إسلام ويب

تفسير سورة العلق (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • آيات العلق أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها بيان نزول الوحي على رسولنا صلى الله عليه وسلم، وفيها الحث على القراءة والعلم والقلم، وأن نعم الله على عبده توجب الشكران لا الاستغناء والكفران، لأن الإنسان مهما طغى واستكبر فإن مرجعه ومصيره ومآله ورجعاه هو إلى الله تعالى، فيجازي من عمل الهدى والمعروف إحساناً، ويعاقب من منع الصلاة وأقام المنكرات بنار تلظى.

    1.   

    بين يدي سورة العلق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن سورتنا الليلة لسورة مباركة ميمونة، إنها سورة العلق.

    والسورة معاشر المستمعين والمستمعات! مكية، وآيها تسع عشرة آية، وتلاوة تلك الآيات المباركات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:1-19].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة مكية، والآيات الخمس الأول من هذه السورة من أول ما نزل من السماء إلى الأرض على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعدد آيات القرآن ستة آلاف ومائتان وأربعون آية، وهذه الآيات الخمس أول ما نزل من كتاب الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]. وبقية الآيات من هذه السورة الكريمة نزلت بمكة، ولكن بعد فترة من الزمن.

    وهنا أعيد إلى أذهانكم ما علمتموه سابقاً، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأه الوحي بالرؤيا الصالحة، ستة أشهر والرسول صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا في منامه إلا وجاءت مثل فلق الصبح، وبدايتها ربيع الأول والثاني وجمادى الأولى والثانية وشعبان، وفي رمضان فاجأه الحق في غار حراء بهذه الآيات الخمس.

    ولم فاجأه الحق في غار حراء؟ لأنه صلى الله عليه وسلم قبيل بدء الوحي شعر بالحاجة إلى الانفراد.. إلى الانقطاع.. إلى التباعد.. إلى العزلة؛ لأن قومه يعيشون على القمار والخمر وعبادة الأصنام، وقد آن أوان طلوع الفجر، فأخذ يبتعد عن ديار قومه، ويذهب إلى جبل من جبال بكة يقال له: حراء، وفيه غار واسع يظل الإنسان من الشمس ويقيه من البرد، فيدخل فيه يتحنث الليالي ذوات العدد، يأخذ معه طعامه ليس إلا كسرة خبز أو تمر، ويخرج إليه فيجلس هناك، ولما ينقضي زاده يعود إلى خديجة رضي الله عنها، فيتزود لمثل ذلك.

    ومعنى يتحنث. منهم من فسرها: بالتعبد، ومنهم ابن كثير رحمه الله. ولكن نقول: يتعبد بماذا ولم يفرض شيء بعد ولا عرف شيء في ذلك الحين؟ فالأقرب أن معنى يتحنث: يزيل الحنث ويبعده عنه. والحنث: هو الإثم الكبير. وقد جاء في سورة الواقعة قوله تعالى: وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:46] ألا وهو عبادة غير الله.

    فالأقرب أن معنى يتحنث: يزيل ويبعد عنه ما عليه قومه. أما أن نقول: يتعبد. فما فرضت فرائض بعد ولا عرف شيء، قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7].

    وبعد أن تحنث الليالي ذوات العدد وكان رمضان فاجأه الوحي في غار حراء، فجاءه جبريل في صورة إنسان ودخل عليه الغار، وجلس بين يديه، وقال له: اقرأ. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ. أي: ما سبق أن قرأت ولا أعرف كيف أقرأ.

    فكان جبريل عليه السلام يضمه إلى صدره يغطه كما تفعل الأم الرءوم الحنون بطفلها إذ تكاد تدخله في جوفها، ثم يرسله، فيقول: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ، ثلاث مرات، ثم قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] الآيات الخمس، فقرأها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)

    قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] أي: بإذنه تعالى وبعونه تعالى لك، قل: بسم الله الرحمن الرحيم واقرأ. ولهذا سور القرآن مفتتحة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، إلا ما كان من سورة براءة .. التوبة؛ فإنها إعلان حرب، ومعلن الحرب لا يذكر كلمات الرحمة: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1]. أما بقية السور فيسن افتتاحها بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) لهذه الآية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    ومعنى رَبِّكَ [العلق:1] يا معشر العالمين والعالمات! خالقك ومالك أمرك وسيدك. كل هذه تدخل تحت كلمة الرب.

    إذاً: لا عجب أن تقرأ باسم سيدك ومولاك والمنعم عليك وإلهك الذي لا إله لك غيره.

    الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] خلق ماذا؟ خلق الخلق كله. ومن يدعي خلق ذبابة يتفضل يجيء بالبرهنة.

    الله خلق الخلق أجمع. هل من خالق غير الله؟ اللهم لا. الخلق هذا الموجود في العالم العلوي والسفلي، من الذرة إلى المجرة، من العرش إلى الملكوت الأعلى إلى الأرض إلى الملكوت الأسفل كله خلقه الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من علق)

    ثم قال تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:2] أي: خلق آدم من تراب، وخلق ابن آدم من علق.

    معاشر المستمعين والمستمعات! يا من علمهم الله! المخلوقات أربعة عوالم:

    أولاً: الملائكة. ثانياً: الجن. ثالثاً: الإنس. رابعاً: الحيوانات. إلا أن هناك عالماً من هذه العوالم تنقسم إلى شياطين وهم ذرية إبليس. والجن غير الشياطين؛ لأن إبليس عليه لعائن الله كان جنياً من الجن، ولكن لما فسق عن أمر الله أبلسه الله. أي: أيأسه من الخير، كالذي يمسح شيئاً من شيء ويزيله عنه .. مسح عنه الخير كله ولم يبق فيه عنصر الخير قط، كل ما يأتيه شر، وإبليس أنجب! ولا تعجب، أما أنجب أبوك؟ بلى. لم ما ينجب إبليس؟! إلا أن ذرية إبليس يبدو أنها أكثر، واقرءوا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50] ما لكم يا بني آدم؟ أثبت الذرية وأثبت أصل خلقه، وهذه الآية الكريمة من سورة الكهف.

    إذاً: الملائكة خلقهم من النور، والجن خلقهم من النار .. شواظ النار ولهبها، واقرءوا من سورة الرحمن: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15].

    إذاً: نحن خلقنا من سلالة من طين، أبونا من الطين ونحن من علق الإنس والحيوانات -الأزواج الثمانية- قال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6] الإبل والبقر والغنم، أي: الضأن والماعز.

    وَأَنْزَلَ لَكُمْ [الزمر:6] هل من الحق أن نقول: أنزل بمعنى فرض أو قدر أو أنعم؟ لا ؛ لأن الله يخاطبنا بما نفهم.

    أين خلق أبونا آدم؟ قولوا: في الملكوت الأعلى.. في الجنة.. في السماء السابعة، ولا تخافوا.

    إذاً: هل غريب أو عجيب أن يخلق الله هذه الأنعام في الملكوت الأعلى وينزلها؟ أي عجب؟! آمنا بالله.

    وَأَنْزَلَ لَكُمْ [الزمر:6] من أجلكم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6].

    إذاً: وكونها تتخلق أمامنا وتتواجد مثلنا، لكن العبرة بالأصل .. أصل النشأة كيف كانت، وأما باقي الحيوانات فلا تنفع ولا تضر، فليس هناك حاجة إلى بيانها، خلقها الله متى شاء وكيف شاء.

    والشاهد الآن عندنا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] أي: الخلق كله ومنه آدم.

    خَلَقَ الإِنسَانَ [العلق:2] الإنسان: اسم جنس تحته أفراد بالبلايين، منهم الذكران والإناث .. الإنسان من علق.

    معنى قوله تعالى: (من علق)

    وقوله: مِنْ عَلَقٍ [العلق:2]. العلق: جمع علقة، علقة وعلق.

    وتتكون العلقة لما يتطور المني ويجتمع ماء الفحل وماء الفحلة، وفي أربعين يوم ينتقل إلى علقة .. قطعة من الدم تحولت من المني المزدوج. وسميت علقة؛ لأنها ناعمة وتعلق بأي شيء، لو تضع أصبعك عليها تلصق فيه، وهي تعلق بجدار الرحم، وهذا الجدار قطعة من اللحم يعلق بها، فنحن وأمهاتنا وآباؤنا من آدم أبينا وحواء أمنا إلى اليوم هذه هي طريقة إيجاد الله لنا من علقة، ثم أربعون يوماً تتطور من علقة إلى مضغة .. قدر ما تمضغ في فيك.

    الآن أنتم ترقيتم فلا تعرفون المضغة ولا تمضغوا، أما نحن أيام الجوع فنعرف قيمة وقدر المضغة، أما الآن يأخذ خبزة فيها ذراع ويأكل بعضها ويرمي بعضها.

    إذاً: يكون بقدر المضغة، ثم إذا أراد الله خلقها وتكوينها نزل الملك الخاص فنفخ فيها الروح، وإن لم يرد رفضها الرحم وألقاها قطعة لحم.

    إذاً: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:2] هذا حق.. آمنا بالله، الحمد لله!

    هذا أصلك يا ابن آدم فليس من ذهب ولا فضة فلم تتعنتر وتتكبر؟ أما تستحي؟ من أنت؟! هذا هو أصلك، هذا بدء أمرك، وهل تدري ما تحمل؟ إنك تحمل العذرة والبول في بطنك!

    أما تستحي أن تؤمر بالسجود فلا تسجد؟

    أين نهايتك يا ابن آدم؟ ادفنوه، اقبروه، رائحة مؤذية كريهة، الديدان، الحيوانات في جسمه، أبعدوه، دكوه في الأرض وغطوه.

    أهذا يتكبر؟ أما يستحي؟ أما يخجل؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقرأ وربك الأكرم)

    ثم قال تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:3].

    وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:3] هل يوجد من هو أكرم من الله؟ لا. أصل الكرم منه. يا كريم! لولا أن الله أكرمك ما عرفت الكرم، فهو سبحانه مصدر الكرم.

    هل إذا أويت إلى كريم تبيت جائعاً؟ تبيت ظمآن؟ الجواب: لا. فإن ربك الأكرم فلا تخف ولا تحزن! أبشر بأن ربك الأكرم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي علم بالقلم)

    ثم قال تعالى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:4]. القلم معروف، وأول قلم عرفته الحياة والأكوان هو قلم الجبار عز وجل!

    أول قلم وجد ذلكم القلم الذي خلقه الله بعد خلق الماء والعرش! فهو باعتبار سائر المخلوقات التي تكونت من الملائكة والإنس والجن والحيوانات؛ القلم أولها، أما بالنسبة إلى العرش وإلى الماء إذ قال تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7] ليس شيئاً موجوداً أبداً، فخلق القلم فقال: ( اكتب. قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) فما من واحد منكم أيها الرجال ويا أيتها النساء! ما من واحد منا إلا وله في هذا الأرشيف ملف .. ملف من ساعة أن علقت في جدار رحم أمك إلى أن تستقر الاستقرار النهائي إما في دار السلام وإما في دار البوار!

    لو قدر لك وأخرج لك ذلك الملف واسترجعت حياتك لا تجد نومة نمتها إلا وتقف عليها.. ولا أكلة أكلتها إلا وتقف عليها.. ولا كلمة قلتها إلا وتقف عليها.. ولا نظرة نظرتها إلا وقفت عليها، لا ينقص ولا يزيد من ملفك شيئاً.

    قولوا: لا إله إلا الله! ولهذا لا يعبد إلا هو رغم أنف الكافرين.

    إذاً: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:4] يريد: علم بني آدم الكتابة بالقلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (علم الإنسان ما لم يعلم)

    ثم قال تعالى: عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] أي: ما لم تكن تعلمه قد علمته. والعلم يكون بالذهن ويكون بالقلب ويكون بالقلم.

    ولكن ذكر القلم هنا إعلام بأن هذه الأمة التي طلع نجمها ستكون خير أمة ترفع القلم وتكتب به.

    ولولا المسلمون ما عرفت أوروبا شيئاً من هذه العلوم والمعارف!

    اقطع الطريق على المستغربين المتعنترين فهم يعترفون بهذا، لولا هذه الأمة والله ما كانت هذه الكهرباء ولا طرتم أنتم ولا أوروبا في السماء.

    لم؟ لأن البشرية كانت همجية.. حيوانات في الغابات. من أين لها أن ترتقي وتعرف وقد انقطعت عن طرق الكمال.. انقطع الوحي.. ضلت البشرية.. استعبدها حكامها ورؤساء دينها لأغراضهم السافلة؟

    كيف ترقى أو تتمدن؟

    حتى جاء هذا النور الإلهي وانظر كيف بدأ بالقلم المعروف عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:4] علم الإنسان ما لم يكن يعمله بالقلم. ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1] حلف بالقلم؛ تعظيماً لشأنه.

    والمسلمون لما قتلوهم وسحروهم ومزقوهم ما أصبح للقلم عندهم شأن، ولكن المثل يقول:

    العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة

    المهم أن سلفنا عرف قيمة القلم، ولكن ما كانوا يحلفون به!

    إياكم أن تحلفوا بالقلم، ولا تقولوا: الله أثنى به علينا وامتن فنحلف به. وإنما القلم مخلوق من المخلوقات فلا يحلف به.

    قال تعالى: عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] فالعلوم والمعارف الدينية والدنيوية مفتقرة إلى كتابتها وتدوينها ونقلها وتوريثها وتعلمها، والقلم دائماً في الوسط، أما الورق فقد كانوا يكتبون على جريد النخل.. يكتبون في عظام الإبل العريضة.. يكتبون في أشياء عديدة حتى كانوا يكتبون في الكتان -القماش- حتى جاء الله بالورق، ولكن القلم هو القلم.

    وترقى الآن القلم وأول ما بدأ: قلم باركر، فكان الناس يفتخرون بقلم باركر، لكن ما زال هو هو، كنا نأخذ من القصب من جريد النخل ونصنعه، والآن أصبح من الحديد.

    النهي عن الإسراف والبذخ والحث على التجارة الرابحة مع الله

    هل يجوز أن تصبغ هذا القلم بالذهب أيها الغني؟ الجواب: لا. تنزه عن هذا.

    السيف أذن فيه أن تحليه بالحلية الذهبية؛ لأنك إذا بارزت الكافر ورأى سيفك يلمع بالذهب ارتعدت فرائصه، وانهار قبل أن تصل إليه فهو وسيلة من وسائل هزيمة العدو.

    أما القلم فذهب أو فضة لا ينفع، فلهذا لا تشترين قلماً فيه ذهباً ولا فضة، ولا ساعة فيها ذهباً ولا فضة.

    لم؟ نحن لسنا بأبناء الدنيا وعشاقها، لا. بل نحن محبوسون فيها فقط، نتطلع إلى أن نتخلص من هذا الحبس ونتركه.

    أما عبادها اللاصقون بها العابدون لها فنعم، إذا وجد الذهب يعمل تاجاً من ذهب .. هذه هي حياته، أما نحن فلا ملعقة ولا شوكة ولا قصعة ولا قدر ولا آنية من أواني الذهب والفضة عندنا، والله العظيم.

    أما سمعتم قائدنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:( هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ). قال تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ [الإنسان:15].

    الشاهد عندنا: أن القلم جرنا لهذه؛ لأن بعض الغافلين يتخذ قلماً بألف ريال. وإن قلت له: لماذا؟ قال: فيه ذهب.

    نكتب بجريد النخل، وإن زاد المال عندنا .. من فاض عنه المال يريد أن يحوله عندنا بنك سماوي، اجعل رأس مالك هنا؛ لأن قلبك مع مالك.

    أيها الجالسون! من عنده شيء من المال الآن قلبه معه إذا كان في الخابية.. إذا كان تحت الجدار.. إذا كان في البنك.. قلبه معه، هذه الحقيقة أفصح عنها تلميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو هريرة قال: أيها الإخوان.. أيها الناس! اجعلوا كنزكم في السماء؛ فإن القلوب مع كنوزها.

    أراد أن يشدنا مع السماء، اجعلوا كنوزكم في السماء!

    إذا زاد على نفقتك أو على حاجتك شيء تضعه عند الله وتأخذ السند. بمعنى: تتصدق به! ابن به مسجداً! عبِّد به طريقاً! أنشئ به وقفاً ورباطاً! جهز به غزاة ومجاهدين، وهذه كلها مخازن، والحساب عند الله عز وجل، أما أن تحوله إلى لهو فهذا لا يقوله عاقل.

    يا عباد الله! ويا إماء الله! لا تحرقوا ديناراً ولا درهماً في الشيشة ولا في الحشيش ولا في السيجارة!

    أنصح لكم فإنكم والله ستسألون فأعدوا من الآن الجواب!

    إذا أعطاك الله المال فأنفق باعتدال! القصد.. القصد! فإن فاض فحوله إلى السماء!

    لا بأس أن تدخر كمية لمرض يطرأ أو لحادث يقع، كما قال أبو القاسم: ( إلا شيئاً أرصده لدين ) وما فاض لا تنغمس في أنواع الفواكه والخضر واللحوم والملابس والمراكب أو سيارة بسيارة وطيارة بأخرى!

    أين يذهب بك يا عبد الله؟! حوله إلى الملكوت الأعلى.

    تسلية خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه

    هذه الآيات الخمس أول ما نزل من القرآن، ثم فتر الوحي!

    عاد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة ترجف بوادره كأنها حمى .. يرتعد؛ لهول الموقف!

    مفاجأة وأية مفاجأة هذه؟ والله ما يطيقها أحد منكم، أقسم بالله لينهار ويغمى عليه!

    إنسان يفاجئه سيد الملائكة جبريل عليه السلام!

    إذاً: عاد وهو يقول: ( زملوني زملوني ) أي: غطوني، الحمى! وانقطع الوحي فترة، فكاد عليه الصلاة والسلام كما تقول العامة: يخرج من عقله، صار يطلع إلى الجبال يريد أن يلقي بنفسه من أعلى القمم!

    رؤيا رآها وانقطعت، ويناديه جبريل: يا محمد! أنا جبريل وأنت رسول الله.. أنا جبريل وأنت رسول الله.

    وهنا خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها خديجة بنت خويلد قالت له: تعال! هذا الذي تراه كيف؟ اجلس في حجري.

    وبعض طلبة العلم من الضائعين قد يقول: هذه الرواية ممكن ضعيفة، وإن كانت ضعيفة فإن معينها غالٍ، وإن ماءها عالٍ، وإن فائدتها عظيمة؛ لأن بعض الطلبة مساكين. المهم إذا لم تكن صحيحة لا يعمل بها؛ لأنه لا يريد أن يعمل. مهزوم.

    ونحن حيث نجد الحكمة نأخذها، المهم أن تكون حكمة تساعدنا على اجتياز هذه المحنة!

    خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء وجدتها وخرجت.

    إذاً: قالت: اجلس في حجري، وهي زوجه، تزوجها من خمس عشرة سنة. فكشفت عن رأسها وقالت له: هل ترى الذي رأيت؟ قال: لا. فغطت رأسها. وقالت: هل ترى؟ قال: نعم. قالت: أبشر يا ابن عم! هذا ملك وليس بشيطان، والله لا يخزيك الله! إنك تقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر. كذا.. كيف يخزيك الله؟! وهنا لما روينا هذه الرواية وأسمعناها المؤمنات انتفعن بها كثيراً، وبعضهن لم ينتفعن؛ لأن الزوج طالب وقال لها: هذا الحديث ضعيف. ذكره في السيرة فلان وفلان وما أظنه يصح!

    هزمت امرأتك فقط وما أفدتها شيئاً، وهذا هو الإفلاس.

    ومن هنا عرفت المرأة البرة الصالحة أنها لا تكشف عن رأسها وإن كانت وحدها؛ لأن الملائكة تجالسها وتدخل عليها في غرفتها وبيتها فلا تطردهم بكشف رأسها!

    المؤمنات يفهمن لكن أزواجهن لا يرضيهم هذا، يريد أن يرى رأسها مكشوفاً كاليهودية أو النصرانية، وبذلك يقر! مساكين!

    هذا شأن الهابطين اللاصقين بالأرض.

    المهم أن خديجة رضي الله عنها اختبرته بما أوتيت من الذكاء، فإن كان شيطاناً فسوف يراه مع كشف الرأس -لأن الشيطان يحب ذلك- وإن كان ملكاً لا يجلس.

    وأنتم تعرفون أن الملائكة لا تدخل معكم المراحيض، ولا يطلعون على عوراتكم ويتفرجون عليها.

    هل سألتم رسول الله في هذا الباب شيئاً وما أعطاكم؟ ما سألتم. أعطانا وقاية: قبل أن تدخل قدم رجلك اليسرى قل: ( بسم الله ) الذي لا إله غيره وادخل .. ستر كامل؛ يعمى الشيطان والجان، فلا يراك أبداً، ستر ما بين عورات بني آدم والجن قولك: ( بسم الله ) الذي لا إله غيره، وادخل.

    إذاً: الشياطين موجودة، كما قال تعالى في سورة الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ [الناس:1-3] ممن تستعيذ؟ قال تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:4-6].

    وأهل الدرس عرفوا أن لكل منا محطة للاستقبال والتلقي، فإذا أردت أن تخيب الشياطين فاحم هذه المحطة بالمدافع، أما إذا فشلت واحتلها العدو فيوجهك كالبقرة، يقول لك: افتح عينيك تفتح، هرول تهرول.

    وقد بين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال: ( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) فالقلب مركز، فإذا العدو احتل المحطة يبيع كما يشاء.

    وأما أهل الذكر والحصن الحصين فلا يستطيع الشيطان أن يدخل إلى قلوبهم!

    والذين لا وعي ولا بصيرة لهم يدخل ويخرج ويتصرف فيهم ويسخرهم كالأنعام.

    قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] هذه الآيات الأولى.

    إذاً: ذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، فقالت للرسول صلى الله عليه وسلم: قل له ماذا رأيت!

    اعرض عليه رؤياك وما شاهدت، فقص عليه قصته في غار حراء. فقال ورقة بن نوفل : هذا الناموس الذي كان يأتي إلى موسى. أي: هذا هو ملك الوحي.

    ثم قال: ( ليتني فيها جذع إذ يخرجك قومك يا محمد. فقال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم. ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركت زمانك أنصرك نصراً مؤزراً )، ولكن ما نشب حتى مات فعليه السلام. تمنى الإيمان ففاز به. وانقطع الوحي، وبعد نصف شهر أو أكثر عاد من جديد.

    ولنترك هذه الآيات ولننتقل إلى حادثة عجيبة حدثت للرسول صلى الله عليه وسلم في مكة بالمسجد الحرام، كما سيأتي بيانها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى)

    ثم قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] أي: إذا شعر الإنسان بالاستغناء وأنه ليس بحاجة إلى ماء ولا إلى طعام، لا إلى نصرة ولا إلى سلاح، إذا استغنى ما الذي يحصل؟ يطغى.

    ما معنى يطغى؟ يتجاوز حده بوصفه آدمياً ضعيفاً مخلوقاً له مستوى لا يتجاوزه، فإذا به يرتفع حتى يصبح وكأنه الرب والإله، يذل هذا، ويسخر من هذا، ويضرب هذا، ويمنع هذا؛ لطغيانه، بل يرضى من الناس أن يعبدوه ويقبلوا رجله، ويسجدوا بين يديه.

    إِنَّ الإِنسَانَ [العلق:6] ابن آدم ونحن أفراده إذا استغنى طغى.

    إذاً: يا ويلنا! هل من مهرب؟ الجواب: هناك الزائدة إذا استؤصلت تلك الزائدة نجونا.

    وأنا أتكلم عن الزائدة لأنها أخذت مني، وهي في البطن، عملية جراحة وكانت صعبة، والآن تيسرت، وإذا لم تخرج الزائدة صاحبها يهلك!

    والله! أخذتني وأنا معتمر في مكة فما عرفت النوم ليلتها حتى وصلت إلى المسجد ووجدت الطبيب يصلي في المقصورة .. مصري، فقال لي: هذه الزائدة، عجل قبل أن تهلك، وعلى الفور ذهبت إلى المستشفى وأجريت العملية واستؤصلت فأبقى الله الحياة إلى اليوم، وأطالها لكم أيها المؤمنون!

    إذا استؤصلت هذه الزائدة لا تبقى هذه الزائدة، وقد عرفتم أولاً: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19] هذا طبعه، خلقه الله على هذه الطبيعة: الهلع. وكلمة الهلع حروفها مزعجة، الهلع.

    ما معنى الهلع هذا؟ الهلع فسره الله خالقه فقال: إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:20-21]. والمنوع: كثير المنع. والجزوع: كثير الجزع.

    فقط إذا مسه الشر: حمى.. ضرس.. ألم.. جوعة جاعها فيا ويلك إن كنت جاره!

    لا يطاق من الصراخ والضجيج والنداب والبكاء!

    لا صبر ولا أناة ولا حلم ولا رجعة إلى الله أبداً؛ لأنه مريض.

    وإذا مسه الخير وتدفقت أودية الذهب والفضة عليه منع. هذا طبعه قبل أن يعالج! قبل استئصال الزائدة!

    ثالثاً: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34] من القائل هذا؟ الله خالقه، الذي خلقه على هذه الحال، فأعلنها للناس إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ [إبراهيم:34] أي: كثير الظلم كَفَّارٌ [إبراهيم:34] كثير الكفر والجحود، إلا إذا عولج واستؤصلت الزائدة.

    إن الإنسان خلق ضعيفاً لا يطيق ولا يصبر ولا يتحمل إلا إذا تقوى باستئصال الزائدة، فالذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والذين لا يستعملون أدوات التطهير والتصفية والعلاج هذا هو وصفهم: شدة الكفر.. شدة الظلم.. شدة الفسق.. الطغيان.. الاعتداء.

    لا تلمهم فهذه حالهم!

    إذاً: علموا البشرية أن علاجها في هذا الكتاب، بلغوها وطببوها وعالجوها، وقد عرفنا هذا وباشرناه!

    وقد ذكر تعالى لنا لعلاج هذه الزائدة وصفة طبية ربانية ذات ثمانية أرقام وإذا لم تستعملها بالنظام الدقيق قد لا تنتفع بها فلا بد من طبيب مختص يشرف على استعمالك هذه الأدوية، وإن وجدت في زمن أو في بلد أو في ظرف ليس فيها طبيب مختص كما هي الآن الظروف والأحوال بلايين المدن والقرى لا تجد فيها طبيباً من هذا النوع نتوكل على الله ونستعمل هذه الأدوية في حدود طاقتنا، وسوف تنتج لنا الراحة والعافية في حدود ما فعلنا!

    لا ندعي الكمال وأنا نطيب طيبوبة كاملة ونطهر طهراً تاماً لكن إذا كنا تحت الطبيب افعل كذا، خذ كذا، حط كذا، قف في كذا، كما طبب رسول الله أصحابه، وكما طبب أصحاب الرسول أبناءهم وأولادهم،.. وأما الآن نستعمله في حدود المعرفة ونجحنا وهذا خير من لا شيء.

    أتدرون من الطبيب الذي نتكلم عنه؟ إنه الشيخ المربي الذي يربيك يوماً فيوماً حتى تطيب وتطهر وتكمل.

    فإن قال قائل: هل معنى هذا أنك تقول: ارجعوا للتصوف؟ عودوا إلى مشايخ الصوفية والطرق؟!

    الجواب: لا. لأن أولئك المشايخ ليسوا أطباء ولا قادرين على التربية. هم في حاجة إلى من يربيهم.

    أخذوها بالوراثة، كان أبوه شيخ طريقة فيورثه الابن!

    والله رأيناه حالق الوجه صعلوكاً ونزلوه منزلة أبيه وأصبح يعطي الورد بالوراثة.

    وأنا أعني بالمشايخ: الذين نجلس إليهم طول السنة وهم يشاهدون سلوكنا ويوجهوننا ويعيبون علينا وينبهوننا حتى نكمل فنصبح أكثر منهم كمالاً.

    وقد قلت لكم: مثل هذه الحلقة لو يثبت لها المؤمن ويصبر ساعة كل يوم ويعطيها ما تستحق من الصدق والرغبة في الكمال لا يسمع هدى إلا أخذ به، ولا يشاهد نوراً إلا استنار به، وما عرف فضيلة إلا تحلى بها، ولا رذيلة إلا تركها وابتعد عنها، والله لا يزال يترقى حتى يصبح من كمل الناس.

    ومن كان همه بدل المقهى نجلس في المسجد يظفر بشيء ولكن لا يتخرج ربانياً صالحاً!

    وامتحنه أدنى امتحان ينفجر! ينسى ما كان يقول ويعمله.

    كيف يا شيخ؟ نعم، انغزه نغزة يسبك؛ لأنه ما تأصل. إذاً: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ [العلق:6] حقاً لَيَطْغَى [العلق:6] و(كلا) بمعنى حقاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن رآه استغنى)

    ثم قال تعالى: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:7].

    أَنْ رَآهُ [العلق:7] أي: رأى نفسه اسْتَغْنَى [العلق:7].

    عندنا أمثلة: هذا راضي أيام كان محتاجاً فقيراً مثلي: يا رب! يا رب! يا رب! كل الصلاة نراه يدعو، وفي النافلة، ولما توظف أصبح يتعنتر ممكن عشرة أيام لم أره يرفع يديه إلى الله! أنا أراكم وأعلم بكم!

    أيام كان محتاجاً دبر كل صلاة ونافلة يقول: يا رب! يا رب! لكن لما استغنى كان أول من استغنى عنه: الله، فما أصبح يسأل ولا يرفع أكفه إليه. وهذا معناه أن الشيطان كسر رأسه وحطمه.

    ثانياً: يستغني عمن كان يؤانسهم ويجالسهم ويفضل الذي ثيابه نظيفة وسيارته غالية ويتخلى عنا ولا يمشي معنا. هذه أمثلة إلا إذا عولج وشفي فحينئذٍ والله هو هو.

    أنا أقول: لو أنصب ملكاً أو رئيس جمهورية ما أحسبني أن يتغير في شيء. هذا الذي أعتقده، أبقى مع البهاليل، أتكلم معهم، أمشي معهم.

    قد تقولون: لأن هذا خرف وشاخ. نعم. لكن نحن شبيبة.

    أما رأيتم أصحاب رسول الله؟ أما رأيتم سلمان الفارسي؟ والي عام في البصرة تحت خلافة عمر يلبس الشرطة والعصا في يده ويتجول في أسواق البصرة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر!

    جاءت قافلة تجارية من الشام فوضعوا إبلهم أو بغالهم .. زنابيلهم وقالوا له: تعال يا حمال! فجاء سلمان يحمل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    2786976273

    عدد مرات الحفظ

    686616909