ساقهم إليها؟ من هداهم لفعلها؟ أليس الله؟ بلى.

    يقولون: مكتبة كاملة في شريط.

    إذاً أين كتب المجرمين؟ في سجين.

    وحدها أم معهم؟ معهم، مع أرواحهم.

    يبقى السؤال: من المجرمون هؤلاء؟ هل هم بيض أم حمر.. طوال أم قصار؟ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ [المطففين:7] ما هم المجرمين، الفجار.

    وقد سمعتم القانون الإلهي وهو قوله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، فالأبرار: جمع بر وبار، وهو المطيع الصادق.

    والفجار: جمع فاجر.

    الفاجر ليس بطويل ولا قصير، ولكنه من خرج عن النظام، وأنتم تعرفون الماء إذا تفجر في الأنبوب كيف ينفجر ويسيل.

    إذاً: فالذي يخرج عن طريق: هذا حلال وهذا حرام، هذا واجب وهذا مندوب، امش يا عبد الله! إلى نهاية الطريق، فمن خرج يقال عنه: فجر، فإذا زنى فجر.. كذب فجر.. سرق فجر.. عق أبويه فجر.. خان أمانته فجر.. وهكذا.

    إذاً إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] مودع هناك، وسجين اسم لسجن، وهي أعظم من كلمة سجن، كما نقول: سكير؛ لأنه ما يصحو، وشريب يشرب دائماً، وكذلك سجين.

    قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ [المطففين:8]، من يعلمك؟ كيف يخطر على بالك؟! فوق ما تدرك أو تتصور؟

    كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:9] أي: فيه كتاب مرقوم، بالرقم ليس بالتزوير، بالكتابة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين)

    وأخيراً يقول تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:10]، ويل ذلك اليوم للمكذبين لمحمدٍ وربه.. المكذبين بالله وآياته.. المكذبين بالله ولقائه.. المكذبين بمحمد ورسالته.. المكذبين بوعد الله ووعيده، فهؤلاء ويل لهم، وقد عرفتم أن الويل واد في جهنم.

    وهذا الموضوع نتركه إلى غدٍ إن شاء الله، حسبنا ما علمنا.

    1.   

    التذكير بعظم التطفيف في الصلاة

    اسمعوا لا تقوموا إلا وفي نفوسكم أن الكيل والوزن في ديار المسلمين يجب أن يكون أعدل ما يكون في العالم؛ لأن القرآن نزل فينا.

    ثانياً: انتبه! أسوأ الناس سرقة ليس ذلك الذي يسرق البنك أو الدكان، بل الذي يسرق ربه في صلاته، وقد قلت لكم: صلوا الآن مع الإمام، واحفظوا الصورة التي صلى فيها، أي: الهيئة التي صلى بها، فكما صليت المغرب مع الإمام صل في بيتك غداً إن شاء الله، فإن نقصت بخست صلاتك، والإمام مأمور بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفف وألا يطيل، لكن لا يخفف تخفيفاً تبطل الصلاة معه ولا تنتج الحسنات، فيصلي أدنى صلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أمَّ منكم بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة ).

    لكن ليس معناه يسرق، بل (يخفف) أي: لا يطيل، يصلي ربع ساعة في صلاة المغرب وإلا نصف ساعة.

    أما أن تنقص صلاتك عن صلاة الإمام في المسجد النبوي بالذات؛ إذ يوجد أئمة عند الناس لا يحسنون الصلاة، الله أكبر.. الله أكبر، سمع الله لمن حمده، بسرعة كأن المهم السلام عليكم، فالشيطان يضحك علينا ويهزأ بنا ويسخر منا، ولو عرفنا بين يدي من نحن قائمون، مع من نتكلم؟ مع الله، من الله؟ خالقي ورازقي وواهب حياتي، خالق العالم والعالمين ورب كل شيء، فكيف ما تطمئن نفسك إلى الجلوس معه والتحدث إليه؟ وتريد أن تخرج كأنك عدوه وتقول: خليني أخرج، آه! ما فعل بنا الشيطان، عدو أبينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    والسلام عليكم ورحمة الله.