إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم القيامة تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة مع الرحمن، عندها يشعر الكافرون بعسر الموقف وصعوبة الحال، ويعض الظالم على يديه حسرة وندامة؛ لأنه في حياته الدنيا أعرض عن دين الله ولم يسلك سبيل رسول الله، وإنما اتبع سبيل أخلائه من أهل الدنيا، ممن كذبوا الرسول وأوغلوا في العصيان، وتنكبوا طريق الرحمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:25-29].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:25] وقرئ (ويوم تشّقق) وقرئ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:25]. متى هذا؟

    اعلموا أن هناك نفخة في الصور هي النفخة الأولى.. نفخة الفناء؛ فيتحلل العالم ويتبخر ويصبح دخاناً السماء كالأرض، ويفنى كل شيء.

    والنفخة الثانية هي نفخة البعث، بعدما تتخلق الأجسام في الأرض، بعد أن توجد أرض غير الأرض الأولى وفيها تلك العظام الرقيقة التي ينبت منها الإنسان، لما يتم الخلق ينفخ إسرافيل نفخة البعث فإذا الناس كلهم قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    ثم ينفخ إسرافيل نفخة ثالثة تسمى نفخة الصعق، فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا ما شاء الله.

    ويدل على هذا ويقيده: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر فقال: ( فأكون أول من يفيق ) فالصعقة هذه صعقة استفاقة ( وإذا بأخي موسى آخذ بقائمة العرش، لا أدري أأفاق قبلي أم لم يصعق ) جازاه بصعقة الطور التي حصلت له في الدنيا.

    وهذه الصعقة كالتمرين.. كل الخليقة واقفة يصعقون، ثم نفخة أخرى فإذا هم قيام ينظرون، قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:69].

    قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان:25] هذه النفخة الرابعة بِالْغَمَامِ [الفرقان:25] الغمام معروف كالضباب، وتنزل الملائكة تتنزل تنزيلاً مع الرحمن عز وجل.

    حينئذ لمن الملك؟ لله، ما بقي ملك ولا سلطان، ولا ذو مال ولا ولا ولا.. فالملك الحق يومئذ للرحمن، لا يملك أحد شيئاً إلا الله فله ملك كل شيء، الملك الحق يومئذ للرحمن لا يملك أحد شيئاً إلا الله، وهو الذي يحاسب عباده، ثم يجزيهم بحسب كسبهم في الدنيا وعملهم فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً)

    ثم قال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الفرقان:26] لله لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:26] جل جلاله وعظم سلطانه وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:26] يا له من يوم! يقفون حفاة عراة بين يدي الله، يستنطقهم ويستجوبهم، ويزن أعمالهم ويجزيهم بما كسبوا في هذه الدار.. دار العمل، وتلك دار الجزاء، واقرءوا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8] ويجز به.

    وَكَانَ يَوْمًا [الفرقان:26] هذا اليوم يوم تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة والرحمن جل جلاله، هذا اليوم يوم عسير على الكافرين، أما على المؤمنين فوالله ليسير!

    وبالأمس عرفنا أنهم في منتصف النهار يكونون قد استقروا في الجنة، ونزلوا في منازلهم خير المستقر وخير المقام لكن الكافرين المشركين الفاجرين أصحاب الأرواح الخبيثة العفنة بأوضار الذنوب والآثام هذا اليوم والله يوم عليهم شديد صعب عسير لا يطاق!

    معنى قوله تعالى: (وكان يوماً على الكافرين عسيرا)

    قوله تعالى: وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:26].

    لماذا يكون عسيراً على الكافرين دون المؤمنين؟

    الجواب: لأن المؤمنين زكوا أنفسهم وطيبوها وطهروها بهذه العبادات، فهي كأرواح الملائكة في صفائها وطهرها، أما الكافرون فما صاموا ولا صلوا ولا اجتنبوا محرماً، ولا ابتعدوا عن باطل فنفوسهم أصبحت أخبث من أنفس الشياطين، فهؤلاء يصعب عليهم ذلك اليوم، إذ يساقون إلى جهنم جماعات جماعات، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71].

    هكذا يقول تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:25-26] أي: الملك الحق يومئذ للرحمن جل جلاله وعظم سلطانه وَكَانَ [الفرقان:26] ذلك اليوم يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:26] نعوذ بالله من الكفر.

    ما هو هذا الكفر ؟ طعام أم شراب؟

    الكفر: جحود رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم الاعتراف بها!

    الكفر: الإعراض عن شرع الله وعدم الإقبال عليه!

    الكفر: إنكار وجود الله أو إنكار ألوهيته!

    الكفر إنكار البعث الآخر وعدم الإيمان به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه ... )

    ثم قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] في هذا اليوم يعض الظالم على يديه.

    كيف يعض على يديه؟ لو رأيتم الناس يعضون! لما يشتد به الكرب يعض يديه.. فطرة غريزة بشرية إذا هاله الأمر وأفزعه وضاق به يعض يديه.

    وَيَوْمَ يَعَضُّ [الفرقان:27] من هذا الذي يعض؟ الظالم نعوذ بالله أن نكون من الظالمين.

    من هو هذا الظالم؟ ما اسمه؟ عربي أم عجمي؟ من الظالم؟

    أنواع الظلم

    تأملوا! واحفظوا أن الظلم ثلاثة أنواع:

    الأول: ظلم للرب تبارك وتعالى، وهو سلب -أي: أخذ- حق الله وإعطاؤه للأصنام والأحجار والبشر والملائكة والناس، وهو الشرك بالله، والله يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    تظلم ربك.. تأخذ حقه وتعطيه للمخلوقات، فبدل أن تركع وتسجد لله الخالق تركع وتسجد وتنحني لصنم أو حجر أو قبر أو إنسان!

    بدلاً من أن ترفع يديك إلى الله: يا رب! يا رب! تقول: يا سيدي فلان! ويا فلان!

    تأخذ حق الله وتعطيه لمخلوق! فالشرك ظلم عظيم وهو سلب حق الله وإعطاؤه لعباده من الملائكة أو الأنبياء أو الرسل أو الأولياء والصالحين فضلاً عن الأحجار والتماثيل والأصنام.

    فاحذر عبد الله الظلم الذي هو الشرك والعياذ بالله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    يا عباد الله! حققوا معنى لا إله إلا الله، وذلك بأن لا نعترف أبداً بوجود إله يعبد مع الله، فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا عبد صالح فضلاً عن التماثيل والأحجار والشهوات، فلا إله إلا الله!

    وألفت النظر هنا إلى أن الجهلة ما زالوا إلى اليوم في بلاد المسلمين ينادون: يا رسول الله المدد! يا سيدي فلان! أنا في حماك! يا عبد القادر أنا في جوارك!

    ينادون غير الله فهل يسمعونهم؟ وإذا سمعوا هل يستجيبون لهم؟

    لا والله. إذاً: عبث وباطل، ولكن يغضب الرحمن عز وجل!

    أتترك خالقك ومالك أمرك ورازقك ومميتك ومحييك وتلتفت إلى غيره فتناديه؟!

    كيف يصلح هذا؟ هذا ظلم من أفظع أنواع الظلم. وهذا هو النوع الأول من أنواع الظلم.

    النوع الثاني: ظلمك لعباد الله بأخذ أموالهم، بنهش أعراضهم، بأذاهم والتسلط عليهم!

    ظلمك لإخوانك ظلم، بل هو لكل إنسان، حتى ولو كان كافراً لا يحل ظلمه لا بأخذ ماله ولا بانتهاك عرضه ولا بأي شيء!

    ظلمك لغيرك من الناس من أنواع الظلم العظيمة، فالمؤمن الحق لا يظلم أبداً، يعطي كل إنسان حقه ولا يظلم أحداً لا في ماله ولا في عرضه.

    النوع الثالث: ظلمك لنفسك. وهل النفس تظلم؟ إي نعم، فبدلاً من أن تطيبها وتطهرها وتعطرها تنتنها وتعفنها بالذنوب والآثام، فإذا لطختها فقد أفسدتها ووالله إنك لظالم لها، قال تعالى: وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57].

    نفسك لما نفخها الملك في جسمك في رحم أمك كانت كهذا النور في الإشراق، وتبقى مشرقة إلى أن يبلغ الغلام العشرة والحادية عشرة، وحينئذ إذا أذنب ذنباً ينعكس أثره عليها، فإذا بلغ سن الرشد فإذا كذب كذبة تلطخ لطخة، إذا نظر نظرة متعمدة إلى امرأة محرمة فيقع في قلبه نكتة سوداء.. وهكذا، وإنما من فضل الله أننا إذا تبنا ينمحي ذلك الأثر

    وهذا كهذا الثوب الأبيض لو نلطخه بالتراب أو بالخراءة أو بالبول ينتن ويعفن فإذا جئنا على الفور بالماء والصابون وغسلناه ينظف، هذه سنة الله عز وجل. هذه أنواع الظلم الثلاثة فاللهم لا تجعلنا منهم!

    معنى قوله تعالى: (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً)

    وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] لا على يد واحدة ويقول: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:27] يا ليتني! يتمنى وأنى له التمني؟!

    يتمنى أنه اتخذ مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم طريقاً إلى الجنة! أي: بالإيمان والعمل الصالح، وترك الشرك والذنوب والمعاصي.

    فهيا نتخذ مع الرسول طريقاً، والله إننا في طريقنا معه، نأكل كما يأكل، نشرب كما يشرب، نلبس كما يلبس، نصلي كما يصلي، ننام كما ينام، نستيقظ كما يستيقظ، نتعامل كما يتعامل فنحن على سبيله، اتخذناه سبيلاً.

    ولكن الفاسق والكافر والفاجر الذي ما سلك سلوك رسول الله ولا شرعه ولا عرف سنته، هذا الذي يعض على يديه من شدة الأمر، ويقول: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ [الفرقان:27] صلى الله عليه وسلم سَبِيلًا [الفرقان:27] لأنجو وأسعد وأسكن الجنة دار الأبرار!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً)

    ويقول: يَا وَيْلَتَا [الفرقان:28] يا ويلتي.. يا ويلتاه! ويا ويله لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28].

    آه! فلان اتخذته صديقاً لي وخليلاً وهو الذي ورطني وأوقعني في هذه الآلام وهذه الأنواع من العذاب.

    والآية تعني -والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب- أبي بن خلف ، هذا من طغاة مشركي مكة، وعقبة بن أبي معيط مثله.

    وهذا عقبة بن أبي معيط أقام مأدبة.. حفلة في مكة ودعا رجال مكة وأعيانها ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، فاغتاظ لذلك أبي بن خلف الذي قتل في بدر وقال: لا أكلمك بعد اليوم ولا أنظر إليك، كيف تدعو هذا الرجل؟ لن أرضى عنك حتى تبصق في وجهه!

    وللخلة التي بينهما والصداقة المتأصلة استجاب له فبصق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

    وانعكس ذلك على وجهه، فتشوهت خلقته والعياذ بالله، ثم عاد إلى الكفر بعدما آمن، لما حضر الرسول أعلن عن إسلامه وأسلم، فلما عاتبه خليله غضب عليه وشنع عليه وشدد عليه عاد إلى الكفر! فيقول يوم القيامة: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28] أي: أبي بن خلف ، وهذا عام إلى يوم الدين.

    إياك أن يكون لك خليل من الفساق أو الفجار أو الظلمة أو المبتدعة أو الخرافيون!

    انتبه! فإنك تؤاخذ به، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ).

    مثل الجليس الصالح والجليس السيئ كما مثل لنا يا رسول الله! مثل حامل المسك الطيب ونافخ الكير بالجمر والنار ليصنع الحديد.

    قال: ( فحامل المسك إما أن يحذيك -أي: يعطيك- وإما أن تبتاع منه الطيب وإما أن تجد ريحاً طيبة! ) إذاً: فلازم العبد الصالح.

    قال: ( ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ) بالقطر والجمر وكذا ( وإما أن تجد ريحاً خبيثة ). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه.

    ما معنى هذا؟ أي: إياك أن تجالس أصحاب الشر الأخباث الظلمة، المنهمكون في المعاصي، المتورطون في كل الذنوب!

    لا تتخذهم أخلاء ولا تجالسهم ولا تجلس معهم فتهلك كما هلك عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف .

    و( يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً فيقول السائل: يا رسولنا! أي جليس لنا خير؟ -أي جليس يكون لنا خيراً فنجالسه؟- قال: من ذكرتكم بالله رؤيته -إذا رأيتموه ذكرتم الله عز وجل- وزاد في علمكم منطقه -إذا نطق يزداد علمكم بالله- وذكركم بالآخرة عمله ) عمله يذكركم بالدار الآخرة.

    أولاً: حديث مسلم ينبغي ألا نتخذ السفهاء وأرباب الشهوات والدنيا والفسدة أخلاء ولا نجالسهم؛ لأن مجالستهم -والعياذ بالله- لا بد وأن تصبك بفتنة في قلبك.. في دينك، بل نجالس الصالحين كما في هذا المثل العجيب فتأملوه: ( إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك -أي: يعطيك عطاء منه- وإما أن تبتاع منه -تشتري- وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة ).

    وهنا لطيفة أيضاً لأحد الصلحاء، قال: حملك الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخميصة مع الفجار.

    والخميصة: حلوى ممتازة عندهم لا نعرفها.

    وأنشد:

    وصاحب خيار الناس تنج مسلماً وصاحب شرار الناس يوماً فتندما

    إي: فتفسد.

    والشاهد عندنا في قول ربنا عز وجل: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28] فعلمنا أنه لا يجوز لنا أن نتخذ أصدقاء السوء أصحاباً نواليهم ونجلس إليهم ونسافر معهم، ونتكلم معهم وهم فسقة فجرة؛ لأن ذلك ينتقل إلينا فنهلك والعياذ بالله!

    هذا عقبة بن أبي معيط لولا صحبته لـأبي بن خلف ما ارتد، لكن أبي بن خلف قال له: كيف تتنازل عن دينك وترجع إلى كذا وتمشي وراء هذا الرجل؟ فارتد وعاد إلى الكفر وهلك.

    وما أبي بن خلف فتله الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ...)

    وقوله تعالى: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:29].

    هذه كلمات من؟ هذا الهالك في جهنم.

    ماذا يقول؟ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان:29]. والمراد بالذكر: القرآن. والقرآن ذكر، والله ما تسمع آية إلا ذكرت الله.

    القرآن اسمه الذكر، فلما تسمع آية تسأل: كلام من؟ الله، فتكون قد ذكرت الله -سبحان الله العظيم- ولهذا سماه الله الذكر الحكيم!

    لما تسمع قارئاً يقرأ القرآن والله تذكر الله، أو يخطر في بالك كلام من هذا؟ القرآن كلام الله. أي: ذكرت الله، والقرآن يذكر بالله عز وجل وبالدار الآخرة، فهو علم ما فوقه علم، ونور ما فوقه نور، ولكن مع الأسف حولناه إلى المقابر والموتى.

    وا أسفاه! القرآن حولناه إلى المقابر وإلى ليالي الموت، من إندونيسيا شرقاً إلى الدار البيضاء غرباً أكثر من سبعمائة سنة والقرآن لا يجتمع عليه إلا ليلة الموت أو في المقبرة!

    من صرفنا هذا الصرف؟ أذكركم حتى لا تنسوا: إنه الثالوث الأسود. ما الثالوث؟ هذا العدو المكون من ثلاث حيات: وهم المجوسية، واليهودية، والصليبية.

    هؤلاء الذين كربوا وحزنوا وتألموا من انتشار نور الله.. انتشار الإسلام في الشرق والغرب، فقالوا: ما سبب هذا الانتشار؟

    كيف انتشر هذا الدين من أقصى الدنيا إلى أقصى الدنيا؟ قالوا: سبب ذلك القرآن. إي والله لهو القرآن!

    القرآن روح، فمن آمن به وقرأه وعمل بما فيه حيي، وقد حييت أمة الإسلام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بسببه.

    قالوا: إذاً: ماذا نصنع؟ قالوا: نأخذ القرآن منهم؟ اجتمعوا في مؤتمرات على أن يأخذوا حرفاً واحداً والله ما استطاعوا.. عجزوا.

    قالوا: كيف نصنع؟ نصرفهم عنه، فوضعوا قاعدة أكررها وهي: (تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر). فما بقي من المسلمين من يقول: قال الله!

    أي: اسكت، لا تفسر كلام الله فتكفر.

    إذاً: ماذا نصنع بالقرآن؟ قالوا: اقرءوه على الموتى، فالميت إذا كان غنياً سبع ليال إلى واحد وعشرين ليلة، إلى أربعين ليلة فقط.

    وفي المقابر أيضاً هات عشرة ريال أقرأ لك على ميتك، ومن ثم هبطنا.

    هبطنا أم لا؟ أما كنا سادة حاكمين فأصبحنا أذلة مستعمرين محكومين؟! بلى.

    ما سبب هبوطنا؟ السبب أننا متنا بسلب الروح منا!

    والقرآن روح، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] سماه روحاً لأن فيه الحياة.

    وإلى الآن إذا لم نجتمع في بيوت ربنا اجتماعنا هذا كل ليلة وطول العام بين المغرب والعشاء نتلقى كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والله ما نكمل ولا نسعد أحببنا أم كرهنا.

    لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي [الفرقان:29] أي: كتاب الله. جاءنا كتاب الله فأضلنا وصرفنا عنه اليهود والنصارى والمجوس واستجبنا ومددنا أعناقنا.

    وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29] الشيطان هو الذي يخذلنا والعياذ بالله، يصرفنا عن الحق إلى الباطل، عن الخير إلى الشر، عن الإيمان إلى الكفر، عن الاستقامة إلى الاعوجاج، عن الصلاح إلى الفساد. هذه مهمته: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29] هو الذي خذل المسلمين وسلط أولياءه عليهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر البعث والجزاء وبذكر أحوالها وبعض أهوالها ].

    أول هداية الآيات التي درسناها: تقرير عقيدة البعث والجزاء، والله إنها الحق، والذي ينكر ذلك والله ما هو بمؤمن، والله ما هو بمؤمن، والذي ينكر البعث والجزاء والله لا يوثق فيه ولا يعول عليه أبداً، فإنه شر الخلق! الذي لا ما يؤمن بأنه سيسأل يوم القيامة ويجزى على كسبه لا خير فيه، وهو شر الخلق.

    [ ثانياً: إثبات مجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء يوم القيامة ].

    إثبات مجيء الرب تبارك وتعالى ونزوله في ساحة فصل القضاء في مواكب الملائكة، نؤمن بهذا إيماناً قطعياً؛ لأن الرسول أخبرنا به؛ ولأن الله أخبرنا عن نفسه فقال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22].

    [ ثالثاً: تندم الظلمة وتحسرهم على ما فاتهم من الإيمان والطاعة لله ورسوله ].

    تندم الظلمة -والعياذ بالله- وتحسرهم على ما أصابهم يوم القيامة بسبب ظلمهم في هذه الحياة.

    وقد عرفتم الظلم وأنه ثلاثة أنواع: ظلم تظلم ربك فتأخذ حقه وتعطيه لغيره وهو الشرك والكفر والعياذ بالله.

    وظلم للناس في أموالهم وأعراضهم، وظلم لنفسك تخبثها وتدسيها بأنواع المعاصي والذنوب.

    [ رابعاً: بيان سوء عاقبة موالاة شياطين الإنس والجن وطاعتهم في معصية الله ورسوله ].

    من يجاري الفسقة الفجرة الظلمة المعرضون عن الله ويصاحبهم ويجالسهم يهلك معهم أحب أم كره.

    [ خامساً: ] وأخيراً [ تقرير مبدأ: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ]. لأن الآية وإن كانت نزلت في عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف لكنها عامة إلى يوم القيامة، فكل من يطيع زميله ويستجيب له يهلكه [ إذ عقبة بن أبي معيط هو الذي أطاع أبي بن خلف حيث آمن، ثم لامه أبي بن خلف وارتد عن الإسلام، فهو المتندم المتحسر القائل: يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلاً، لقد أضلني عن الذكر ].