إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين كفروا من فرط تكذيبهم وإنكارهم للدين الحق، وأنهم سيلقون ربهم وسيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم التي عملوها في الدنيا، أنهم يطلبون رؤية الملائكة التي تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويطلبون شهادة هذه الملائكة على صدقه صلى الله عليه وسلم، أو يطلبون رؤية ربهم حتى يشهد بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل لم يأذن بهذا، فهم لا يرون الملائكة إلا عندما تأتي لتقبض أرواحهم، وعند ذلك تبشرهم بمصيرهم وما ينتظرهم من العذاب الأليم.

    1.   

    أهمية العقيدة الإسلامية الصحيحة وأثرها في حياة العبد

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:21-24].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين: أن السور المكية -أي: التي نزلت في مكة المباركة أيام كان الرسول صلى الله عليه وسلم فيها قبل هجرته- هذه السور المكية تعالج العقيدة؛ لإيجاد عقيدة سليمة صحيحة، أو لتصحيح عقيدة ضعيفة باطلة؛ وذلكم لأن العقيدة السليمة الصحيحة صاحبها حي كامل الحياة، يسمع إذا نودي أن يا فلان، ويطيع إذا أمر بأن يفعل فيفعل، أو إذا نهي عن شيء يترك، وإذا بشر يستبشر، وإذا أنذر ينذر، وإذا خوف خاف؛ وذلك لكمال حياته.

    وفاقد العقيدة الربانية الإسلامية الصحيحة كما في الكتاب والسنة يعتبر ميتاً، لا نأمره بصلاة ولا زكاة لا برباط ولا بجهاد؛ لأنه ميت. وهذه الحقيقة تشاهدونها: أهل الذمة من اليهود والنصارى إذا وجدوا في بلاد المسلمين لا يأمرهم الحاكم بأن يصوموا وأن يصلوا وهم في بلادنا أبداً؛ لأنهم كفار، بمعنى أموات، فالميت لا يؤمر ولا ينهى.

    انفخ فيه الروح فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فحينئذ حيي، حينئذ قل له اغتسل يغتسل، صل يصلي.

    ومن هنا يجب أن نعمل على تصحيح عقيدتنا، فنحن المسلمون لنا عقيدة إسلامية ولكن داخلها الزيادة والنقصان فضعفنا؛ لذلك قلة العمل الصالح وكثرة العمل الفاسد بيننا مرده والله إلى ضعف هذه العقيدة.

    ومن أعظم أركان العقيدة: اعتقادك أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، والجزاء فيه حتمي لابد منه إما بالجنة وإما بالنار.

    هذا المعتقد لابد منه، ولابد نقويه ونزيد طاقته، وبه نقوى على أن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان ونحج بيت الله الحرام، ونمسك عن كل محرم، ونبتعد عن كل ممنوع، ولا نقع في تلك المتاهات من الشهوات والأهواء والأغراض الفاسدة والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ...)

    هيا بنا مع هذه الآيات إذ يقول تعالى مخبراً عن رؤساء الفتنة من طواغيت مكة الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحادوه، يقول تعالى عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان:21].

    وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21] أي: الكفار بالبعث والدار الآخرة.

    وإلى الآن لو تظهر في إقليم من أقاليم العالم وتدعو كما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم والله لتجد من يقول لك مثلما قال الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنك تأمرهم أن يعبدوا الله، وهم لا يريدون ذلك، ما آمنوا به ولا عرفوه!

    تدعوهم إلى أن يتركوا شهواتهم فلا يستطيعون!

    إذاً: يحاجونك ويجادلونك ويقولون لك كما قال أبو لهب وعمرو بن هشام في مكة.

    وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21] أي: ما هم بمؤمنين بأنهم سيلقون ربهم وسيحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم في هذه الدنيا، فلو كانوا موقنين أنهم سيلقون الله وسيقفون بين يديه وسيحاسبهم على أعمالهم في الدنيا وسيجزيهم بها الخير بالخير والشر بالشر والله ما يصرون هذا الإصرار على الشرك والكفر والعناد.

    والعقيدة هي الروح فإذا فسدت فسد العبد، وإذا ضعفت ضعف العبد، فهيا بنا نقوي عقيدتنا بأن نعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدار الآخرة حتمية والله لابد منها، ولابد من الجزاء فيها على العمل في هذه الدنيا.

    وقد تكرر القول -زادكم الله علماً- في تلك الفلسفة أو اللطيفة، فلو قيل لك: ما سر هذه الحياة؟ لم وجدت هذه الحياة؟ الجواب: العمل، خيراً كان أو شراً، وجدت للعمل.

    ما سر الدار الآخرة؟ لم أوجدها الله؟ ما الحكمة؟

    الجواب: الجزاء على العمل في هذه الدنيا، فهذه دار عمل وتلك دار جزاء إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، ووالله إنه لكما تسمعون، فيجب أن ندرك هذا ونعرفه.

    وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21] ماذا قالوا؟ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الفرقان:21]!! لم ما تنزل على محمد الملائكة وتمشي معه وقالوا هذا رسول الله ونبي الله؟!

    كيف نؤمن بأنه الرسول؟! ما الدليل عندنا؟

    هلا أنزل عليه ملائكة ومشوا معه وقالوا: هذا رسول الله؛ فحينئذ لا نكفر ونقول: رسول الله ولا نكذبه؟!

    هكذا يقولون..

    لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21] لو رأينا ربنا وجاءنا ورأينا الله وقال: هذا رسولي كنا آمنا!

    وهذا جهل مركب وخطأ فاحش؛ لأنهم ما عرفوا أن هذه الدار دار عمل؛ ليكون الجزاء على هذا العمل في الدار الآخرة، فإذا كان الله يرونه في الدنيا ما عصاه أحد، وإذا كان سيبعث بالملائكة مع الرسول ما كفر أحد، إذاً: كل الناس في الجنة، والله ما أراد هذا، بل أراد الاختبار والامتحان والعمل.

    لو كان الله سيريهم ملائكة ويريهم تعالى نفسه لا يبقى كافر. إذاً: هذا كما لو شاء الله لجعلهم مؤمنين كلهم كالملائكة، ولكن الحكمة ما تقتضي هذا الامتحان والابتلاء، وهذا رسولنا وهذا كتابنا فمن آمن واستقام نجا، ومن كفر واعوج خسر وهلك.

    والدار الدنيا دار عمل، والجزاء في الدار الآخر فشطحتهم شطحة باطلة لا قيمة لها فلو أراد الله أن يكشف عن وجهه ويرونه لصعقوا كلهم وآمنوا.

    إذاً لم الحياة؟ لم الإيمان والكفر إذاً؟ هكذا يقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21] أي: المكذبين بالبعث والجزاء.

    لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الفرقان:21] أي: لولا أنزل علينا الملائكة نشاهدهم ويقولون: هذا محمد رسول الله فآمنوا به، أو أنزل على الرسول ملائكة كما بينا.

    أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21] أي: أو نرى ربنا بأعيننا، يرينا وجهه ويقول: أنا ربكم.

    أزيدكم! والله لو كشف الله عن وجهه وقال: أنا ربكم ما آمنوا سيقولون: هذا سحر وتدجيل كيف يرى الله؟! ولهذا قال تعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14] طول النهار يعرجون سيقولون: سحروا أعيننا وإلا كيف الإنسان يطلع إلى السماء؟

    وكل هذا حتى لا يدخلوا في رحمة الله. وهذه حقيقتهم.

    وقد قلت لكم: إلى الآن البشرية هذا شأنها، لو أنك تقف موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في أمة من الأمم وتدعوهم لقالوا كما قال مشركو مكة بل وأكثر.

    معنى قوله تعالى: (لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً)

    ثم قال تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان:21] ما الذي حملهم على هذه المطالبات بالملائكة ورؤية الله عز وجل؟

    الجواب: هو الكبر الذي ملأ بطونهم وقلوبهم، والعجب بحياتهم، والفحش والباطل والكبر العظيم.

    علة هذه المواقف: فساد قلوبهم فهي مصابة بمرض العجب.. مرض الكبر.. مرض العتو والطغيان.. مرض الفحش والمنكر؛ فيمنعهم هذا أن يستجيبوا للحق ويمشون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لقد استكبروا في أنفسهم وعلوا علواً كبيراً وعتوا عتواً كبيراً، من عتا يعتو إذا طغى وتجبر وتكبر وفحش في ذلك وقبح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ...)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22].

    يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ [الفرقان:22] هم يطالبون بالملائكة فلما يرونها عند سكرات الموت يعرفون قيمة هذه الرؤيا.

    يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ [الفرقان:22] عندما يحتضر أحدهم وتحضر ملائكة الموت ويشاهد الملائكة.

    كيف حاله؟ يبشر بالعذاب، فلم يطالبون برؤيا الملائكة في الدنيا؟

    يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان:22] أعوذ بالله من الإجرام، أعيذكم بالله أن تكونوا مجرمين!

    أيها المستمعون ويا أيتها المستمعات! هيا نخلص من كلمة مجرم لا نرضاها ولا نوسم بها وننعت بها ولا نسير في الطريق إليها، ولنبتعد من ساحتها؛ لأن الإجرام هو أن تصب على نفسك أطنان الذنوب والآثام فتفسد، فمتى خبثت الروح وأنتنت وتعفنت وتدست فصاحبها مجرم مصيره الخسران الأبدي.

    واسمعوا حكم الله عز وجل الصارم القاطع الذي لا يعقب عليه وهو قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] أفلح من؟ من زكى نفسه. أي: طيبها وطهرها فأصبحت نوراً يتلألأ.. أصبحت كأرواح الملائكة في الملكوت الأعلى، ما صب عليها أطنان الذنوب وأوساخ الآثام، وإن وقع يوماً في زلة محاها وأفرغ عليها الماء والصابون وطهرها بالبكاء والاستغفار والندم حتى تعود كما كانت طاهرة صافية.

    إذاً: الإجرام: الإفساد للنفس.

    كيف يجرم على نفسه؟ الجواب: بأن يكفر بالله وبرسوله، يسب المؤمنين والصالحين، يأكل أموال الناس بالباطل، يزني ويلوط ويفجر، يكذب و.. و.. حتى تصبح نفسه مظلمة منتنة عفنة.

    من الذي أجرم عليها؟ هو الذي أجرم على نفسه وأفسدها فما أصبحت أهلاً لأن تجاور الله في الملكوت الأعلى، واقرءوا لذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف:40] هل المكذبون يصومون ويصلون ويبتعدون عن الفواحش والزور والباطل والمنكر؟ لا.

    إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا [الأعراف:40] والمستكبرون هل يعبدون الله ويقيمون الصلاة ويتحرون ما أحل الله ويبتعدون عما حرم الله ويكفون ألسنتهم عن أذى الناس؟

    الجواب: لا. لأنهم كفار مستكبرون.

    ما حال هؤلاء؟ يقول تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41].

    أربعة أصناف: الكافرون، المستكبرون، المجرمون، الظالمون.

    وسر هذا -كما علمتم- عباد الله: أن نفسك إذا قالت كلمة السوء يوضع عليها نكتة سوداء، فإذا كلمة أخرى وحركة أخرى تسود وتخبث وحينئذ لا تصبح أهلاً لرضا الله عز وجل، فلهذا يجب علينا أن نتوب إلى الله من ذنوبنا، ومن وقع في يوم من الأيام في ذنب من الذنوب فيجب أن يتوب.. أن يغسل هذا الذنب ويمحوه بكلمة: أستغفر الله، وبدموعه السائلة، وإن كان حقاً من حقوق الناس رده إليهم وطلب العفو منهم؛ حتى ينجو ويطيب ويطهر.

    يقول الله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ [الفرقان:22] عند سكرات الموت ويوم القيامة لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان:22] أما المؤمنون الصالحون والله يبشرون.. يبشرون مرحباً بك أيتها النفس الطيبة.

    معنى قوله تعالى: (ويقولون حجراً محجوراً)

    وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22] من القائل؟ الملائكة. أي: ممنوع منعاً باتاً وحرام تحريماً قطعياً أن تسعدوا وتكملوا.

    لما يشاهدون النعم يطلبون فتقول الملائكة لهم: هذا حجر محجور عليكم، لست بأهله أبداً. أي: حرام محرم.

    هذا معنى قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان:22] أما المؤمنون فنعم.

    وأما هؤلاء فيطالبون بالجنة والسعادة فتقول لهم الملائكة: ممنوع هذا، حرام عليكم، محرم عليكم هذا النعيم فلستم بأهله أبداً، لا عند القبر ولا يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً)

    ثم قال تعالى: وَقَدِمْنَا [الفرقان:23] أي: قصدنا وعمدنا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] إذ كانوا يتبجحون بأنهم حماة الحرم وحماة الكعبة، وأنهم يحجون وأنهم وأنهم وهم مشركون كافرون، فأعمالهم تلك لا قيمة لها.

    وكذلك حال المبتدعة الذين يعبدون الله بالبدع يظنون أنهم فعلوا وفعلوا من الخيرات والصالحات ثم ينسفها الله نسفاً؛ لأنها باطلة فلا تنفعهم ولا تجديهم.

    وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ [الفرقان:23] كيف؟ هَبَاءً [الفرقان:23] تعرفون الهباء؟ النافذة إذا دخلت الشمس معها تشاهد ذاك.. ذاك هو الهباء.. الغبار.

    هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] ممزقاً مفرقاً فلا ينفعهم صيام ولا صلاة ولا ولا ولا.

    وهنا أحذر المستمعين والمستمعات! كونوا على بصيرة! احذروا أن تشركوا بربكم؛ فإن أعمال المشرك كما أخبر تعالى أنه يجعلها هباءً منثوراً، والله لا يستفيد من صلة رحم ولا من إطعام فقير ولا من نصرة مظلوم، كل ذلك لا يفيده شيئاً؛ أخذاً بقول الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا [الفرقان:23] مما يعدونه صالحات وأعمال نافعة فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    إذاً: إذا وجدتم من يقول: يا رسول الله المدد! يا عبد القادر العون! يا سيدي فلان! فقولوا له: عبد الله لقد أشركت بربك فأين تذهب؟ أنت تقول: لا إله إلا الله وإذا بك تؤله فلاناً وفلاناً بالدعاء والاستغاثة بهم والحلف بهم! أين يذهب بعقلك؟

    ونحن نعرف أن الجهل هو الذي غطانا وغشانا وأصبح ثلاثة أرباع المسلمين لا يعرفون الله المعرفة الحقيقية اليقينية، وهذا بمحنة الجهل فهيا نذهب الجهل عنا ونبعده من ديارنا.

    كيف نصنع؟ الجواب: إذا صلينا المغرب فيا أهل القرية! يا أهل الحي! إذا صلينا المغرب نصلي النافلة ونجلس لمعلم بالكتاب والسنة كجلوسنا هذا، النساء وراء الستارة، والأطفال معنا صفوفاً، ونحن أمام المعلم وقال الله قال رسوله، كل ليلة طول العام فلسنا يهوداً ولا نصارى.

    واليهود والنصارى إذا دقت الساعة السادسة ينصرفون إلى المقاهي والملاهي والمراقص والمقاصف ويتركون العمل، ونحن ينبغي أن نذهب إلى بيوت الله.

    والله لا يزول هذا الجهل وما أثمره إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والطريق والله لسهل فها نحن طول العام نصلي المغرب ونجلس فهل أصابنا مرض؟

    هل ضاعت أموالنا؟

    هل انهدمت بيوتنا؟

    ما الذي حصل؟

    لم إذا دقت الساعة السادسة ومالت الشمس للغروب لا نوقف العمل؟!

    أغلق باب دكانك وتوضأ واحمل امرأتك وأولادك إلى المسجد حول بيتك سواء كنت في قرية أو في مدينة أو في حي من الأحياء وكلنا إخوة في الله مؤمنون مسلمون، ليلة آية من كتاب الله نرددها حتى نحفظها ويشرحها لنا المعلم فنفهم معناها ونلتزم بالمطلوب منها، إن كانت عقيدة اعتقدناها في قلوبنا، وإن كان أدباً أو خلقاً عزمنا على التأدب والتخلق به، وإن كان بيان واجب نهضنا به، وإن كان بيان حرام تخلينا عنه وابتعدنا عنه.

    هذا هو الطريق سواء كنت في أمريكا أو اليابان اللهم إلا أيام الشيوعية الملعونة نعم، نقول: لا يسمحون لهم أن يجتمعوا في بيوت الرب، منعوهم، والآن الشيوعية انتهت وتدمرت وماتت إلى جهنم، والعالم كله في أي بلد أنا أوافق أنكم إذا جلستم في بيت ربكم ولا تسبون ولا تشتمون ولا تكذبون ولا تكفرون وإنما تريدون وجه الله ربكم عز وجل وصليتم المغرب فتسمعون آية من كتاب الله سنة من سنن رسول الله والله ما يزيد حكامكم إلا فرحاً بكم، أقسم بالله؛ لأنه يخفف آلام السرقة والإجرام وتنتهي.

    فهمتم هذه؟ إذاً: بلغوها! إلى الآن ما بلغنا أن أهل قرية عزموا على أن يجتمعوا كل ليلة في بيت ربهم!

    إلى الآن مع أن هذا خبر معلن إذا حدث فبشرونا! إذا وجدتمونا أحياء نزوركم ونحجكم سواء في تركيا وإلا في اليابان وإلا في المغرب وإلا في المشرق!

    قولوا: يا شيخ! القرية الفلانية تعال يا شيخ تشاهد، دقت الساعة السادسة وزحف المؤمنون والمؤمنات إلى بيت ربهم فيجلسون هذا الجلوس، ويجلس لهم عالم بالكتاب والسنة يلقنهم الآية ويشرحها لهم، ويلقنهم الحديث ويعلمنهم معناه وهم يعملون، والله سنة واحدة وإذا بمجتمعهم كأنهم ملائكة، لا سرقة، لا خيانة، لا غش، لا كذب، لا خداع، لا شرك، لا باطل والله العظيم؛ لأنها سنن لا تتخلف فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع.

    وسنة الله أن العلم بالله عز وجل يزكي النفس ويطهرها ويحمل صاحبها على أن يعبد الله، سنة لا تتخلف، ومن كان في القرية مجرماً أو كذا فسوف يرحل ويتركهم ما دام ما أطاق أن يعبد الله، يرحل، يقول: أنا لست بمؤمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً)

    يقول تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24].

    أَصْحَابُ الْجَنَّةِ [الفرقان:24] أهل الجنة هم أهل الإيمان والعمل الصالح في الدنيا يَوْمَئِذٍ [الفرقان:24] أي: يوم القيامة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان:24] مكان الاستقرار وهو دار السلام، وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24] لا ينتصف النهار إلا وهم في الجنة يقيلون في الجنة واليوم مقداره خمسون ألف سنة فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] أهل الإيمان وصالح الأعمال لا ينتصف النهار إلا وهم في قصورهم في دار السلام، فاللهم اجعلنا منهم!

    من أصحاب الجنة؟ أصحاب الإيمان والعمل الصالح هم الوارثون للجنة، قال تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا [مريم:63] من؟ مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] ما قال من كان هاشمياً أو عربياً أو أعجمياً، بل مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63].

    لم التقي هذا؟ لأنه اتقى ما يغضب الله ويسخطه، فعمل العمل الصالح؛ فزكت نفسه وطابت وطهرت؛ فأصبح أهلاً للملكوت الأعلى، واقرءوا قول الله تعالى في هذا البيان الرسمي: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].

    ما الحكمة من طاعة الله وطاعة الرسول؟ الجواب: تزكية النفس وتطهيرها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن مع هداية الآيات.

    وهل للآيات هدايات؟ والله لا توجد آية إلا ولها هداية تهديك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتعمل الصالحات، وتتجنب الطالحات؛ من أجل أن تسعد في الدار الآخرة.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان ما كان عليه غلاة المشركين من قريش من كبر وعتو وطغيان ].

    بيان ما كان عليه غلاة المشركين من أصحاب العتو والطغيان من قريش من كبر وعتو وطغيان، بينته الآية الكريمة.

    [ ثانياً: إثبات رؤية الملائكة عند قبض الروح، ويوم القيامة ]. تقرير وإثبات رؤية الملائكة، والله العظيم لترونهم عند الموت ويوم القيامة، لكن ملائكة الرحمة غير ملائكة العذاب.. موكب لا تعرف ألوانهم ولا أشكالهم ولا.. وهذه مفزعة مقلقة لأهل النار والأخباث، أما الملائكة الذين نورهم كالشمس فلأهل الإيمان وصالح الأعمال.

    والشاهد عندنا: أنه لابد وأن نرى الملائكة أحببنا أم كرهنا.

    [ ثالثاً: نفي البشرى عن المجرمين وإثباتها للمؤمنين المتقين ]. إي نعم. دلت الآيات على أن البشرى تكون للمؤمنين المتقين، وهي مبعدة عن المجرمين والعياذ بالله تعالى.

    [ رابعاً: حبوط عمل المشركين وبطلانه حيث لا ينتفعون بشيء منه ألبتة ]. كما قلت لكم، عمل المشرك لو بنى ألف مسجد ولو أعتق مليون عبد ولو.. ولو لا ينفعه في شيء أبداً ما دام مشركاً بالله عز وجل؛ ولهذا نبهت إخواننا وعلمتهم وقلت: إياكم والشرك بجهل، فلا تحلف بغير الله، ولا تنادي غير الله، ولا تسجد لغير الله، بل تعلم محاب الله واعبده بها وجنبها غير الله.

    [ خامساً:] وأخيراً [ انتهاء حساب المؤمنين قبل نصف يوم الحساب الذي مقداره خمسون ألف سنة ]. انتهاء حساب المؤمنين في نصف النهار، قبل النصف وإذا هم قائلون في مقيلهم وفي قصورهم في الجنة دار السلام.

    وصلى الله على نبينا محمد.