إسلام ويب

تفسير سورة الأعلى (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير الناس، وتبيين الطريق الحق، فمن كان يخشى الله سبحانه سيذكّر، وستراه يسارع إلى تطبيق ما سمع، وأما الأشقى الذي طمس الله على قلبه فسيتجنب الذكرى، ويمضي في شئونه الدنيوية وكأن شيئاً لم يكن، ولا يدري إلا وهو في نار جهنم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأعلى

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة الأعلى، وإنها للآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    وقراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:8-19].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم ما جاء في الآيات الأولى من هذه السورة، وهي: أن علينا أن ننزه اسم ربنا، فلا ندخل باسم الله في مرحاض، ولا ننطق باسم الله وأفواهنا رائحتها كريهة من التدخين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليه أحد المؤمنين وكان على غير وضوء فعمد إلى جدار فتيمم ورد السلام؛ يريد أن يذكر اسم الله وهو على طهارة.

    إذاً: الذي يدخن عندما تكون السيجارة في يده أو في فمه لا يصح أن يذكر اسم الله، فلهذا لا تسلم عليه حتى لا يرد السلام ويخرج اسم الله من فم قد تعفن بالرائحة الكريهة!

    وإذا عطس لا تقل له: قل الحمد لله حتى لا يخرج اسم الله من فم قد تعفن بالرائحة الكريهة.

    إذاً: ومن قال: لم؟ قل له: أما سمعت الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] أي: نزه اسم ربك الأعلى، ولا يذكر في حال ضحك ولا سخرية ولا استهزاء.

    إذاً: فلنذكر هذا ولنعمل به، وإلا فما فائدة دراستنا؟

    إذاً: وقد عرفتم أن هذه السورة محبوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأحبوها بحبه، فقد كان يصلي بها الوتر كل ليلة، يصلي ثمان ركعات يتهجد بها، وهذا قيام الليل، ثم يصلي ركعتين يسميهما بالشفع، فيقرأ في الأولى بالفاتحة وسبح، ويقرأ في الثانية بالفاتحة والكافرون، ويقرأ في الثالثة بالصمد، وأحياناً مع المعوذتين طول العام، وكان أحياناً يصلي بها الجمعة والعيد.. إذا صادف العيد الجمعة يصلي العيد بسبح ويصلي الجمعة أيضاً بسبح، فأحبوها بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما سبب حب الرسول لها؟ اذكروا ولا تنسوا أنها حملت له أعظم بشرى، حملت له قول الله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8].

    أم أنكم تحبون العنف والشدة، فلهذا لا تفرحون للتيسير؟ لا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونيسرك لليسرى)

    قال تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] للشريعة السهلة الميسرة .. للأعمال التي تقوم بها نيسرها لك، وهذا موسى عليه السلام في طلباته التي طلبها قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26].

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه ). وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: ( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، إنما بعثتم ميسرين لا معسرين ).

    ومما يؤثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان إذا صلى ركعتي الطواف -إذ الطواف سبعة أشواط يختم بصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام- يدعو بهذه الدعوة: اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الأولى والأخرى.

    كان يدعو بها عندما يصلي ركعتي الطواف في كل طواف. ولا شك أن هذا استقاه من معين النبي صلى الله عليه وسلم.

    وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8]. اليسرى: الشريعة السهلة الميسرة، والأحوال والأمور السهلة الميسرة، فلم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يلاقي عنفاً ولا شدة!

    وادعوا الله تعالى أن ييسر لكم، فما دام يسر للرسول صلى الله عليه وسلم وبشره فنحن أتباعه!

    من لم يستطع أن يتوضأ يتيمم!

    من لم يستطع أن يصلي قائماً صلى قاعداً!

    من لم يستطع أن يصوم يفطر!

    من ضرب على خده ورأسه قل الكفر وإلا نزيد؛ يقول!

    أيّ يسر أعظم من هذا؟ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى)

    ثم قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] فذكر بالفاء بناءً على أننا نيسرك لليسرى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9].

    معنى (ذكر). أي: خوف وعظ.. مر.. انه، وكل هذا تذكير؛ لأن الإنسان ينسى، وينسى ما أخذ عليه من عهد وهو في عالم الأرواح، إذ أخذ الله الأرواح واستنطقها فنطقت واستشهدها فشهدت: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:172-173].

    هذا العهد أخذ علينا فإذا لم نذكر به لا نذكر، فالإنسان في حاجة إلى التذكير أو يغلب عليه طبع النسيان.

    فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] إن لم تنفع فسواء يذكر أو لا يذكر.

    وقد جاء من سورة الذاريات: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].

    وجاء من سورة ق: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45].

    وهنا اللفظ عام: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] ومن اللائق أن نقول: وإن لم تنفع، نفعت أو لم تنفع فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] أو لم تنفع.

    لم؟ لأنه مكلف بنشر هذه الدعوة وإبلاغها، فلا يقف يوماً ويقول: ما دام العرب رفضوا هذه الدعوة ولم يستجيبوا لها فحسبي أني كملت رسالتي وبلغت.

    وفي هذا معنى: ألا ييأس من إيمان الناس ودخولهم في الإسلام، فالذين كتب الله شقاوتهم أزلاً سوف لا يقبلون الدعوة، لكن ما علمنا منهم، ولو نزل الوحي يقول: إن أبا جهل.. إن أبا لهب .. إن فلاناً وفلاناً لا يؤمنون فحينئذٍ الرسول غير مكلف بدعوتهم ما دام عرف أنهم لا يؤمنون، إذ لا معنى لدعائهم، ولا يضيع وقتاً ولا جهداً معهم، ولكن الله حجب ذلك وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو ويبلغ، والله يعلم من يجيب ومن لا يستجيب، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:6-7] ومع هذا الرسول مأمور أن يذكرهم، وأن ينذرهم، وأن يبلغهم، فمن هنا قال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] أو لم تنفع.

    يبقى لغير الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث: ( حدث الناس بما يفهمون، أتريد أن يكذب الله ورسوله )؟!

    والذي يذكر من لا يرجو أن يذكر لكثرة ما ذكره.. ما وعظه.. ما خوفه أصبح الانقطاع إليه والتذكير كالعبث. هكذا يقول أهل العلم، يقولون: التذكير وسيلة، فإذا علمت أنها لا تنفع ولا تجدي فلم تضيع جهدك ووقت؟! اطلب غير هذا، ذكر غير هذا.

    ومع هذا الذي أقرره واسمعوا: أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء، ونحن لا نعلم الغيب، فمن هنا نذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، فلا نطلب راحة، ولا نعلم أن فلاناً لا يستجيب، وكيف نعلم إذا لم يكن وحي؟

    فمن هنا ذكّر الغافلين والناسين والمعرضين ولك أجر تذكيرك، ولك مثوبة دعوتك، وهو إن استجاب فهنيئاً له، وإن أعرض فعليه إعراضه.

    ومن أراد أن يعقب على هذا أغلقنا الباب، وقلت لكم: يقول بعض أهل العلم: إذا كنت تعرف أن هذا الشخص لا يستفيد من وعظك فلم تضيع الوقت؟

    ونحن نقول: كيف عرفت أنه لا يستفيد؟ يمكن هذا العام معرض فيأتي عام آخر ويقبل!

    يمكن الآن فرح بدنياه وغداً يصاب بفقر فيستجيب! ما عندنا حال نقول: هذه علامة على عدم استجابة.

    ويبقى التذكير للمؤمنين والمؤمنات، والتذكير لأهل القرآن والخوف من الميعاد والموقف بين يدي الله، هذا نافع، لكن بعض الشخصيات أو الجماعات معرضة، ومع هذا كان الرسول يثبت لهم ويدعوهم وينالون منه، ومع هذا يصبر فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9]. وتدل على هذا المعنى الآية التي تليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيذكر من يخشى)

    ثم قال تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] ويعرض من كتب الله شقوته.

    سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] يخشى من؟ هل يخشى العقارب.. الفقر.. العذاب؟ لا. يخشى الله، الذي يخاف الله سيذكر على الفور، والذي لا يخاف الله يتجنب؛ فإما أن يغلق أذنيه، وإما يغطي رأسه، وإما أن يهرب، إذ كانوا يستغشون ثيابهم ويجعلون أصابعهم في آذانهم؛ ويقولون: لا نسمع.

    إذاً: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] أي: الله، فيخاف عقاب الله وعذاب الله.

    وقد سبق لنا في الدروس الماضية: أن موسى عليه السلام أمر أن يأتي فرعون ويبلغه، قال تعالى: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات:15-19] تفطن، أنا أصل بك إلى الله حتى تعرفه، فإذا عرفته خشيته!

    إذا عرف عظمة الله وجلال الله وكمال الله وقوة الله وسيطرة الله وسلطان الله كيف لا يخشى؟!

    وهذه حقيقة نعيدها دائماً وأبداً: لو سألت علماء الكون والفلسفة والاجتماع والطب والحياة و.. و.. وقلت: يا علماء! يا فطناء! عللوا لظاهرة الفسق والخبث والشر والفساد في الأرض؟ عللوا لها هل من الجوع؟ أم من العطش؟ أم من تغير البشرية؟ أم من ماذا؟

    سوف لا يعرفون، وأحلف لكم بالله لا يعرفون!

    أما لو تسأل أهل القرآن! أهل العلم الإلهي! أهل الوحي الرباني لأجابوك: نتيجة الجهل بالله وعدم خشيته.

    عللوا يا علماء الاجتماع والسياسة والفلسفة لظاهرة انتشار الفساد والخبث والظلم والشر في الكون؟ ماذا يقولون؟ أمراض باطنية، أو الجو تغير؟ نفد الأكسجين؟ ما الذي حصل؟ لا يعرفون.

    ولكن الجواب: أن الخبثاء والظلمة والمفسدين والشريرين ما هديناهم إلى الله، ما عرفوه فلا يخافونه، ومن لا يعرف الله لا يخافه، والآية في هذا صريحة واضحة يا شيخي، فقد قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] علماء الذرة؟

    ماذا يعني بالعلماء؟ العارفين به، العالمين بجماله وجلاله وعظمته وقدرته، هؤلاء إذا ذكر الله خافوا!

    فمن أراد في قريته أن يطهر ذاك المجتمع الصغير الذي انتشر فيه الكذب والخيانة والكبر والخداع وترك الصلاة وعقوق الوالدين وسب الحاكم وشتم المحكومين فليعرفه بالله، يجمعهم نساءً وأطفالاً ورجالاً كل ليلة يعرفهم حتى يعرفوا الله، فإذا عرفوه خافوه، ومن خاف الله لن يخرج عن نظامه ولا يفسق عن أمره فلا يفسق عن أمر الله إلا جاهل بالله. وهذه الآية معنا: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] يخشى من؟ الله. كيف يخشاه وهو ما عرفه؟

    يا شيخ! هذا آمن به وبرسوله وبكتابه وعرف الله فلهذا إن ذكرته سيذكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويتجنبها الأشقى)

    ثم قال تعالى: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى:11].

    وَيَتَجَنَّبُهَا [الأعلى:11] أي: الذكرى، الموعظة. ومعنى يتجنبها: يعطيها جنبه ولا يقبل عليه أبداً، إما يدبر وإما يمشي جانباً.

    وَيَتَجَنَّبُهَا [الأعلى:11] من هذا؟ الأَشْقَى [الأعلى:11] أكثر الناس شقاوة يوم القيامة، والناس يطلقون الشقي دائماً على السارق واللص، الذي من سجن إلى سجن، والأشقى الذي لا ينام إلا في السجون، لا يرتاح إلا فيها، لكن الأشقى هنا نوع آخر، والشقاوة هنا شقاوة الدار الآخرة.

    ثم بين لنا من هذا الأشقى وهل هو أبو جهل ؟ أبو طالب ؟ عقبة ؟ من هو؟

    قال تعالى: الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [الأعلى:12-13].

    أي: الذي سبقت شقاوته وسجل في ديوان الأشقياء قبل خلق الأرض والسماء فلان بن فلان من أهل النار، هذا الذي يتجنبها حتى يمشي بنفسه إلى الهاوية.

    وقد علمتم هذا بالأمس: ( كل ميسر لما خلق له )، ذاك الذي كتب أزلاً أنه من أهل النار لن يموت إلا على الفجور والفسق والشر والفساد، ولا يكره عليه ولا يلزم به، بل يطلبه ويتعنتر أنه أعلم منك وأكثر منك معرفة وذكاء، ويواصل بكل جهده حتى يوافيه الأجل على خبث روحه وشر نفسه حتى ينفذ ما كتب الله: وَيَتَجَنَّبُهَا [الأعلى:11] من؟ الأَشْقَى [الأعلى:11]. من هو الأشقى؟ قال تعالى: الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:12] وهي نار يوم القيامة.

    يصلاها بمعنى: يحترق بها بعد أن يدخلها، ولا يموت بل يحترق سبعين سنة فيصبح فحماً ووالله لا يموت.

    إذاً: لا يحيا حياة طيبة، ولا يموت فيستريح بالموت، ولا يحيا حياة الكمال والسعادة والنجاة من العذاب، حي ميت.. آلام.. شقاء.. أبد الآبدين.

    خروج الموحدين من أهل المعاصي من النار

    هنا يرد سؤال: هل الذين ماتوا على التوحيد من أمة الإسلام من عهد آدم ولكن دخلوا النار بفجور أو بفسق أو بظلم يخرجون من النار؟

    عندنا بيانات رسمية أنهم يخرجون من النار، وهذا معتقدنا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: الذين ماتوا على التوحيد يخرجون من النار.

    ما معنى ماتوا على التوحيد؟

    أي: ما كفروا بالله ولا أشركوا به، ولا أقروا بالشرك ولا اعترفوا به، بل يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنه زنا ومات على زنيته، سكر ومات على سكرته، ارتكب جريمة وما تاب منها واستوجب العذاب ودخل النار.

    هل هذا يقال فيه: لا يموت فيها ولا يحيا؟ لا. فهذا ورد أنهم يموتون ويحرقون حتى يصبحون كالفحم، ولعل كلمة الأشقى تبين هذا المعنى، ما قال: ويتجنبها الشقي، لا إله إلا الله! حام حول هذا ابن كثير وما ذكر شيئاً، مع أن هذه اللفظة واضحة، سبحان الله العظيم!

    وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى:11] الأشقى غير الشقي. إذاً: الشقي يموت ويخرج من النار، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن أهل التوحيد يخرجون من النار ( فيخرجون وقد امتحشوا -أي صاروا فحماً- فيدخلون في نهر الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل ).

    إذاً: من رحمة الله بهم أنهم يعذبون حتى يحترقوا فيموتوا ثم يخرجون فينبتون كما تنبت حبة البقل أو البقل في السيل، ويغسلون في نهر من أنهر الجنة فيكملون ويسعدون.

    إذاً: بشروا أهل التوحيد بأنهم لا يخلدون في النار، فإن مولاهم يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] أما أهل الشرك والكفر فهم الأشقون الذين لا يموتون فيها ولا يحيون.

    لو وقف الآن عبد مؤمن فقير فإنه لا يعجبكم!

    ولو كان غنياً يلبس الكرفته في عنقه والبدلة والشعر.. ستقولون: هذا من أهل الجنة، والله لو وضع هذا المؤمن الفقير في كفة ميزان ووضع الأمريكان واليابان والصين وأوروبا وإفريقيا من أهل الشرك والكفر في كفة والله لرجح هذا العبد المؤمن الفقير؛ لأن ميزان الله ليس كميزان الناس.

    هذا يعدل ما على الأرض من أهل الشرك والكفر، والآن عرفتم قيمتكم، فأنت تعدل من على الأرض؛ بسبب التوحيد، وبسبب لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا بسبب شرف الآباء.

    أزيدكم: لو اجتمع الصين واليابان والروس و.. و.. وكل الكافرين على قتل هذا الشنقيطي لأكبهم الله في نار جهنم ولا يبالي؛ لأنه مؤمن وولي لله.

    ولو عرف المسلمون قيمتهم ما هانوا، ولا ذلوا، ولا هبطوا إلى الأرض، وما قلدوا ولا جروا وراء الكفار أهل النار يتزيون بزيهم ويرقصون برقصهم، ولكنهم ما عرفوا، والله ما عرفوا، فعلتنا الجهل ما عرفنا، فنحن مشغولون بدنيانا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    إذاً: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى:11] يتجنب الموعظة، والآن قف في وسط مجتمع تدعو وتذكر الأشقياء كلهم يخرجون لا يسمعون، فقد كتب الله أزلاً شقوتهم فلا بد وأن يأتوها.

    وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:11-12] نار يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم لا يموت فيها ولا يحيا)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى:13] فيستريح وَلا يَحْيَا [الأعلى:13] فيسعد، فلا راحة، ولا سعادة، ولكن شقاء أبدي.

    يا عباد الله! يا أولياء الله! لم خلق الله هذه الحياة؟ لم خلق هذا الكون؟ لم.. لم؟

    الجواب: أراد أن يذكر ويشكر فخلق هذا الكون وأعد دار السلام ودار البوار.

    وخلقنا وخلق الجان معنا، وقال: من ذكرني وشكرني طابت نفسه وطهرت، وأنزلته منازل الأبرار في الملكوت الأعلى!

    ومن أعرض عن ذكري وشكري، وتكبر عني، وفسق عن أمري، واسودت نفسه، وخبثت روحه سوف أنزله في عالم الشقاء، في سجين، في الدركات السفلى من الكون.

    ولا يسأل عما يفعل، بهذا قضى، ولا يهلك على الله إلا هالك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى)

    والآن إذا كنتم تريدون النجاة فإليكم هذا البيان: قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] عجب هذا القرآن! رسمياً قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15].

    ما معنى أَفْلَحَ [الأعلى:14]؟ أي: فاز.. نجح.. ربح. وهذه كلمة متداولة، فلان أفلح في تجارته. أي: نجح. أفلح في مزرعته إلا أن الفلاح ليس كربحك الشاة والبعير، وليس ربحك الدينار والدرهم!

    الفلاح هنا أن تبعد عن النار وتدخل الجنة، واقرءوا لذلك قوله تعالى من سورة آل عمران، واسمع هذا البيان: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] فالفوز: هو النجاة من النار ودخول الجنة مع الأبرار، هذا هو الفوز.

    إذاً: قَدْ أَفْلَحَ [الأعلى:14] من؟ العدناني؟ من؟ قال: مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] أي: الذي تزكى، وتطيب وتطهر من أدران وأوضار الشرك والذنوب والمعاصي.

    تَزَكَّى [الأعلى:14]: تطهر وتطيب .. رائحة زكية فأصبح طيب الروح زكي النفس، هذا أعلن الله عن فلاحه وأنه لا يدخل النار، وسيدخل الجنة.

    كيفية تزكية النفس البشرية

    كيف نتزكى؟ وما هي مواد التزكية؟ وكيف نستعملها؟

    هذا السؤال لا بد منه: كيف نزكي أنفسنا؟ وما هي مواد التزكية؟

    أدوات التزكية -يا أبناء الإسلام ويا بنات الإيمان- هي ذكر الله وشكره .. هي هذه العبادات التي تعبدنا الله بها ليزكي بها أنفسنا، ويطيب بها أرواحنا من كلمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين والمؤمنات.

    كل عبادة هي أداة لتزكية النفس، وإنما إن لم تستعملها على الوجه الذي وضعها الشارع له لا تنفع ولا تزكي!

    قم صل ولا تتم صلاتك سيقول لك الفقيه: صلاتك باطلة. لم باطلة؟ لأنها لا تنتج لك الزكاة، ولا تولد الحسنات .. ضعفت، فلهذا ينبغي ويجب علينا يا عقلاء ويا عاقلات! أن نؤدي العبادة كما بلغتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتصرف فيها بالزيادة ولا بالنقص، ولا التقديم ولا التأخير، ولا بالاستعجال.

    العبادة إن لم تؤدى كما وضعها الرسول لن تولد الطاقة ولن تنتج النور، وإن شئتم حلفت لكم، وأنا أقول فقط: اسأل الفقيه عن صيامك إذا أفسدته يقول: صيامك باطل. ما معنى باطل؟ معناه: لا ينتج، ولا يولد طاقة. أنت صمت لتزكي نفسك فإذا فسد الصوم ما زكيت؛ فاقض.

    تَزَكَّى [الأعلى:14] تزكى: طلب تزكية نفسه بأدوات التزكية التي وضعها الله، فالذي وضع الصابون والماء لغسل الثياب والأبدان وضع لا إله إلا الله لتطهير القلوب وتزكية النفوس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وذكر اسم ربه فصلى)

    ثم قال تعالى: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:15] ذكر اسم ربه مباشرة صلى. العاقل إذا سمع حي على الصلاة قام، وإذا ذكر اسم ربه قام فصلى.

    وهنا من عظائم وعجائب القرآن: أن السورة مكية فكيف يذكر هنا زكاة الفطر وصلاة العيد؟

    نقول: لا تعجب، فالقرآن يشرع أموراً وشرائع وتبقى تتلى ولا يدري الناس حتى يحين وقتها، ففي مكة ينزل قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] بأن ترك الشرك والكفر وآمن بالله ورسوله ولقائه فزكى نفسه، وصلى الصلوات المذكورة إذ فرضت في مكة ولا فريضة بعد ذلك، لكن هذه الآية تتناسب مع صدقة الفطر وصلاة العيد بالحرف الواحد.

    ألسنا نخرج زكاة الفطر أولاً ثم نخرج من بيوتنا نكبر ونهلل ثم نصلي صلاة العيد؟ بلى. شرعها الله قبل أن يعرفها الناس وما حان وقتها، وما إن شرعت حتى عرف الناس معنى هذه الآية.

    قَدْ أَفْلَحَ [الأعلى:14] عبد مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] أي: أخرج صدقة الفطر قبل الذهاب إلى المصلى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى:15] وهو في طريقه يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله فَصَلَّى [الأعلى:15] صلاة العيد.

    إذاً: هذا المعنى كما علمتم وإن كان المعنى الأول عامّاً، لكن هذه كالزهرة في هذه السورة المكية، وكأنها مدنية إذ زكاة الفطر شرعت في المدينة، والصيام شرع في السنة الثانية من الهجرة فاحمدوا الله، وافعلوا هذا وذاك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل تؤثرون الحياة الدنيا)

    ثم قال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى:16] هذه نصيحة وإن كانت فضيحة.

    يقول تعالى: القضية قضية أخرى وهي أننا نراكم تؤثرون الحياة الدنيا، وهذا حق لأننا نؤثرها على الآخرة، ونفضلها على الآخرة، نشتغل للدنيا عشرين ساعة وللآخرة ساعة ونصف أو ساعة وربع، الصلوات الخمس كل صلاة بربع ساعة وباقي الوقت للمحراث والعمل، فهذا إيثار للدنيا على الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والآخرة خير وأبقى)

    ثم قال تعالى: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ [الأعلى:17] والله وَأَبْقَى [الأعلى:17]. ومعنى هذا: تفطنوا! انتبهوا أيها الغافلون!

    أنت متزوج امرأتين اعدل بينهما، أما أن تعطي إحداهن وتترك الأخرى فلا.

    كيف تطرح بين يدي عجوز منتنة عفنة -الدنيا- وتترك الحسناء والحوراء وتعطيها ربع ساعة أو ساعة ونصف في اليوم؟! أي عقل هذا؟!

    إذاً: اعدلوا، بقدر ما تعطي الدنيا أعط الآخرة!

    يا عاقل! يا حكيم! كيف تعطي هذه المنتنة، وهذه العجوز الشمطاء عقلك وقلبك ولبك وجهدك كاملاً والأخرى إذا صليت ربع ساعة تقول: آه! تعبنا.

    ماذا أعطيتها؟ هل لكم مخرج؟ لا تشعرون إلا وقد أهنتم هذه المنتنة ووجهتم كل طاقاتكم إلى تلك الحسناء الباقية الخالدة، وليس هو بالسحر فالسحر حرام، والساحر يقتل حيث بان سحره.

    هل تريدون أن تصبحون ممن يؤثرون الآخرة على الدنيا؟ بلى.

    العقلاء قالوا: لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار العقلاء الآخرة على الدنيا؛ لأنه اختيار للباقي على الفاني، فالدنيا فانية والآخرة باقية، فكيف يختار العاقل الفانية على الباقية؟ مجنون هذا وليس بعاقل.

    ولهذا اسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا دار من لا دار له ) الدنيا كلها دار وإن ما عندك دار تسكنها أنت في الدنيا ساكن ( ومال من لا مال له ) الدنيا كلها مال أنت فيها ( ولها يجمع من لا عقل له ) أما الذي له عقل فلا يجمع للدنيا وإنما يجمع للآخرة؛ لأنها باقية وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17] أولاً خَيْرٌ [الأعلى:17] في جمالها وكمالها ومتعها ومطاعمها ومشاربها وملابسها وأنهارها، خير مليون مرة وزيادة وَأَبْقَى [الأعلى:17] أدوم، هذه الدنيا ليست باقية ولا دائمة وإن كان فيها خير، ولكن تنقضي وتنتهي بالموت، أما الآخرة فجمعت بين الخيرية وبين البقاء والأبدية، فلهذا لا يبيع آخرته بدنياه إلا شقي.

    إذاً: كيف نحصل على هذا؟

    الجواب: هناك وقف من الأوقاف سجل اسمك في هذا الوقف فيصبح نومك وأكلك وشربك ونكاحك وتجارتك وفلاحتك وسفرك كله ضمن الوقف، فتصبح حياتك كلها للآخرة.. ما للدنيا شيء، خيبت ظنها فيك.

    الوقف نصه كما يلي من سورة الأنعام، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    إذاً: أيها الواقف! كل ريعك وكل دخلك للآخرة، فما إن تسجل اسمك في هذا الوقف حتى تصبح تنام من أجل الله، وتستيقظ من أجل الله، وتأكل الطعام من أجل الله، وتشرب من أجل الله، وتغرس النخلة من أجل الله، وتزرع الزرع من أجل الله، عملك كله لله، وأنت عبده.

    لما تريد أن تنام لم تنام؟ اذكر أنك تريد أن تستريح لتقوم تصلي!

    أردت أن تأكل لم تأكل؟ من أجل أن يقوم أودك وصلبك حتى تقوم تصلي أو تجاهد.

    لم فتحت الدكان يا عبد الله؟ من أجل أن أجمع قوتي وقوت أهلي حتى نتمكن من الصلاة والصيام والعبادة.

    هذه هي النية والله.

    ما هذا الذي في يدك؟ محراث. ماذا تفعل به ؟ أحرث الزرع من أجل أن أحصل على قوتي وقوت أهلي من أجل أن نعبد الله.

    سجل اسمك في هذا الوقف يصبح عملك كله لله، ولا تعط هذه الخسيسة شيئاً أبداً، لا ربع ولا عشر، فإن نسيت هذه وما عرفتها وأعطيتها قلبك أخذتك ولم يبق للأخرى إلا شيء نادر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى ...)

    وأخيراً يقول تعالى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى:18].

    إِنَّ هَذَا [الأعلى:18] الذي سمعتم وهو أنكم تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، هذا الذي سمعتم وأن الذكرى تنفع المؤمنين، ويتجنبها الأشقياء، هذا موجود أيضاً في الكتب الأولى ليس خاصاً بكم أيها المسلمون وبكتابكم، بل في الصحف الأولى.

    والصحف: جمع صحيفة وهي كثيرة، مائة ونيف، منها صحف إبراهيم الخليل عليه السلام، وصحف موسى عليه السلام، فيها هذا الكلام، ولهذا بنو إسرائيل الآن يعتزون اعتزازاً كبيراً بالوصايا العشر، هذه الوصايا العشر عندنا نحن في ثلاث آيات من سورة الأنعام، وبعدها آلاف الوصايا، ثلاث آيات فقط يقول ابن مسعود : من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات من آخر سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ [الأنعام:151]..

    إذاً: فالوصايا العشر موجودة في التوراة، موجودة عندنا في سورة الأنعام، بل كل التوحيد موجود في الكتب الأولى إلا أنهم حرفوا وبدلوا وغيروا؛ فضاعوا.

    والشاهد عندنا: ما كان حقاً عند الأولين هو عندنا دين، وما كان باطلاً فنحن برآء من باطلهم.

    ثم قال تعالى: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:19] وإبراهيم: جدنا. وموسى: ابن عمنا. هذا معروف عندنا.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم دائماً بما نقول ونسمع.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.