إسلام ويب

تفسير سورة البروج (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حوى القرآن العظيم قصصاً وأخباراً عن الأولين والغابرين، وما جرى لهم من أحداث ومصائب وشدائد ونوازل، وما لاقى المؤمنون منهم من عذاب وبلاء من الطغاة والفراعنة، وكيف كان مصير المؤمنين الصابرين الصادقين الجنة، ومصير الطغاة والعتاة النار وبئس القرار، كله تثبيتاً وعبرة وتذكرة للنبي وأصحابه في بداية دعوتهم وما يلاقونه من شدة وصلب الكفار عليهم وإيذائهم وإخراجهم من ديارهم، ثم العاقبة والنصر للمؤمنين.

    1.   

    بين يدي سورة البروج

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا اليوم هي سورة البروج، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:1-10].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! آيات هذه السورة اثنتان وعشرون آية، كل آية تدل دلالة عقلية أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكل آية علامة على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومعنى الآية: العلامة على الشيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج)

    هذه الآيات منها قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] عرفتم بالأمس أن ربنا جل جلاله له أن يحلف بما يشاء، أما نحن العبيد فلا يحل لنا أن نحلف إلا به تعالى، وهو يحلف بمخلوقاته من أجلنا؛ لأننا كما طبعنا عز وجل وفطرنا إذا ألقي إلينا الخبر لا تسكن نفوسنا وتطمئن ونصدق إلا إذا أكد لنا الكلام، ومن مؤكداته وأهمها: الحلف، ونحن بطبعنا نتعامل به، تجد نفسك مضطراً لأن تحلف لمن تحدثه ليصدقك.

    فلما عرف الله طبعنا -وهو الذي طبعه- أخذ يقسم ويحلف لنا؛ حتى تطمئن نفوسنا إلى الخبر، فله الحمد وله المنة فمن أجلنا يحلف؛ لأنه يريد هدايتنا. والله يريد هدايتنا، ولولا ذلك ما أرسل رسوله ولا أنزل كتابه، ولا وضع شرعاً وقانوناً يريده.

    ها هو ذا يقسم بالسماء ذات البروج!

    السماء فوقك يا ابن آدم قبة زرقاء إن أردت أن تنظر فانظر فإنك لن تجد بها انفطاراً ولا شقوقاً، وارجع ببصرك مرة أخرى، وكرر النظر تتعب فقط ولا ترى فيها انصداعاً ولا انفطاراً ولا تشققاً، ملساء كالزجاج.

    من خلقها؟ من أوجدها؟ من رفعها؟

    الجواب: إن قلت: لا أدري؛ قلنا لك: إنه الله. قل: الله. وإذا كنت تدري فقل: الله وأرح الناس.

    أما إن كنت لا تبالي فهذا عيب في آدميتك ونقص في بشريتك، فأنت تسكن منزلاً لا تعرف لمن؟ تريد ألا تذكر صاحبه حتى لا تقول: شكراً.

    قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] أي: صاحبة البروج.

    والبروج من برجها؟ والقصور من بناها؟

    الْبُرُوجِ [البروج:1] اثنا عشر برجاً، ويطلق لفظ البرج على القصر، واقرءوا: يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] البناية البيضاء العالية الشاهقة يسميها العرب في لغتهم: برجاً.

    والسماء فيها بروج. من برجها؟ ربها، خالق السماء وخالق بروجها.

    وهذه البروج منها اثنا عشر برجاً تتنقل فيها الشمس طول العام .. تنتهي بنهاية السنة: الحمل.. الجوزاء.. الأسد.. السنبلة.. العقرب.. وكذا.

    والقمر أيضاً يتنقل فيها بمعدل يومين وثلث يوم، يقطعها في ثمانية وعشرين يوماً ويختفي ويستتر في اليومين التي هي بعد الثمانية والعشرين.

    هذا النظام الكوني من نظمه أفلاطون أم نابليون؟

    اسألوا لن تجدوا سوى كلمة الله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس:5].

    من يشارك الله؟ من الآن دلونا عليه لنركع ونسجد له ونرفع أكفنا ندعوه ونقسم به ونحلف ونلوذ بجنابه! دلونا يرحمكم الله؟

    الجواب: لا أحد. إذاً: لا إله إلا الله.

    لم الهروب إذاً من المواجهة؟ لا شريك له، فلا يعبد إلا هو.

    الآن وقف إلى جنبي رجل وقال لي: وراءك جماعة من الإخوان أظن من باكستان أو من الشام أو.. يقبلون يد شيخهم أو يسجدون له. فقلت له: أنبه! لا يحل السجود لكائن سوى الله، وقد أرادوا أن يسجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا. لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما يرى له عليها من حق ) ولكن السجود لله رب العالمين.

    والطريقة: هي أن شيخه يعطيه يده يقبلها ثم يسجد له، سواء كان أباه أو شيخه لما يقبلها يزيد يسجد له.

    هذه السجدة يزغرد لها الشيطان ويولول ويفرح فرحة عظيمة؛ إذ كيف تهيأت الفرصة له وأصبح أهل لا إله إلا الله يسجدون لغير الله.

    والسبب: الجهل فقط من جهة وسكوت العالمين من جهة.

    لو أن من علم بين ما سجد لغير الله هذا المخلوق، ولكن العالم سكت والجاهل ما عرف، وتمشي القافلة إلى الهاوية!

    لا. نحن طابعنا أنه لا يوجد بيننا جاهل إلا ساعة من الزمن أما أن يعيش إبراهيم سنتين أو عشر سنين وهو جاهل فليس عندنا هذا، تعيش زليخة.. خديجة.. فاطمة.. فلانة شهرين وهي جاهلة وأما أربع سنوات أو عشر فلا، ليس عندنا، حرام علينا، لأن الله تعالى قال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    تأملوا هذه الآية! أمر هذا فهل هناك من يلوي رأسه ويقول: لا؟ ينمحي اسمه من الإسلام.

    هذا أمر الله فَاسْأَلُوا [النحل:43] أيها المسلمون أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:43] أي: العلم إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    إذاً: ليس فينا إلا عالم يجب أن يبين، وجاهل يجب أن يسأل، وحينئذٍ ما بقي الجهل، ونحن لا نخلو من حالين: هذا لا يعلم يجب أن يسأل، وهذا يعلم ويجب أن يعلم فلن يبق جاهل.

    إذاً: التقصير منا حتى أصبحنا نسجد على اليد.

    وسيقول قائل: يا شيخ! والله لو تراهم يسجدون على الأعتاب .. على أعتاب الأضرحة والأولياء ويتمسحون بالتراب ويضمونه على وجوههم. ما هو السبب؟ إنهم ما علموا ولا عرفوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واليوم الموعود)

    ثم قال تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج:2] حلف أيضاً بشيء آخر غير قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] حلف باليوم الموعود. أي: بالحضور فيه والتجمع في ساحته لمهمة القضاء وفصله. هذا هو يوم القيامة، هذا هو اليوم الموعود.

    هل هناك من يتخلف عن هذا اليوم؟ والله ما يتخلف ابن امرأة.

    وهل هذا اليوم ممكن يتخلف؟ لا.

    يوم تأتي لا تكلف نفس إلا وسعها، ولا يمكن لأحد أن يتخلف ويخرج عن دائرة القضاء والحكم.

    إذاً: هذا الموعود هو يوم القيامة واطمئن!

    أقسم الله به لينبه على أنه أمر عظيم، فأنتم موعودون باللقاء مع ربكم فصححوا مواقفكم من الآن مع الله!

    ردوا المظالم والحقوق لأهلها! توبوا إلى الله واستغفروه وأنيبوا إليه وأنتم موعودون للقاء مع ربكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وشاهد ومشهود)

    قال تعالى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:3].

    وَشَاهِدٍ [البروج:3] أقسم تعالى وحلف بالشاهد.

    من هو الشاهد؟ من الجائز أن يكون كل من يشهد في المحكمة شاهداً، وكل من شهد عليه مشهود.

    وجائز أن يكون الشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن المشهود علينا؛ إذ قال الله تعالى له: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41].

    وجائز أن يكون الشاهد هو يوم الجمعة، وهي أفضل الأيام على الإطلاق، أفضل يوم من أيام هذه الحياة هو يوم الجمعة، واحمدوا الله أن آثركم الله به وخصكم به وحرم منه اليهود والنصارى لظلمهم وعنادهم وجاء به لكم، فكنتم الآخرين الأولين.

    هذا اليوم خلق الله فيه آدم، وأسجد له ملائكته، وأنزله إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة .. يوم الجمعة يوم تقوم فيه القيامة، وفيه ساعة لا يوافيها عبد يصلي فيسأل الله شيئاً إلا أعطاه.

    وطالبنا الإخوان بأن يضبطوا هذه الساعة لكنهم ما عرفوا وعجزوا، وما وجدنا الشجعان والأبطال وهي: أنه أول جمعة، يبتدئ من الفجر وهو جالس يصلي، جالس في مصلاه إلى الضحى، الجمعة الثانية يبتدئ من الضحى إلى صلاة الجمعة يصلي ويدعو، الجمعة الثالثة من صلاة الجمعة يبقى إلى العصر يصلي ويدعو، الجمعة الخامسة يأتي من العصر إلى المغرب يصلي ويدعو؛ يضبطها فيحصل على حاجته!

    جرب يا ناصر! خمسة أيام، شهر واحد تحوز على هذه الفضيلة.

    إذاً: باب الله واسع ومفتوح، ومن طلب وجد، ولا بأس أن يقسم الله بهذا اليوم لشرفه كما أقسم بحياة نبيه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72].

    وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:3] هذا المشهود الذي نشهده نحن، إنه يوم عرفة، يوم مشهود يوم عرفة تشهده الملائكة، يوم احتفال عظيم يعقد لضيوف الرحمن ليعطوا الجوائز، ويمنحوا الهبات والعطايا الربانية.

    يوم عرفة هذا اليوم لا بأس أن يقسم الله به.

    إذاً: بم أقسم الله؟ بالسماء ذات البروج، وباليوم الموعود، وبالشاهد، وبالمشهود، أقسم بأربعة أشياء.

    وبالأمس في الانشقاق أقسم بثلاثة أو أربعة، وهكذا ربنا تعالى يحلف بما يشاء، وأنتم يا عبيده! لا تحلفوا بغيره فإنه يغضب عليكم لا يريد أن ترفع مخلوق إلى مستواه، فهو مخلوق.. مربوب لا يستحق أن يعظم تعظيم الله، ولا أن يبجل ويرحب كما يعظم الله، ونحن عبيد الله.

    فقط أكرم أخاك، أما أن تقول: ورأسك، وحياتك فما قيمة رأسه؟ سيفصل غداً ويرمى به في الأرض.

    الحمد لله! أصبح أكثر المسلمين في هذه الأيام لا يحلفون إلا بربهم. إذاً: خطونا خطوة إلى الكمال، ومضى علينا زمان ما يعرف الناس اليمين إلا بغير الله.

    والحاكم إذا قلت له: ورأسك يطلق سراحك، ويعطيك حلاً؛ لأنك عظمته!

    القاضي يصدر حكمه على فلان، فيحلف فلان لأنه أنكره في دابته أو سيارته فيأبى خصمه إلا أن يحلفه بسيدي فلان، فيمشي معه إلى الضريح الفلاني ويحلف بأمر القاضي.

    قلنا مرة للقاضي: كيف تفعلون هذا؟ قال: إذا لم نحلفه بسيدي فلان يحلف بالله ولا يبين الحق ويجحده.

    تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور. قال: بالله يحلف سبعين مرة. هكذا وصلنا. الحمد لله أن أحيانا الله بعد موت، وأن نشرنا بعد فناء.

    وما هو سبب هدايتنا؟ إقبالنا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما انفتحت أعيننا ولا عرفنا الطريق إلى ربنا حتى أقبلنا على الله نتلو كتابه وندرسه وعرفنا الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نحبه ونعظمه ونتبعه ونمشي وراءه، والجماعات التي ما زالت معرضة عن الكتاب والسنة ما زالت في ظلامها ما عرفت الطريق إلى الله بعد.

    ونحن الآن ندرس التفسير مضى علينا زمان لو يسمعك عالم تقول: قال الله وتفسر يغلق أذنيه ويشرد؛ خشية أن تنزل السماء. لم؟ قال: ساداتنا ومشايخنا قالوا: تفسير القرآن خطأ. هذا إن أصبت، وإن أخطأت كفرت، وعلمونا قاعدة: صوابه خطأ، وخطؤه كفر. فمن ذا الذي يقول: قال الله أو أمر الله أو نهى الله أو أخبر الله؟!

    لا يتكلم أحد. إذاً: ماذا نفعل بالقرآن؟ قالوا: اقرءوه على الموتى، فأصبحنا نقرأ القرآن على الموتى!

    إذا مات الميت الغني نأتي بكل طالب في القرية والطعام والشراب والضحك أيضاً والنقود، ونقول: خلصناه من نار جهنم!!

    آه ماذا فعل بنا العدو! وما زلنا ما صحونا بعد، فهيا بنا نعود، هيا إلى العودة!

    تعرفون كيف نعود؟ الطريق السديد الصائب الوحيد السهل الميسر الذي ليس فيه خطورة وليس فيه مشقة أبداً: فقط أن نعزم عزيمة الصالحين الصادقين أن أهل قريتنا لا يتخلف منهم رجل ولا امرأة عن شهود صلاة المغرب والعشاء في المسجد الجامع كل ليلة وطول العام على أن يجلس لنا عالم بالكتاب وبالسنة من المغرب إلى العشاء وهو يلقننا المعارف ويضع بين أيدينا أنوار الكتاب والسنة، ونحن نأخذ ونفرز ما أخذناه صالحات بيننا.

    هذا هو الطريق، وهذا هو سبيل النجاة، بدون هذا لا تفكروا في ثورات ولا انقلابات ولا جهاد ولا ولا.. إذ كل هذا لا يمكن أن ينتج خيراً إذا لم نسلك طريق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. هذا سبيل الله.

    وإن قلت: يا شيخ! تريد أن تحجرنا وتجمعنا في المساجد فقط فكيف نطير في السماء؟ كيف نغوص في الماء؟ كيف نحلل الكون وجزئيات الحياة؟

    لا. أنا لم أقل هذا، أنا أقول: من صلاة الصبح الساعة الخامسة وفي الصيف الساعة الرابعة، من صلاة الصبح وأنتم في المصانع وفي المتاجر وفي البحار وفي السماء وفي الجبال تنتجون إلى غروب الشمس، فإذا مالت الشمس للغروب غير ثيابك واحمل زوجتك وأولادك إلى بيت ربك واجلسوا تستمطرون رحماته وتتلقون المعرفة.

    هل بعد هذه الحركة بأربعين يوم.. بسنة يبقى من لا يعرف الطريق إلى الله؟ والله ما يبقى.

    وبعد سنة أهل القرية والحي كلهم على هذا المنهج إذ كلهم في بيت الرب أولياء لله نساءً ورجالاً.

    وهل يبقى يوجد في قريتكم من يتلصص عليكم ويجرم فيختطف أموالكم ويذهب بها إلى بيته؟ لا يوجد.

    أما علمنا أن الله يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] حصر الخشية الكاملة فيهم، فمن لم يعلم الله ولم يعرف عن الله لا يؤمن أبداً، وليس أهلاً لأن يستقيم على منهج الله وقوانين أوروبا وأمريكا والصين واليابان دقيقة مضبوطة تدعمها قوات مادية خيالية.

    هل طهرت بلادهم فليس عندهم لواط ولا زنا ولا فجور ولا سرقة ولا تلصص؟ لا. بل خمت ديارهم من الخبث وتلوث الجو من الخبث والشر والفساد .. الطريق واحد لا ثاني له: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:153] .

    بلغوا المسئولين والحكام والساسة! ليس هناك من يبلغ فبلغوا!

    أما سمعتم الله يحلف؟ بلى وأنا أحلف لكم بالله الذي لا إله غيره ما أرى ولا أعلم سبيلاً لإنقاذ المسلمين في أي إقليم أو أي بلد أو أي قرية إلا هذا السبيل، وبيننا وبينكم مئات السنين!

    أشيروا إلى جماعة طهرت أو إلى قرية صفت أو إلى إقليم زكا وطاب وطهر ولم يسلك هذا السبيل؟

    أشيروا! ما هي خيالات بل حقائق وبراهين: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    إذا أردنا أن تنتهي الجريمة وأن نتراحم وأن نتواد وأن نتعاون وأن نتلاقى فينبغي أن نصفي أرواحنا ليس بالماء والصابون والحيل والتمثيليات والتدجيل والكذب بل بتصفية الأرواح على ذكر الله وطاعته فإن أقلقتكم وأزعجتكم، فابكوا خيراً لكم.

    وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:1-3] لم تحلف يا رب؟ من أجلكم.

    أين جواب القسم؟ من الجائز أن يكون: لقد قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4]، وحذف هذا التوكيد جائز قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4] وجائز أن يكون جواب القسم معهود عندنا في السياق التالي: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19].. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:14] .. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ [الانفطار:5]

    وقد يكون: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] لأن الوسط الذي نزلت به هذه الآيات المكية ذاك الوسط أهله كانوا ينكرون البعث الآخر فلا يؤمنون بالحياة الآخرة. لم؟ لأن الإيمان بالآخرة يضبط حياتهم، لا تسرق ولا تكذب ولا تفجر ولا تخن ولا تغش؛ لأنك تخاف الحساب أمامك. قالوا: نستريح من هذه العقبات، قولوا: لا بعث ولا جزاء، وفرفشوا. وهذا الذي أفصح عنه القرآن الكريم: بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ [القيامة:5] أي: الملحد الكافر بالبعث والجزاء لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5] ليواصل العبث، أما إذا أصبح موقناً أنه يسأل ويحاسب ويجزى كف ووقف وأصبح يحل الحلال ويحرم الحرام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود ...)

    ثم قال تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:4] الأخدود ليس المقصود بها هذه الخدود، خدك خد المرأة هذا الجانب من اليمين واليسار .. الأخدود غير الخد.

    الأخدود: هو الحفرة في الأرض بالمعاول والفئوس. مكان طويل عريض إما ندفن فيه الجراد أو البهائم أو ما يفعله الظالمون بالمؤمنين. والجمع أخاديد.

    الأخدود: أرض تحفر بعناية ويصبح ذاك الوسط حفرة عميقة تسمى أخدود. ‏

    قصة أصحاب الأخدود

    من هم أصحاب الأخدود؟

    الغالب أنهم في نجران جنوب المملكة إذ كانت هناك ديانتان: اليهودية والنصرانية، وجاء في الحديث ما يؤكد أن هذه الحادثة وقعت في نجران.

    وخلاصتها: أن حاكم البلاد كان على غير دين الحق، فجاء من يدعو إلى الإسلام .. إلى الدين الحق. وأظهر الله على يديه كرامات، فأخذ الناس يتابعونه، فشعر الحاكم الكافر بالخطر.

    إذاً: ومن أحداث هذه القضية: أن شاباً أكرمه الله عز وجل بالآيات والكرامات واستدعاه وقال: أنا لا أعترف بك رباً وإنما ربي الله، فأمر رجاله بقتله، فقال: خذوه إلى قمة جبل وأرسلوه حتى نستريح من هذه الدعوة. وبالفعل أخذوه إلى أعلى قمة جبل وهددوه، فجاء يمشي ما أصابه شيء. فقال لهم: خذوه في قارب من قوارب البحر وتوسطوا به البحر وأغرقوه نستريح، فأخذوه في ذلك القارب إلى وسط البحر ورموه فخرج يمشي.

    فاستدعاه الكافر، ما شأنك أنت؟ قال: أنا ربي الله، أنا عبد الله، أنا أدعو الله عز وجل يعطيني، آمن بالله. قال: لأقتلنك، قال: تفضل! لن تستطيع، ولكن عندي لك وسيلة إذا استخدمتها نجحت في قتلي. فقال له: تفضل هاتها! قال: تعلن عن اجتماع عام في ساحة عظمى لكافة أهل البلاد يحضرون لقتل فلان، فإذا حضر أهل البلاد سأقف لكم واربطوني بحبل واضربني بسهم في هذا المكان فإني أموت، لكن الذي يضرب يقول: باسم الله رب الغلام ويضرب.

    الملك المغرور المخدوع أمر البلاد وأهلها أن تحضر لمشاهدة إعدام ذاك المتزمت أو الأصولي- حسب زعمهم- ليستريحوا منه!

    حضرت الأمة والنساء والرجال ووقفوه وجاء الرامي المكلف فقال: باسم الله رب الغلام وضربه، وضع يده على مكانه ومات، فما إن سمعت الأمة: باسم الله رب الغلام؛ حتى قالوا: لا إله إلا رب الغلام؛ فأخزاه الله بحكمة هذا الغلام.

    كيف يستطيع أن يبلغ دعوة الله هذا الغلام؟ تمت له في يوم واحد. قالوا: آمنا بالله رب الغلام.

    إذاً: جن جنون المسئولين، كل من آمن لا بد من إعدامه أو يعود إلى دينهم إعلان، فالمؤمنون الصادقون ثبتوا، والمهزوزن رجعوا، فلا بد من ضعف البشر، فخد الأخاديد، وأوقد النيران وكان يؤتى بهم جماعات جماعات إلى هذه الأخاديد، ويقال لأحدهم: تعود إلى دين آبائك وأجدادك؟ فإن قال: لا. آمنت بالله؛ يدفعونه، فإن خاف وقال: أنا على دين آبائي يتركونه لأنه رجع.

    وقد أخبرنا أبو القاسم بهذا وكأنه يشاهده.

    امرأة في يدها طفلها ترضعه فلما وقفت ترددت لا على نفسها، بل خائفة على طفلها كيف ترمي بهذا الولد في النار؟ فأنطق الله الغلام وقال: أماه! إنك على الحق فامض. وهذا واحد من أربعة أطفال نطقوا وهم يرضعون، هذا من بينهم وشاهد يوسف كما تعرفون.

    حينئذٍ لما فرغوا من المؤمنين وأحرقوهم في هذه الأخاديد شاء الله عز وجل أن يريهم آية فتلك النار ارتفعت وأتت على الحاضرين منهم، فأحرقوا بنارهم قال تعالى: فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    هذه الحادثة ليست بعيدة عن النبوة المحمدية قرابة مائتين سنة ثلاثمائة سنة، فها هو تعالى يلفت النظر إليها لوجود مشابه لها، هذه الأيام بالذات، صهيب ، عمار، ياسر ، امرأته، فلان.. بلال ، يعذبون كما عذب أهل نجران.

    يضعون بلال في الرمضاء .. في الأرض الحارة في الصيف ويضعون الصخرة على صدره ويطالبونه أن يكفر فقط وهو يقول: أحد أحد.. أحد أحد وهو يعرق.

    ثم يأتون بـياسر فيضعونه في الماء ويغمسونه ويغطونه غطاً: اذكر محمد بسوء فلا يذكره.

    سمية أخذ حربة وأدخلها في فرجها على طول إلى قلبها!

    فلكي يثبت الله قلب رسوله والمؤمنين يقص عليهم هذه الأحداث فيقرءونها صباح مساء ليتحملوا، ليقووا على تحمل هذه الفتنة التي هم فيها، ونجحوا.

    ثم قال تعالى: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج:5-6] ماذا يفعلون بالمؤمنين؟ يكرهونهم على دينهم، اكفروا وإلا تحترقوا، ومع هذا ثبت من ثبته الله، ونجا من نجاه الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود)

    ثم قال تعالى: وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:7] لأن الإنسان يحمل عاطفة إنسانية، يحمل قلباً بشرياً، يحمل نزعة إنسانية، فلو قيل له: قم واضرب فلاناً واقتله ممكن يسهل عليه، لكن كونهم يقفون يتفرجون وإخوانهم يعذبون يحرقون ولا يصرخون، لا يبكون، لا يتحركون، فموت كامل هذا. هذا السر: وهم شهود.

    وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:7] لو تم هذا التعذيب في الخفاء لمضى فكيف أهل البلاد يحضرون ويشاهدون إخوانهم تمزق بطونهم تكسر أفواههم ويفعل بهم هذا العذاب؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)

    قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] بين تعالى سبب هذا التعذيب وعلة هذا التعذيب. ما هي؟ لا شيء. ما قتلوا السلطان، وما أخذوا المال، وما فجروا بنساء والرجال، ما فعلوا شيئاً يستوجب تعذيبهم هذا التعذيب، كل ما في الأمر أنهم قالوا: لا إله إلا الله.

    أمن أجل هذا يعذبون؟

    أمن أجل أن قالوا: لا إله إلا الله يضطهدون ويعذبون؟

    نعم يا شيخ! الآن يعذبون الناس من أجل لا إله إلا الله، والبشر هم البشر: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] ما آمنوا بدجال ولا بساحر ولا بزعيم فارغ، بل آمنوا بالله العزيز القوي القادر، الحميد في أفعاله، المحمود بكل لسان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد)

    ثم قال تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:9].

    أمن أجل هذا الإيمان يعذبون؟!

    يجب أن يكرموا، فهم عقلاء، سمت أرواحهم، ما آمنوا بالخرافة والباطل والضلالة، بل آمنوا بالحق، ومن حقهم أن يكرموهم، أن يعزوهم لا أن يهينوهم ويضطهدوهم ويعذبوهم.

    لكن أين العقول؟ استولت عليها الشياطين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم...)

    ثم قال تعالى كالتبيين، واسمع ليكون الأمر عاماً وليس خاصاً بأهل نجران ولا بأهل مكة: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج:10] كيف فتنوهم؟ امتحنوهم، اختبروهم في دينهم وعقائدهم، سلطوا عليهم الكلاب والرجال، آذوهم، من أجل دينهم .. من أجل إيمانهم.

    إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج:10] أما إن تابوا فتاب الله عليهم. وهذه رحمة الله عز وجل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.