إسلام ويب

تفسير سورة الطارق (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله تعالى في أواخر سورة الطارق بأمر عظيم على أمر عظيم، فقد أقسم بالسماء والأرض، وما ذاك إلا لعظمة خلقهما وما أودع الله فيهما من أسرار الإبداع والإعجاز الخلقي، وأما ما أقسم الله تعالى عليه فهو لإثبات أن هذا القرآن حق وفصل من الله تعالى، جد لا هزل فيه ولا شك ولا امتراء، وما دام كذلك فيجب تصديقه والعمل به، ثم ذكر الله تعالى في آخر السورة أن المشركين دأبهم وعملهم دائماً وأبداً الكيد والمكر لهذا الدين، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، فإنه تعالى يمهل ولا يهمل، وأخذه للكفرة والظالمين أخذ عزيز مقتدر.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الطارق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها يوم أمس سورة الطارق، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:12-17] هذه خاتمة سورة الطارق.

    اهتمام السور المكية بمعالجة وتقرير أمور العقيدة

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم تعليماً لغير العالمين، وتذكيراً للناسين: أن هذه السورة مكية، ومرحباً بالمكيات والمدنيات.

    والمكيات يعالجن العقيدة، والعقيدة الصحيحة بمنزلة الروح، أو بمثابة الطاقة الدافعة، وإن شئتم حلفت لكم.

    إن كانت العقيدة ربانية صحيحة سليمة فصاحبها يقوى ويقدر ويستطيع أن يتحمل أعباء التكليف. ولو قيل له: اخرج من مالك خرج .. مستعد. لو قيل له: صم دهراً يصوم؛ لقوة إيمانه.

    ومن كان لا إيمان له -أي: لا عقيدة إسلامية له- فهو ميت، في عداد الموتى، والدليل: أننا لا نكلفه بوضوء ولا صلاة، ولا نكلفه بصدقة ولا زكاة، ولا نكلفه بأن يترك الخمر والباطل، فضلاً أن نكلفه بالرباط والجهاد. لا والله. لم وهو يعيش بيننا ونحن نحميه ونحافظ على دينه وجسمه وماله؟ لأنه ميت. فهل تقول للميت: قم صل؟!

    أي عقل هذا؟! يا ميت! تصدق. كيف يتصدق الميت؟!

    فإذا آمن الإيمان الحق ودلل على ذلك بإعلانه الواضح: لا إله إلا الله محمد رسول الله، نقول: حي فلان، كلف، إن كانت امرأة: يا امرأة! الزمي بيتك، وغطي وجهك، وأكثري من ذكر الله، واعتني ببيتك فلا سوق ولا هرج ولا عبث فتقول: سمعاً وطاعة.

    لما نزلت آية الحجاب تحدثكم أمي الصديقة عائشة رضي الله عنها فتقول: ( رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت آية الحجاب خرجن وكأن على رءوسهن الغربان ). والغربان: جمع غراب. أسبلن الخمر السوداء على وجوههن ورءوسهن فخرجن وكأن على رءوسهن الغربان.

    ولما نزلت: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ [المائدة:90] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] لما سمع عمر رضي الله عنه قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] قال: انتهينا.. انتهينا! وجرت أزقة المدينة بالخمر. كل من كان لديه خمر من عتبة البيت يفرغ البرميل أو القربة.

    والأزقة كانت ضيقة في الزمان السابق فكانت الأرض تجري بالخمر، وما احتفظ واحد بدن ولا بشن ولا ببرميل ولا قال: هذا كذا.. على الفور أهرقوها في الشوارع.

    هؤلاء مؤمنون درجة إيمانهم بلغت النهاية .. الكمال؛ لأن بعض الغافلين لا يرون في الحديث عن الإيمان وتقويته شيئاً مفيداً.

    هل تريد أن تجاهد بدون إيمان؟ تكذب.

    تريد أن تتصدق بدون إيمان؟ لا تستطيع.

    تريد أن تستقيم بدون إيمان؟ والله ما تقدر.

    ستقولن: ما للشيخ يحلف؟ نعم. أنا سمعت ربي يحلف، وأنا عبده أحلف.

    قال تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1].. وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:11-12] لم يحلف ربنا؟ علمتم أمس أن الله عز وجل يحلف من أجلنا؛ حتى نصدق الخبر وتطمئن إليه نفوسنا.

    إذاً: فالذي يعلم ويربي يجب أن يحلف حتى يقبل الخبر منه بدون ما شك ولا تردد.

    لم أقول هذا؟ لأن بعض الإخوان يقولون: آه! هذا الشيخ يحلف -خائفين علي- والحلف بالله عبادة، والحلف بغير الله شرك وكفر، ومن أراد أن يعبد الله فليحلف به تعظيماً له وإجلالاً، ولكن لا تحلف به كاذباً، فمعناه: أنك لست معظماً له ولا مبجلاً ولا مرجباً، لكن إن كنت صادقاً احلف به فإن الحلف عبادة.

    إذاً: وإن كانت العقيدة موجودة ولكن ضعيفة أو مهزوزة أو مدخولة ليست صافية وليست مشرقة فصاحبها مثلي يتصدق يوم ويفشل آخر، يصوم يوماً ولا يصوم الثاني، يقول اليوم كلمة حق وغداً يجبن ولا يقولها، يكون مريضاً.

    ولعلكم تشاهدون أن المسلمين جلهم مرضى يحتاجون إلى تصحيح العقيدة وتقويتها، وهناك عقيدة صحيحة عند بعض الإخوان الموحدين، ولكن ضعيفة جد الضعف فلا يستطيعون أن يتوكلوا على الله.

    وبعضهم قوية ولكن فيها الدخيل .. مغشوشة لا تنتج النتاج المطلوب، فمن أراد إيجاد عقيدة قوية أو تصحيحها أو تقويتها فعليه بالقرآن المكي، فليقرأ السور المكية حتى يوفر له طاقة يستطيع معها أن يحلق في سماء الكمالات.

    إذاً: هذه السورة مكية تعالج:

    أولاً: التوحيد.

    ثانياً: البعث والجزاء.

    ثالثاً: إثبات النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.

    وهذه أعظم أركان العقيدة، عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن لقاء الله حق، ويلزم اللقاء الحساب الدقيق، ثم الجزاء العادل إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم، فأيما عبد أو أمة عرف فوحد الله وعظم الرسول ومشى وراءه وآمن بلقاء الله والوقوف بين يديه أمكنه أن يستقيم الاستقامة الكاملة ولا يسقط حيث يسقط الناس.

    إقسام الله تعالى على حفظ الملائكة لأعمال الإنسان

    أولاً: أقسم تعالى فقال: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:1-3]. على ماذا حلف؟

    عرفتم أمس أنه حلف على أنه ما من إنسان إلا وعليه حافظ يحفظ سلوكه وأعماله وأقواله وأفعاله، ويدون كل شيء، كل كلمة تقولها تسجل. هذه مهمته.

    لماذا؟ لأنه إذا جاء يوم الحساب تقدم هذه السجلات المسجلة، ما ظلمك ربك أبداً؛ لأن ما قلته وما فعلته وما أسررته وأخفيته في باطنك الكل مكشوف وتقف عليه وتجزى به.

    فعلمك بأن عليك كراماً كاتبين يحفظون ما تفعل يعينك على الاستقامة، فلا تستطيع أن تكذب والملك إلى جنبك!

    تمد يدك تسرق والملك يسجل؟ أين عقلك؟!

    الذين يجثمون على المعاصي ما آمنوا بالكرام الكاتبين ولا عرفوا لهم معنى.

    والآن الذين عرفوا في هذا الدرس لو تعطيهم مليون ريـال لا ينفخ الدخان في وجه ملك، والذين ما عرفوا كل يوم ينفخ هذا الدخان على وجه الملك الكريم؛ لأنهم ما عرفوا.

    من علمهم؟ ما أرادوا العلم ولا طلبوه ولا رحلوا إليه أيضاً؛ لأن العلم لا يأتيك إلى بيتك، العلم تأتيه أنت وترحل تطلبه.‏

    طلب موسى عليه السلام للعلم

    هذا موسى عليه السلام من بني إسرائيل وهو كليم الله .. نجي الله .. موسى الذي يتلقى المعارف من الله، خطب يوماً في بني إسرائيل في تيههم فأعجب الحاضرون فقام شاب فقال: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ قال: لا. فوقع في الفخ.

    هذا التلميذ هو الذي ورط نبي الله، التلميذ اندهش من البيان والفصاحة، فقال: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ قال: لا. قال الله: بلى عبدنا خضر، عبدنا خضر أعلم منك يا موسى. قال: إذاً وكيف السبيل إليه؟

    يترك الإمامة والقيادة والحكم ويطلب العلم من جديد. عجب هذا!

    كيف اللقاء يا رب به؟

    فأرشده الله عز وجل إلى كيف يلتقي به، وبالفعل أخذ تلميذه يوشع ومشى وترك بني إسرائيل لهارون.

    إلى أين؟ يطلب العلم، ما دام يوجد من هو أعلم منه يأتيه، والتقى معه وقال له: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66].

    لم يقل: اسمع! أنا رسول الله، أنا ملك بني إسرائيل، تعلمني أو لا .. أنا جئت لتعلمني، وإنما قال له: هَلْ أَتَّبِعُكَ [الكهف:66] تسمح لي أن أمشي وراءك وأتبعك حتى تعلمني؟ عجب.

    هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ [الكهف:66] من علمه هذا؟ الله. ماذا علمه؟ الرشد. وأشفق الخضر على موسى رحمة به وخوفاً عليه فموسى عاش عيشة الدلال، فكيف يمشي؟

    قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67] لا تقوى على ذلك قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا [الكهف:69] أولاً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69] ثانياً.

    قل الآن للمعلمين والمربين يأمرون تلامذتهم وينظرون كيف! هل يطيعون؟ لا يطيعون.

    قال: وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69] لو قلت: قف وقفت الدهر.

    والشاهد عندنا: طلب موسى العلم، وأمتنا لا تطلب؛ ولهذا تراكم الجهل واختفت الأنوار وضاع الرشد وأصبحنا أسوأ ما نكون.

    ووالله إن ربنا لبالمرصاد، وإن كوارث ونوازل ستنزل بالمسلمين ما عهدتموها إلا أن يتداركنا الله بتوبة عاجلة نصوح، أما سلوك المسلمين فيقودهم إلى محنة ما عرفها أجدادنا أيام الاستعمار.

    وفكروا! اسألوا الله العافية، لكن لله سنناً فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، سنن لا تتخلف، والإعراض عن ذكر الله نتاجه واضح.

    أثر المعاصي والذنوب على المسلمين

    هناك ثلاث وأربعون دولة مسلمة ليس فيها دولة تأمر بإقامة الصلاة إذا استثنينا هذه البقعة!

    ثلاثة وأربعون دولة ليس هناك دولة رفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلمت أبناء الوطن: أنه لا يعبد إلا الله، وألا يتابع ويمشى وراءه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هذا معنى: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

    إن راية تظلل أرضاً وفيها لا إله إلا الله يجب ألا يعبد فيها سوى الله!

    وبلاد المسلمين يعبد فيها الأولياء والقباب والقبور! وليس هذا فحسب بل تجد التشجيع أيضاً من رجال الحكم والسلطة تحدياً لله. فلا إله إلا الله! واللهم رحماك يا ألله.

    ولهذا عندنا وسيلة تؤجل العذاب وتؤخره، وهي: كثرة الصالحين. أهل إقليم في الشرق أو في الغرب إذا عرفوا الخطر أقبلوا على الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، تواصوا بالحق والصبر وتعاونوا فيقل الخبث وتنتهي ظلمة الجهل. هؤلاء آمنون. وهذه هي الضمانة، وليست ضمانة دولة ولا الأمم المتحدة، بل كثرة الصلاح هي المناعة؛ لأن هناك ميزاناً إلهياً فإذا رجحت كفة الفساد جاء الهلاك، وإذا رجحت كفة الصلاح جاء الأمن، وإن استوت الكفتان فإمهال وانتظار أيما رجحت انتهى الأمر عندها.

    قد تقول: كيف نعرف هذا؟ تعرف أهل قرية كم الذين يصلون فيهم؟ كم من مقيم للصلاة؟ كم من كذا..؟ فتميز وتستطيع تعرف الأكثرية.

    وهذا مأخوذ من الحضرة النبوية، كانت أمسية من أمسيات الصيف أو أوائل الخريف فيها زوابع وعاصفة ريح وسحاب، فالرسول صلى الله عليه وسلم خاف؛ لأنه مؤمن بالله، لأنه مع الله.

    أما الهابطون فلا يخافون، لو تنشق الأرض يقولون: أحداث طبيعية حتى لا يخافوا الله ولا يذكرونه!

    كان صلى الله عليه وسلم يدخل البيت ويخرج -وبيته صلى الله عليه وسلم هذه الحجرات- يقول: ( ويل للعرب من شر قد اقترب ). فأنطق الله إحدى مؤمنات الرسول ولعلها زينب فقالت: ( أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث ).

    لم لا تحفظون هذا الحديث؟ تحفظون أغنية أم كلثوم وأغنية اسمهان ولا تحفظون هذا الحديث؟

    ( أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم ) نعم توجد صحوة.

    ( أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث ) فإذا كثر الصلاح أو الطيب فلا هلاك.

    أخذتم هذه الحقيقة فعودوا إلى دياركم إلى قراكم واعملوا!

    يا أهل القرية! هيا ننقذ أنفسنا.

    ماذا نصنع؟ نستقيم على منهج الله، تعالوا بنسائكم وأطفالكم كل ليلة نبكي بين يدي الله، نتعلم هداه، نتعرف على الله إذ ما عرفناه بعد إلى الآن، وإذا بتلك القرية تزدهر أنوارها، ويتم صفاؤها، وينتهي الخبث والفقر والجوع والمرض والكذب والخيانة والكرب والحزن والهم، كله ينتهي؛ لأن العارفين بالله المستقيمين على منهج الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يربطون الحجارة من الجوع على بطونهم ولا خوف ولا حزن، يمرض وهو يبتسم.

    أبو بكر مرض فقالوا من أمرضك؟ قال: أمرضني الطبيب. من هو؟ الواحد الأحد، هو الذي يمرض ويعافي.

    ما المانع أن يشيع هذا الهدى في بلاد المسلمين؟!

    ستقولون: مشغولون يا شيخ. بماذا؟ بالكذب والباطل، بإعداد الطعام والشراب.

    لم فلان عنده راديو وأنا ما عندي؟ فلان عنده تلفاز ما عنده، عنده سيارة ما عنده، مشغولون بهذا الشغل حتى تحق الحاقة، ويومئذٍ لا ينفع البكاء.

    حقيقة أولياء الله

    اسمعوا هذا الإعلان! يقول الله تعالى: أَلا [يونس:62] أي: هل تعرفون؟ هذه عندنا كشرب الماء. ما معنى ألا؟ معناها: اسمع.. انتبه، أنت حاضر الإحساس، مشاعرك معك، ألقي إليك الخبر!

    هذا معنى (ألو) تعلموها الليلة وهي في القرآن: أَلا [يونس:62] أي: انتبه.

    أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] نفى عنهم الخوف والحزن؟

    وأي شيء أعظم من الخوف والحزن في عذاب الدنيا؟

    هل الخائف يستريح أو يطمئن في النوم؟

    في الأكل كيف حاله؟

    والحزين المكروب هل ينفعه طعام أو شراب أو أمن؟

    إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم أولياء الله؟

    سيدي عبد القادر ، سيدي أحمد البدوي ، سيدي فلان، سيدي الرفاعي ، أولئك الأولياء.

    لو قام كل واحد يتكلم من إخواننا عن أهل بلاده فسيذكر لنا عشرين ولياً أو ثلاثين، ولكن كلهم موتى والقباب عليهم، ويعبدون بالذبح لهم، الاستغاثة بهم، الحلف بهم، الجثوم والعكوف على قبورهم، أما إن سألتهم عن ولي يمشي على الأرض فيقولون: ليس عندنا، لا يوجد. كل بلادنا أعداء لله؟! لا إله إلا الله!

    لو تأتي عاصمة من عواصم العالم الإسلامي من كراتشي إلى بغداد.. إلى دمشق.. إلى القاهرة.. إلى تونس.. إلى الرباط.. إلى الجزائر.. إلى نواكشوط .. إلى صنعاء اليمن.. إلى الخرطوم.. وتدخل وأول من تلقاه في الطريق تقول له: يا سيد! أنا غريب وجئت زائراً لهذه البلاد، من فضلك دلني على ولي من أولياء الله في هذه البلاد. والله لن يأخذ بيدك إلا إلى قبر، ولن يقودك إلا إلى ضريح، فهو لا يفهم أن هناك أولياء أحياء في هذه المدينة.

    هل فيكم من يرد علي هذا؟ آه! من فعل بنا هذا؟ ولم فعلوا بنا هذا؟

    الجواب: الأعداء؛ لنصبح أعداءً لبعضنا، تدخل مدينة من مدن العالم الإسلامي فتجد المسلمين يزنون بنساء المسلمين.

    أعوذ بالله! مؤمن يزني بامرأة أخيه المؤمن؟!

    مؤمن يزني بابنة أخيه المؤمن؟! كيف هذا يتم؟ هذا المؤمن ولي الله؟ كيف ينتهك حرمته؟ كيف يمزق عرضه؟

    لو كان يعلم أنه ولي لله كـعبد القادر والبدوي والله يغمض عينيه عن امرأة هذا الرجل ولا يقوى أن يفتح عينيه على امرأة الولي؛ لأنه يخاف.

    المدينة الواحدة تجد فيها عشرين بل مائة سارق .. لصوص يسرقون أموال المؤمنين، هذا يسرق عنزة، وهذا دجاجة، وهذا ريال، وهذا كذا.. في نفس البلد.

    كيف يسرقون أموال أولياء الله؟ لا. لا يؤمنون بأنهم أولياء أبداً، فلهذا لا يحترمونهم ولا يخافون منهم.

    أما الولي عندنا في القرية ولي لا يستطيع الرجل يطلع النخلة ليؤبرها أو يجني الثمار حتى ينادي: يا دار الشيخ! انزلوا من السطح يخاف أن ينظر إلى امرأة فيعمى؛ لأنه ولي، كما أنهم يتبركون ببصاق الولي.

    حصروا الولاية في القبور ليبقى الأحياء أعداءً لبعضهم البعض لا يهابون ولا يحترمون ولا يخاف جنابهم ولا ولا.. اسرق.. ازن.. اكذب.. غش.. اخدع؛ لا يضر ليسوا أولياء لله.

    من دبر هذا؟ الثالوث المظلم الأسود: المجوس واليهود والنصارى، هم الذين أطفئوا نور الإيمان من قلوبهم، وهم الذين جهلونا، وهذه نتائج الجهل.

    فإن قال قائل: يا شيخ! الآن عرفنا فهيا نتحرك باسم الله! عودوا إلى قراكم وإلى أحيائكم واتصلوا ببعضكم البعض وقولوا: لا بد من أن نجتمع كل ليلة في مسجدنا الجامع!

    ادعوا النساء والأطفال والرجال وابحثوا عن عالم يجلس لكم وتبكون ساعة بين يدي الله، وتستمطرون رحماته وتتغذون بغذاء الإيمان وصالح الأعمال وتعودون شباعاً راضين بالفقر والمجاعة!

    تنزلون في بيوتكم وقلوبكم في السماء غير مبالين بأوساخ الأرض. هذا هو الطريق ولا يهلك على الله إلا هالك.

    وسأعيد هذا الكلام حتى أموت إلا إذا رأيته بين أعيينا إذ ليس نجاة ولا سبيل نجاة إلا هذا!

    أكذبكم وأقول: الثورة.. الجهاد.. الخلافة.. تحكيم الشريعة.. كل هذا هراء وخيالات وأوهام لا تنتج شيئاً، وإن أنتجت سوف تنتج الدمار والخراب.

    الجهاد الأفغاني جاهدنا اثنتي عشرة سنة فهل استطعنا أن نقيم دولة إسلامية تحكم شرع الله وتوالي في الله وتعادي في الله؟ ما استطعنا، والله ما استطعنا، ولن نستطيع؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، وما تخرجنا من بيوت الله عالمين ربانيين ننسى الأهواء والأطماع والمناصب والشهوات والأغراض السافلة.

    نحن لسنا بربانيين! من ربانا؟ المقاهي تربي أو الطرق؟ هل رجال التصوف يربون؟ لا علم لهم. يربون بماذا؟

    التربية: أن يجلس العالم فيعلم الكتاب والحكمة، الكتاب والسنة ويزكي النفوس ويطهر الأرواح، إذ هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان الكعبة: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129] واستجاب الله لإبراهيم وإسماعيل، وبعث خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم فاضطلع بذلك العبء وقام به أحسن قيام.

    واسمع قول الله تعالى يمن بهذا علينا من سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] ووقع هذا، فمن يوم ما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا هو الحمل الذي يتحمله، فإن لم نسلك هذا المسلك والله ما كملنا ولا نجونا!

    المدارس والكليات خمت بها الدنيا حتى في البلاد الفقيرة لا تسأل عنها، حتى البنات، فأين النتائج الطيبة الحميدة؟ دلونا، لا شيء.

    كل ما في الأمر حصلت فلانة على وظيفة، الله أكبر! وأبوها يبحث لها عن وظيفة!

    بلغنا هذا في ديارنا هذه فاللهم احفظها!

    إلى الآن ما تمكن العدو من هذا، وإن كانت وظيفة معلمة للبنات موجودة، لكن وظائف في الدوائر الحكومية وفي المؤسسات وفي الدكاكين لا. الرجل يبحث عن وظيفة لابنته، كيف هذا؟! أطعمها واسقها أنت، اقسم رداءك بينك وبينها، الذي يخرج منكم يلبس الرداء والذي يبقى يبقى عار، ليس في هذا شيء، فقد فعل هذا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ومما يوضح هذه المواقف: رجل عندنا في المدينة تزوج امرأة وأنجب منها فتاة وهو من أهل الطائف، وترك الفتاة عند أمها، كبرت، دخلت المدرسة الابتدائية نجحت، دخلت المتوسطة، قيل لأبيها: لا ينبغي أن تبقى ابنتك هكذا.. خذ ابنتك، تعال وهات المال وخذها، يمكن لم ينفق عليها، فجاء يتوسط بي لأني قريب لتلك الفتاة أو الأسرة، فجلسنا والستارة بيننا والسيدة مع ابنتها وراءها وأنا مع الزوج أو الأب وراءه، أخذنا نعظ وإذا بالبنت تقول: مستقبلي يا بابا.. مستقبلي يا بابا! هذه اللغة تعرفونها، أي: لا تمنعني من الطلب، لا تفصلني من المدرسة حتى لا تقطع مستقبلي. مستقبلك؟! قلت لها: يا بنيتي! مستقبلك يعني الوظيفة؟ حتى تتوظفي؟ هذا المستقبل؟ قلت لها: اسمعي! هذه أمك، من أمك هذه إلى فاطمة الزهراء كم من جدة عندك؟ ألف جدة، والله ما توظفت واحدة، وعشن طاهرات ومتن صالحات، وأنت فقط تخافين إذا ما أخذت الشهادة لا تعيشي.

    من لقنها هذا الكلام؟ معلمات أم مثقفات؟ هذا الوحي ما أوحي إليها من داخلها بل تلقته من الأستاذة، هي التي قالت لها هذا.

    يا أبناء الإسلام! إن الماسونية العالمية هي التي تحيك هذه الخياطات وهذا النسيج!

    عرفوا من أين تؤكل الكتف! أو من أين تؤكل الشاة!

    عرفوا أن الخبث إذا انتشر في إقليم زالت الرحمة والبركة وعم الدمار!

    من يرد علي هذا؟!

    لم لا يقبلون نصائح العالمين عندما ينصحون.

    قالوا: أنت رجعي.. جامد، المرأة طارت في السماء .. المرأة كذا.

    كيف نبقى معوقين؟ معطلين؟

    قلت: لا. أنا ما قلت أبداً. أنا أقول: إذا كنتم تريدون النتاج فباسم الله في قريتكم!

    إذا كانت قرية لا توجد حولها مزارع فأنشئوا مصنعاً .. مصنع النسوة وشغلوا خمسة آلاف عشرة آلاف امرأة.

    وفي داخل المصنع تقام الصلاة ويقرأ كتاب الله والحارس عند الباب امرأة الرشاش في يدها والنساء يشتغلن عشر ساعات!

    هات بنتك، هات زوجتك، إذا كنتم تريدوا النتاج؛ شغلوا النساء.

    أرض زراعية أنشئوا مزرعة حولكم تتسع لخمسة آلاف امرأة!

    أيها المواطنون! هاتوا بناتكم، ابعثوا بنسائكم يشتغلن ولو ينتجن البطاطس أو الشعير، ولا نبقى عاطلين.

    هل يستطيعون هذا؟ لا. تصبح المرأة تشمر على يديها وتعمل؟! يقولون: ما استفادوا.

    إذاً: تريدون الإفادة بماذا؟ بأن تذهب إلى المكتب وقد تجملت وتحسنت ولا تذهب بالصورة البشعة، فالموظفة الرخيصة أو الغالية تقف أمام المرآة تتجمل وتحسن شعرها كأنها بريطانية أو يهودية بلباسها المينوجيب والميكروجيب وتدخل المكتب، فيقولون: نعم. مرحباً.

    أما إذا كانت رمساء أو عمشاء أو كذا.. فلا توظف هذه، وخاصة في المستويات العالية مثل الفنادق وغيرها. وهذا الكلام صحيح.

    من ينسج هذا النسيج؟ بنو عمنا اليهود.

    عرفوا من أين تؤكل الكتف! أمة يكثر فيها الخبث لا ترفع رأسها أبداً آن أوان دمارها.

    هم يعرفون هذا مع الأسف وعلماؤنا لا يعرفون فضلاً عن عوامنا.

    معاشر المستمعين! أنتم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا تسمعوا إلا الهدى، انتبهوا!

    العودة أن نرجع إلى بيوت الله بنسائنا وأطفالنا على الأقل نبكي بين يدي الله ليفرجها، لا مقهى ولا ملهى ولا ملعب ولا هوى!

    نشتغل من صلاة الصبح إلى قبل غروب الشمس في المصانع والمتاجر لكن إذا غابت الشمس نفزع إلى الله، ليس لنا إلا هو، هو الذي يفرج الكروب من طريق الاتصال بالله، والله يصب علينا الرحمات، والبركات تطلع، فلا يصبح الفقر مؤثراً أبداً، ولا نبالي به، فلا خوف ولا فقر.

    إذاً: سعدنا وأمنا، تبيت في بيتك وفي قريتك أو حيك والباب مفتوح!

    هل رأيتم مؤمناً عارفاً بالله يخون الناس في بيوتهم؟ مستحيل هذا.

    من هم الذين يخونون؟ الجهال، العميان، الذين لا نور في قلوبهم، الذين ما عرفوا الطريق إلى الله، همه أن يأكل ويشرب وينكح .. على هذا يعيش.

    دعوة للتأمل في خلق الإنسان

    ونعود إلى الآية الكريمة حيث أقسم الجبار على هذه الحقيقة وهي: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:4] ومعنى هذا: أنه لا بد من بعث وجزاء، إذ حفظ هذه الأعمال وتدوينها لغرض الحساب. إذاً: فيه إيمان بيوم القيامة ودعوة إلى الإيمان بالبعث والجزاء.

    ثانياً: قوله تعالى: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5] هذه تقطع دابر الكبر والعجب والتعالي والفخر والمباهاة!

    يا عبد الله! تطامن. يا عبد الله! ذل لله، فأنت لست من ذهب ولا من حديد ولا من فضة، أنت من ماء مهين، هذا أصلك ونهايتك معروفة، كما قالت العلماء: هذا المتكبر علمه أن أصله نطفة قذرة، ويحمل في بطنه العذرة والبول والعياذ بالله.

    حامل العذرة يتكبر؟! أما يستحي؟! كيف يتكبر على الله ويأبى أن يعفر وجهه في التراب بين يدي الله؟!

    إذاً: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5] الجواب: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:6] يخرج من أين؟ هل يخرج من علياء السماء أم من طيب الأرض؟ من صلب الرجل وثدي المرأة، مكان الظلمة والعفن والنتونة.

    إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:8] تقرير للبعث الآخر.

    إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ [الطارق:8] مرة أخرى لَقَادِرٌ [الطارق:8].

    يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] وتمتحن القلوب والضمائر، كما يقول تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:4-5].

    ثم لم يجد ابن آدم قوة بدنية يدفع بها عن نفسه قط، ولم يجد ناصراً يقف إلى جنبه ينصره قط فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [الطارق:10] مطلقاً، والله ما تجد ناصراً وإن كنت ابن النبي. إذاً: هذه الآيات تقرير البعث والجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع)

    ثم أقسم الجبار بقسم آخر فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11] الرجع بماذا؟ بالسحاب والمطر والرياح. دائماً ترجع، كل يوم ترجع أحياناً.

    من يرجع هذه السحب والرياح؟ أمي؟ سيدي فلان؟ أمريكا؟ ليس إلا الله. فلم لا يؤمنون بالله؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والأرض ذات الصدع)

    ثم قال تعالى: وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:12].

    من صدع الأرض وشققها فخرجت زهورها وعطورها وثمارها ونخيلها وزرعها؟ الله.

    من يفعل هذا سوى الله؟ ليس إلا الله.

    وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:12] انظر آيات الله في الأفق فوقك وتحتك حتى تؤمن بأنه لا إله إلا الله ولا تعبد إلا هو، ولا تخف إلا منه، ولا تطمع إلا فيه، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تعش منفصلاً عن الله فتتمزق يا عبد الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقول فصل)

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13] سمعتم أمس أن ذاك الرجل القرشي سمع بالرسول صلى الله عليه وسلم في شرق الطائف فتبعه ووجده قائماً على عصاه ويقرأ: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1] قال: فوعيتها، ولما وعيتها استدعاني قرشي -لأن قريش عملت إضراب: ممنوع تسمع لهذا الرجل.لم؟ قالوا: حفاظاً على المجتمع حتى لا يتخلخل- دعاه فقال له: ماذا قال؟ قال: فقرأت عليهم سورة الطارق. فقال: اسمع، لو كان هذا على حق لكنا نحن أولى به، اترك.

    إذاً: إِنَّهُ [الطارق:13] أي: القرآن الذي يقرؤه رسول الله ويتلوه ويعمل بما فيه إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13] هذه الكلمة تحتاج إلى درس كامل، قول فصل في سياسة المال وسياسة الحرب والسلم، والأحكام الجنائية والقضايا الاجتماعية والآداب والأخلاق والتاريخ وعلم الكون وعلم الذرة وعلم كل شيء، القرآن هو القول الفصل، وقد سماه الله فرقاناً فقال: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [الفرقان:1] أي: القرآن الذي يفرق ويفصل بين الملتبسات والمختلطات والمشتبهات من أنواع الحق والباطل. القرآن هو الفيصل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما هو بالهزل)

    ثم قال تعالى: وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق:14].

    وَمَا هُوَ [الطارق:14] كما يزعم ويدعي المبطلون والمفترون المتكبرون بأنه كلام هزل، كما يقول إخواننا لما يسمعون هذا الدرس يقولون: هذا خيالات فقط لا تنتج شيئاً. معناه: هزل. القرآن كلام هزل؟! والله لا يعرف اللهو ولا الهزل ولا غيره، جد كامل، فصل بين الحق والباطل.

    يحلف الله على هذا فيقول: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ [الطارق:11-13] أي: القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق:13-14] آمنا بالله.. آمنا بالله.

    أعطونا قضية من قضايا العالم السياسية وحكموا القرآن فيها والله لفصل فيها، وما ظلم أحداً، مهما كانت معقدة، ولكن كفروا به وأعرضوا عنه فدعهم في خوضهم يلعبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيدًا)

    وأخيراً يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم الحزين الأسيف: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق:15] أي: إنهم يكيدون لك ويمكرون بك، يتآمرون على قتله، صدر حكم بقتله صلى الله عليه وسلم، يكيدون ويمكرون ويمكر الله بهم وهو خير الماكرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأكيد كيدًا)

    ثم قال تعالى: وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:16] أي: وأنا أكيد كيداً، وكيد الله أقوى وأما كيد البشر فضعيف لا الضعفاء.

    مكر الله أقوى أو مكر الضعفة المساكين؟ مكرهم لولا الله ما كان، وكيدهم لولا الله ما عرفوه. فكيف إذاً تخافهم يا رسولنا؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا)

    ثم قال تعالى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:17] أي: أمهلهم وانتظرهم قليلاً ورويداً، وما هي إلا خمس سنوات وإذا بهم صرعى في بدر، حتى إن أبا جهل الطاغية يرتقي على صدره عبد الله بن مسعود الهذلي ويحتز رأسه.

    سبعون صنديداً من هذا النوع الماكر الخادع الكائد كلهم أمسوا صرعى في قليب بدر، ووقف عليهم الرسول وناداهم: ( يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: يا رسول الله! وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون ).

    أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:17] كم سنة؟ أربع.. خمس سنوات، الفترة كلها ثلاثة وعشرين سنة، وإذا الأنوار تغشى الكون وتغمره، وصدق الله العظيم فهو القائل: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21].

    وإن قلت: والآن اليهود يكيدون لنا والنصارى والمجوس وما نصرنا الله؟ فأقول: هل أنتم أولياؤه؟ أسألكم بالله! أنتم تعملون ليعبد في الأرض وحده؟

    الجواب: لا. نعمل من أجل أن نأكل ونفرفش. إذاً: لا علاقة لنا بكم، نترككم لأعدائكم، حتى لا يقول قائل: لم ما نصرنا؟

    هل نحن نستحق النصر؟ هل كنا مع الله؟

    قال عز وجل: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40] انصر ربك في كتابه ودينه وأوليائه ولن يخزيك الله، لن يخذلك الله، أما أعطني أنت ونحن لا نعطي فهذه لو يقولها إنسان لإنسان يغضب عليه ويصفعه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.