إسلام ويب

تفسير سورة الحج (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو المستحق للعبادة، فهو سبحانه الذي أحيا الأرض بالماء بعد أن كانت جدباء، وسخر لعباده كل ما على هذه الأرض من الأنعام والأقوات وغيرها، وسخر الفلك التي تجري في البحر بما يحملون عليها من متاع وأرزاق، وجعل السماء سقفاً للأرض وأمسكها أن تقع عليها، ثم هو سبحانه من وهب البشر حياتهم الأولى من أجل العمل والكسب، ثم يميتهم بعد ذلك، ثم يهبهم الحياة الأخرى الأبدية التي يكون فيها الحساب والجزاء على العمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحج المكية المدنية، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ [الحج:63-66].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات مكية نزلت بمكة لتعرف المشركين بربهم، فإنهم إذا عرفوه ما أشركوا به، إذ والله ما عرف الله أحد ثم أشرك به، ولكن ظلمة الجهل نشأ عنها الكفر والشرك، ولو أزيلت تلك الظلمة وتجلت حقائق العلم والمعرفة لآمنوا ووحدوا، وإلى الآن وبعد الآن، فالكافرون والمشركون والفاسقون والفاجرون والظالمون كلهم مصابون بظلمة الجهل، أي: ما عرفوا الله تعالى حتى يحبوه ويخافوه ويرهبوه ويطيعوه ويعبدوه، وهذه الآيات تعرف بالله عز وجل معرفة أكثر من معرفتنا لأنفسنا، لكن لمن تأمل وتدبر وتفكر وأصغى واستمع.

    يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ [الحج:63]، أي: ألم تعلم أيها الإنسان! ألم تر يا رسولنا! أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الحج:63]، هل هناك من ينكر نزول الأمطار في الشرق والغرب في الليل والنهار؟ هل هناك من ادعى أنه ينزلها؟ هل هناك قبيلة من بني فلان ينزلونها أو الحكومة الفلانية تنزلها؟ ما للعالم معرض عن ربه؟! من خلق هذا الماء؟ من أوجده؟ من أنزله؟ فما دمنا لم ننزله ولا آباؤنا ولا جيراننا ولا الظلمة ولا الكفرة، إذاً فمن أنزله؟ ليس لك إلا أن تقول: الله تعالى، ولا توصف بالجهل ولا بالعمى ولا بالضلال.

    ألم ينته إلى علمك يا عبد الله! أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج:63]، أرض جافة يابسة ميتة ينزل عليها الماء من السماء فإذا بها تهتز، وإذا بها خضرة بالأعشاب والنباتات، فمن يحيي هذه الأرض بعد موتها؟ أصابع البشر تستطيع أن تحول التراب إلى زهور وأنهار؟ مستحيل، الآلهة المدعاة المزعومة التي تعبد مع الله تقوى على هذا وتستطيعه وتقدر عليه؟ لا والله، فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج:63]، أي: مشاهدة الخضرة، وذلك بأنواع من الفواكه والخضرة والنباتات.

    إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ [الحج:63]، بعباده، خَبِيرٌ [الحج:63]، بأحوالهم عليم بهم، ومن مظاهر علمه ولطفه: أن ينزل ماء من السماء لأجل أن يعيشوا ويسعدوا في حياتهم هذه، إنها صفتان من صفات الله: اللطف والقدرة الكاملة، فهل غير الله لطيف خبير؟ دلوا البشرية عن لطيف وخبير غير الله تعالى، والله لا أحد إلا الله تعالى، فلم إذاً لا نعبده وحده؟ لم نعرض عن عبادته ونعبد غيره؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد)

    قال تعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحج:64].

    ثانياً: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الحج:64]، من يشارك الله في كوكب من الكواكب؟ من يملك ربع الشمس أو نصف القمر؟ من يملك سحابة في السماء؟ لا أحد، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الحج:64]، خلقاً وإيجاداً وتدبيراً وملكاً وتصريفاً، إذاً كيف لا يعبد هذا؟ كيف لا يتعرف إليه؟ كيف لا يسأل عما يحب لنحبه، وعما يكره لنكره؟ كيف نعرض ونعطي أدبارنا ولا نريد أن نصغي فنعيش كالبهائم نأكل ونشرب وننكح؟ هل هذه هي الحياة التي خلقنا لها؟ ما علة وجودنا؟ ما سر هذه الحياة؟ نسأل حتى نعلم ونعرف، إن خالقها يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وعبادة الله تعني طاعته مع الذل والاستكانة والصغار بين يديه، مع حبه وحب ما يحب وكره ما يكره، لَهُ [الحج:64]، وحده، مَا فِي السَّمَوَاتِ [الحج:64]، من الكائنات، وَمَا فِي الأَرْضِ [الحج:64]، من الكائنات.

    وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحج:64]، فغناه مطلق، فمن هو الغني بينكم؟ الذي لا يحتاج إليكم، والله عز وجل يحتاج إلى مخلوقاته؟ لا والله، بل المخلوقات كلها محتاجة إليه، وهذه صفات الجلال والكمال، وهذا الإنعام، وهذا الإفضال، وهذا الإحسان، وهذا الخلق، وهذا الإيجاد، ألا يستوجب منا حمده ومدحه؟ هو المحمود، وهو الغني الحميد سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ...)

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج:65]. ‏

    بيان إنعام الله وإفضاله على خلقه

    ثم واجه رسول الله مرة أخرى -وكل عاقل يسمع- فقال: أَلَمْ تَرَ [الحج:65]، أي: ألم ينته إلى علمك يا عبد الله! ألم تر يا رسولنا! أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ [الحج:65]، من ينكر هذا فيقول: لا، ما سخر لنا شيئاً! فهذه الإبل وهذه الأبقار وهذه الأغنام وهذه الطيور وهذه الجبال وهذه المياه وهذه الأنهار، بل وكل هذه المخلوقات، من ذللها؟ من سخرها؟ من أوجدها؟ أليس الله؟ بلى، ثم لماذا أوجدها وسخرها؟ والله من أجل الآدميين، والله من أجل بني الناس، إذاً كيف يكفرون به؟ كيف لا يحبونه؟ كيف لا يعظمونه ولا يجلونه؟

    والجواب: ما عرفوه، إذ إنهم يعيشون في ظلمة الجهل، بل وما حاولوا إزالة هذا الجهل، فما قرعوا أبواب أهل العلم، ولا سافروا إليهم في الشرق ولا في الغرب، وسألوهم عن خالق هذا الكون المدبر لهذا الملكوت، من هو؟ ما اسمه؟ كيف نطيعه؟ كيف نحبه؟ وإنما مشغولون بالأكل والشرب والنكاح كالبهائم، بل ووالله لهم شر من البهائم، لعلي واهم؟ أما تكرر على أسماعكم قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]؟ و(الْبَرِيَّةِ) بمعنى: الخليقة، فمن شر الخلق؟ القردة والخنازير؟ لا، والله إنهم الكفرة والمشركون، أما القردة والخنازير فهكذا خلقهم الله تعالى لحكم عالية، فما عصوا الله ولا كفروا به، ولكن هذا المخلوق الذي خلق الله كل شيء من أجله يكفر به ويتجاهله ليمشي في طريق الشيطان ويعبده والعياذ بالله.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ [الحج:65]، أي: من أجلكم، إذ ليس هو بمحتاج إلى شمس ولا قمر ولا تمر ولا ثمر، بل أنتم المحتاجون الضعفاء، سَخَّرَ لَكُمْ [الحج:65]، ماذا؟ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ [الحج:65]، سخرها بأمره، تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [الحج:65]، وإن قلت: كيف سخر لنا الفلك في البحر؟ فأقول: أصابع النجار الذي نجر أخشابها من صنعها؟ والعلم والبصيرة التي حملته على أن يجمع الأخشاب ويصنع سفينة، من وهبه ذلك؟ والأخشاب والحديد من أوجده؟ والماء من أوجده؟ كل ذلك الله، إذاً فالله هو الذي سخر لنا الفلك تجري في البحر، ولو شاء والله ما جرت ولا سارت في البحر، ولكن من أجل إكرامنا وإسعادنا في دنيانا سخر لنا الفلك تجري في البحر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فتحمل البضائع والتجارات وما إلى ذلك، فمن فعل هذا؟ سيدي عبد القادر ؟ عيسى عليه السلام؟ الحجر؟ الصنم؟ لا جواب إلا الله تعالى، أحبوا أم كرهوا.

    مظاهر قدرة الله تعالى في إمساك السماء أن تقع على الأرض

    أَلَمْ [الحج:65]، أيها العاقل! أيها الإنسان! أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ [الحج:65]، فأسألكم بالله! لو سقطت الشمس عليكم هل تبقون لحظة؟ من أمسك الشمس؟ أما تمر بكم على دياركم كل يوم؟ لو نزلت قليلاً ماذا بقي؟ انتهى الوجود، وهذه الأفلاك وهذه الكواكب وهذه السماء من أمسكها حتى لا تقع على الأرض وتدمر الوجود؟ هل هناك من يقول: فلان أو فلان سوى الله فعل ذلك؟! والله ما هو إلا الله تعالى، فلمَ لا يفكرون في هذا وينظرون؟ فيشاهدون الشمس بأنوارها وبحرارتها والقمر ما يقولون: من خلق هذا؟ أو لمَ خلق هذا؟ هيا نسأل عمن خلق هذا حتى تعرف أن هذا عليم، هذا حكيم، هذا جبار، هذا عظيم، يجب أن يحب، ويجب أن يطاع ويرهب.

    والجواب: والله إن الشياطين مستولية على قلوب الجاهلين، فلو تضع بين يديه كأس حليب فإنه يسأل من أين هذا الحليب؟ ولو تعطيه حفنة تمر فإنه يقول: من أين جاءت؟ ولو تعطيه ثوباً سيقول: كيف؟ فلا يمكن أبداً أن يلبس أو يأكل فلا يقول: لماذا؟ بينما هو موجود لا يقول: من أوجدني؟ ولم أوجدني؟ نسأل أهل العلم في الهند أو في السند أو في الشرق أو في الغرب.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ [الحج:65]، أي: ذلل لكم، مَا فِي الأَرْضِ [الحج:65]، تنتفعون به، وَالْفُلْكَ تَجْرِي [الحج:65]، أيضاً سخرها بأمره في البحر، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ [الحج:65]، أي: حتى لا تقع على الأرض، إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج:65]، لو أراد أن تقع لوقعت، بل وهناك صواعق في السماء بالملايين، فلو أراد الله أن يسقطها على البشرية لهلكت، لكنه تعالى أمسكها حتى لا تقع على البشرية فتدمرها.

    رأفة الله ورحمته بخلقه

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ [الحج:65]، أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم، كافرهم ومؤمنهم، بارهم وفاجرهم، لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج:65]، فلولا رأفته لكان كل من عصاه أذابه، وكل من خرج عن طاعته أحرقه ولا يسمح له بالبقاء، لكنه رءوف رحيم، وهذه مظاهر الرأفة والرحمة، فهم يعصونه ويفسقون عن أمره ويسبونه ويكفرون به ويقتلون أولياءه وأنبياءه، ومع هذا لا يسخط عليهم فينزل العذاب على الفور، وإنما يمهلهم ليتوب من يتوب، ويرجع من يرجع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور)

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ [الحج:66]. ‏

    إحياء الله عز وجل لعباده مرة للعمل ومرة للجزاء

    وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ [الحج:66]، فأسألكم بالله! أحياء أم أموات؟ أحياء، فمن أحياكم؟ الله جل جلاله، كنا نطفة قذرة من ماء، فكيف تحولت إلى مضغة؟ ثم كيف نفخت فيها الروح وأصبحت تسمع وتبصر وتقول وتأخذ وتعطي؟ ومن وهبنا هذه الحياة؟ إنه الله جل جلاله وعظم سلطانه، الَّذِي أَحْيَاكُمْ [الحج:66]، حقاً وصدقاً، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الحج:66]، وقد صليتم الآن على رجلين وطفل، فمن أماتهم؟ الذي أحياهم، ولذلك الذي أحيانا والله ليميتنا، أحببنا أم كرهنا، رضينا أم سخطنا، فكيف لا نسأل عن الله تعالى؟! وكيف ما نتعرف عليه؟! وكيف لا نسأل عن أنبيائه وصالح عباده حتى نعرف ربنا؟! كأنهم صم وعمي وبكم من شرق الدنيا إلى غربها، فماذا تقولون في أوروبا واليابان والصين والأمريكان بل والعالم كله عندما لا يسألون عن الله تعالى ولا يتعرفون إليه؛ خشية أن يقال: صلوا؟! إنهم لا يريدون أن يقال لهم: تجنبوا المسكرات، ابتعدوا عن الخلاعة والدعارة والفسق والفجور، وإنما يتصاممون ويتعامون ويبقون هكذا حتى ينتهي بهم واقعهم إلى الخلد في عذاب أبدي لا نهاية له.

    وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ، أولاً، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، هل هناك من يقول: لا نموت؟ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ، وإن قلت: كيف يحيينا؟! الذي أماتك ما يقدر على إحيائك؟ والذي قدر على إيجادك يعجز على إماتتك؟ ما دام أنه لم يعجز عن إماتتك إذاً فلمَ تقول: لا يحييني؟ استح واخجل، ثم عجباً كيف يكذبون بالحياة الآخرة وهم يعرفون أنه سبق حياتان وموتتان؟ أما كان غير موجود ثم أوجده ثم أعدمه ما يعيده مرة ثانية؟! إنه لا يكذب بالحياة الثانية إلا أحمق أو مجنون، فإن قيل: لا يا شيخ! إنهم لا يريدون أن يعبدوا الله تعالى، إذ الشيطان لا يرضى لهم بذلك، وإنما يريدوا منهم أن يقولوا وأن يأكلوا وأن يشربوا وأن يتصرفوا كالبهائم، فلا يريدون آداباً ولا شرائع ولا أخلاقاً يقفون عندها ويتخلقون بها؛ لأنهم لو أرادوا ذلك لدخلوا في الإسلام وعرفوا الله سبحانه وتعالى!

    وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي: الحياة الأخيرة، الحياة الباقية الدائمة، فيا أهل الحلقة زادكم الله علماً! اعلموا أن علة هذه الحياة الأولى هي العمل، وعلة الحياة الثانية هي الجزاء، فهذه الأسرار التي لا تنسى، لم خلقنا؟ للعبادة وللعمل، ولم يميتنا؟ ليجزينا سبحانه وتعالى.

    الكفر من طبع الإنسان وفطرته

    وأخيراً: إِنَّ الإِنسَانَ ، والإنسان هو أنا وأنتم، بنو آدم كلهم، آدم وذريته، إِنَّ الإِنسَانَ ، صفه لنا يا رب! لنعرفه، قال: لَكَفُورٌ [الحج:66]، وهنا معاشر المستمعين والمستمعات! يا من فتح الله عليهم وعرفوا الطريق إلى الله! اعلموا أن الإنسان مطبوع على الظلم والكفر والجهل والعياذ بالله، إذ من طبعه أنه ظلوم كثير الظلم، وجهول كثير الجهل، وكفور كثير الكفر.

    قال تعالى في سورة إبراهيم: إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، حتى قال عمر: يا رب! اغفر لي ظلمي وكفري، ومن سورة الأحزاب وخاتمتها: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ، لم؟ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، والإنسان هلوع وخواف فزع، لا يصبر للخير ولا للشر، واقرءوا: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:19-21]، أعوذ بالله! ما أقبح هذه الصفة! إذا مسه الشر يصرخ ويندم، وإذا مسه الخير يمنعه فلا يريد أن يعطي أحداً حتى حبة تمر أو عنب، فهذا هو الإنسان.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هناك وصفة طبية ربانية استعمالها هو الذي يعالج هذه الأدواء العظيمة من الظلم والجهل والهلع والكفر والعياذ بالله، وهذه الوصفة هي من سورة المعارج، إذ يقول الله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ [المعارج:19]، والإنسان هو أنا وأنت وأمي وأمك وأبي وأبوك، خُلِقَ [المعارج:19]، فطرة، هَلُوعًا [المعارج:19]، فما معنى هلوعاً؟ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا [المعارج:19-22]، أي: أصحاب هذه الوصفة الطبية التي إن استعملناها نجحنا والحمد لله، فلا ظلم ولا كفر ولا جهل ولا هلع.

    أولاً: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:22-23]، فإن صليت وداومت على صلاتك فقد استعملت حبة من هذا الدواء، ولا تكفي وحدها، بل لا بد من باقي الدواء، كالطبيب لما يصف لك وصفة دواء لا تكتفي بجزء منها، أو تقول: نكتفي باثنين أو ثلاثة!

    ثانياً: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، أي: أن تخرج الزكاة وتتصدق بما زاد وفاض عن حاجتك، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ [المعارج:24-25]، الذي يسأل، وَالْمَحْرُومِ [المعارج:25]، الذي لا يسأل، فأولها الزكاة ثم الصدقات.

    ثالثاً: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26]، أي: أن تؤمن إيماناً كاملاً يقينياً بأنك ستبعث حياً وستسأل وتجيب وتجزى على كسبك في هذه الدنيا، وهذا والله ما يقوى على أن يديم على معصية الله تعالى، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26] أي: يوم الجزاء والحساب، وهو يوم القيامة.

    رابعاً: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27]، لماذا؟ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28]، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27]، فإذا نظر نظرة محرمة، أو تكلم بكلمة سوء، أو أساء إساءة معينة، فإنه يرتعد ويخاف من عذاب الله تعالى؛ لأن عذاب الله غير مأمون أبداً، إذ من أمننا حتى لا نمرض ولا نصاب بالبلاء؟ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27]، لماذا؟ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28]، من أمننا أننا لا نمرض غداً أو لا نموت الليلة؟ إن هذا الإشفاق هو الذي يجعلهم لا يستطيعون الخروج عن طاعة الله ورسوله أبداً.

    خامساً: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29]، والفرجان معروفان، والذين هم لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29]، اللهم، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:30-31]، والرسول الكريم يقول: ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة )، والمراد ما بين اللحيين: اللسان، وما بين الرجلين: الفرجين.

    إذاً الذين لا يزنون ولا يلوطون هم لفروجهم حافظون، اللهم إلا على زوجاتهم ومماليكهم -وقد انتهت هذه إذ لا وجود لها- فإنهم غير ملومين، إذ يطأ امرأته ولا حرج، ويطأ جاريته ولا حرج.

    فَمَنِ ابْتَغَى [المعارج:31]، أي: طلب، وَرَاءَ ذَلِكَ [المعارج:31]، أي: الذي ذكر، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج:31]، المعتدون الخارجون عن حدود الله تعالى، والمتعرضون لسخط الله وعذابه.

    سادساً: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:32]، فهو طول الحياة يرعى إبله وماله وأولاده، ويرعى عهده وأمانته، وقد يبيت يقضاناً يرعى في هذه الأمانة حتى لا تؤخذ منه، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ [المعارج:32]، والأمانات جمع: أمانة، ومن أعظم الأمانات هذه العبادات التي ائتمننا الله عليها، إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا [الأحزاب:72]، من؟ الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72].

    وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ [المعارج:32]، أي: وعهودهم، رَاعُونَ [المعارج:32]، كما يرعى الراعي غنمه ويحفظها من الذئب وغيره، فإذا ائتمنته بكلمة فقط يحافظ عليها ويرعاها، أو وضعت في ثوبه درهماً واحداً، أو وضعت في بيته ثوباً واحداً يرعاه أكثر مما يرعى نفسه، وهذا هو شأن الأحياء البصراء المشافون المعافون أصحاب هذه الأدوية.

    سابعاً: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33]، فإذا شهدوا شهادة فإنهم يقيمونها بلا ميلان ولا اعوجاج ولا تقديم ولا تأخير، بل يؤدي الشهادة كما هي ولو على نفسه، حتى أنه قتل يقول: قتلت، أو زنيت، فيشهد على نفسه وأبيه وأمه وأخيه، ويقيم الشهادة فلا يميل بها يميناً ولا شمالاً، بينما الهابطون يبحثون عمن يشهدون له بالباطل، فيتجمعون جماعات ويشهدون لبعضهم البعض؛ لأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون، ولأنهم جهال في ظلمة الجهل، فأنى لهم أن يعرفوا هذا؟ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33].

    ثامناً: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:34]، فسبحان الله! بدأ بالصلاة وختم بالصلاة، وذلك لأنهما العمدة.

    مرة أخرى: الأول: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23]، أي: ما يقطعونها، والثاني: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:34]، وصدق الله إذ يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وتذكرون ما كررناه وسمعتموه، ولا ندري أبلغتموه أو لا؟ لو أتينا الآن دار الشرطة أو مركز الشرطة وقلنا: يا سيد! أعطنا قائمة بالمجرمين في هذا الشهر، والله ما نجد بينهم أكثر من 5% ممن يقيمون الصلاة، و95% إما لا يصلون وإما لا يقيمون الصلاة، وقلت لكم: تفضلوا في أي بلد وادخلوا مركز الشرطة وخذوا قائمة بالمجرمين أو المذنبين في هذا الشهر أو في هذا العام، لا تجد أكثر من 5% و95 إما تارك الصلاة وإما يصلون ولا ينتفعون بصلاتهم؛ لأنهم ما أقاموها، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى [العنكبوت:45]، صاحبها، عَنِ الْفَحْشَاءِ [العنكبوت:45]، وهو القبح في كل شيء، وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    معاشر المستمعين! لا ننسى هذه الوصفة الطبية المكونة من ثمانية أرقام، وهي توجد في سورة المعارج.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات، قال الشارح: [ أولاً: تقرير التوحيد بذكر مقتضياته من القدرة والنعمة ]، فلا ننسى أن السور المكية نزلت من أجل تقرير التوحيد، فالعرب في جاهليتهم وشركهم كانوا يؤمنون بالله تعالى، ولم يكونوا علمانيين ولا بلاشفة حمر، ولا ينكرون وجود الله، بل كانوا يؤمنون بالله ويطوفون ببيته ويحجون ويحلفون به، ولكن كانوا مشركين، فكانت السور المكية تعالج شركهم، ومن ذلك العلاج: أن تذكرهم بآيات الله وقدرته وعلمه ورحمته حتى يتوبوا ويعودوا إليه، فالتوحيد هو الأصل.

    قال: [ ثانياً: إثبات صفات الله تعالى: اللطيف الخبير، الغني الحميد، الرءوف الرحيم، المحيي المميت ]، إن لله تعالى مائة اسم إلا اسماً واحداً، فيجب على كل مؤمن أن يعرف هذا ويكرره بين الناس، وكل اسم فيه صفة، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات الأربع عدة أسماء وصفات لله تعالى، فيجب الإيمان بأسماء الله وصفاته، ويجب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن صفات المخلوقين والمحدثين، فيد الله ليست كأيد البشر، وقدم الجبار ليست كقدم البشر، وعلم الله ليس كعلم البشر، وسمعه وبصره كذلك، فصفاته منزهة عن أن تكون شبيهة بصفات المخلوقين؛ إذ هو خالق الصفات فنؤمن بها وننزهه تعالى أن يوصف بها غيره من خلقه.

    قال: [ ثالثاً: بيان إنعام الله وإفضاله على خلقه ]، بيان إنعام الله وفضله على خلقه، فما هو الواجب على من أنعم عليهم؟ الشكر، وبم يكون شكر الله؟ بطاعته وذكره، فذكر الله بالقلب واللسان وطاعة الله بالجوارح والأركان، فذلكم هو الشكر، وذلكم هو الحمد، والذين ما يعبدون الله والله ما حمدوه ولا شكروه.

    قال: [ رابعاً: مظاهر قدرة الله تعالى في إمساك السماء أن تقع على الأرض، وفي الإحياء والأماتة والبعث ]، مظاهر قدرة الله تتجلى في الخلق كله، فاجتماعنا هذا مظهر من مظاهر قدرة الله، إذ من جمعنا؟ من أوجدنا؟ من يفرقنا؟ إنه الله عز وجل، إذاً لا إله إلا الله.

    اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.