إسلام ويب

تفسير سورة الحج (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان الكفر باليوم الآخر والبعث بعد الموت هو المانع عن الاستجابة للطاعة وفعل الخير نادى الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات ليعرض عليهم أدلة البعث العقلية لعلهم يؤمنون، وهي أنه سبحانه خلق أصلهم الذي هو آدم من تراب، ثم خلق كل ذريته من نطفة وهي ماء الرجل وماء المرأة، ومنهم من يسقط وهو حمل قبل أن يولد، ومنهم من يولد ويموت قبل أن يبلغ أشده، ومنهم من يعيش حتى يبلغ أرذل العمر ويصبح كالطفل، والعقل الصحيح يدل على أن من يفعل ذلك ابتداءً قادر على إعادته مرة أخرى، إذ الإعادة ليست بأصعب من النشأة الأولى.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الحج

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم واليومين بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحج المكية المدنية الحضرية السفرية، وهي كما علمت بدأت بتقرير البعث والجزاء، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:5-7].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! في الآيات التي قبل هذه نادى الله عز وجل الناس أجمعين، أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم، شريفهم ووضيعهم، ذكرهم وأنثاهم، ناداهم ليأمرهم بتقواه، إذ قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1]، أي: خافوا عقابه وعذابه فأطيعوه وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لتنجوا من العذاب وتسلموا منه، وذكر أن هذا العذاب هو عذاب الدار الآخرة، كما ذكر أن النضر بن الحارث وغيره ينكرون البعث الآخر والحياة الثانية إنكاراً شديداً ويجادلون في ذلك بالباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5].

    ثم بعد هذا نادانا الله عز وجل أيضاً فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج:5]، أي: في شك من الحياة الثانية، أي: في بعثكم من قبوركم أحياء بعد موتكم وفنائكم، إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج:5]، فإليكم هذه الأدلة العقلية وأنتم عقلاء تعرفون أن البعث حق، وأن الحياة الثانية لابد منها، وأن الجزاء بحسب العمل، فذكر أدلة عقلية وبراهين منطقية، فقال عز وجل: فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الحج:5]، أما خلق آدم تراب وخلق حواء من ضلعه الأيسر؟ بلى، وهما الأب والأم ونحن الأبناء والبنات، رجالاً ونساء، وبالتالي فأصلنا من تراب، فالذي خلقنا من تراب يعجز أن يخلقنا مرة أخرى من تراب؟! أي عقل يقول: لا؟! ما كنا موجودين أبداً فأوجدنا من مادة التراب، ثم أعدمنا وأفنانا قادر على أن يعيد حياتنا أيضاً كما بدأنا، وهذا بالعقل، ولا ينفي هذا إلا مجنون لا عقل له.

    خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الحج:5]، يعني: آدم وحواء، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الحج:5]، أي: قطرة ماء وتسمى المني، وهذه النطفة يشاهدها الكل، فيتكون منها إنسان يتكلم ويصول ويجول، ويكذب وينكر ويحارب، فانظر أيها الإنسان! إلى أصلك ما هو؟ أليست قطرة ماء؟ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج:5]، فأربعون يوماً وهي نطفة في الرحم، ثم أربعون يوماً فتتحول إلى علقة تعلق في اليد أو في الأصبع، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ [الحج:5]، أي: أربعون يوماً أخرى فتصبح مضغة قدر ما يمضغ الماضغ قطعة اللحم في فمه، ثم بعد عشرة أيام ينفخ فيها الملك الروح، مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج:5]، أي: مضغة يريد الله تعالى أن يخلق منها إنسان فيجعلها مخلقة قابلة للخلق، وأخرى لا يريد أن يخلق منها فتسقطها صاحبتها من فرجها.

    إذاً: فأولاً: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ولما تكون مضغة إما أن تسقطها صاحبتها وهو ما يعرف بالإسقاط، وإما أن ينفخ فيها الملك الروح وتصبح إنساناً، ولهذا فإن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، والعشرة الأيام هي التي يتخلق فهيا المخلوق.

    ثم قال تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج:5]، أي: مظاهر عظمتنا وعلمنا وقدرتنا، وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ [الحج:5]، أي: نقر تلك المضغة التي نفخ فيها الملك في الرحم ما نشاء، ثمانية أشهر أو تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وإن كانت السنة الماضية هي تسعة أشهر، مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج:5]، عندنا، وذلك باللحظة والدقيقة واليوم، فهذه أفعال الله سبحانه وتعالى، فكيف ينكرون وجود الله؟ وهل صاحب هذه الأفعال عاجز على أن يعيد الناس كما بدأهم؟ إن الذي خلق السموات الأرض وما بينهما يعجز عن خلق المخلوقات وقد خلقها وأفناها؟! لا أبداً، إذاً فأين العقل؟!

    ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج:5]، كلنا كنا أطفالاً، والطفل من ساعة أن يخرج من بطن أمه هو طفل إلى أن يبلغ سن الرشد والتكليف يقال فيه: شاب أو رجل، أما قبل ذلك فهو طفل، ويجمع على: أطفال، والمرأة أم الأطفال، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج:5]، من بطن الأم وذلك من رحمها، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [الحج:5]، فكمال العقل والبدن عندما يبلغ الإنسان أربعين سنة، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى [الحج:5]، أي: قبل بلوغ الأشد، إذ قد يتوفاه في العشرين أو في الخمسة والعشرين أو في الثلاثين أو وهو في الطفولة، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ [الحج:5]، وأخسه وأحطه بأن يتجاوز السن التي كان يعقل فيها ويفهم، فيصبح يخرف ولا يعقل ولا يفهم كالطفل، فمن يفعل هذا؟ إنه الله سبحانه وتعالى، ولو تجتمع البشرية كلها لا تستطيع أن تفعل هذا، فهل هذا القادر العظيم يكذب فيما يخبر به عن يوم القيامة وما يجري فيها وما يكون؟!

    الحقيقة أن إنكار البعث والتكذيب بيوم القيامة سببه نفخة الشيطان، وذلك من أجل أن يبقى الإنسان في ظلمه وفسقه وفجوره، ممسوخاً من الخير ممسوحاً لا خير فيه بالمرة، وهذا شأن من لا يؤمن بالله ولقائه، وهذا شأن من لا يؤمن بالله والدار الآخرة، إذ إنه ممسوخ وممسوح من الخير مارد كالشيطان المريد، فالشيطان يريد هذا، وإلا لمَ يكذب بالعبث في الآخرة والجزاء وهو يشاهد آيات الله وقدرته بين يديه؟! ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى [الحج:5]، من قبل، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج:5]، فيصبح يخرف ولا يعقل ولا يفهم كالطفل، ثم قال تعالى: لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج:5]، أي: من العلوم والمعارف، فمثلاً قد كان طياراً، فإنه ينسى كل ذلك ويصبح يخرف وينطق بما لا يعلم، لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج:5]، وهذا دليل وبرهان عقلي واضح كالشمس، فالذي خلقنا من تراب، ثم خلقنا من نطفة، ثم يربينا وينمينا إلى أن نبلغ أشدنا، ثم نرد إلى الضعف والكبر، يعجز عن إحيائنا بعد موتنا؟ مستحيل، إذ كيف يقول عاقل مثل هذا؟

    ودليل آخر -وهو برهان عقلي- على البعث، وهو قوله تعالى: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً [الحج:5]، أي: ساكنة وقارة لا تتحرك، فلا عشب فيها ولا نبات ولا شجر، فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ [الحج:5]، أي: ماء السماء أو ماء العين والسقي، اهْتَزَّتْ [الحج:5]، أي: انتفخت، وَرَبَتْ [الحج:5]، أي: ارتفعت، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]، أما كانت تراباً يابساً ميتاً؟! كيف أصبحت حية ذات نبات وعيدان؟ إنه بواسطة ذلك الماء، إذاً: فالقادر على إحياء هذه الأرض عاجز على إحياء الإنسان؟! كيف يقول أحد مثل هذا؟ ومع هذا ينكرون الحياة الثانية ويكذبون بها، واتصل بهم في الشرق والغرب من المجوس واليهود والبوذيين والشيوعيين خاصة، لا تجد واحداً منهم ينكر أن هذه الأرض كانت ميتة فحيت بالماء.

    وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً [الحج:5]، أي: ساكنة، فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]، أي: جميل وحسن من أنواع النباتات على اختلافها وتنوعها، وهذا مظهر يدل على قدرة الله على إحيائنا في التراب كما كنا، وذلك لما ندفن ونذوب ونتحلل إلا ذلك العُظيم الذي هو في آخر خرزة من خرزات الظهر، فننبت منه كما ينبت البقل، وبهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصح الأخبار وأصح الأحاديث، إذ إننا ننبت كما ينبت البقل أو البصل أو الثوم، وأنت تشاهد بذرة الثوم أو البقل وهي في التراب فتسقى بالماء، فتنبت وتصبح ذات جسم ومادة، وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6].

    بعد هذا البيان ومخاطبة العقول واعترافها بالحق، قال تعالى: ذَلِكَ [الحج:6]، لتعلموا، بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:6]، أي: هذا الذي عرضه علينا إنما هو من أجل أن نعلم أن الله هو الإله الحق، ولا إله غيره ولا رب سواه، وكل الدعاوى باطلة، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:6]، أولاً، وثانياً: وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى [الحج:6]، بعد موتهم، فهذه الأدلة العقلية كلها تنتج هذا النتاج.

    فأولاً: يقر بأن الله هو الإله الحق، فلا إله غيره أبداً، فارفع صوتك بـلا إله إلا الله، وثانياً: أنه قادر على أن يحيي الموتى، وفي هذا تقرير البعث والحياة الثانية، وأنها ضرورة لابد منها، وثالثاً: وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6]، فالذي خلق البشرية كلها من طين يعجز عن شيء؟ والذي يميت ويحيي ويخلق ويفني يعجز عن شيء؟ والله لهو على كل شيء قدير، والذي خلق السموات السبع وما فيهما وما بينهما يُعرف بالعجز؟ والله إنه على كل شيء قدير، فكل شيء أراده قدير على فعله وإيجاده وخلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها...)

    قال تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7].

    وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ [الحج:7]، هذه الأدلة تقرر أيضاَ أن الساعة -أي: القيامة- آتية والله لا محالة، السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا [الحج:7]، ولا شك في هذا بحال من الأحوال.

    وأخيراً: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7]، كما يحيي الأرض وتنبيت النباتات، يحيينا في الأرض وينبتنا ونخرج أحياء كما كنا، وذلك حفاة عراة غرلاً.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    أعيد عليكم تلاوة هذه الآيات، فهيا نتدبر ونتفكر! يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الحج:5]، لبيك اللهم لبيك، إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج:5]، اللهم إننا لسنا في ريب، والله إننا لموقنون، والله إنا لموقنون أن الله سيحينا بعد موتنا ويبعثنا ويجزينا، إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الحج:5]، فتأملوا وتفكروا، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج:5]، فمن يخرجنا من بطون أمهاتنا؟ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى [الحج:5]، من قبل، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج:5]، والعياذ بالله، اللهم إنا نعوذ بك أن نرد إلى أرذل العمر، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من أشياء، ومنها: ( اللهم إني أعوذ بكم أن أرد إلى أرذل العمل لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [الحج:5]، فيصبح كالطفل أو كالمجنون.

    ومن الأدلة والبراهين العقلية على الحياة الثانية والقيامة والبعث والجزاء وأنه لا إله إلا الله: قوله تعالى: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]، أي: حسن وجميل.

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:6]، والله إنه لهو الإله الحق ولا إله غيره أبداً، فلهذا ارفع صوتك بها: لا إله إلا الله، وقد كررنا هذا القول: والله الذي لا إله غيره! لو يجتمع عقلاء البشر كلهم، بل فلاسفتهم ومناطقهم والله ما استطاعوا أن ينقضوا هذا الجملة: لا إله إلا الله، إذ إن نقضها يكون بأحد أمرين: الأول: بأن يكون لا إله، وهذه مسخرة ومضحكة، إذ كيف لا إله وأنت مخلوق؟! ثم من خلقك؟! والكون كله موجود من أوجده؟! إن قائل هذه الكلمة يصفع على خده، إذ كيف يقول: لا إله وهو موجود؟ والثاني: أن يقول: الآلهة اثنان أو ثلاثة! وهذا والله لا دليل على ذلك، وإنما هو فقط الله وحده، فلا عيسى ولا مريم ولا غيرهما.

    مرة أخرى: لو يجتمع عقلاء البشر وتوضع بين أيديهم هذه القضية: لا إله إلا الله، وقيل لهم: حاولوا أن تنقضوها، والله ما استطاعوا، إذ إنها تنقض بأحد أمرين: الأول: بألا يكون الله موجود، وهذا مستحيل أن تنقض به، إذ لا يقول ذلك عاقل، ثم من أوجده؟! وثانياً: أن يقول: إن الآلهة متعددة! فليأت بدليل على أنهم خلقوا ورزقوا وأماتوا وأحيوا، فيبقى نص هذه القاعدة: لا إله إلا الله، فلا تنقض والله بالعقل أبداً.

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج:6]، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ [الحج:7]، ساعة الصبح آتية، والفجر قريب، والسَّاعَةَ آتِيَةٌ [الحج:7]، فتنتهي الأيام والليالي وتأتي الساعة الأخيرة، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:7]، أي: يبعثهم أحياء فيصعدون على وجه الأرض على صعيد واحد للحساب والجزاء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب لنزداد معرفة وعلماً.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: لما ذكر تعالى بعض أحوال القيامة -في الآيات السابقة- وأهوالها، وكان الكفر بالبعث الآخر هو -المانع- العائق عن الاستجابة للطاعة وفعل الخير، نادى تعالى الناس مرة أخرى ليعرض عليهم أدلة البعث العقلية لعلهم يؤمنون، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج:5]، أي: في شك وحيرة وقلق نفسي من شأن بعث الناس أحياء من قبورهم بعد موتهم وفنائهم لأجل حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا، فإليكم ما يزيل شككم ويقطع حيرتكم في هذه القضية العقدية، وهو أن الله تعالى قد خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو أبوكم آدم من تراب وبلا شك، ثم خلقكم أنتم من نطفة، أي: ماء الرجل وماء المرأة وبلا شك، ثم من علقة بعد تحول النطفة إليها، ثم من مضغة بعد تحول العلقة إليها، وهذا بلا شك أيضاً، ثم المضغة إن شاء الله تحويلها إلى طفل خلقها وجعلها طفلاً، وإن لم يشأ ذلك لم يخلقها وأسقطها من الرحم كما هو معروف ومشاهد -بين الناس- وفعل الله ذلك من أجل أن يبين لكم قدرته وعلمه وحسن تدبيره لترهبوه وتعظموه وتحبوه وتطيعوه.

    وقوله: وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج:5]، أي: ونقر تلك المضغة المخلقة في الرحم، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج:5]، وهو ميعاد ولادة الولد وانتهاء حمله، و نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج:5]، أي: أطفالاً صغاراً لا علم لكم ولا حلم، ثم ننميكم ونربيكم بما تعلمون من سنتنا في ذلك، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [الحج:5]، أي: تمام نماء أبدانكم وعقولكم، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى [الحج:5]، قبل بلوغه أشده؛ لأن الحكمة الإلهية اقتضت وفاته، ومنكم من يعيش ولا يموت حتى يرد إلى أرذل العمر فيهرم ويخرف، ويصبح كالطفل لا يعلم بعد علم كان له قبل هرمه شيئاً، هذا دليل البعث، وهو دليل عقلي منطقي، وبرهان قوي على حياة الناس بعد موتهم؛ إذ الذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، يوجب العقل قدرته على إحيائهم بعد موتهم، إذ ليست الإعادة بأصعب من البداية

    ودليل عقلي آخر هو ما تضمنه قوله تعالى: وَتَرَى الأَرْضَ [الحج:5]، أيها الإنسان! وَتَرَى هَامِدَةً [الحج:5]، خامدة ميتة لا حراك فيها ولا حياة، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء من السماء، اهْتَزَّتْ [الحج:5]، أي: تحركت، وَرَبَتْ [الحج:5]، أي: ارتفعت وانتفخت تربتها وأخرجت من النباتات المختلفة الألوان والطعوم والروائح، مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]، جميل المنظر حسنه، أليس وجود تربة صالحة كوجود رحم صالحة، وماء المطر كماء الفحل؟ وتخلق النطفة في الرحم كتخلق البذرة في التربة، وخروج الزرع حياً نامياً كخروج الولد حياً نامياً، وهكذا إلى حصاد الزرع وموت الإنسان، فهذان دليلان عقليان على صحة البعث الآخر، وأنه كائن لا محالة، وفوق ذلك كله إخبار الخالق وإعلامه خلقه بأنه سيعيدهم بعد موتهم، فهل من العقل والمنطق أو الذوق أن نقول له: لا؟ فإنك لا تقدر على ذلك قولة كهذه قذرة عفنة، لا يود أن يسمعها عقلاء الناس وأشرافهم.

    ولما ضرب تعالى هذين المثالين أو ساق هذين الدليلين على قدرته وعلمه وحكمته المقتضية لإعادة الناس أحياء بعد الموت والفناء للحساب والجزاء، قال وقوله الحق: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:6]، أي: الرب الحق والإله المعبود الحق، وما عداه فباطل، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:6-7]، ومن شك فليراجع الدليلين السابقين في تدبر وتعقل، فإنه يسلم لله تعالى ما أخبر به عن نفسه في قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:6] ]، كيف أنتم مع هذه الآيات يا أيها المؤمنون؟

    هداية الآيات

    إليكم أدلة الآيات وبراهينها، قال الشارح: [ من أدلة الآيات: أولاً: تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء على الأعمال يوم القيامة ]، تقرير وإثبات وتحقيق عقيدة البعث الآخر وهي الإيمان بيوم القيامة، والجزاء على العمل في هذه الدنيا.

    قال: [ ثانياً: بيان تطور خلق الإنسان ودلالته على قدرة الله وعلمه وحكمته.

    ثالثاً: الاستدلال على الغائب بالحاضر المحسوس، وهذا من شأن العقلاء، فإن المعادلات الحسابية والجبرية قائمة على مثل ذلك ]، بالعقل.

    قال: [ رابعاً: تقرير عقيدة التوحيد، وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، اللهم اجعلنا من صالح عبادك يا رب العالمين.