إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأساليب التي يتبعها المشركون مع نبي الله عز وجل ومبلغ وحيه أسلوب السخرية والاستهزاء، فكلما رأوه قاموا يتساءلون بينهم عن صحة رسالته وحقيقة دعوته على مسمع منه صلى الله عليه وسلم، فيخاطب الله نبيه معزياً إياه ومخبراً له أن هؤلاء السفهاء إنما يتبعون أهواءهم ويعبدون شهواتهم، وهم في الحقيقة لا يسمعون ولا يعقلون وهم أضل من الأنعام، فمثل هؤلاء لا تتوقع لهم أن تفتح قلوبهم لدعوة الحق، أو يبلغ مسامعهم رسالة التوحيد والصدق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:41-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الفرقان:41] هذا كلام من؟ كلام الله عز وجل. يخاطب به من؟ رسوله ومصطفاه محمداً صلى الله عليه وسلم.

    وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الفرقان:41] تقدمت الآيات قبل هذه وأن الله عرض عليهم كيف أهلك أمماً عديدة من قوم نوح إلى قوم لوط، وكان المفروض أن يخافوا، أن يهابوا، أن يرهبوا، أن يتراجعوا.. ومع الأسف ازدادوا عدواناً وظلماً وإصراراً على الكفر والمعاندة.

    واسمع الله تعالى يقول: وَإِذَا رَأَوْكَ [الفرقان:41] يا رسولنا في الطريق، في الشارع، حول الكعبة، في جماعة من الجماعات، إذا رأوك ما يتخذونك إلا هزواً فيسخرون ويستهزئون ويضحكون ولا يبالون، وخاصة الذين كتب الله شقاوتهم وأنهم يموتون على الشرك والكفر، كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف .. وما إلى ذلك ممن تعالوا وأرادوا أن يهينوا رسول الله ويؤذوه، فالله يخبر رسوله فيقول: وَإِذَا رَأَوْكَ [الفرقان:41] يا رسولنا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الفرقان:41] بدل أن يرجعوا إلى الحق ويتوبوا إليه بعدما سمعوا آيات الله تتلى عليهم وتعرض عليهم مظاهر الحياة مع اختلافها، مع الأسف يزيدون طغياناً وكفراً ويستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويسخرون منه، ومن جملة ما يقولونه من السخرية والاستهزاء: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41]. هذا هو؟! كيف يبعثه الله رسولاً؟! ما وجد غير هذا؟! هل هذا خير الناس؟!

    ويستهزئون ويسخرون: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41]. هذه الكلمة كلمة استهزاء واحتقار واستصغار للرسول صلى الله عليه وسلم، فيا ويلهم يوم ينزل العذاب بهم، وقد نزل بهم في بدر وذاقوا المرارة وذاقوا العذاب، وأما بعد موتهم في الدار الآخرة فالشقاء والعذاب الأبدي.

    وَإِذَا رَأَوْكَ [الفرقان:41] يا رسولنا. أي: وإذا رأوك ما يتخذونك إلا هزواً فيهزئون ويسخرون بك، فاصبر ولا تترك دعوة ربك، واثبت فالعاقبة لك وللمتقين.

    أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41] أي: هذا هو الذي بعثه الله رسولاً؟!

    هذه الكلمة من يقولها؟ الكفار، المشركون.. أبو جهل ، عقبة بن أبي معيط .. جماعة الكفر والعياذ بالله، وهذه جملة استهزاء أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ...)

    ثم يقولون: إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان:42]. أي: كاد محمد صلى الله عليه وسلم يضلنا عن آلهتنا ويصرفنا عن عبادتها والتمسك بها والوقوف عندها!

    كاد بما يدعو وبما يقول ويبين للناس أن يصرفنا عن آلهتنا!

    قالوها متألمين! وإن كاد ليضلنا ويبعدنا عن آلهتنا حتى لا نعبد آلهة آبائنا وأجدادنا ويصرفنا عنها!

    ثم قالوا: لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان:42]. يقولون: صبرنا هو الذي جعلنا نبقى مع آلهتنا ولا نتبع هذا الرسول ولا نمشي وراءه، ولا نعبد معه الله. والعياذ بالله.

    أي كفر أعظم من هذا الكفر؟! وهم في نفس الوقت يؤمنون بأن خالقهم هو الله.. بأن رازقهم هو الله.. بأن محييهم هو الله.. بأن مميتهم هو الله، يقول تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، ويقول سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25] ومع الأسف تعميهم الشياطين وتحملهم على الضلال وينكرون ما يؤمنون به ويعتقدون ويحولون حبه ورهبته إلى أحجار وأصنام يعكفون عليها ويعبدونها ويجالدون ويجادلون دونها.

    ولا عجب! فهذه البشرية معنا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لو يدعهم داع كمحمد صلى الله عليه وسلم لقالوا أكثر مما قال كفار قريش، وكيف لا وهم يقولون: لا إله والحياة مادة؟! وكيف لا وهم يقولون ليس هناك إلا العلم فقط فلا إله ولا الله ولا غيره، فليس إلا العلم فقط.

    إذاً: لو وجد من يحمل هذه الرسالة ويتحملها والله لوجد من يسخر به ويستهزئ به ويحتقره ويحاول ضربه أو يقتله كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من ألف وأربعمائة سنة وستة عشر عاماً.

    يقولون: إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا [الفرقان:42] التي كان يعبدها آباؤنا.. أصنام وأحجار، حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً قبل أن يكسرها رسول الله ويهدمها ويقضي عليها عام الفتح، كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً كل صنم له عابدون يعبدوه من نساء ورجال.

    إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان:42] في نظرهم أنهم ثبتوا والرسول أزالها وعبدوا الله عز وجل.

    وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الفرقان:42] أي: وسوف يعلمون هذا الخبر من الله.

    الله يقول: وسوف يعلمون عاقبة كفرهم وعنادهم واستهزائهم برسولنا وسخريتهم به!

    والله سوف يلقون جزاءهم!

    وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الفرقان:42] متى؟ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:42] سوف يعلمون لما يشاهدون العذاب وينزل بهم وهم فيه يتخبطون من هو أضل طريقاً: محمد الرسول صلى الله عليه وسلم أم المشركون الكافرون.

    وقد اتضح لهم هذا في بدر السنة الثانية من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كانت غزوة أو وقعة بدر الكبرى فهلك هؤلاء الصناديد عن آخرهم.. سبعون صنديداً من طغاة المشركين ماتوا على كفرهم، وهم هؤلاء الذين يقولون هذا، وجلهم مات على الشرك والكفر وهلك وذاق العذاب وعرف من هو أضل سبيلاً.

    والذين أسلموا ودخلوا في رحمة الله بعد خمس وعشرين سنة انتصر الإسلام وعرفوا أن محمداً ما كان ضالاً بل كان مهتدياً، وأنهم كانوا ضالين، والآن تبين لهم وعرفوا الحق كما هو.

    هكذا يخبر تعالى فيقول: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [الفرقان:42] عذاب الدنيا وعذاب الآخرة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:42] أهم أم رسولنا صلى الله عليه وسلم، وقد علموا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً)

    ثم قال الله جل جلاله وعظم سلطانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ [الفرقان:43] يا رسولنا، أخبرنا أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43].

    أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43]. أخبرنا عن إنسان جعل معبوده الذي يعبده هواه، كيف يستقيم؟ كيف يهتدي؟ كيف يرجع إلى الحق؟ كيف يعلم؟

    وفي آية أخرى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23]. ‏

    ضلال من اتخذ الهوى إلهاً

    والهوى من هوى يهوى إذا مال إلى الشيء، فالهوى ميل نفساني يدفع به الشيطان في قلب الإنسان فيصبح الإنسان يميل إلى كل باطل وكل شر وفساد.

    الهوى: ميل نفسي ينفخه الشيطان في القلب فيصبح صاحبه لا يعبد إلا هواه الذي يشتهيه ويحبه ويفعله خيراً كان أو شراً طيباً كان أو خبيثاً.

    ومن هنا الآية تحذرنا من أن نتبع أهواءنا ونجري وراءها فنغرق في الضلال والعياذ بالله!

    نحن لا نستخدم أهواءنا ولكن نستخدم عقولنا ونستمد الهداية من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فما شرعه الله عبادة وبينه رسوله عبدنا الله تعالى به، وما أحله الله من طعام أو شراء أو نكاح أو لباس أو كلام أو عمل عملنا به؛ لأن الله أحله، وما حرمه الله ورسوله من اعتقاد باطل أو قول فاسد أو طعام خبيث أو عمل سيئ تركناه؛ لأنه مما بين الله ورسوله لنا، أما أن نستجيب لأهوائنا وكلما تهوى النفس شيء تفعله فهذا صاحبه يضل ضلالاً بعيداً.

    أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43] أي: معبوده، عبدوا أهواءهم وشهواتهم وما عبدوا الله ربهم جل جلاله.

    هكذا يوجه الله الخطاب لرسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] أي: كفيلاً، حفيظاً، رقيباً تهديه وتصلحه؟ لا تستطيع، فات الأمر.

    لو ما اتخذ إلهه هواه ما عبد هواه فيستجيب لك وتأخذ بيده إلى الحق، لكن ما دام جعل إلهه هواه وشهوته، فمثل هذا لا تهديه أنت ولا تصلحه.

    معاشر المستمعين! نحن لا نعبد أهواءنا بل نعبد ربنا، فما قال تعالى فيه طيب من طعام أكلناه وقلنا: طيب. وما قال الله عنه: هذا حسن قلنا: حسن واستحسناه.

    وإذا قال تعالى هذا خبيث استخبثناه.. هذا سيئ تركناه، فلا نستخدم أهواءنا أبداً فنعبدها كما يُعبد الله، وإنما نعبد ربنا عز وجل.

    الهوى يزين للإنسان أفعالاً باطلة فيحمله على اللواط.. على الخبث.. على الربا.. على الزنا.. على الكذب.. على عقوق الوالدين.. على الخيانة.. على الغش.. على الخداع؟ من هذا؟ والله الهوى. كيف الخلاص منه؟

    نحن ملتزمون بشرع الله، فما أذن الله لنا في قوله نقوله، وما لم يأذن به والله لا نقوله!

    ما أذن الله لنا بالنظر إليه نظرنا إليه، وما منعنا من النظر إليه امتنعنا عنه ولا ننظر إليه.. وهكذا في كل شئون حياتنا لا نتبع فيها إلا إلهنا الله فنعبد الله ولا نعبد هوانا.

    معنى قوله تعالى: (أفأنت تكون عليه وكيلاً)

    أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ [الفرقان:43] يا رسول الله تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] بمعنى كفيلاً وحفيظاً، هل تقوى على هدايتهم؟ لا لا أبداً.

    والآن الناس صنفان: صنف عبدوا أهواءهم، وهؤلاء لو تقول لهم كذا حرام لا يستجيبون.. هذا خبيث لا يستجيبون؛ لأنهم ألهوا هواهم وعبدوه.

    وأناس ما عبدوا هواهم بل يتطلعون إلى الحق ويتعرفون إليه فما إن تعرفهم به حتى يستجيبون لك ويمشون معك.

    أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43]؟! لا تستطيع.. لا تقدر أن تتكفل به وتحفظه؛ لأنه هلك، فبدل أن يعبد ربه عبد هواه وجعل هواه إلهاً له يعبده طول حياته والعياذ بالله. بمعنى: يستجيب للهوى إذا أمره بشيء فعل، وإذا نهاه عن شيء ترك؛ لأنه يعبد هواه.

    وأما المؤمنون العاقلون فيعبدون الله ولا يعبدون الهوى، لو يقول الهوى: هذا زين، هذا حسن، هذا طيب.. وهو يسمع أن الله حرم هذا والله ما يقول بطيبه ولا حسنه ولا بجماله.

    ومن هنا يجب علينا معاشر المؤمنين والمؤمنات أن ندرس كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم طول الحياة، حتى نعرف ما أحل الله وما حرم.. حتى نعرف الطيب من الخبيث.. حتى نعرف الحلال من الحرام.. حتى نعرف الحق من الباطل.

    لا بد من العلم فإذا لم نعلم فإن الشياطين تزين لنا الباطل وتقول: هذا هو الحق!

    لا بد من العلم.. لا بد من معرفة ما يحب الله وما يكره من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، والآداب، والأخلاق!

    يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! لا بد من العلم، والعلم إما أن يكون بالجلوس بين يدي العلماء، نسألهم ونتعلم منهم ونعمل، أو يكون بالسؤال: يا شيخ هل يجوز لي كذا أو لا يجوز؟!

    يا شيخ هل النظر هذا إلى امرأة أجنبية حلال أو حرام؟ يقول حرام.. وهكذا؛ حتى تتعلم وتصبح تعرف ما يحب الله وما يكره، أما من بعد عن كتاب الله وسنة رسوله فمن أين يعلم؟

    طلب العلم طريق تحقيق ولاية الله للعبد

    لنذكر دائماً: أن ولاية الله عز وجل تتحقق للعبد بموافقة الرب فيما يحب وفيما يكره!

    من منكم يريد أن يكون ولياً لله؟!

    كلنا نريد أن نكون أولياء لله. أليس كذلك؟

    بم تتحقق لي ولاية ربي؟ بأن أحب ما يحب، وأكره ما يكره فقط، فإذا أنت أحببت ما يحب ربك وكرهت ما يكره والله أصبحت وليه.

    ما هي محاب الله وما هي مكاره الله؟

    لا بد من طلب العلم، طلب العلم فريضة على كل مسلمة ومسلم، وليس شرطاً أن تدخل المدرسة والكلية والجامعة، ليس شرطاً هذا، فطلب العلم أن تطلبه من أهل العلم، أهل القرآن والسنة، يبينون لك ما أحل الله وما حرم، ويضعون يدك على محاب الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والآداب، ويضعون يدك على ما يكره الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال.

    والكلمة التي أكررها حتى الموت: لن نستطيع نحن المسلمون في ظروفنا هذه وفي أيامنا هذه أن نتعلم محاب الله ومكارهه لنفعل المحبوب ونترك المكروه إلا إذا عدنا إلى ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ما الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم؟ كان يجلس في تلك الروضة الشريفة ويجلس حوله رجاله أمامه، ويعلمهم الكتاب القرآن والسنة، ويزكيهم، واقرءوا قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2] فالطريق والله هو أن نأخذ بمبدئنا الإسلامي الصحيح، أن نعود إلى ربنا، وذلك أن نكون إذا مالت الشمس إلى الغروب، ودقت الساعة السادسة مساء وقف العمل فلا دكان مفتوح الباب، ولا مقهى ولا مصنع ولا عمل، ويتطهر أهل الحي أو أهل القرية ويتوضئون ويحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم.. إلى المسجد الجامع، وإذا ضاق المسجد وما اتسع وسعوه حتى يتسع لأهل حيهم أو قريتهم، فإذا صلوا المغرب جلسوا أمام المربي الحكيم فليلة آية وليلة حديثاً، وذلك طول العام وطول الحياة، ومن ثم لا يبقى بينهم من لا يعرف محاب الله ولا مكارهه، ولا يبقى بينهم من لا يعرف الحلال والحرام، ولا يبقى بينهم من يفسق أو يفجر أو يخرج عن طاعة الله ورسوله؛ إذ الفسوق والفجور، والظلم والخبث، والشر والفساد.. كلها والله عائدة إلى الجهل بالله، فمن لم يعرف الله ويعرف محابه فكيف يطيعه؟

    سمعتم هذه الحقيقة فهل هناك مانع؟ والله لا مانع في أي بلد.

    أهل القرية يتعاهدون على أننا نصلي المغرب في مسجدنا بأطفالنا ورجالنا ونسائنا كل ليلة، ونجلس للإمام يعلمنا ليلة آية من كتاب الله، وليلة حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نعلم ونعمل فنسموا ونكمل، وإذا مضت سنة فقط فإنهم لا يفسقون ولا يفجرون.

    وأقول: إن النصارى الذين اقتدينا بهم وائتسينا بحياتهم وأصبحنا نمثلها إذا دقت الساعة السادسة في أوروبا وقف العمل، فلا يبقى دكان ولا مصنع ولا معمل مفتوح الباب.

    أين هم؟ ذهبوا للترويح على أنفسهم، ذهبوا إلى المراقص والمقاصف والسينما والملاهي يروحون على أنفسهم.

    ونحن يجب أن نذهب إلى بيوت الرب.. إلى رياض الجنة لنتعلم الكتاب والحكمة، فبدون هذا لا يمكن أن تكمل أمة ولا قرية ولا حي من أحياء العالم الإسلامي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44]؟ لا يا رسولنا، لا تحسب هذا أبداً!

    أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44]؟ لا أبداً.

    يخاطبهم ويبين لهم وأكثرهم لا يسمع ولا يعقل، لا يريد أن يسمع ولا يصغي أبداً، ولا يعقل ما تقول ويفكر فيه.. أموات.

    هكذا يقول تعالى لرسوله الذي يدعو إلى الله بين المشركين والكافرين والجهال والضلال، يقول لهم مهوناً عليه الدعوة مخففاً عليه آلامها: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44]؟ لا لا إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] والله ما هم إلا كالأنعام. والأنعام: الإبل والبقر والغنم، بل هم أضل طريقاً من الأنعام، بدليل أن الأنعام إذا دعاها الداعية تجيبه، إذ أراد أن يبرك الناقة أبركها واستجابت له، وأنتم لا تستجيبون ولا تسمعون، بل هم والله أضل.

    الماشية إذا تعودت تعرف طريقها إلى محلها الذي تمشي إليه وهم ما عرفوا لماذا خلقوا؟ ما سألوا!

    لم خلقتم؟ لأي غرض؟ لا يعرفون! اعرفوا أنكم مخلوقون؛ لأن تعبدوا ربكم فتكملوا وتسعدوا.

    وسبحان الله! أَمْ تَحْسَبُ [الفرقان:44] يا رسولنا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44] لا لا إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] من الأنعام.

    تأملوا الآيات مرة أخرى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:41-44]. إن شاء الله فهمتم هذه الآيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الفرقان:41] يخبر تعالى رسوله عن أولئك المشركين المكذبين بالبعث ] بالدار الآخرة.. بالحياة الثانية [ أنهم إذا رأوه في مجلس أو طريق ما يتخذونه إلا هزواً. أي: مهزوءاً به احتقاراً وازدراءً له، فيقولون فيما بينهم: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان:41] وهو استفهام احتقار وازدراء؛ لأنهم لا يعتقدون أنه رسول الله ] صلى الله عليه وسلم [ ويقولون: إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا [الفرقان:42] أي: يصرفنا عن عبادة آلهتنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان:42] وثبتنا على عبادتها.

    وهذا القول منهم ناتج ] أي: ناجم [ عن ظلمة الكفر والتكذيب بالبعث ] إي والله. هذا القول قول الاستهزاء والسخرية ناتج عن ظلمة الكفر والتكذيب بالبعث والدار الآخرة.

    [ وقوله تعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [الفرقان:42] في الدنيا ] كما قدمنا في بدر [ أو في الآخرة. أي: عندما يعاينون العذاب ويعرفون من كان أضل سبيلاً أهم أم الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ والمؤمنون.

    وفي هذا تهديد ووعيد بقرب عذابهم وقد حل بهم في بدر فذلوا وأسروا وقتلوا وتبين لهم أنهم أضل سبيلاً من النبيّ وأصحابه ] رضوان الله عليهم.

    [ وقوله تعالى لرسوله وهو يسليه ويخفف عنه آلام إعراض المشركين عن دعوته: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43] أي: أخبرني عمن جعل معبوده هواه فلا يعبد غيره فكلما اشتهى شيئاً فعله بلا عقل ولا روية ولا فكر، فقد يكون لأحدهم حجر يعبده فإذا رأى حجراً ] آخر [ أحسن منه عبده وترك الأول ]. هذه شائعة بينهم.. يمشي في الصحراء فيجد حجر يعجبه فيأخذه ويدخله بيته ويرمي الأول، ويقول هذا أحسن.

    قال: [ فقد يكون لأحدهم حجر يعبده فإذا رأى حجر أحسن منه عبده وترك الأول، فهذا لم يعبد إلا هواه وشهوته، فهل مثل هذا الإنسان الهابط إلى مستوى دون البهائم تقدر على هدايته يا رسولنا؟ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] أي: حفيظاً تتولى هدايته أم أنك لا تقدر فاتركه لنا يمضي فيه حكمنا.

    وقوله: أَمْ تَحْسَبُ [الفرقان:44] أيها الرسول أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] أن أكثر هؤلاء المشركين يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يطلب منهم إن هم إلا كالأنعام فقط، بل هم أضل سبيلاً من الأنعام؛ إذ الأنعام تعرف طريق مرعاها وتستجيب لنداء راعيها، وهم على خلاف ذلك، فجهلوا ربهم الحق ولم يستجيبوا لنداء رسوله إليهم ].

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: بيان ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاقي في سبيل الدعوة من سخرية به واستهزاء ].

    بيان ما كان يلاقيه نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته من استهزاء وسخرية، يسخرون ويستهزئون به، وها نحن بين إخواننا ندعوهم إلى الله، فإذا سخر منا ساخر نترك الدعوة ونقف ولا نصبر!

    يجب أن نصبر على دعوة إخواننا ونسائنا وأطفالنا وإن استهزءوا بنا وإن سخروا منا وإن عاندوا وإن كابروا، ولنذكر أننا أسوتنا رسول الله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] فنقتدي برسولنا ونأتسي به، فنصبر على ما يقال لنا ولا نترك دعوة الحق أبداً حتى نلقى الله أو ينصرها بين أيدينا.

    [ ثانياً: يتجاهل الإنسان الضال الحق وينكره حتى إذا عاين العذاب عرف ما كان ينكر وآمن بما كان يكفر ].

    هذه حقيقة واضحة، عندما يشاهد المكذبون الكافرون المشركون العذاب يعرفون أنهم أضل الناس!

    فقط يوم ما ينزل بهم بلاء في الدنيا ووباء.. حرباً عامة.. ضربة قاسية.. غرق.. حينها فقط يعرفون أنهم على باطل ويعرفون الطريق.

    [ ثالثاً:] وأخيراً [ هداية الإنسان ممكنة؛ حتى إذا كفر بعقله وآمن بشهوته وعبد هواه تعذرت هدايته وأصبح أضل من الحيوان وأكثر خسراناً منه ].

    من هداية الآيات: أن الإنسان إذا اتبع هواه وأخذ يفعل ما يأمر به الهوى وما يدعوه إليه، واستمر على ذلك يصعب هدايته ويحال بينه وبين الهداية ولا يهتدي، لو دعوته يومياً ألف مرة لا يستجيب؛ لأنه اتخذ هواه إلهه ومعبوده، فمن ثم عمي وما أصبح يعقل ولا يبصر.

    ولهذا أحذر الصالحين والصالحات من اتباع الهوى، يجب أن نتبع رسولنا ولا نتبع الهوى، فما أحله الله لنا هو الحلال، وما حرم هو الحرام، وما أمر به هو المأمور به، وما نهى عنه هو المنهي عنه، ولا نستجيب للشيطان ولا للإنسان، ولا أي إنسان كان، وإنما نستجيب للرحمن عز وجل، وبذلك تتحقق ولايتنا لربنا ونصبح ممن قال الله فيهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64] اللهم اجعلنا من أهل هذا الفوز العظيم؛ إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.