إسلام ويب

تفسير سورة الحج (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرب الله عز وجل للمشركين بالله آلهة أخرى مثلاً يدل على حقارتها وضعفها وقلة نفعها، وهو أنها لا تستطيع خلق ذباب وهو أصغر حيوان وأحقره، وحتى لو اجتمعت هذه الآلهة وتعاونت فيما بينها فلن تستطيع ذلك، حتى إن هذا الذباب الحقير لو وقع على شيء من هذه الآلهة وسلبها شيئاً مما يقدم لها من الطيب أو الطعام فلا تستطيع استخلاصه واستنقاذه منه لقلة حيلتها وهوانها وعدم قدرتها على دفع الضر عن نفسها، أو جلب النفع لها، فضلاً عن أن تدفع ضراً أو تجلب نفعاً لغيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحج المكية، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الحج:73-76].

    استحباب ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ [الحج:73]، النداء هنا من الله عز وجل، والموجه إليهم هم المشركون من العرب وغيرهم، وبخاصة مشركي أهل مكة.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، فلا يدخل في هذا النداء المؤمنون الموحدون، ولكن يدخل فيه المشركون والكافرون، فماذا يقول تعالى لهم؟ يقول لهم: ضُرِبَ مَثَلٌ وضاربه هو الله تعالى، من أجل ماذا؟ ليفهموا عنه وليقبلوا عليه وليعبدوه وحده ولا يشركوا به غيره، إذ هو الذي ضرب المثل، أي: جعله، وطلب إليهم أن يستمعوا ويتأملوا، وقد كانت عادة العرب ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان، وذلك إذا كان المعنى صعب، فيفهمه السامع ويعقله وينتفع به، قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر:27].

    فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، والمثل هو قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وهي الأصنام والتماثيل، وقد كانت حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، ولا فرق بين لفظ: الصنم والتمثال، إلا أن التمثال قد يكون من الخشب والحطب، وقد يكون من الساج والعاج، وقد يكون من الورق، يعني: صورة، والصنم تمثال له ذات معينة.

    التنديد بالشرك وبطلانه وبيان سفه المشركين

    إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: من تلك الأوثان والأصنام، وتدعون بمعنى: تعبدون، إذ الدعاء هو العبادة، وفي نفس الوقت كيف يعبدونهم؟ يذبحون الذبائح لهم، ويحلفون بهم، ويسألونهم ويستغيثون ويستعيذون بهم، وهذه هي العبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدعاء هو العبادة )، وفي حديث ضعيف: ( الدعاء مخ العبادة ).

    وقد بينت لكم هذا عدة مرات وقلت: ارفع يديك وارفع رأسك إلى السماء وقل: يا رب! فماذا نقرأ عن هذه الصورة؟ هذا العبد والله إنه لفقير، فما الدلالة على فقره؟ رفع كفيه ضارعاً وسائلاً، وثانياً: هذا العبد موقن أن ربه عز وجل فوق سماواته، فلهذا رفع كفيه إليه، وثالثاً: هذا العبد موقن أن الرب تعالى يراه ويسمع صوته ونداءه، فلهذا رفع كفيه إليه وقال: يا الله! ورابعاً: هذا العبد لو كان يعلم أن هناك من يعطيه حاجته، ومن يقضيه حاجته، ومن يكرمه لرفع كفيه إليه ولقال هكذا أو هكذا، ولكن رفع يديه فقط إلى الله، فهو موقن أنه لا يوجد في الكون من يقضي حاجته إلا الله تعالى.

    فلهذا كان الدعاء هو العبادة، ومع الأسف، ووا حزناه! ووا أسفاه! فإن الملايين ممن ينتسبون إلى الإسلام والرسول الكريم يسألون الأولياء ويدعونهم ويستغيثون بهم: يا سيدي فلان! يا مولاي فلان! يا كذا! أنا في حماك، أنا دخيلك، اسأل لي كذا! فيواجهون الموتى بالأسئلة التي ما واجهوا الله بها! وهذا قد عم العالم الإسلامي في قرون الظلام والجهل، وما زالت بقايا إلى اليوم.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، بالدعاء والضراعة والسؤال والعبادة، فإن حالهم وضعفهم وعجزهم: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ، أي: هذه الآلهة لو اجتمعت وعزمت على خلق ذبابة واحدة والله ما قدرت، والذبابة تعرفونها، إذ هي حيوان صغير عفنة ضعيفة قذرة تنبت من الخرء والخبث، فلو اجتمعت الآلهة كلها على خلقها والله ما خلقت، ولو اجتمعوا على أن يخلقوا ذباباً ما قدروا عليه، فهل يجوز إذاً أن تطلب منهم الدينار والدرهم؟ وتطلب منهم النصرة والعون والقدرة وهو عاجز عن خلق ذبابة؟ وليس صنماً واحداً، بل كل الآلهة المعبودة من دون الله لا تستطيع أن تخلق ذباباً، بل ولو اجتمعوا على خلقه والله ما قدروا عليه.

    وقد بينا هذا مرات وقلنا: لو تجتمع البشرية كلها من إندونيسيا إلى اليابان إلى الأمريكان على خلق ذبابة والله ما استطاعوا، حتى لو اجتمعوا على خلق قملة ما استطاعوا، فضلاً عن خلق إنسان أو حيوان، وقد صوروا صوراً وجعلوا فيها الكهرباء وغير ذلك من التكنولوجيا، لكن لا حياة ولا روح فيها، إذاً: لمن الخلق؟ لله عز وجل، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:54-55].

    وما زلنا مع هذا المثل الذي ضربه الله للمشركين علهم يتوبون ويرجعون، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، ما هو؟ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وفي قراءة: (تعبدون من دون الله)، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ .

    ثم قال تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ، فقد كان المشركون يطلون آلهتهم بالزعفران والعطر وبمواد طيبة، فيأتي الذباب ويقع عليها ويسلبها، فهل يستطيعون أن يستردوها؟ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا ، مما عليهم في تلك الصور، هل يستطيعون إنقاذه؟ والله ما يستطيعون، لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ .

    ضعف العابد المشرك والمعبود الصنم

    وأخيراً يقول تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، فالطالب هو الذباب، والمطلوب هو الأصنام، فالذباب ضعيف، والأصنام حجارة مطلاة بالزعفران أو بالعطر وهي ضعيفة، وفي نفس الوقت ضعف الطالب وهو الداعي إلى الأصنام، والمطلوب وهو الأصنام، واللفظ يحمل المعنيين تمام الحمل، وصدق الله العظيم ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، أي: ضعف الطالب الذباب هو الذي يريد، أو المطلوب الصنم هو الذي يأخذ عطره، أو أراد الصنم أن يطرد الذباب فلم يستطع، وفي نفس الوقت ضعف المشركون وضعفت آلهتهم، إذ الكل لا يقدرون على شيء، فهذا معنى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ، إذاً، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

    ومن هنا والله ما صح لعبد أن يسأل غير ربه حاجته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي في الصالحين، فضلاً عن القبور والأحجار والنباتات، وإنما الذي ترفع إليه الأكف ويسأل هو الله السميع الدعاء القريب المجيب، أما الإقبال على غير الله فهو ضياع وخسران وجهل مركب، ولكن أكثر الذين وقعوا ما فهموا هذه الآية ولا سمعوها ولا تدارسوها فيما بينهم، والآن أيها الحاضرون! هل فينا من يستطيع أن يقول: يا رسول الله! أعطني كذا؟! والله لا يستطيع أن يقول ذلك؛ لأنه يستحي من الله تعالى ورسوله، إذ الذي يدعى ويطلب ويسأل هو الله جل جلاله، أما غير الله فلا يعطي ولا يمنع، فالضار والنافع هو الله عز وجل.

    وإن قلت: إذاً كيف نتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ اجلس في مصلاك وصل عليه مائة مرة أو ألف مرة وقل: يا رب! لقد صليت لك على نبيك فاقضي حاجتي، واستن بسنته في كل حياتك، واسأل الله متوسلاً إليه باستنانك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ التوسل معاشر المستمعين! يكون بأقوال وأعمال ونيات يحبها الله عز وجل، فإذا فعلتها لوجه الله فاسأل حاجتك، وليس ببعيد أبداً أن تتوضأ وتقوم وتصلي ركعتين في بيتك أو في المسجد، وأنت تريد أن يقضي الله حاجتك، والله لهي الوسيلة، وليس بقريب أو ببعيد أبداً أن تجلس وتقرأ سورة من كتاب الله في المصحف، ثم قل: رب! تلوت كتابك تقرباً وتزلفاً إليك، يا رب! اقضي حاجتي، والله لتعطى حاجتك، لكنه الجهل سبب هذا الضلال، فهذا الله تعالى يضرب لهم المثل ليوضح لهم الطريق ويبين لهم السبيل، ومن ثم والله آمن من آمن، ووحد من وحد، وأصبحوا أولياء الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز)

    قال تعالى: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74].

    مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، أي: أولئك الذين عبدوا معه غيره، أولئك الذين رفعوا أكفهم إلى سواه، أولئك الذين علقوا قلوبهم بغيره، فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره، ونحن والله ما قدرناه حق قدره، إذ والله لو قدرناه فإننا إذا ذكرناه ارتعدت فرائصنا وقد يغمى علينا، وذلك لما نذكر جلاله وعظمته وكماله، ولما نذكر أن أرواحنا بيده، وأنه خالقنا وخالق كل شيء، وأنه يقول للشيء: كن فيكون، كيف نقدره حق قدره؟ لو نبكي طول الدهر ما يجدي ذلك ولا ينفع، ولو نخر ساجدين ما أدينا لله حقه، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، كيف تقدره حق قدره؟ لو نبكي طول الدهر، ولو نسجد فلا نرفع رءوسنا أبداً فما قدرنا الله حق قدره، ولكن مع الأسف شبهوه بخلقه وعبدوا الأصنام والتماثيل، وأقبلوا على الأهواء والشياطين.

    إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، فالقوي هو القادر على فعل كل شيء، والعزيز هو الذي لا يمانع في شيء يريده، ولا يستطيع أحد أن يمنعه أو يحول بينه وبين ما أراده أبداً، وهذا من وصف الله وحده، إذ هو القوي العزيز، فكيف يقبلون على أحجار وقبور وتماثيل وأصنام مصنوعة باليد محتاجة إليهم؟! فالذباب إن وقع عليها ما يطردونه، فكيف يتركون الله العلي العظيم؟! القوي العزيز؟! سبحان الله! إن هذه ظلمات الجهل، لكن لما بعث الله فيهم رسوله وأنزل عليهم كتابه، ففي خلال خمسة وعشرين سنة فقط والديار كلها تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ننسى أن هذه الدعوة الإسلامية التي انتشرت في هذه الظروف من ستين أو سبعين سنة قد خف الشرك بصورة عجيبة، إذ قبل سبعين سنة ما في بلد ما فيه قبر يُعبد أبداً، لكن الحمد لله فقد زال الجهل وحل محله العلم، فذهبت تلك الضلالات والترهات، وبقي ما بقي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ...)

    قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75].

    اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، فالآيات الأولى من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ [الحج:73]، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، في تحقيق وتقرير لا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يُعبد إلا الله تعالى، وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والآية: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، تقرر أن محمداً رسول الله، وهذا هو باب الدخول في الإسلام، أي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    وقد قال الكافرون والمشركون: أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [ص:8]؟ أي: كيف ينزل عليه القرآن من بيننا؟! فأخبر تعالى أنه يصطفي رسلاً من الملائكة وليس من البشر فقط، فيصطفي ويختار ويجتبي وينتقي رسلاً من الملائكة، وذلك كجبريل عليه السلام، إذ إنه رسول الله إلى رسل الله، فهو الذي يأتيهم بأخبار الله وما يريد منهم، مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ أيضاً، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، بل نوح فإبراهيم فموسى فعيسى فمحمد صلى الله عليه وسلم، فكل هؤلاء رسل الله، فلم يعجبون من كلمة: أني رسول الله إليكم؟

    اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ، ويختار ويرسل وينبئ، لكن جهلهم جعلهم يقولون: كيف يكون رسولاً من البشر؟ قال تعالى: أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر:24]، قالها قوم صالح أو عاد أو هود.

    والشاهد عندنا تقرير النبوة المحمدية، وقد علمتم أن السور المكية تعمل على هذا، أي: تقرير التوحيد وإثبات النبوة والبعث الآخر، فالله تعالى يقول: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ، والاصطفاء هو الاختيار والاجتباء، وقد اصطفى من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، فيختار من يشاء، ويرسلهم في مهمات يريدها لهم، ويصطفي من الناس ما شاء أن يصطفي، فقد اصطفى ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أما الأنبياء الذين ينبئهم ويعلمهم بطريق الوحي ولا يرسلهم رسلاً فهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، وبهذا جاء الحديث النبوي، فلماذا ينكر الناس أن يكون محمداً رسول الله؟ وأي داعٍ لهذا الإنكار؟ الداعي إليه هو العادات والمحافظة عليها، والأطماع الدنيوية والشهوات والأهواء حتى يبقى الوضع كما هو، فيسعدون فيه كما يريدون، وإلا فأي داع إلى أن يكذبوا رسول الله، سواء كان محمداً أو صالحاً أو هوداً؟ فقط هي أحوال معروفة منها: التقليد الأعمى، واتباع الأجداد والآباء، والمحافظة على الوضع الذي هم عليه.

    اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ واصطفى من الناس من؟ محمد صلى الله عليه وسلم، إذ هو المصطفى والمختار والمجتبى من بين البشرية، فقد اصطفاه وأرسله إلى الناس كافة أبيضهم وأصفرهم وإلى يوم القيامة، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:28]، فما مهمته؟ البشارة بالخير، بالسعادة في الدارين لمن آمن واتبعه، والنذارة لمن كفر به ومشى وحده.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75]، أي: سميع لأقوال عباده، سميع لأصواتهم، سواء كانوا ملائكة أو بشراً أو حيوانات، إذ هو سميع يسمع كل صوت في الكون، وهذا الذي ينبغي أن يُدعى ويسأل، أما الذي تقف له ساعة بعد عشرين يوماً: يا سيدي فلان! والله ما يسمعك، فكيف تدعو من لا يسمعك؟! بل لو وقفت كذا يوماً والله سمعك، فهل يجوز أن تدعوه؟ إنه خطأ وضلال عقلي.

    ثم هل هذه الأصنام والتماثيل والصلبان المعلقة في الأعناق تعرفك وتسمعك وتبصرك؟ كيف تعبدها؟ إننا في حاجة إلى من يسمع نداءاتنا، إلى من يسمع دعاءنا، إلى من يبصر حالنا ويعرف عجزنا وضعفنا، ويعرف ما نحن في حاجة إليه، أما الذي لا يسمع ولا يبصر كيف ندعوه؟ كيف نعبده؟ كيف نطرح بين يديه؟ كيف نخر على ركبنا ساجدين جاثمين كما يفعل المشركون؟ كل هذا جهل وضلال والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ...)

    قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الحج:76].

    يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ، أي: يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، يعلم ما مضى وما سيأتي، ما بين أيدينا في المستقبل، وما خلفنا من وراءنا، لا يخفى عليه من أمر الكون شيئاً، فهذا الذي نقول: لا إله إلا هو، والله لا إله إلا الله، هذا الذي يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، ما بين يدي الملائكة وما خلفهم، ما بين أيدي الرسل وما خلفهم، ما بين يدي البشر وما خلفهم، هذا الذي يجب أن يحب وأن يعظم وأن يبجل وأن يطاع وأن يعبد، أما مخلوق مثلنا هابط ساقط من الأحجار والنباتات كيف يقبل عليه ويدعى ويسأل ويتقرب إليه؟

    وإن قلتم: كيف هذا؟ الآن ملايين البشر ما يعبدون الله ولا يطرحون بين يديه، ولا يسألونه ولا يعرفونه ويعبدون شهواتهم وأطماعهم ودنياهم، وذلك من اليابان إلى الأمريكان، إلا أفراداً من المؤمنين المسلمين، وكذلك الصليبيون الذين ما زالوا صليبيين، أما الذين ابتلعتهم الشيوعية وأصبحوا علمانيين بلاشفة فلا يؤمنون بالله ولا بعيسى ولا بصليب، وإنما بهائم من شر الخليقة كالقردة والخنازير، والذين في أعناقهم صلبان ما عرفوا الله تعالى، فكيف يعلقون الصليب ويعبدونه؟ وهم يعرفون أن اليهود قد قتلوا عيسى وصلبوه، أعوذ بالله من هذا الفهم!

    وأخيراً: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الحج:76]، فالهداية والضلال، والإسعاد والشقاء، والعطاء والمنع، والطهر والصفاء، كل هذه الأمور مرجعها إلى الله عز وجل، فلهذا ما لنا إلا هو، وليس عندنا من نركع ونسجد إلا له، وما عندنا من نقبل عليه في صدق سائلين ضارعين إلا هو، وما لنا من نخافه ونرهبه ونحن نعلم أنه معنا يرانا ويسمعنا إلا هو، والله نسأل أن يتوفنا على هذه الحال، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب فتأملوا! ‏

    معنى الآيات

    قال الشارح غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم:[ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين ]، من أول السورة، قال: [ يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، أي: يا أيها المشركون بالله آلهة أصناماً! ضرب لآلهتكم في حقارتها وضعفها وقلة نفعها مثل رائع فاستمعوا له، وبينه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، من أوثان وأصنام، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ، وهو أحقر حيوان وأخبثه، أي: اجتمعوا واتحدوا متعاونين على خلقه، أو لم يجتمعوا له، فإنهم لا يقدرون على خلقه، وشيء آخر وهو إن يسلب الذباب الحقير شيئاً من طيب آلهتكم التي تضمّخونها به، لا تستطيع آلهتكم أن تسترده منه، فما أضعفها إذاً وما أحقرها إذا كان الذباب أقدر منها وأعز وأمنع! ]، وكيف تعبد إذاً؟

    قال: [ وقوله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، أي: ضعف الصنم والذباب معاً كما ضعف العابد المشرك والمعبود الصنم، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:74]، أي: قوي قادر على كل شيء، عزيز: غالب لا يمانع في أمر يريده، فكيف ساغ للمشركين أن يؤلهوا غيره ويعبدونه معه ويجعلونه له مثلاً؟! هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية.

    وقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ، هذا رد على المشركين عندما قالوا: أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [ص:8]، وقالوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:94]، فأخبر تعالى أنه يصطفي، أي: يختار من الملائكة رسلاً كما اختار جبرائيل وميكائيل، ومن الناس كما أختار نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ، لأقوال عباده طيبها وخبيثها، بَصِيرٌ [الحج:75]، بأعمالهم صالحها وفاسدها، وعلمه بخلقه، وبصره بأحوالهم وحاجاتهم، اقتضى ]، أي: هذا العلم، [ أن يصطفي منهم رسلاً ]، ويبعثهم إليهم.

    قال: [ وقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ، أي: ما بين أيدي رسله من الملائكة ومن الناس، وما خلفهم ماضياً ومستقبلاً؛ إذ علمه أحاط بكل شيء، فلذا حق له أن يختار لرسالاته من يشاء، فكيف يصح الاعتراض عليه لولا سفه المشركين وجهالاتهم؟!

    وقوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الحج:76]، هذا تقرير لما تضمنته الجملة السابقة من أن لله الحق المطلق في إرسال الرسل من الملائكة أو من الناس، ولا اعتراض عليه في ذلك؛ إذ مرد الأمور كلها إليه بدءاً ونهاية، إذ هو ربّ كل شيء ومليكه، لا إله غيره ولا رب سواه ].

    هداية الآيات

    والآن مع هداية هذه الآيات، قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان ]، فأيما شخص يتحدث مع آخ ولا يفهم عنه ما يريد، فله أن يضرب له مثلاً، فيقول له مثلاً: لو كان كذا لحصل كذا، وذلك حتى يفهم المعنى، ولهذا فقد ضرب الله الأمثال في كتابه ليفهم الناس ما أراد الله منهم.

    قال: [ ثانياً: التنديد بالشرك وبطلانه وبيان سفه المشركين ]، إذ كيف يقبلون على أحجار وأصنام وقبور فيبكون عندها ويدعون؟! أي سفه أعظم من هذا؟ وأي جهل أعظم من هذا؟ ولا يرفعون أكفهم إلى من فوق السماء: يا الله! يا الله!

    قال: [ ثالثاً: ما قدر الله حق قدره من سوى به أحقر مخلوقاته، وجعل له من عباده جزءاً وشبهاً ومثلاً ]، ما قدر الله حق قدره إنسان ماذا فعل؟ سوى الله تعالى بمخلوقاته أو ببعض مخلوقاته، فيدعوهم كما يدعوه، ويتقرب إليهم كما يتقرب إليه، فهذا والله لسفه عجيب وعظيم والعياذ بالله.

    قال: [ رابعاً: إثبات الرسالات للملائكة وللناس معاً ]، في الآية إثبات الرسالات للملائكة وللأنبياء، وهذا لا يشك فيه ذو دين، فجبريل رسول الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا يرسل الله من يشاء من الملائكة، والله يرسل من البشر رسلاً، فقد أرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ خامساً: ذكر صفات الجلال والكمال لله تعالى المقتضية لربوبيته والموجبة لألوهيته، وهي القوة والعزة، والسمع والبصر لكل شيء وبكل شيء، والعلم بكل شيء ]، أي: صفات الله عز وجل كأسمائه كلها مظاهر هذا الجلال والكمال للرب تبارك وتعالى، اللهم اجعلنا من أوليائك وصالحي عبادك، اللهم اجعلنا من أوليائك وصالحي عبادك، وتوفنا وأنت راض عنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.