إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أدلة التوحيد ومظاهر ربوبية الله المقتضية لألوهيته: الظل الذي يمده الله عز وجل ويبسطه منذ طلوع الشمس، ثم يستمر في التناقص والانكماش حتى تستقر الشمس في كبد السماء، فإذا بدأت الشمس بالزوال نحو الغروب استطال الفيء حتى يبلغ أقصى طوله كما كان في أول النهار، ومن الآيات تعاقب الليل والنهار، وهبوب الرياح التي تبشر بهطول المطر الذي يسقي به الله الخلائق ويحيي به الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الفرقان فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:45-50].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان:45] هذه خمسة أدلة وبراهين قاطعة تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يعبد إلا الله، وأنه لا يكفر بالله ولا يجحد ألوهيته إلا هالك في الهالكين.

    فقوله: أَلَمْ تَرَ [الفرقان:45] أي: ألم ينته إلى علمك يا رسولنا المبلغ عنا؟! ألم تر أنت أيها السامع إِلَى رَبِّكَ [الفرقان:45] خالقك ومالك أمرك الله جل جلاله كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان:45].

    معنى مد الظل

    ما هو الظل؟ وكيف مده؟

    الظل: خلاف الشمس، إذا طلع الفجر أخذ الظل ينتشر إلى أن تطلع الشمس فينسخ ويزول.

    هذا الظل من أوجده؟! الله. البشرية كلها لو تجتمع على إيجاده ما أوجدوه، فكيف إذاً نعطي قلوبنا ووجوهنا وألسنتنا للأصنام والأحجار والتماثيل؟!

    كيف نقبل عليها نركع بين يديها ونخر ساجدين لها، ونتقرب إليها ونتزلف بالذبائح والقربان.. أين يذهب بعقول المشركين الكافرين؟!

    هذا الظل من أوجده؟ ولم أوجده؟

    من ساعة أن ينفلق الفجر يبتدئ الظل ويستمر الظل إلى أن تطلع الشمس فتنسخه!

    ألم ينته إلى علمك يا عبد الله! ألم ينته إلى علمك فترى ربك كيف مد الظل وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان:45] لا يزول بل يبقى هو هو، لكن في وجوده وزواله مصالح العباد، فالأوقات والأزمنة تعرف بهذا الظل وهذه الشمس وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان:45] أي: ثابتاً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان:45].

    الظل كيف يعرف؟ يعرف بالشمس، ولولا الشمس ما يعرف الظل، فالشمس تدل على الظل ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان:45] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:46] ينقبض الظل شيئاً فشيئاً حتى ينتهي ويعم الظلام.

    يد من تفعل هذا؟ ليس إلا الله. فكيف نعرض عن الله ونقبل على سواه؟

    ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:45-46].

    ثم الشمس لما تطلع يزول الظل، ثم يمتد الظل لوجود الشمس، ظل الإنسان، ظل الشجر، ظل الحيوان، ويأخذ بالانكماش حتى يصغر ويصبح على قدر ذاك القائم أو الواقف.

    وفي هذه: القضية الفقهية التي عرفها الفقهاء والأمة: وهي أن وقت الظهر يدخل إذا وقفت الشمس في كبد السماء ولم يزدد الظل ولم ينقص لما يقف تلك الوقفة -وقد تكون لدقائق، وقد تكون ربع ساعة- ومجرد ما يزيد يدخل وقت الظهر وتجب الصلاة، ويستمر الظل يمتد حتى يصبح ضعف ما كان وقد زالت الشمس عنه فيدخل وقت العصر.

    مثلاً: الظل بدأ يزيد على قدمين، أضف إلى القدمين قدمين فيمتد الظل ويدخل وقت العصر، إذا كان الظل أربعة أضف إليها أربعة أخرى فتصير ثمانية وحينها يدخل وقت العصر. هذا نفع الله به المؤمنين ليعبدوا ربهم بالصلاة في أوقاتها المحددة لها، ولولا هذا الظل ما عرفت العبادة.

    ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:46] أي: قبضنا ذلك الظل بدخول الليل فلا يبقى في الليل ظل.. ينتهى.

    أوجده الله وأخذه لحكم عالية، لا لباطل ولا لهو ولا للعب، بل لحكم وحاجات ضرورية للناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً ...)

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47].

    من هو هذا الذي جعل لنا الليل مظلماً لا ترى فيه عوراتنا؟! الله. لما يدخل الليل ويعم الظلام نكون مستورين، فلا يرانا أحد في الظلام.

    وهنا نذكر لطيفة: بعض الناس قال: أنا أصلي عارياً في الليل؛ لأن الله قال: اللَّيْلَ لِبَاسًا [الفرقان:47] فقال له العلماء: لو تغلق الباب على نفسك في الظلام لا تصح صلاتك إلا بستر عورتك. وهذا من عدم الفهم والبصيرة قال: ما دام الليل ظلاماً ولباساً فلم ألبس أصلي كما عارياً، وهذا لا يصح ولا يجوز.

    والمراد من اللباس: أنه يستر عورات بني آدم. الآن نحن لا نعرف الظلام، لا وجود له مع وجود الكهرباء.

    لكن اخرج إلى مكان ليس فيه كهرباء ويدخل الليل فترى الظلام بعينيك، وتراه لباساً ساتراً لك، لا يراك أحد ولا يرى عورتك فيه.

    من جعل هذا؟ هل هو اللات أو العزى أم مناة أم ماذا؟ ليس إلا الله، فكيف يعبدون هذه الأصنام والأحجار؟!

    كيف يُعبد عيسى ووالدته عليهما السلام وهما مخلوقان خلقهم الله عز وجل يدلان على وجود الله وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته؟!

    كيف يعبدون؟ كيف تعبد الأهواء والشهوات وتطاع طاعة عمياء ويعصى الرحمن فلا يعبد أبداً؟!

    إنها عجائب الخلق وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا [الفرقان:47] والنوم راحة نستريح به. من ذا الذي ينفي هذه؟ نعمة الله، النوم فيه استراحة.

    وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47] أي: حياة. ننام بالليل وكأننا متنا ونقوم بالنهار أحياء.

    من نشرنا؟ الله عز وجل، وإليه النشور، هو الذي ينشر الأموات فيحييهم، فهو جعل الليل لباساً وجعل النهار نشوراً.

    لماذا جعل الله الليل لباساً؟ للاستراحة، واستجلاب القوة واستمدادها، تلك القوة التي ضاعت في النهار في العمل، وجعل النهار ضوءاً لنعمل هذا في مزرعته وهذا في مصنعه وهذا في متجره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ...)

    ثم قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان:48].

    الرياح من يستطيع أن يجلبها؟ من يستطيع أن يوجهها من الشرق إلى الغرب شمالاً أو جنوباً؟!

    هذه الرياح من أوجدها؟ هل أوجدت نفسها؟

    والله لا يوجد شيء من نفسه أبداً، ولا قلامة الظفر، فهذه الرياح المشاهدة المرئية المحسوسة أوجدها وأرسلها الله بشرى بين يدي المطر، فالرياح تبشر بوجود المطر.

    نحن الآن لو كنا في صحراء تأتي الرياح تبشر بأن المطر سينزل وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا [الفرقان:48] مبشرة بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان:48] التي هي المطر.

    المطر رحمة أو لا؟ إي والله لرحمة، وإذا فقدناه هلكنا.

    وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ [الفرقان:48] جمع ريح بُشْرًا [الفرقان:48] أي: مبشرة بَيْنَ يَدَيْ [الفرقان:48] أي: بين يدي المطر الذي هو رحمة الله عز وجل. ‏

    معنى قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهوراً)

    وقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48] من ينزل ماء السماء.. ماء المطر؟ أمريكا؟ اليابان؟ الصين؟ البلاشفة الشيوعيون؟!

    من يقوى على إنزال المطر؟! من ينزل المطر؟! كيف ينزل المطر هنا ولا ينزل هناك؟! هل هكذا بدون منزل له، خالق له، مدبر له؟ مستحيل، إنه الله رب العالمين.

    وما أشد حمق الذين يكفرون بالله وينتهون إلى أنه لا إله إلا الله!

    عجباً لهم! كيف ينكرون وجود الله؟!

    من أوجد هذه المخلوقات؟!

    نحن نؤمن بالله لأنه هو خالق هذه المخلوقات، وقد أعلمنا بواسطة وحيه وملائكته ورسله أنه هو الذي ينزل هذه الخيرات والبركات، وقلنا آمنا بالله، وإن لم نره وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    الفرق بين الماء الطهور والماء الطاهر

    مسألة فقهية: الماء الطهور هو الطاهر والذي يزيل الأحداث ويذهب بالنجاسات.

    الماء طهور وطاهر، وكل ماء طهور هو طاهر وليس كل ماء طاهر طهور.

    والطهور هو المطهر للأحداث فيرفع الجنابة ويصح به الوضوء، ويزيل النجاسات من الثياب والأبدان إذا غسلت به؛ لأنه طهور. والطهور: هو ما كان على ما خلقه الله عليه كما نبع من الأرض أو كما نزل من السماء، سواء كان ملحاً أو كان عذباً فراتاً، لكنه ما خالطه شيء، فإن خالطه شيء أصبح طاهراً وليس بطهور. والطهور تغسل به الثوب النجس فيطهر! الطهور الذي تتوضأ به وتطهر.. تغتسل به وتطهر..

    إذاً: الماء الطهور: هو الباقي على أصل خلقته ما اختلط بشيء آخر، فإن خالط هذا الماء الطهور بشيء آخر وكان طاهراً كان ماء طاهر، ولكن ليس بطهور. أي: لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة من الثوب إن غسلته به وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    أما الماء الطاهر فهو ماء خالطه زيت أو خل أو صابون فيقال فيه طاهر ولكن ليس بطهور، فلا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث؛ لأنه تغير لونه أو طعمه أو ريحه.

    والماء الطهور هو الباقي على أصل خلقته كما خلقه الله عز وجل لم يخالطه شيء لا طاهر ولا نجس. فهذا الذي يصح به الوضوء والغسل من الجنابة، وهو الذي يزيل النجاسات من الثياب والأبدان؛ لأنه طهور يطهر، أما الطاهر فقط فيجوز استعماله في الأكل والشرب لكنه لا يرفع الحدث؛ لأنه لم يبق كما خلقه الله بل زيدت فيه أشياء كالزيت أو الخل أو الصابون مثلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً)

    ثم قال تعالى معللاً إنزال الماء من السماء: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49].

    البلد الميت: الذي ليس فيه نبات ولا شجر ولا عشب ولا زرع، ينزل الله المطر فيحييه، والله ليحيا وتشاهد الحياة بعينيك، في أشجاره وفي نباته. هذه هي الحكمة في ذلك.

    لم ينزل الماء من السماء؟ ليحيي به بلدة ميتاً.

    ثم قال تعالى أيضاً: وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49] سبحان الله العظيم! ننزل من السماء الماء الطهور -لا الطاهر فقط- لحكمة وهي: لنحيي به بلدة من البلاد ميتة ليس فيها نبات ولا عشب ولا شجر فتصبح حية وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:49] الإبل، البقر، الغنم.. هذه المخلوقات التي تشرب الماء.

    مم تشرب؟ أليس من الماء؟ من أوجد الماء؟ من أنزل الماء؟ الله. إذاً قولوا: لا إله إلا الله. كيف يعبد مع الله صنم أو إنسان أو ملك؟

    والآيات في تقرير التوحيد؛ لأنها نزلت في مكة، وأهل مكة يعبدون اللات والعزى والأصنام حول الكعبة، فتبين لهم أنهم ضالون مخطئون، فتنزل هذه الآيات تبين لهم الطريق لعلهم يعودون إلى الله فيعبدونه وحده، وكذلك كان.

    لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا [الفرقان:49] من المخلوقات أَنْعَامًا [الفرقان:49] الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، وما يشبهها وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49] [الفرقان:49] أي: أناساً كثيرين.

    لو سئلت: لم ينزل الله المطر؟ ما الحكمة؟ بم تجيب؟ ليحيي به الأرض الميتة وليسقي الأنعام والبشر، لو فقدنا الماء كيف نعيش؟ مستحيل، لو ما كان الماء تنبت الأرض نباتاً؟ كيف تعيش البهائم؟ لا إبل ولا بقر ولا غنم ولا غيرها، سبحان الله العظيم!

    لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]. كم الأناسي؟ البشر كلهم بلايين.

    هل هناك دولة تستغني عن الماء لقوتها وسلطانها وتقول: لسنا في حاجة إلى الماء؟ ممكن؟! مستحيل.

    إذاً: تأملوا هذه الآيات! أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:45-47] هل من شريك معه في هذا الجعل؟ لا. بل هو وحده.

    وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:47-49].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً)

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50] والعياذ بالله.

    قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ يصح أن تقول: أي القرآن صرفه آيات آيات وحكم وأحكام.

    ويصح أن تقول: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ [الفرقان:50] أي: المطر ينزل الآن في الحجاز وتحرم منه تهامة، ينزل في كذا وينتقل إلى كذا.

    من صرف المطر يرحمكم الله؟ الله. والله ما كان إلا الله.

    وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان:50] فيذكروا ربهم.. خالقهم.. المنعم عليهم.. راحمهم؛ فيعبدوه ويشكروه، ولكن مع الأسف أكثر الناس كفار فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50] أبوا إلا الجحود والعناد والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب نسأل الله أن يشرح صدورنا لذلك وأن يرزقنا العلم والعمل به.‏

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات:

    قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان:45] هذا شروع في ذكر مجموعة من أدلة التوحيد، وهي مظاهر لربوبية الله تعالى المقتضية لألوهيته، فأولاً الظل، وهو المشاهد من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وقد مده الخالق عز وجل -أي: بسطه- في الكون، ثم تطلع الشمس فتأخذ في زواله وانكماشه شيئاً فشيئاً، ولو شاء الله تعالى لجعله ساكناً لا يبارح ولا يغادر ] ويبقى كما هو [ ولكنه حسب مصلحة عباده جعله يتقاصر ويقبض حتى تقف الشمس في كبد السماء فيستقر، ثم لما تدحض الشمس مائلة إلى الغروب يفيء أي: يرجع شيئاً فشيئاً فيطول تدريجياً لتعرف به ساعات النهار وأوقات الصلوات، حتى يبلغ من الطول حداً كبيراً كما كان في أول النهار، ثم يقبض قبضاً يسيراً خفياً سريعاً حين تغرب الشمس ويغشاه ظلام الليل.

    هذه آية من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته بعباده، تجلت في الظل الذي قال تعالى فيه: أَلَمْ تَرَ [الفرقان:45] أيها الرسول أي: أتنظر إلى صنيع ربك جل جلاله كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان:45] لا ينتقل ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان:45] إذ بضوئها يعرف، فلولا الشمس لما عرف الظل.

    وقوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:46] حسب سنته، ففي خفاء كامل وسرعة تامة يقبض الظل نهائياً ويحل محله الظلام الحالك ] الأسود.

    [ وثانياً: في الليل والنهار قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا [الفرقان:47] أي: ساتراً يستركم بظلامه كما تستركم الثياب وَالنَّوْمَ سُبَاتًا [الفرقان:47] أي: وجعل النوم قطعاً للعمل فتحصل به راحة الأبدان وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47] أي: حياة بعد وفاة النوم فينتشر فيه الناس لطلب الرزق بالعمل بالأسباب والسنن التي وضع الله تعالى لذلك.

    وثالثاً: إرسال الرياح للقاح السحب للمطار لإحياء الأرض بعد موتها بالقحط والجدب قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ [الفرقان:48] هو لا غيره من الآلهة الباطلة أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الفرقان:48] أي: مبشرات بالمطر متقدمة عليه وهو الرحمة، وهي بين يديه فمن يفعل هذا غير الله؟ اللهم إنه لا أحد.

    ورابعاً: إنزال الماء الطهور العذب الفرات للتطهير به وشرب الحيوان والإنسان، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:48-49] أي: إبلاً وبقراً وغنماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49] أي: أناساً كثيرين وهم الآدميون، ففي خلق الماء وإنزاله وإيجاد حاجته في الحيوان والإنسان إليه، ثم هدايتهم لتناوله وشربه. كل هذا آيات الربوبية الموجبة لتوحيد الله تعالى ] فلا إله غيره ولا رب سواه.

    [ وخامساً: تصريف المطر بين الناس فيمطر في أرض ولا يمطر في أخرى حسب الحكمة الإلهية والتربية الربانية. قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ [الفرقان:50] أي: بين الناس كما هو مشاهد إقليم يسقى وآخر يحرم.

    وقوله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50] أي: جحوداً لإنعام الله عليهم وربوبيته عليهم وألوهيته لهم. وهو أمر يقتضي التعجب والاستغراب.

    هذه مظاهر الربويية المقتضية للألوهية فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50] والعياذ بالله تعالى ].

    مجهودات أعداء الله في صد المسلمين عن كتاب الله

    عندنا سؤال: هل هذا القرآن نزل ليقرأ على الموتى؟ لا.

    هذا القرآن الذي قرأناه نحن الآن وفهمناه هل الأموات يفهمونه لما نقرؤه عليهم؟ لا.

    إذاً: لماذا حولنا قراءة القرآن من الأحياء إلى الأموات؟ من فعل بنا هذا؟

    الجواب: إنه الثالوث الأسود. ما هو الثالوث الأسود؟ إنه مكون من ثلاثة أعداء هم: المجوسية، واليهودية، والصليبية.

    تساءلوا في القرن الرابع والقرن الثالث كيف حييت هذه الأمة وسادت وحكمت وامتد طولها وظلها إلى أقصى الشرق والغرب؟ ما هي عوامل ذلك؟

    فعرفوا أنه القرآن، عرفوا أن القرآن هو الذي أحيا هذه الأمة الميتة فسادت وعزت وطهرت وكملت.

    فقالوا: إيه القرآن، والدليل من كتاب الله عز وجل إذ يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]. ما هذا الروح الذي أنزله الله على رسوله؟ والله إنه القرآن. إذاً سماه الله روحاً وهل الحياة إلا بالروح؟!

    هل توجد حياة بدون روح؟ الجواب: لا، والقرآن روح.

    إذاً قالوا: هيا ننتزع القرآن منهم. قالوا: عملنا وجربنا واستعملنا ألف حيلة وحيلة فما استطعنا فهو محفوظ في صدورهم، ولو حرقنا الكتب كلها يحفظونه محفوظ في صدورهم في صدور في نسائهم ورجالهم، لا نستطيع أبداً، فماذا نصنع؟

    قالوا: نصرفهم عن قراءته والاجتماع عليه، وهذا سهل!

    نصرفهم حتى لا يجتمعوا على آية يتدارسوها، أو على سورة من سور كتاب الله يتعرفون ما فيها؛ ليعمهم الجهل ويموتوا، وبذلك يمكننا أن نسود ونحكم، وكذلك فعلوا. حكمونا من إندونيسيا إلى موريتانيا واستعمرونا ولو كنا أحياء ما استطاعوا أن يحكموننا ويسودوننا، والله ما كان.

    ولكن عرفوا أن هذا القرآن هو الروح، فقال قائلهم اسمعوا: تفسير القرآن صوابه خطأ -وراجعوا الحاشية في كتاب الحطاب- تفسير القرآن صوابه خطأ. من بقي يقول: قال الله، قالوا له: اسكت فأنت لا تعرف كلام الله، صوابه خطأ وخطؤه كفر.

    من فسر آية فقد أذنب ذنباً عظيماً، وإذا فسرها بغير الواقع فقد كفر. فهل بقي من يقول بين المسلمين قال الله كذا أو كذا؟ ممنوع.

    إذاً: ماذا نصنع بالقرآن؟ قالوا: نقرأه على الموتى. فأصبحوا إذا مات ميتهم يجتمعون عليه الليالي العديدة والطويلة يقرءون القرآن.

    والموتى هل ينتفعون بالقرآن؟ هل يتعظون؟ هل يقومون ليصلوا؟ هل يجتنبون كبائر الذنوب والمعاصي؟

    أمرهم انتهى إلى ربهم، فما ينفعهم تلاوة القرآن عليهم.

    معاشر المستمعين فهمتم هذه الحقيقة فلا تنسوها!

    ومعنى هذا: هيا بنا نقف وننظر الحلقة هذه يجب أن تكون كل ليلة في بيوت ربنا في عالمنا الإسلامي، حتى نخذّل الكافرين ونهزمهم، كل ليلة إذا مالت الشمس للغروب ودقت الساعة السادسة وقف العمل، أغلق دكانك، ارم المسحاة من يدك، أقبل على بيت ربك أنت وزوجتك وأولادك، توضئوا وتطهروا وادخلوا المسجد فصلوا المغرب ثم تجتمعون اجتماعنا هذا فيوماً آية من كتاب الله تتلى حتى تحفظ وتشرح ويبين مراد الله منها، وتوضع اليد على المطلوب، فتخرجون وقد تعلمتم وعرفتم من ربكم، والليلة الثانية حديث من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الصحاح تحفظونه نساء وأطفالاً ورجالاً ثم تعملون بما فيه.

    ويوماً بعد يوم، فما يمر عام واحد والله وما يبقى فجور ولا شرك ولا كفر ولا ظلم ولا فسوق بين أهالي تلك القرية؛ إذ القرآن يحيي ويهدي وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].

    عرف هذا العدو فأبعدونا عن القرآن وحولونا إلى غيره، فهبطنا فركبوا علينا وحكمونا وسادونا، وإلى الآن يسخروننا كما يشاءون ونحن كالأموات.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: عرض الأدلة الحسية على وجوب عبادة الله تعالى وتوحيده فيها، ووجوب الإيمان بالبعث والجزاء الذي أنكره المشركون فضلوا ضلالاً بعيداً.

    هذه الأدلة السبعة التي مرت بنا، لماذا أنزلها الله؟ لأي غرض؟

    من أجل أن تعرف البشرية خالقها فتحبه وترهبه، وتعبده وتطيعه، فتكمل في دنياها وتسعد، ثم ينقلها إلى السماء فوق السماء السابعة لتكمل في الجنة وتسعد.

    إذاً: هذه الآيات ذكرت ونزلت لحكمة وهي بيان الطريق إلى الله، ليعرف الله فيحب ويعبد، وإذا عبدنا الله عز وجل كملنا وسعدنا في ديننا ودنيانا وفي آخرتنا.

    [ ثانياً: بيان فائدة الظل؛ إذ به تعرف ساعات النهار، وبه يعرف وقت صلاة الظهر والعصر، فوقت الظهر من بداية الفيء ].

    كما قدمنا لما تقف الشمس في كبد السماء وتكون أنت واقف وظلك هو هو متر أو ربع متر أو كذا، وحتى تميل الشمس يميل الظل، فإذا مال الظل دخل وقت الظهر ووجبت صلاة الظهر، وانتظروا الظل حتى يمتد ببطء فإذا أصبح ضعف الظل الأول دخل وقت العصر، والآن بالساعات والله مأخوذة من هذا الظل، لما تقف الشمس في كبد السماء ويقف الظل لا يزيد ولا ينقص نتوقف لحظات أو دقائق حتى تميل الشمس ويميل الظل ويطول، فإذا أخذ الظل في الطول دخل وقت الظهر، فلما يطول ويطول ويصبح ضعفاً كان أربعة فأصبح ثمانية دخل وقت العصر.

    [ثانياً: بيان فائدة الظل؛ إذ به تعرف ساعات النهار، وبه يعرف وقت صلاة الظهر والعصر، فوقت الظهر من بداية الفيء، فوقت الظهر من بداية الفيء أي: زيادة الظل بعد توقفه من النقصان عند وقوف الشمس في كبد السماء، ووقت العصر من زيادة الظل مثله بمعنى: إذا دخل الظهر والظل أربعة أقدام أو ثلاثة أو أقل أو أكثر، فإذا زاد مثله دخل وقت العصر، فإن زالت الشمس على أربعة أقدام فالعصر يدخل عندما يكون الظل ثمانية أقدام، وإن زالت الشمس على ثلاثة أقدام فالعصر على ستة أقدام وهكذا.

    ثالثاً: الماء الطهور وهو الباقي على أصل خلقته ]. الماء الطهور هو الباقي على أصل خلقته كما علمتم

    ولو خلط بشي أصبح طاهراً غير طهور ولو خلط بالحليب واللبن ما أصبح طهوراً، أصبح طاهراً يؤكل، يشرب، يطبخ به، لكن لا يرفع الحدث.

    [ثالثاً: الماء الطهور وهو الباقي على أصل خلقته فلم يخالطه شيء يغير طعمه أو لونه أو ريحه ].

    ما يغير الماء هو : إما أن يتغير بالطعم فصار حامضاً، أو صار حلواً بعدما كان مالحاً، أو يتغير باللون فيصفر أو يحمر، أو يتغير بالرائحة فتصبح فيه رائحة، لو تأتي بإناء فيه ماء وتتوضأ فيه وتصب فيه قارورة عطر فهل يصلح به الوضوء؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه تغيرت رائحته، ما كانت فيه رائحة والآن أصبحت فيه رائحة.

    قال: [ وبه ترفع الأحداث وتغسل النجاسات، ويحرم منعه عمن احتاج إليه من شرب أو طهارة ].

    بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته ترفع الأحداث والنجاسات، وهذا الماء يحرم منعه من إنسان كافراً أو مؤمناً يحتاج إليه ليشربه.