إسلام ويب

تفسير سورة الطارق (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله تعالى في أول سورة الطارق بالسماء والطارق، وهو النجم المضيء المتلألئ في السماء، أقسم على أن كل نفس منفوسة عليها حافظ من الملائكة الكرام الكاتبين يحفظ عليها أعمالها ويكتبها لتجازى بها يوم القيامة، وقد ذكر الله تعالى هذا الأمر وأكده بأن أمر الإنسان أن ينظر ويتفكر فيما خلق منه، فإن الذي خلقه وأوجده أول مرة من العدم قادر على أن يعيده بعد أن يموت حياً كما كان، وذلك يوم القيامة؛ ليجازيه على عمله في الدنيا، في ذلك اليوم الذي لا ناصر فيه ولا معين لأحد إلا الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    بين يدي سورة الطارق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة هي سورة الطارق، وإنها لسورة مباركة ميمونة.

    وتلاوة هذه السورة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:1-17].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! السورة مكية، وآيها سبع عشرة آية.

    ومعنى مكية: أنها نزلت في مكة. وتقابلها المدنية وهي التي نزلت في المدينة.

    ولك أن تقول: ما نزل قبل الهجرة مكي، وما نزل بعد الهجرة مدني. إذ من السور ما نزل ما بين مكة والمدينة كسورة الفتح.

    ولكن السر في معرفة المدني من المكي والمكي من المدني هو ما علمه المستمعون والمستمعات، وهو: أن المكية تعالج العقيدة، إذ لم يشرع من الشرائع والأحكام في مكة سوى الصلاة في السنة العاشرة، وتلك السنين كان الظرف لنزول القرآن الكريم الذي يوجد العقيدة السليمة الصحيحة.

    فمن هنا السور المكية تعالج العقيدة في أعظم أركانها:

    أولاً: التوحيد.

    ثانياً: النبوة.

    ثالثاً: البعث الآخر.

    فعامة السور المكية تدور حول هذه القواعد الإيمانية، فإن كانت العقيدة موجودة قوتها وزادت في إشراقها ونورها، وإن كانت ضعيفة قوتها، وإن كانت دخيلة صححتها وطيبتها.

    إذاً: هذه السورة مكية.

    وقد أخرج هذا ابن كثير في تفسيره عن الإمام أحمد ، بل عن ولد أحمد : أن أحد الرجال من المشركين كان في شرق الطائف ورأى النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً على عصا في يده ويتلو هذه السورة: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1] قال: فوعيتها، وكان الرجل مشركاً، والرسول ذهب إلى الطائف يطلب النصر لدينه، يبحث عمن ينصره من رجالات ثقيف؛ لأنهم أقوياء يرهبهم القرشيون. ومع الأسف لم يحصل على شيء.

    والشاهد قال: سمعته وهو على عصا في يده يقرأ: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1] قال: فوعيتها، وكان هناك رجال من قريش فاستدعوني وقالوا: ماذا سمعت؟ قال: فقرأت عليهم سورة الطارق كما هي، فقالوا: دعك من هذا الرجل، لو كان على حق لكنا أولى باتباعه. وتركوه.

    والذي يلفت النظر أن الذي يسمعها مرة فقط يحفظها، نعم. ولا عجب، نحن أيضاً أيام هبوطنا مع الأسف الشاب منا يسمع أغنية من عاهرة أو من ماجن فيحفظها بالجرس واللحن الخاص.

    أظن هذا ثبت عندكم؟ نعم. يسمع أغنية لعاهرة يعيدها بنغمها وجرسها، فلا عجب.

    وأم الفضل امرأة العباس سمعت الرسول يقرأ بسورة المرسلات في صلاة المغرب فحفظتها، وهذا شأن الطالعين الصاعدين لا يقف في وجههم شيء.

    أما الهابطون فهذه حالهم، أيام كنا طالعين يسمع الرجل القصيدة والكلمة والحكمة يقبلها، وإذا سمع باطلاً أو كذباً لا يقبله، فمتى نراجع الطريق إن شاء الله؟ إنا لعائدون. إذاً: هيا ندرس هذه الآيات:

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء والطارق)

    قال تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1].

    وَالسَّمَاءِ [الطارق:1] هذه الواو واو القسم.. واو اليمين.. واو الحلف.

    وَالسَّمَاءِ [الطارق:1] ارفع رأسك فإنها فوقك، كل ما علاك فأظلك فهو سماء، ولكن المراد بالسماء هذه القبة الزرقاء التي مهما نظرت وأمعنت النظر وأعدت وكررت لن ترى فيها انفطاراً ولا تصدعاً ولا تشققاً، كأنها مرآة أو زجاجة.

    إذاً: يحلف الله بها؛ ليلفت نظر العبيد والعباد إلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، ومتى وجدت هذه تعين أن يحب وأن يذكر وأن يشكر وأن يطاع وأن يتملق إليه وأن يتزلف لهذه العظمة، فلهذا أقسم بالسماء: وَالسَّمَاءِ [الطارق:1].

    تقدم: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1] وتقدم ذكر البروج. والآن السماء هذه المشاهدة فوقنا!

    انظر وتأمل تتجلى لك حقيقة العلم الذي أحاط بكل شيء، والقدرة التي لا يعجزها شيء، والحكمة التي لا يخلو منها شيء.

    إذاً: وَالطَّارِقِ [الطارق:1] أيضاً، أي: ويحلف تعالى بالطارق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما الطارق)

    قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق:2] من هو الطارق هذا؟ ما الطارق؟ قال تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:3].

    وهنا مسألة علمية فقهية، كعادتنا لا نمر بها بل نقف عندها بياناً للهدى وتعليماً لغير العالمين:

    الطارق: الذي يطرقك ليلاً ويقرع بابك في الظلام، ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله ويستعيذ من الشر، ومن جملة ما كان يتعوذ منه قوله: ( وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ).

    إذاً: فكل من أتاك إلى بيتك وقرع بابك فهو طارق، لكن إذا كان في الليل يكون الفزع منه أكثر.

    وفي السنة النبوية .. في الهدي المحمدي .. في الشريعة النورانية ما يلي: إذا سافر أحدنا وبعد عن أهله وغاب أياماً وليالي تقل أو تكثر فمن السنة ومن الآداب ومن الحكمة ومن الأخلاق ومن الكمالات: أنه لا يأتي أهله بالليل.

    بل يحاول أن يأتيهم في النهار، فقد كان أبو القاسم -فداه أبي وأمي والعالم أجمع- ينزل بقرب المدينة بخمسة كيلو أو عشرة كيلو ويبيت، ولا يدخل المدينة بالليل، فإذا طلع النهار دخل المدينة ودخل على أهله، إلا أنه يبتدئ بالمسجد فيصلي ركعتين ثم يدخل على أهله.

    ونهانا نحن؛ لما في هذا من المصلحة العامة ألا نطرق أهلنا بليل، نحاول أن نأتي في النهار، اطلب الرحلة النهارية؛ ويعلل -وهو أستاذ الحكمة ومعلمها- من أجل أن تستحد المغيبة وتنظف ثيابها، ومن أجل أن تجدها مشرقة الوجه، أما أن تفاجئها في الليل فتجدها نائمة شعثاء غبراء من طول غربتك عنها، فيؤلمها تلك الحال ويحزنها.

    هل توجد هذه الكمالات في دين أو في ملة أو في شريعة وقانون في غير هذه الملة المهجورة التي عاداها المسلمون وحاربوها؟

    والله لن يجدوا هذا الكمال فيما تضعه البشرية من قوانين، ومع الأسف كأن شيئاً لم يقع.

    ما هذه الرحمة المحمدية بالمرأة؟ لا تطرق عليها الباب ليلاً، اصبر خارج البلاد، ادخل في النهار حتى تتهيأ لك زوجتك وتفرح باستقبالك. هذه مظاهر الرحمة المحمدية، ومظاهر الدعوة إلى الإصلاح وتحقيق المودة والمحبة.

    إذاً: فاعملوا!

    وَالطَّارِقِ [الطارق:1] جائز لولا أن الله قال: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:3] لكان أقسم بكل طارق، ولله أن يقسم بما يشاء، أقسم بالشمس وضحاها وبالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى. لكن قوله: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:3] بدل.

    ما المراد من النجم الثاقب؟ يثقب ماذا؟ يثقب الظلام فيمزقه ويظهر، هذا النجم هو الثريا، والثريات الآن عندكم في بيوتكم أيها المتمتعون بالدنيا! وتعرفون الثريا موجودة في المسجد النبوي، مجموعة مصابيح معلقة؛ لأن الثريا مجموعة كواكب كعنقود العنب. من عنقدها؟ من جمع كواكبها؟ من أضاء تلك الكواكب؟ من أودعها نورها؟ لماذا؟ لأي غرض؟ لأية فائدة؟ تساءل لتكن من المفكرين العقلاء: من زين السماء بها؟ الله. وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5].

    الآن تنظرون إلى هذه المصابيح، تقولون: نعم، صناعة.. علم.. طاقة.. قدرة.. انظر.. انظر! نعم. الفرد لا يستطيع أن يفعل هذا بمفرده.

    إذاً: لم لا تنظر إلى السماء وما علق الرحمن فيها وما أناط بها من هذه الكواكب الثابتة والسيارة؟! ولكن الناس لا يعلمون.

    يحلف الله بهذا ليلفت النظر، ارفع رأسك وانظر النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:3] لأنه طارق يطرقنا في الليل.

    لماذا ثاقب؟ لحجب الظلام يمزقها ويضيء السماء.

    آية من آيات العلم الإلهي والقدرة الإلهية والرحمة الإلهية والحكمة الإلهية، فلا إله إلا هو. إذاً: لا تعبدوا إلا هو، لا تعلقوا قلوبكم بسواه، فليس إلا هو.

    قولوا لا إله إلا الله! ولا تلاموا ولا يعتب عليكم؛ لأن قلوبكم تعلقت بعظيم وبعليم حكيم وبعزيز رحيم، وما تعلقت بأوهام، ولا بأصنام، ولا بأشجار، ولا بفروج، ولا بهوى، ولا بدينار ولا درهم.

    وأنتم أشرف الخلق؛ لأنكم تعلقتم برب السماء والأرض، وسواكم هابط لاصق بالأرض يعبدون الأوهام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (النجم الثاقب)

    قال تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:3] حلف بالسماء وبالطارق وهو النجم الثاقب. إذاً: حلف بشيئين.

    على أي شيء يحلف؟ ولماذا يحلف؟

    الجواب: يحلف من أجلنا نحن أولياءه وعبيده؛ لأننا طبعنا بطبيعة بشرية وأحدنا إذا ألقي إليه الخبر وسمعه يرتاب في صحته، هل هذا وقع؟ هل هو حقيقة وصدق أم كذب؟

    يبقى في ارتياب، فإذا حلف له المخبر طمأنه وصدقه بالفطرة، حتى البلاشفة الحمر من الشيوعيين والعلمانيين ما استطاعوا أن يستغنوا عن اليمين.

    وأظن أن هناك محاكم في روسيا يحلفون؛ لأنهم ما وجدوا حيلة، لا بد.

    والشاهد عندنا أن الله يحلف من أجلنا حتى تسكن نفوسنا وتطمئن قلوبنا إلى الخبر الهائل العظيم الذي قد يكون من وراء العقل، فإذا حلف الجبار سكنت النفوس وقلنا: صدق الله.

    إذاً: احمدوه، يحمد ما دام يحلف لكم من أجلكم، ولو كان إبراهيم أو عثمان فسنقول: جزاه الله خيراً، لكن الله نقول له: الحمد لله، اللهم لك الحمد.

    وهذه قاعدة يجهلها عامة المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ). من صنع إليك معروفاً فقل له: جزاك الله خيراً.

    وهذا يهودي أطعم النبي صلى الله عليه وسلم إناء من لبن فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال له: ( بارك الله لك في مالك وولدك ). هذا الذي يقدر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    هل يعطيه ديناراً ودرهماً؟

    لا. لأنه ليس هذا بيعاً وشراءً، وقد تفضل هذا اليهودي على رسول الله وأراد أن يكافئه فدعا له بخير.

    ولو تقول أنت اليوم: أمريكا أحسنت إلينا، دفعت عنا الشر جزاها الله خيراً. سيقولون: هذا كافر.

    وهذا للجهل، عمى كامل. فأين البصائر؟ أين العقول؟ وقد قالوا: كيف هذا الشيخ يقول: جزاهم الله خيراً؟ لأنهم ما عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ولا الطريق إلى الله.

    والشاهد عندنا: أنه يجب عليك تجاه من صنع إليك معروفاً أن تكافئه وإن كان قبطياً أو يهودياً أو مجوسياً؛ لأنه قدم خيراً، أما أن تلعنه، فهذا ليس من الإسلام، فإذا كانت سيارتك واقفة في الطريق وقلت ليهودي: تعال ادفع معي، فيأتي يدفع معك ولما تركب السيارة هل تقول لليهودي: لعنة الله عليك يا يهودي؟!

    هل هذا هو الخلق الإسلامي؟ هل هذا هو الموقف الإيماني؟

    يريدون أن نكون هكذا؟ مساكين، ما درسوا كتاب الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن كل نفس لما عليها حافظ)

    ثم قال تعالى في الجواب: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:4]. وفي قراءة سبعية: (إن كل نفس لَمَا عليها حافظ) قراءة ورش بالتخفيف، لا نزيد لتقوية الكلام؛ لأن زيادة المبنى -كما علمتم- تزيد في قوة المعنى. هذا أسلوب العرب، إذا زاد حرف فمعناه ليقوي الكلام، وإن قرأنا بقراءة حفص هذه التي تلوناها: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:4] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ.

    إِنْ [الطارق:4] بمعنى: (ما) النافية. ما كل نفس منفوسة إلا عليها حافظ.

    هل تشك فيها؟ تسمع الله يحلف؟ نعم. سلم، ما من نفس إلا وعليها حافظ يحفظ أعمالها ويحصيها، لم يحفظ الأعمال ويحصيها ويدونها ويسجلها؟ لأنه لا بد من جزاء على هذا العمل.

    وهنا تقرير مبدأ البعث الآخر بهذا الحقيقة، قرر البعث الآخر وأنه لا بد منه من طريق إعلام أن كل نفس عليها حافظ يحفظ لها أعمالها من أجل الحساب والمجازاة لما تنتهي هذه الدورة؛ الآن هذه دورة عمل، فاعمل الآن ولا تطلب الجزاء، فإذا انتهت هذه الدورة ونسخ الله هذا الكون بكون آخر وتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات فحينئذٍ ما دون لك وأحصي عليك وحفظ هو الذي تجزى به، إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، فتقرر مبدأ البعث الآخر بهذه الحقيقة.

    وهذه الآية تحمل معنىً آخر ولا بأس به وهو واقع: أنه ما من نفس منا إلا وهناك ملائكة يحفظونها من الآفات والمصائب والشرور. يشهد لهذا قوله تعالى من سورة الرعد: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11].

    أوما تشعر بهذه الحقيقة؟ لولا أولئك الحفظة لتخطفتك الشياطين .. الجن وحدهم يأكلونك، آفات لا تراها ولا تشعر بها، وكيف تعيش أربعين سنة لا تصاب بحمى؟

    إذاً: وراء ذلك حماية، ولكن إذا جاء القدر تخلت الملائكة عنك. ولا تقل: إذاً ما الفائدة؟ الفائدة أن تطمئن نفسك. الآن الرؤساء يحرسون، وإذا جاء القضاء والقدر يقتل في الحراسة، وقد يقتلونه الحراس، لكنه يعيش فترة مطمئناً ما دامت الحراسة معه.

    والذي يخشى عليه يوضع له حارس. وهل هذا الحارس يرد القضاء والقدر؟ لا يرد. إذاً: ما فائدته؟ فائدته ليعيش هذه الفترة التي ما حضر أجله فيها مطمئناً غير خائف؛ لأنه محروس ومحمي.

    إذاً: فهؤلاء المعقبات من الملائكة يحفظونك لكن إذا جاء القضاء تخلوا. لكن لما تؤمن أنك محروس بحراسة الله أنت مطمئن. إذاً: فاحمدوا الله. الحمد لله.

    إِنْ كُلُّ [الطارق:4] ما كل نفس إلا عليها حافظ يحفظها من الآفات والشرور والمصائب والمحن، وإلا لن نعيش ولا يوم واحد.

    بأي شيء ندفع الشياطين والجن ونحن لا نراهم ولا نشعر بهم؟ إذاً: احمدوا الله على هذه النعمة!

    الآية إذاً تضمنت معنيين صحيحين، لكن الأول -والسورة مكية- هو المقصود، فما منا إلا وعليه من يحفظ عليه كلامه حتى الضحك، ولا يترك شيء، إلا أنه بلغنا: أنه إذا أذنب العبد المؤمن ذنباً يرجأ فترة ساعة، لكن ليست بدقائقنا هذه، فإن استغفر وتاب ما كتبت السيئة، أما الحسنة فتكتب على الفور، وأما السيئة فيمهل صاحبها ساعة من الزمن الذي يعرفه أولئك الكرام الكاتبون، فإن تاب واستغفر لم تكتب، وإن أصر أو سكت كتبت، واقرءوا: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:10-11]. والحمد لله أنهم كرام، وهذه مظاهر الكرم: ينتظرونك علك تقول: أستغفر الله، ولو كانوا شحاحاً وبخلاء مثلي بمجرد ما يفعل يسجلون، فإذا استغفر؛ فات الحال وكتبت، لكنهم كرام لا لئام.

    واعلم أنه لا يحل لك يا عبد الله! أن تبصق عن وجه هذا الملك! حرام عليك أن تبصق عن يمينك أو عن شمالك، وإن أردت أن تبصق فابصق تحت قدميك -أمامك- لأنه عن يمينك ملك وعن شمالك ملك.

    وحرام أن تقذف الدخان المنتن في وجوههم! فيا من لا يزال سكران بالأهواء وتقليد العميان! يا من ما زال يدخن وقد انتهى التدخين في العالم أو أوشك على الانتهاء، الذي ينفخ هذه الرائحة الكريهة في وجه ملك أعوذ بالله من حاله، قد يموت على سوء الخاتمة!

    حرس إلهي أناطه بك من أجل إحصاء أعمالك فتهينه أنت هذه الإهانة وتبصق على وجهه وتنفخ الدخان والنتن والعفونة على وجهه؟

    من هؤلاء الذين قالوا: الدخان حلال؟ مالك بن أنس ؟ محمد بن إدريس الشافعي ؟ أبو حنيفة ؟ من هؤلاء حتى يوثق بكلامهم ويقلدون؟

    قالوا بهذا لأنهم درسوا الفقه مجرداً عن الكتاب والسنة، والفقه ليس فيه هذا وليس فيه دخان، لكن لو قرءوا الكتاب والسنة لسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ).

    من أكل ثوماً أو بصلاً نيئاً فلا يدخلن مساجد الله. لم يا رسول الله؟ قال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. فلماذا المؤمن ما سمع هذا الكلام ولماذا يصر على هذه الجريمة البشعة جريمة التدخين وهي تقليد أعمى للملاحدة والمفتونين بالأهواء والشهوات.

    إذاً: أعطوا هؤلاء الكرام ما يستحقون فهم أمناء عليكم، تملقوهم، صلوا وسلموا عليهم، أحسن من أن توجهوا إليهم الروائح الكريهة فهم كرام.

    إذاً: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق:4] انتهى هذا القسم، وعرفنا لم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق)

    والآن مع قوله تعالى: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5].

    يا من ينكر البعث الآخر!

    يا من يرى أن عودة الحياة مستحيلة!

    يا من يقول: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات:16-18] أيضاً وأنوفكم في التراب، ليس شأنكم هذا.

    قل لهم: تعالوا ندرس، فلينظر هذا الملحد العلماني الكافر بلقاء الله والبعث الآخر فلينظر مم خلق؟ ما هي مادة خلقه؟ من ذهب؟ جوهر؟ حديد؟ من أي مادة؟ عسل؟ عطر؟ ورد؟ من ماذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلق من ماء دافق)

    قال تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:6].

    هل الماء صلب؟ قوي؟ غال؟ هذه قطرة ماء، ودافق تخرج من إحليل الذكر فتقع في فرج المرأة.

    هل هذه مادة خلقك يا آدمي؟ نعم. من خلقك؟ من أوجد هذه المادة؟ الله.

    كيف تكونت من هذا الماء المهين؟ فكر يا عبد الله! فإذا فكرت آمنت. وإذا آمنت قلت: صلوا وهاتوا الزكاة.

    قرأنا لأحد العالمين بريطاني أصيب بالإلحاد؛ لأن أوروبا نجحت فيها الماسونية نجاحاً كبيراً وذلك في صالح الإسلام لو كنا مسلمين.

    ما معنى هذا؟ نعم لو كنا مسلمين لفتحنا الآن العالم. البلشفية التي مزقت أوصال المسيحية في أمريكا وفي أوروبا شرقها وغربها فتحت المجال لظهور الإسلام في تلك الديار المغلقة التي كانت لا يذكر فيها اسم الله أبداً.

    كم من مسجد في فرنسا؟ ثلاثمائة مسجد.

    كم من مسجد في ألمانيا؟ بالمئات. في بريطانيا؟ بالمئات، في أمريكا الآن أعلن عن ثمانية ملايين مسلم في أمريكا. كيف دخل هؤلاء الإسلام؟ بالغزو والفتح؟ أين بواخرنا؟ لا.

    كاد اليهود للمسلمين والنصارى فقالوا بالمذهب البلشفي: لا إله والحياة مادة.

    إذاً: فسهل على الأوربيين والأمريكان لأنهم يعيشون في جفاء ويبوسة وما عرفوا الله ولا الطريق إليه ولا حنت نفوسهم إلى السماء ولا اشتاقت أرواحهم إليه؛ لأن هناك مجموعة خرافات بين أيادي رجال دينهم ما نفعت، وما إن صاحت البلشفية حتى قبلوها ودخلوا فيها، فانفرجت عن الإسلام. وهذا واقع.

    لو عندنا لجنة عليا للإسلام ونشر دعوته وسارت مساراً حقيقياً حكيماً خمس سنوات وقد توجد حكومات في العالم مسلمة ولا أقول شعوباً، لكن مع الأسف ما زلنا لاصقين بالأرض.

    وأعيد القول وإن كنا نصيح على القبور، والسر: أن العلماء والمفكرين لما أصبنا به من الحسد وحب الذات وحب الشهرة لا نؤيد نظرية كهذه. يقولون: لا تنفع.

    أقول: يجب نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توجد لجنة عليا تضم عالماً من كل إقليم إسلامي، هذه اللجنة من هؤلاء العلماء تضع خارطة للجماعات الإسلامية في أوروبا وأمريكا واليابان وبلاد الكفر وتعرفها بدراسة حقيقية، وتضع ميزانية أكبر من ميزانية أمريكا أو بريطانيا يسهم فيها كل مؤمن ومؤمنة، يدخلون على الدولة: يا سيادة الرئيس! يا صاحب الفخامة! يا صاحب الجلالة! نقوم بهذا المشروع؛ أداءً لأمانة رسول الله التي وضعها في أعناقنا، فشعبك يقدر بخمسة ملايين واقتصاده كذا.. فعليك أن تساهم نيابة عنه بألف دولار أو خمسة آلاف دولار سنوياً، وأنت اجمعها من النساء والأطفال وسوف يجمعون لك. وهكذا توجد الميزانية بسرية لا بصياح وضجيج، وتعرف تلك الجمعيات والمساجد في أمريكا وفي أوروبا وفي اليابان وفي كل العالم، ويرسل لكل جمعية ما تحتاجه، واعظ مرشد.. عالم بصير.. إمام .. الكتاب الذي تدرسه كل الجماعات حتى ننهي شيئاً اسمه خلاف، فليس عندنا جمعيات أبداً، أمة واحدة، ما دام مصدر الإنفاق واحد والكتاب واحد والإمام والحكيم الذي يربي اللجنة هي التي تعده وتقدمه، خمس سنوات والمسلمون في العالم كلمتهم واحدة.

    دعنا من مسلمي بلاد المسلمين الميتة، نحن الآن نريد بلاد الساحة الواسعة ما دام المجال واسعاً ومفتوحاً، خمس سنوات وتتلألأ أنوار الإسلام الجديد في العالم وحينئذٍ نطأطئ رءوسنا نحن ونستجيب لهم.

    هل هذا الاقتراح يقال فيه خيال ولا معنى له أم أنه أمر لا يتحقق؟

    كيف تطالبون إذاً بعودة الإسلام؟

    كيف تريدون الخلافة؟

    كيف تريدون الحكم الإسلامي؟

    أشياء بسيطة لا تكلف شيئاً إلا أنها تزكي النفوس وتطهر الأرواح وتجعل المؤمن أخا المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ولا نستطيعها فكيف ننشد الخلافة.

    أما في داخل البلاد الإسلامية فالطريق فقط أن يعودوا إلى المساجد كهذا الدرس، لا أقل ولا أكثر، على شرط فقط: ألا يتخلف فلان وفلان يعبث، الكل في المسجد، النساء والأطفال والرجال، يتلقون المعرفة كل ليلة وطول العام وطول السنين، فهل يبقى بينهم جاهل أحمق مثلي لا يفرق بين الزبدة والفحمة؟ ليس معقول أبداً، فإذا علم أهل القرية لاحت أنوارهم في الأفق؛ فلم يبق لص ولا مجرم ولا زان ولا كافر ولا خائن ولا حاسد ولا متكبر، وإذا بالمال يكفي، يزيد، يفيض. ماذا يصنعون به؟ ليس هناك شهوات عارمة ولا تعال ولا إظهار ولا أبهة، وإنما تواضعنا وتطامنا فسادنا الأمن والطهر والسلام.

    والله ليتحققن هذا بإذن الله من طريق المسجد والعودة إلى الله، أما بطريق الكرباج والحديد والرشاش والمبادئ والله لن يتحقق ولن يكون.

    وأحياناً نبالغ نقول: والله لو جاء عمر يحكم هذه الأمة على هذه الوضعية ما استطاع. لا بد وأن يردها من جديد إلى أن تؤمن، وبدون إيمان لا ينفع؛ لأن الإسلام ما جاء بالحديد والنار، وإنما جاء بالبيان وبتطهير القلوب وتزكية النفوس.

    إذا زكت النفس فقل يا حاكم: أخرجوا أموالكم من جيوبكم. يخرجونها. عرفوك وأعطوا ما تريد.

    اضرب عليهم الضرائب لا يبارك الله لك فيها ولا تنتفع بها ولن يفلحوا.

    إذاً: ونعود إلى الإنسان، فلينظر الإنسان الكافر الملحد البلشفي الأحمر أو الجاهل الأعمى الأحمق الذي لا يثق بالله ولا يتوكل عليه ولا يعرف ما عنده ولا يرغب فيه فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5] أصله مِمَّ خُلِقَ [الطارق:5]: (مما خلق) حذفت الألف لأنه استفهام. ثم قال تعالى في الجواب: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:6]..

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب)

    ثم قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:7]. أي: صلب الفحل: وهو الظهر. مأخوذ من الصلابة وهو المتماسك وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ [الإنسان:28].

    وَالتَّرَائِبِ [الطارق:7]. جمع تريبة وهو صدر المرأة.

    هل استطاع علم الطب والتشريح اليوم أن ينقض هذا؟ اسألوهم، ما استطاعوا.

    إذاً: هذا كلام الله، وهذه واحدة تشهد بأن محمداً رسول الله، وتصرخ بأعلى صوتها أن هذا القرآن كلام الله، ولا علاقة له بالبشر، أنى لهم أن يحوموا حول هذه الساحة، ويسمعه الرجل والمرأة يعرف أصله وخلقه كان من ماء.

    مصدر هذا الماء من السماء أو من البئر؟ قال: هذا الماء يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:7].

    والترائب: جمع تريبة وهو صدر المرأة.. غدد أماكن عند الشهوة تفيض وتنحدر ماءً، كما ينحدر من صلب الفحل.

    فإذا عرف الإنسان ضعفه وعجزه وأصل تكوينه يسأل: من كونني؟ من خلقني؟ من.. من؟ يقول له إبراهيم أو عثمان: الله.

    فيسأل: من الله؟ الذي خلقك. كيف عرفت أنه الله؟ أنزل كتاباً واختار رسولاً أعطاه معجزات تحدى بها الإنس والجن. حينئذٍ يقول: علموني كيف أتملق له! عرفوني به لأتزلف إليه. فإذا صدق كمل وأصبح الآدمي سليم، فإن أعرض يبقى في جهله وحيرته حتى يتمزق التمزق النهائي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر)

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:8] من يقول: لا.. لا؟ لا أحد.

    إِنَّهُ [الطارق:8] أي: الله جل جلاله وعظم سلطانه عَلَى رَجْعِهِ [الطارق:8] أي: الماء في الصلب والظهر لَقَادِرٌ [الطارق:8]. ولكن هذا المعنى وإن صح ليس بمقصود.

    عَلَى رَجْعِهِ [الطارق:8]: بعد فنائه وتلاشيه وتمزق لحمه وعظامه لَقَادِرٌ [الطارق:8] أي: قادر على أن يعيده، إذ البداءة أصعب من الإعادة، فمن بدأ يعيد، ولا عجب.

    الإعادة أهون، كونك تخترع وتجمع قواك وتوجد شيء لا وجود له ثم تفنيه أنت وتمزقه بيدك أسهل.

    هل هناك من يقول: لا يستطيع أن يعيده؟ لا يقول هذا الكلام إلا أحمق مجنون لا يقبل له رأي ولا قول.

    إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:8] لقادر على أن يرجعه من جديد.

    والله لتعودن كما بدأكم الله، وقد علمنا الله والرسول كيف البدء وكيف الإعادة، والأمر أمامنا واضح كما نعرف الفلاحة والزراعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تبلى السرائر)

    ثم قيد ذلك فقال تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] هذه الإعادة يوم القيامة. والسرائر: جمع سريرة.

    يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9]. أي: اختبارها وامتحانها ومعرفة ما فيها.

    من الذي يبتلي السرائر؟ خالقها، العالم بها هو الذي يمتحنها، في هذا الوقت لم يجد عبد الله أو أمة الله الكافر والكافرة، المشرك والمشركة، الظالم والظالمة، لم يجد له قوة يدفع بها عن نفسه، ولم يجد ناصراً ينصره ويدفع عنه. أحلف لكم بالله الذي لا إله غيره! عندما نقف في ساحة فصل القضاء ويأخذ الله في ابتلاء سرائرنا والله ما نجد لنا قوة في أبداننا ندفع بها عن أنفسنا، ولن نجد ناصراً ينصرنا.

    وكأنكم ترون هذا عما قريب، أنتم تظنون أن الدنيا ما زالت وكذا.. وإنه ما زالت طولها يوم أن تنتهي كأنكم الآن وجدتم، واقرءوا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:54-55] يقولون: والله ما لبثنا في قبورنا إلا ساعة وهم في الحقيقة لبثوا دهوراً وآلاف السنين.

    وقد جربنا هذا -كما علم الطلاب والطالبات في الحلقة- من منكم نجوعه سبعة أيام فيجوع. نسأله: هل شبع يوماً وعرف معنى الشبع؟ لا يعرف، كأنه ما أكل قط.

    عطشه سبعين ساعة واسأله: هل يفهم الري ما هو؟ لا يفهم، كأنه لم يشرب قط.

    يمرض مرضاً شديداً واسأله: هل يعرف غير المرض؟ ما عرف، كأنه ما عرف إلا هذا المرض، فلهذا يقسمون ما لبثنا غير ساعة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55] يصرفون عن الحق.

    وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] لبثتم في القبور في الأرض إلى يوم البعث. إذاً: الشاهد عندنا: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما له من قوة ولا ناصر)

    ثم قال تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [الطارق:10] فما للإنسان من قوة يدفع بها عن نفسه، وما للإنسان من ناصر من ابن عم أو سلطان أو جيش أو مال فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [الطارق:10].

    إذاً: من الآن نوجد لأنفسنا قوة ونصراء، فإيمانك يا عبد الله هو قوتك! ناصرك هو عملك الصالح.

    لا ينفع الكسل وسوف تواجه هذه الحقيقة من ساعة موتك، فإيمانك قوه وزد في طاقته دائماً بالذكر والشكر!

    ناصرك عملك الصالح فأكثر من الصالحات ولا تمل الصيام ولا الصلاة. هذا هو الطريق.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.