إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل خالق كل شيء، وهو المتصرف في شئون خلقه، القادر على أن يجمع بين البحر المالح والبحر العذب بقدرته سبحانه، والقادر على أن يخلق من النطفة بشراً سوياً، ثم بعد ذلك يأتي من الناس من يعبد من دونه ما لا ينفع ولا يضر، بل ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فتعالى الله عما يفعل الظالمون علواً كبيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الفرقان المكية، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:51-56].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]، المراد من القرية: العاصمة والحاضرة والمدينة، لا القرية في اصطلاح الجغرافيين المعاصرين، كلمة القرية في القرآن: المدينة، وحسبكم قول الله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى [الشورى:7]، ألا وهي مكة.

    يقول جل ذكره: وَلَوْ شِئْنَا [الفرقان:51]، نحن رب العزة والجلال والكمال لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ [الفرقان:51] أي: مدينة نَذِيرًا [الفرقان:51]، ينذرهم عاقبة الشرك والكفر، ويخوفهم ما يصيبهم من البلاء والشقاء في الدنيا والأخرى؛ إذ النذير رسول، يبشر المؤمنين وينذر الكافرين.

    وفي هذه الآية الكريمة: إعلان عن رفعة شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعن كماله؛ لأنه تعالى كان يرسل في كل أمة رسولاً نذيراً، ثم ختم الرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يرسل بعده رسولاً، وجعله كافياً في دعوة البشرية جميعاً.

    وتمضي الأيام والأعوام ويتجلى هذا الأمر بوضوح، فقبل أيام كان الإقليم لا يدخله الإنسان إلا بشق وتعب وآلام والآن العالم بأسره شرقاً وغرباً كأنه قرية واحدة، وأنتم تسمعون الإذاعات وأصوات المذيعين.

    علم الله عز وجل أن العالم سيتقارب وسيصبح كمدينة واحدة، فمن ثم اكتفى برسول واحد وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكما قلت لكم في الآية: إعلان عن إكمال الرسول وكماله وعلو شأنه ورفعته؛ لأنه قام مقام آلاف الرسل ومئات الرسل، هذا الذي يسد حاجات البشرية كلها كأنه ألف رسول، فدل هذا على علو مكان رسولنا وعلو شأنه بين الأنبياء والرسل.

    وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]، ينذر قومها حتى يتخلوا عن الشرك والكفر والمعاصي؛ ليكملوا في دنياهم ويسعدوا في آخرتهم، ولكن اكتفينا بإرسالك أنت مبشراً ونذيراً للعالم أجمع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً)

    وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، فبناءً على هذا يا رسولنا لا تطع الكافرين فيما يأمرونك به من عبادة آلهتهم معهم، أو الإغضاء والسكوت عن آلهتهم أو عدم التعرض لهم بنصحهم وتبيين الحق لهم، لا تطعهم.

    فَلا تُطِعِ [الفرقان:52]فلا تطع يا رسولنا الْكَافِرِينَ [الفرقان:52] فيما يأمرونك به أو فيما ينهونك عنه من كل الأعمال والأقوال والمعتقدات، فلا طاعة لكافر، ونحن أتباعه والله مثله، لا يحل لأحدنا أن يطيع كافر في معصية الله عز وجل.

    لو أن كافراً يحكمك أو أنت في قبضته وقال: اسجد لهذا الصنم والله ما تسجد.

    هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاه ربه نهياً واضحاً صريحاً فيقول له: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، في ماذا؟ فيما يأمرونك به وينهونك عنه، فيأمرونه بعبادة الأصنام وينهونه عن التحرش بها، فنهاه الله عز وجل عن طاعتهم فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52].

    وأذكركم بسورة الكافرون، وهي ما بين الكوثر والنصر في قصار المفصل: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، ما سبب نزول هذه السورة؟ اسمع كلام الله فيها: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6].

    سبب نزولها: أن المشركين في مكة اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتراحاً وقالوا له: لو تعبد معنا آلهتنا سنة ونعبد معك إلهك سنة، فوقع في نفس الرسول أنهم لو عبدوا الله سنة تطيب نفوسهم وتزكوا أرواحهم ويعرفون الحق وينتهي الشرك والكفر نهائياً، فمال إلى قبول هذا الاقتراح، وفرحوا هم به، فقال تعالى: لا، نادهم، وارفع صوتك بينهم: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:1-2]، وكرر ذلك، حتى قال: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون:6] الباطل وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، الحق.

    فطاعة الكافر لا تصح، بل طاعة أمك لا تصح منك ولا يجوز لك أن تطيع أمك في معصية ربك.

    والدك طاعته واجبة، لكن إذا أمرك بمعصية الله فالله مقدم على والدك، أطع الله واعص والدك.

    الحاكم بيده مقاليد البلاد والعباد، فإذا أمرك بمعصية الله فلا تطعه أبداً. لم؟ لأن الذي يطاع بحق هو الله خالقك وخالق حاكمك، أما العبد فلا، وإنما يطاع فيما هو مأذون فيه مباح، أما أن يقول لك: سب ربك، العن نبيك وتفعل هذا فقد خرجت من الإسلام. أو يقول لك: افعل هذا الحرام، افجر بهذه المرأة. لا يصح هذا أبداً، اقتل هذا، لا تقتل، ( لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ). اللهم إلا في حال الإكراه، الحديدة في يده افعل أو أقطع رأسك، الكرباج أو العصا في يده اشرب هذا الخمر وإلا أفلق رأسك، ففي حال الإكراه يجوز، ويجوز ألا تطعه وليفعل ما يشاء وأنت صابر في سبيل الله، ويجوز أن تطعه في تلك المعصية حفاظاً على نفسك لتعبد ربك، والله يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، إذ كان سمية وزوجها ياسر وولدهم عمار أيضاً يحبسون ويجلدون ويضربون، ويطلبون منهم أن يسبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيرفضون، فمر الرسول يوماً بـعمار فقال: أعطهم يا عمار ! أما أبوه وأمه فقتلوهما.

    قال له الرسول: أعطهم يا عمار ما يقولون إذ قلبك مطمئن بالإيمان، ونزلت هذه الآية: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    إذاً: ينهى الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكافرين في معصية الله، وأن يعبد معهم الأصنام، أو يجيز ويسمح لهم بعبادة الأصنام، أو يوافقهم على ما عليهم من الباطل والشر والفساد، قال: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ [الفرقان:52] بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52].

    وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52]، أي: بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، ابذل جهدك في بيان الحق، ابذل جهدك في بيان أنهم على باطل وأن عبادة الأصنام لا تنفع وأن الإيمان بغير الله باطل و.. و.. والله معك وناصرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ...)

    ثم قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53].

    الآن عاد السياق الكريم في إظهار آيات الله الدالة على وجوده وعلى قدرته وعلى علمه وعلى حكمته وعلى رحمته، إذ بذلك يؤله ويعبد.

    عاد السياق الكريم في عرض مظاهر تدل على وجود الله وعلى قدرته، وأنه لا يعجزه شيء، وعلى علمه وأنه أحاط علمه بكل شيء، وعلى حكمته فلا يوجد شيء خالٍ من حكمة الله عز وجل فيه.

    مظاهر تدل على وجود الله المتجلي في رحمته في سائر الخلق. فأولاً قال: وَهُوَ [الفرقان:53]، أي: الله تعالى جل جلاله وعظم سلطانه هو، لا اللات ولا العزى ولا عبد القادر ولا عيسى ولا ولا.. وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، أي: خلط بينهما فهذا حلوٍ وهذا مر، هذا حلوٍ وهذا ملح، والفرات تصب في البحر، النيل يصب في البحر، وماء الفرات وماء النيل وماء دجلة حلو وما البحر ملح، وهذا مظهر من مظاهر وجود الله.

    من أوجد البحرين؟ الله. من أوجد هذا الماء؟ وكيف حل هذا ومر هذا؟ من هو؟ الله لا شك في ذلك.

    وأعظم من ذلك: أن يختلط بما البحر مع بعضه البعض ويبقى الماء الحلو حلواً والماء المالح مالحاً، ولا يقدر على هذا مخلوق من المخلوقات، فكيف لا يعبد وتعبد الأصنام والأحجار؟!

    كيف لا يطاع ويطاع المخلوقين العابثين في الحياة؟!

    مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ [الفرقان:53]، والعذب: هو شديد الحلاوة. ماء عذب. أي: حلو شديد الحلاوة.

    وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، مالح.. مر. الأجاج: المرارة مع الملوحة.

    وَهُوَ [الفرقان:53]هو لا غيره من خلقه وعباده مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، خلط بينهما هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، البرزخ: الحاجز بين الشيئين. الحجر: المنع تمنع هذا عن هذا. والمحجور: الممنوع، وجعل بين الماء العذب والماء المالح حاجزاً فلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب.

    من يفعل هذا؟ ما يبقى جواب إلا: الله فقط. لو تجتمع البشرية كلها لا تستطيع هذا.

    إذاً: من خلق الماء بصنفيه: الملح الأجاج والعذب الفرات؟ الله.

    هل الأصنام والأحجار، الشهوات والأهواء، الطغاة والجبابرة من البشر الذي يأكلون ويخرءون ويموتون هم من يفعلون هذا؟ لا.

    إذاً: كيف يعبدون مع الله وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53] ؟! لا يرتبط هذا بهذا ولا هذا بذاك.

    والبرزخ: هو الحاجز بين الشيئين، وهناك برزخ أنتم عنه غافلون: وهو الوقت الذي ما بين أن نموت إلى أن نبعث يوم القيامة.. آلاف السنين يسمى بالبرزخ، حاجز بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ...)

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54].

    ثانياً: من مظاهر قدرته وعلمه وحكمته الموجبة لألوهيته: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54]. يا بشر! أصل خلقتكم مما؟ من الذهب أو الفضة؟ من أو العاج أو الساج؟ من أين؟

    أليست من ماء من نطفة الماء التي تقطر من ذكر الفحل في فرج الأنثى؟! بلى. من تلك القطرة من المني خلقك.

    من يرد هذا؟ من يقول: لا لا؟ لا أحد فسبحان الله العظيم!

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54]، من هم البشر؟ أولاد آدم ونحن منهم.

    لماذا سمينا بالبشر؟ لأن بشرتنا.. جلدتنا واضحة مكشوفة ليس عليها الريش كالحمام، ولا عليها الصوف كالنعاج، والوبر كالإبل، فنحن بشر.

    خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54]، النسب: هو آباؤك وإخوانك وأعمامك وأجدادك.

    والصهر: هم أولاد بناتك وأولاد أولادهم. المصاهرة والمخاتنة، ختنك وأختانك: الذين تزوجوا بناتك وأخواتك.. أختان.

    والأصهار: الذين تزوجت أنت بناتهم وأخواتهم. احتار فيها العلماء وخلاصتها:

    أن النسب: أولادك، وأجدادك وآباؤك وأعمامك، هم نسبك وأنت تنسب إليهم.

    وأن أصهارك: من تزوجت منهم فأصبحوا أصهاراً لك.

    وأن الذين تزوجهم بناتك تسميهم أختاناً لك، فالرسول زوج علياً فهو ابن عمه وختنه، فقد جمع بين العمومة وبين الختن، وهذا هو حالنا ما بين النسب والصهر، فالأنساب: فلان ابن فلان ابن فلان، هذا نسبه إلى آدم.

    وأصهار، أصهارك: من تزوجت منهم وأنجبت بنين وبنات.

    و أختانك: الذين زوجتهم بناتك وأخواتك. هذا ختني: أي: زوج بنتي. ولم تخرج البشرية عن كونها أصهار وأنساب، ووالله لن تجد اثنين في البشر إلا إما نسب وإما صهر.

    من قدر على هذا سوى الله؟ لا أحد.

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ [الفرقان:54]، الذي هو مني الفحول.. مني الرجال، وهو ماء ثخين أبيض معروف، ماء خلق منه بشراً بنو آدم وجعلهم كذا ما بين النسب والصهر، فلا تخلو البشرية من هذا، والآن الذين في المسجد بعضهم أصهار وبعضهم أنساب.

    وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، أي: وكان ربك يا رسولنا.. يا محمد صلى الله عليه وسلم! وكان ربك أيها المستمع الكريم قديراً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [يس:82] فهو يكون.

    الذي كون هذا الكوكب النهاري، الشمس فوق رءوسنا، الذي كون هذا الكوكب والذي هو أكبر من كوكب الأرض بمليون ونصف مليون مرة كيف لا يقول للشيء كن فيكون؟! كيف كان هذا؟ قال له: كن فكان، هذه العوالم بين أيدينا نشاهدها من أوجدها؟ من خلقها؟ ليس لك إلا أن تقول: الله، فقط. فإن قلت غير الله فأنت كاذب، ولن تقول غير الله أيضاً.

    وأضرب لكم المثل وللملاحدة والعلمانيين ولمنكري البعث والجزاء وللمكذبين بالله ووجود الله وألوهيته، نقول لهم: هذا كأس مملوء باللبن أو بالقهوة أو بالشاي موضوع على الطاولة. هاتوا علماؤكم كلهم هل يستطيع أحدهم أن يقول: هذا أوجد نفسه؟ مستحيل. هذا كأس فقط من اللبن على طاولة، هات علماء الكون كلهم وقل: ما تقولون في هذا الكأس هل أوجد نفسه؟ سيقولون: لا. والله لا يقولون أوجد نفسه.

    فنقول لهم: اسألوا عن موجده ندلكم ونقول: فلان أو فلان هو الذي أوجده.

    فكيف إذاً نقول: من خلق هذا العالم علويه وسفليه؟ من أوجده؟ اسألوا.

    سيقولون: لا نريد أن نسأل حتى لا نعبد الله. وهذه هي الحقيقة وإلا كيف ينكرون وجود الله وهم موجودون وهو موجدهم؟!

    فقط لأنهم لا يريدون أن يعترفوا بالله حتى لا يعبدوه، حتى لا يطيعوه، حتى لا ينتهوا عن الباطل والشر والخبث والفساد. هذه هي الحقيقة.

    وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، على كل شيء، فقدرة الله لا يعجزها شيء، والله لا يعجز قدرة الله شيء لا في الأرض ولا في السماء، لا بالإماتة ولا بالإحياء، لا بالإعطاء ولا بالمنع أبداً، فهو على كل شيء قدير.

    إذاً: كيف يعبد معه عيسى يا إخواننا من النصارى؟!

    كيف يعبد عيسى وهو مخلوق لله فتعلقون في أعناقكم صليباً وتعبدونه؟!

    أين يذهب بعقول هؤلاء؟!

    كيف تعبد البتول مريم وتصبح ثلاثة آلهة؟ أين العقول؟!

    لو نفقه ما بقي أحد لم يدخل في الإسلام، ولكن الذين يستغلون هذا الباطل ويسودون عليه ويعيشون عليه يكذبونه وينكرونه ليبقى لهم هذا الباطل في أيديهم، وإلا كيف نقول: عيسى ابن الله أو عيسى إله مع الله؟

    ونحن نقول لإخواننا: يا من يستغيثون بالأولياء، يا سيدي فلان، يا مولاي فلان، يا رسول الله، يا فاطمة ، يا حسين ، يا كذا.. كيف تنادون من لا يرونكم ولا يسمعون بكم ولا يقدرون على إعطائكم ولا على منعكم ولا على رفع العذاب والشقاء عنكم؟ كيف تنادونهم؟ أين يذهب بعقولكم؟

    لما تقف أمام ضريح وتناديه: يا فلان.. يا فلان.. يا فلان.. يا فلان.. والله ما يسمعك، وإن فرضنا أنه سمع فهل يمد يده لك؟ هل يعطيك؟ هل يرشدك؟ هل يوجهك؟ والله ما كان.

    إذاً: كيف تجعله مثل الله وبدلاً أن تقول: يا رب، قلت: يا فلان ويا فلان..

    كيف يصح هذا؟ إنه الجهل، فيجب أن نزيل الجهل ولا نبقى جاهلين أبداً. وإن قلت: وكيف نذهب الجهل ونبعده عنا؟ ما هي الطريق يرحمكم الله؟

    الجواب: هي أن نجتمع في بيوت ربنا، في المساجد الجامعة بعد صلاة المغرب كل يوم وطول العمر، النساء وراء ستارة، والرجال والأطفال أمامهن، والمعلم أمام الجميع، وليلة آية من كتاب الله تنير الحياة، وليلة حديثاً من أحاديث رسول الله يوضح الطريق ويسبل السبيل، ولا نزال كذلك حتى والله ما يبقى جهل ولا جاهل، وإذا انتفى الجهل؛ انتفى الباطل والشر والخبث والظلم والفساد، والله كلها تنتهي.

    وقد عرف عدونا هذا فلم يسمح لنا بالاجتماع في بيوت ربنا بما ألقى في نفوسنا من الهواجس الباطلة، والخواطر السيئة، وصرفنا إلى الدنيا وشهواتها.

    وقد قلنا لهم: اعملوا من صلاة الصبح.. صلوا الفجر واعملوا، يا فلاح.. يا نجار.. يا حداد يا كذا..! إلى غروب الشمس لا تستريحون طول النهار، فإذا مالت الشمس إلى الغروب أوقف العمل.. يكفي من صلاة الصبح إلى المغرب، وبعدها نتوضأ ونتطهر وندخل بيت الله عز وجل نتلو كتاب الله ونتدارسه يوماً بعد يوم وما تمضي سنة إلا وأهل القرية كلهم علماء وليس بينهم فاسق ولا فاجر ولا ظالم؛ لأن الفاسق والفاجر والظالم لا يصبر.. لا يقعد في المجلس.. يخرج ويرحل من القرية، ولا يستطيع أن يبقى مع الصالحين، وبهذا يزول الجهل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ...)

    ثم قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55].

    وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الفرقان:55]، من غير الله مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان:55]، والله ما ينفعهم ولا يضرهم.

    يا من يدعون سيدي عبد القادر ، يا راعي بغداد، يا راعي الحمراء كما نسميه، لو ناديت من الصبح إلى الليل: يا عبد القادر .. يا عبد القادر .. يا عبد القادر .. إني جائع، إني عطشان، إني ظمآن، إني عار، إني كذا.. لا ينفعك، والله ما ينفعك.

    وإن خفت أنك إذا لم تدعوه.. إذا لم تستغث به يضرك. فهل يضرك بحمى تصيبك بألم في أضراسك وأسنانك؟ بمجاعة في بطنك؟ بظمأ؟ والله ما يضرك. فهؤلاء الذين يعبدون عيسى ويعلقون الصليب في أعناقهم هل عبادتهم لعيسى تنفهم؟ وإذا ما عبدوا عيسى هل يضرهم عيسى ويدخلهم النار أو جهنم؟ الجواب: لا. والله لا، فهم يعبدون مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان:55].

    والآية نزلت في أهل مكة وهم أشراف العرب وساداتهم، فقد كان في بيوتهم أحجار وأصنام يعكفون حولها ويعبدونها، والله يقول لهم أنها لا تنفعهم ولا تضرهم، ولو أرادوا النفع منها والله لا يحصلون عليه، ولو أراود دفع الضرر والله لا تدفع الضرر عنهم، وإن خافوا منها لا تضرهم، والله ما تضرهم أبداً إذ لا نافع ولا ضار إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (وكان الكافر على ربه ظهيراً)

    وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، هذا خبر عجيب!

    الكافر ظهير على الله يساعد الشيطان على معصية الله!

    الشيطان التزم بحرب دعوة الله وعبادة الله، فهو يدعو إليها، والكافر يعينه على معصية الله والكفر بالله، فانظر موقف الكافر ما أبشعه! يعين الشيطان على معصية الله!

    الكافر يساعد.. يعين.. يشجع.. يعطي المال من أجل ألا يعبد الله، فهو ظهير للشيطان على ترك عبادة الله.

    وَكَانَ الْكَافِرُ [الفرقان:55]، أبيض أو أسود، في الأولين أو الآخرين عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، أي: ظهيراً لإبليس ومعيناً له على ترك عبادة الله تعالى أو على معصية الله عز وجل، فنعوذ بالله من الكفر والكافرين.

    سيقول قائل: ما الكفر يا شيخ؟ فأقول: الكفر: هو أن تجحد ما شرع الله وبين لعباده. لو تقول: لا صلاة فقد كفرت. تقول: لا صيام كفرت. تقول: لا حجاب في الإسلام كفرت.

    كل من ينكر ما شرع الله ويكذب به ويجحده فهو كافر، وأولى بذلك من ينكر ألوهية الله ويقول: نعم. يعبد الله ويعبد معه غيره. وأبشع من ذلك من يقول: لا إله والحياة مادة. والكفر أنواع، فنعوذ بالله من الكفر والكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً)

    ثم قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56].

    وَمَا أَرْسَلْنَاكَ [الفرقان:56] يا رسولنا محمداً وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56]، فلا تكرب ولا تحزن، ولا تقل: أبوا أن يستجيبوا، أصروا على عبادة الأصنام، دعوتهم ما استجابوا، حاربوني.

    ليست مهمتك أن تهديهم فالهداية بيد الله، بل مهمتك أن تبشر من استجاب برضا الله والنعيم المقيم يوم القيامة والطهر والصفاء والسعادة في الدنيا، وتنذر المصر على الشرك والكفر بخزي الدنيا وعذاب الآخرة. هذه مهمتك، أما أن تهدي القلوب وتقلبها فلا.. هذا ليس لك، فلا تكرب ولا تحزن.

    وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56] ما أرسلناك لتهدي القلوب وتحولها لتعبد الله وحده، بل مهمتك أن تبشر المؤمنين العاملين الصالحات برضا الله عز وجل والسعادة في الدنيا والآخرة، وتنذر الكافرين والفاسقين والمجرمين بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، إذ كان الرسول يتألم لما يدعو عاماً كاملاً ولا يستجيب أحد، بل خمس سنوات ما استجاب إلا عشرة أنفار، فلابد وأن يتألم، فيخفف الله عنه ويقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56]، أي: ما أرسلناك لتقلب القلوب وتحول الوجوه إلى أن يعبدوا الله، فهذا ليس لك، ما لك إلا أن تبشر من آمن بك ومشى وراءك بسعادة الدنيا والآخرة، وتنذر من أعرض عنك وكفر بك بعذاب الآخرة وخزي الدنيا. هذا معنى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56].

    تأملوا الآيات: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]. قادر على هذا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52] أي: بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]؛ لأن السورة مكية والجهاد بالسيف ما فرض أبداً في مكة. أي: جاهدهم بالقرآن فقط.

    وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، من هذا الفاعل؟ الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه.

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:54-56].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات:

    ما زال السياق في تعداد مظاهر الربوبية المستلزمة للتوحيد، قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]، أي: في كل مدينة. (نَذِيرًا). أي: رسولاً ينذر الناس عواقب الشرك والكفر، ولكنا لم نشأ لحكمة اقتضتها ربوبيتنا، وهي أن تكون أيها الرسول أفضل الرسل وأعظمهم منزلة وأكثرهم ثواباً فحبوناك هذا الفضل] ومنحناك وأعطيناكه [ فكنت رسول كل القرى أبيضها وأسودها، فاصبر وتحمل، واذكر شرف منزلتك ].

    من رسول الله في البشرية اليوم؟ واحد، محمد صلى الله عليه وسلم.

    [ فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52] في أي أمر أرادوه منك وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52]، أي: بالقرآن وكله حجج وبينات وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، تبلغ فيه أقصى جهدك.

    بعد هذه الجملة الاعتراضية من الكلام الإلهي قال تعالى مواصلاً ذكر مظاهر ربوبيته تعالى على خلقه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، أي: الملح والعذب، أي: أرسلهما مع بعضهما بعضاً و هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ [الفرقان:53]، أي: حلو سائغ شرابه وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، أي: لا يشرب وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، أي: ساتراً مانعاً من اختلاط العذب بالملح مع وجودهما في مكان واحد، فلا يبغي هذا على هذا بأن يعذب الملح أو يملح العذب.

    وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا [الفرقان:54]، من المني والنطفة خلق الإنسان وجعله ذكراً وأنثى، وهو بمعنى قوله: نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54]، أي: ذوي نسب ينسب إليهم وهم الذكور، وذوات صهر يصاهر بهن وهن الإناث.

    وقوله تعالى: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، أي: على فعل ما يريده من الخلق والإيجاد أو التحويل والتبديل، والسلب والعطاء.

    هذه مظاهر الربوبية المقتضية لعبادته وتوحيده والمشركون يعبدون من دونه أصناماً لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم إن لم يعبدوها، وكذلك لجهلهم وظلمة نفوسهم يعبدون الشيطان إذ هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وبذلك كان الكافر على ربه ظهيرا؛ إذ بعبادته للشيطان يعينه على معصية الرب تبارك وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، أي: معيناً للشيطان على الرحمن والعياذ بالله تعالى.

    وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56]، يقول تعالى لرسوله: إنا لم نرسلك لغير بشارة المؤمنين بالجنة ونذارة الكافرين بالنار أما هداية القلوب فهي إلينا من شئنا هدايته اهتدى ومن لم نشأها ضل، إلا أن الله يهدي ويضل حسب سنن له قد مر ذكرها مرات ].

    عندما تقول: الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء كيف تؤول هذا؟

    يهدي من أراد الهداية وطلبها وقرع باب أصحابها ومشى وراءهم فبينوا له الطريق، فهذا الذي يهديه الله.

    ومن ضل وأعرض واستكبر وأبى أن يقبل الدعوة فهذا الذي يضله الله، وحاشا لله أن يضل مهتدياً أبداً، ولكن من طلب الهداية شاء الله هدايته فهداه، ومن طلب الضلالة شاء الله ضلاله فأضله.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: الإشارة إلى الحكمة في عدم تعدد الرسل في زمن البعثة المحمدية والاكتفاء بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ].

    علمتم أن الله اكتفى برسوله صلى الله عليه وسلم للبشرية وفي هذا علو شأن محمد ورفعته وكماله؛ لأنه سد مسد آلاف الأنبياء والمرسلين.

    واللطيفة التي بينت لكم: علم الله أن العالم يقترب من بعضه بعضاً وتصبح البشرية كأنها أمة واحدة يتكلم رجل في المشرق ويسمعه أهل المغرب، فليس هناك حاجة إلى تعدد الرسل والأنبياء.

    [ ثانياً: حرمة طاعة الكافرين في أمور الدين والشرع ]. حرمة طاعة الكافرين في ما هو شرع الله، من أحل لك حراماً فلا تطعه، ومن حرم عليك حلالاً فلا تطعه، ومن عطل عبادتك وأوقفك دونها فلا تطعه، وإنما الطاعة تكون في المأذون فيه بالمعروف، أما أن تعصي الله في طاعة حاكم أو إمام أو شيخ أو كافر فلا طاعة لكافر ولا لغيره في معصية الله عز وجل؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )، والمخلوق يشمل: الكافر والحاكم والغني والفقير.

    [ ثالثاً: من الجهاد: جهاد الكفار والملاحدة بالحجج القرآنية والآيات التنزيلية ].

    والله لا يوجد جهاد اليوم وأنا أتكلم على علم.

    أولاً: أين إمام المسلمين الذي بايعوه والتفوا حوله ورباهم وأصلحهم وأراد أن يقاتل بهم الكافرين؟!

    نحن مفرقون على ستة وثلاثين دولة وجماعة وأحزاب. أين إمامنا الذي نقاتل وراءه؟ هذا أولاً.

    ثانياً: لو بايعنا إماماً واحداً ليس هناك جهاد. لماذا نجاهد؟ هل نرسل سفننا ونعلن لأمريكا بأن تدخل في الإسلام، هم سيقولون لنا: تفضلوا، ابنوا المساجد اعبدوا الله، ادعوا إلى ربكم، من يمنعكم؟ وكذا ألمانيا، وروسيا الآن بعد ما هبطت الشيوعية، العالم بكامله مفتوح.

    هل نحن لما نغزوا نريد أن نجبر الناس على الإسلام؟ لا والله ولا واحد يجبر أبداً، فقط نقول: افتحوا الباب لنعلم الناس ونرشدهم حتى يعبدوا ربهم فيكملوا ويسعدوا، حتى نرفع الظلم والشر والفساد، والآن نحن في حاجة إلى أموال بالقناطير وعلماء نوزعهم من اليابان إلى الأمريكان نسد بهم الحاجة.

    وهذه الأموال -وبلغوا- سبع زكاة كل مؤمن هذا مكانها، إذ مصارف الزكاة ثمانية والمصرف السابع هو في سبيل الله.

    معاشر المسلمين عرباً وعجماً في العالم بأسره! من وجبت له زكاة يأخذ السبع منها سبعة آلاف يضع الألف على جهة فتجتمع هذه البلايين بالمليارات ونرسل علماء ربانيين يبنون المساجد ويدعون إلى الله في الشرق والغرب، فلا تمر فترة من الزمن إلا والإسلام قد انتشر في العالم ونكون قد أدينا واجبنا.

    ماذا ترون من هذه السياسة؟

    الآن لا جهاد، فأين إمام المسلمين الذي جهزنا وأعدنا وقال: بسم الله نغزو. هذا أولاً.

    وثانياً: لو وجد الإمام نغزوا ماذا؟ بريطانيا؟ فيها آلاف المساجد والناس يدعون إلى الله.

    نغزوا فرنسا؟ فيها ألفين مسجد.

    أمريكا؟ لا تسأل.. ماذا نغزوا؟ فقط بالمال نبني المساجد والمدارس وننفق على الفقراء والمساكين، ونبعث الهداة والمهتدين يدعون إلى الله عز وجل، هذا هو الجهاد الآن.

    [ رابعاً: مظاهر العلم والقدرة الإلهية في عدم اختلاط البحرين مع وجودهما في مكان واحد، وفي خلق الله تعالى الإنسان من ماء وجعله ذكراً وأنثى للتناسل وحفظ النوع ].

    هذه مظاهر قدرة الله، فهذا الماء العذب وهذا الملح. من جعله ملحاً؟ ومن جعله عذباً؟ ومن فرق بينهما؟ ومن جمع بينهم؟ أليس الله؟ بلى. هذه قطرة الماء منتنة تتحول إلى إنسان يخاطبكم ويحدثكم ويرفع صوته عليكم.

    أصل الإنسان تلك النطفة القذرة. من خلقنا؟ ليس لنا إلا أن نقول: الله. إذاً: فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا الله لا بالدعاء ولا بالاستغاثة ولا بالذبح ولا بالنذر.

    والآن جاءني أحد وقال: والنبي. فقلت له: قل لا إله إلا الله، كيف تقول والنبي؟ هل النبي يحلف به؟! هل هو الله؟ هو نبي وليس بإله، فقل: لا إله إلا الله فقال: لا إله إلا الله.

    [ خامساً:] وأخيراً [ التنديد بالمشركين والكافرين المعينين للشيطان على الرحمن ].نددت بالذين يساعدون الشيطان على كفر البشرية وإفسادها، والذهاب بها إلى جهنم.