إسلام ويب

تفسير سورة الحج (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوجب الله عز وجل على عباده المؤمنين الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، ووعد من فعل ذلك بالجزاء الحسن، سواء في ذلك من هاجر ثم قاتل المشركين حتى قتل، ومن هاجر ومات حتف أنفه، وكان هذا مثل حال أبي سلمة وعثمان بن مظعون رضي الله عنهما، وهما من نزلت هذه الآيات في وصف حالهما لما دار الحديث بين الناس أنهما بموتهما دون قتال لم يدركا أجر المجاهدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحج المكية المدنية، قال تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:58-62].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:58-59]، أولاً: الهجرة هي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، وهي واجبة وباقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها، لماذا؟ لأن علة خلق الله لنا وإيجادنا هي أن نذكره ونشكره، أي: نعبده، والعبادة لن تخرج عن دائرة الذكر والشكر، فإذا وجد العبد في مكان بين فاسقين فاجرين، بين كافرين ظالمين، ولم يتمكن من عبادة الله بينهم، وجب عليه أن يرحل وأن يخرج من ذلك البلد، وينزل بأرض يتمكن فيها من عبادة الله تعالى، فهذه هي الهجرة، وقيمتها أنها كالجهاد في سبيل الله، فمنزلة المهاجرين كمنزلة المجاهدين، وثواب المهاجرين كثواب المجاهدين، إذ المجاهد يجاهد من أجل أن يعبد الله بالذكر والشكر، والمهاجر يهاجر من أجل أن يذكر الله ويشكره.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:58]، هناك من يهاجر في سبيل الشيطان، فينتقل إلى بلاد الفسق والفجور، أو النفاق والزنا والباطل ليعيش بينهم، ويترك المدينة أو مكة من أجل الدينار والدرهم لا من أجل أن يعبد الله تعالى ويعبده هو بالذكر والشكر، فهذه هجرة للدنيا، وهناك هجرة للآخرة، ونحن مع الهجرة التي هي للآخرة لا للدنيا.

    ويزيد هذا وضوحاً أن أذكر لكم أن للآية سبباً في نزولها، وهي أن عثمان بن مظعون أخ النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أبا سلمة ماتا في المدينة في بداية الهجرة، ودفنا في البقيع، فتحدث بعض الناس وقالوا: حرموا فضيلة الجهاد، وماتا حتف أنوفهم، وتحدث بهذا الناس في بيوتهم أو في مجالسهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية المدنية، فقال تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [الحج:58]، ولم يقتلوا، ماذا لهم: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، وهذا الرزق الحسن هو أن أرواحهم تنقل إلى الجنة، وتصبح في حواصل طير خضر ترعى من ثمار الجنة إلى أن تقوم الساعة، فإذا قامت القيامة وعادت الأرواح للأجساد يدخلهم الله الجنة.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، وذلك أن أرواحهم الآن في حواصل طير خضر ترعى في الجنة، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج:58].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم)

    قال تعالى: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59].

    لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [الحج:59]، ألا وهو الجنة، متى هذا؟ لما يخلق الله الأبدان من جديد وتدخلها الأرواح التي ترعى في الجنة، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [الحج:59]، ألا وهو الجنة دار السلام.

    إذاً: فعرف الأصحاب رضوان الله عليهم أن مرتبة عثمان بن مظعون وأبي سلمة هي مرتبة المجاهدين؛ لأنهم مهاجرون ماتوا في دار الهجرة.

    وهذه حادثة أخرى نذكر الشاهد منها ألا وهي: أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان خارج المملكة في ديار الروم، وكان مرابطاً في حصن، وقد مضى عليه فترة من الزمن وهو محاصر وما مات ولا قتل، فأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرباط كالجهاد، ومر بجنازتين إحداهما لمجاهد والأخرى لمهاجر، فتململ الناس وتجمعوا على جثة المجاهد المقتول في سبيل الله، وابتعد أكثرهم عن جثة المهاجر، فقال: لا أبالي في أي الحفرتين وقعت، سواء حفرة المجاهد المقاتل أو حفرة المهاجر، واستشهد بهذه الآية: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:58-59].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلم -الحق- من سلم المسلمون من لسانه ويده )، فالذي ينطبق عليه هذا اللفظ ليس إبراهيم ولا أحمد ولا فلان، بل هو من سلم المسلمون من لسانه، فلم يسب ولم يشتم ولم يعير ولم يقبح ولم يهن ولم يتكبر، ومن يده، فلا يأكل أموالهم ولا يؤذي أجسادهم.

    ثم قال: ( والمهاجر )، فيا من يرغب في دار الهجرة! ويا من يرغب في أن يكون مهاجراً! اعلم أن المهاجر بحق هو: ( من هجر ما نهى الله عنه ورسوله )، وذلك لتعلموا أنكم مهاجرون ومجاهدون ومرابطون، فاحمدوا الله تعالى، وتركوا وابتعدوا عن كل ما نهى الله عنه ورسوله، سواء من المطاعم أو المشارب أو الملابس أو الأزياء أو من المحرمات القولية والفعلية كالزنا والربا، وهذا هو المهاجر بحق، أما مهاجر هاجر من بلد إلى بلد لأجل دينه، وإذا به يقع في الفجور والباطل والخبث، فأي هجرة هذه؟! لا قيمة لها، إذ المهاجر بحق هو من هجر، أي: ترك وابتعد عن كل ما نهى الله عنه ورسوله في الكتاب والسنة، من الأقوال والأفعال والصفات والذوات، اللهم اجعلنا من المهاجرين، اللهم اجعلنا من المهاجرين.

    إذاً: كل واحد منا يستطيع أن يكون مهاجراً والحمد لله، والله يقول: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100]، فالحمد لله، وهنيئاً لكم بنزولكم بالمدينة دار الهجرة.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:58]، لا في سبيل الشيطان والدنيا والهوى والأطماع والأغراض الهابطة، فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:58]، فما هو سبيل الله؟ هو الطريق الموصل إلى رضا الله عز وجل، وما هو الطريق الموصل إلى رضا الله؟ طاعته وطاعة رسوله، أي: أن تحب ما يحب الله ورسوله، وأن تكره ما يكره الله ورسوله، وأن تجيب لنداء الله ورسوله، وتنتهي عما نهى الله عنه ورسوله، فذالكم هو سبيل الله ألا وهو الإسلام الحق.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [الحج:58] بدون قتل، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، وليس هذا في الدنيا، إذ إنهم قد ماتوا، ولكن يرزق أرواحهم فتكون في حواصل طير خضر ترعى في الجنة، فتعلق بأشجارها وترزق بإذن الله إلى أن تنتهي هذه الحياة، ثم يخلق الله الأجسام في التراب، وتنزل تلك الأرواح فتدخل أجسادها، فوالله لا تخطئ روح جسدها، فهذا هو الرزق الحسن، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج:58]، فلا تعجب كيف يرزقها الله الرزق الحسن؟! فالله هو خير من يرزق، وخير رزق أن يكون المسلم في الجنة دار السلام، ومع ذلك لا تستطيع أن تقدر هذا الرزق بالجنة أبداً، كيف هو؟ وكيف لذته؟

    لَيُدْخِلَنَّهُمْ [الحج:59]، أي: وعزتي وجلالي، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا [الحج:59]، وفي قراءة سبعية: (مَدخلاً)، يَرْضَوْنَهُ [الحج:59]، فأين هذا المدخل الذي يرضون به؟ إنه الجنة دار السلام، إذ لا يوجد مدخل أبداً أطهر ولا أطيب ولا أعظم من مدخل الجنة، ومن هنا فأرواحهم الآن في الجنة ترزق حتى تقوم القيامة، فإذا قامت القيامة نزلت هذه الأرواح من الجنة فدخلت الأبدان، ثم يدخلهم الله مدخلاً يرضونه ألا وهو الجنة، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم.

    لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59]، وهذا التعليق أو التعقيب لطيف جداً، إذ الله عليم بأفعال وأقوال ونيات وسلوك عباده، كما أنه حليم عليهم، وهو بذلك يشير إلى أن أهل الجنة ليس كلهم معصومين ما أذنبوا ذنباً ولا قارفوا سيئة، بل فيهم ومنهم، ولكن الله حليم غفور، فاحمدوه على هاتين الصفتين، فأنتم مهاجرون وأولياء الله تعالى، لكن هل منكم من صفا صفاء النور فما علق بنفسه شيء؟ أنت كل يوم تمر وتشاهد وتسمع الباطل والمنكر، لكن حلمه ومغفرته سبحانه وتعالى تجعلنا لا نيأس ولا نخاف، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59]، وصفة العلم يجب ألا تفارق قلوبنا، إذ هو عليم بسلوكنا وبتفكيرنا وبحركاتنا وسكوننا، وبما نأكل ونشرب، وبما نأتي ونذر، وبما نفعل ونترك، وهذا العلم إذا استقر في ذهنك والله لتستحي أن تقول كلمة سوء، أو تتعمد نظرة محرمة باطلة، أو تتناول لقمة محرمة، وأنت ترى أن الله يعلم ما أنت عليه، حَلِيمٌ [الحج:59]، لولا حلمه لهلكنا، فلو أن من أذنب ذنباً أهلكه لم يبقى أحد، ولكنه العليم الحليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:60].

    ذَلِكَ [الحج:60]، أي: ذلك الأمر الذي سمعتم، وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:60]، وهذه قضية أخرى غير القضية الأولى السابقة، وَمَنْ عَاقَبَ [الحج:60]، فمثلاً: لو أن زيداً آذاه عثمان أو إبراهيم، فرد زيد ذلك الأذى، كأن أخذ شاته فاسترد شاته، أو أخذ مشلحته فاسترد مشلحته، بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج:60].

    والإمام الشافعي أحد الأئمة الأربعة رضي الله عنهم يتحرز هنا ويقول: إذا كنت لا تستطيع أن تأخذ مثل ما أُخذ منك فلا تأخذ، وذلك كمية ووصفاً، فمثلاً: فلان أخذ منك شاة، فهل تأخذ شاة تفوق شاتك؟ لا، إذ يجب أن تكون مثلها أو دونها، أو قال فيك مثلاً كلمة أو آذاك بكلمة، فإن أردت أن تسترد فيجب أن تكون كلمتك صدقاً وحقاً، وذلك موازية لتلك الكلمة التي قاله.

    مرة أخرى: يقول تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج:60]، كأن العاقب أخذ من عاقبه من ورائه بمثل ما أخذ منه، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ [الحج:60]، فهذا يعده الله بالنصر، قال تعالى: لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج:60]، كأن أخذ فلان شاتك فأخذت شاةً بدلها، فغضب فأخذ بعيرك، أو صفعك صافع فصفعته، لكن لما صفعته حطم جسمك بالهراوة، فأنت قد أخذت حقك والله عز وجل سيتولاك بالنصر عليه.

    وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج:60]، أولاً، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ [الحج:60]، أي: ظلم مرة أخرى، لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:60]، وهذا يكون في الأفراد والجماعات والأمم والدول وبين المؤمنين والكافرين، وهناك آية من سورة الشورى توضح هذا المعنى، إذ يقول تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، فكلمة المثل مقدار وكمية ووصف بالذات، فلو قلت: هذا مثل هذا، فيجب أن يكون في وزنه ومقداره ولونه مثله، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ [الشورى:40]، ماذا؟ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، فقد فتح باب الخير.

    وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، فمثلاً: قال لك: يا ابن الكلب، فقل له: يا ابن الكلب، لكن إن عفوت وصفحت وقلت: يا ابن الأكرمين، فهذا فضل عظيم، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40]، وهذا الحكم الشرعي باق، إذ الآية ما نسخت، فإذا ظلِمت فاسترددت حقك ولم تزد عليه، فقد أُذن لك في هذا، وإن عفوت وصفحت وخليت ذلك لله والله لخير، لكن إذا أبيت إلا أن تسترد حقك فاسترددته ثم ظلمك بعد ذلك من أخذت الحق منه، فاعلم أن الله ناصرك عليه، وهو يستحق العقوبة المرة، فهذا معنى قوله تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:60]، يعفو عن عباده المؤمنين المحسنين، ويغفر لهم زلاتهم وما قد يقارفونه في حياتهم، وهو غفور حليم، غفور رحيم، عفو غفور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:61].:62].

    ذَلِكَ [الحج:61]، أي: ذلك الأمر الذي علمتم، بسبب ماذا؟ بسبب قدرة الله وحكمته وجبروته وعلمه وقدرته التي لا يعجزها شيء، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، وحكمته التي لا يخلو منها شيء، ذَلِكَ [الحج:61]، بماذا؟ بسبب أن اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحج:61]، فالغافل يعيش مائة سنة لا يفكر في الليل والنهار، لماذا هذا طويل وهذا قصير؟ ما يخطر بباله شيء حتى يقول: من فعل هذا؟ من قدر على هذا؟ ما اسم هذا الذي فعل؟ من يأتي بالليل ويأتي بالنهار؟ من يدخل الليل في النهار والنهار في الليل؟ من يزيد في أيام الليل وينقص في أيام النهار؟ إنه الله تعالى، إذاً فصاحب هذا العلم وهذه القدرة هو الذي يجب أن ننحني بين يديه، وأن نخر ساجدين له، وأن نرفع أصواتنا بذكره وتعظيمه وتمجيده، فلا أصنام ولا أحجار ولا أهواء ولا أطماع ولا ماديات كاذبة.

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ [الحج:61]، أي: يدخل، يقال: أولج الخيط في الإبرة إذا أدخله، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ [الحج:61]، فمثلاً الآن أولج النهار في الليل، فأين النهار؟ دخل في الليل، وبعد ساعات يدخل الليل في النهار ويجيء النهار، وصورة أخرى الآن وهي أن الأيام القصيرة تكون فيها الليالي طويلة، فيدخل جزءاً منها في النهار، أو يدخل جزءاً من النهار في الليل، فهل هذا التدبير يكون لصنم أو لحجر أو لإنسان أو لمخلوق من المخلوقات؟ مستحيل أن يقدر على هذا مخلوق، إذاً: فلم يبقى إلا الله، فقولوا: لا إله إلا الله، فهكذا يعلمنا الله ويبصرنا ويهدينا إلى معرفته تعالى لنعبده ولنوحده، وذلك لنكمل ونسعد.

    وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ [الحج:61]، لأقوال عباده، بَصِيرٌ [الحج:61].:62]، بأعمالهم، عليم بأحوالهم، فهذا الذي أن نحبه، وهذا الذي يجب أن نعبده، وهذا الذي يجب أن نتحاب من أجله، وهذا الذي يجب أن نجتمع على كتابه، إذ هو مولانا وإلهنا الحق، فلا أصنام ولا أهواء ولا شياطين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:62]، أي: ذو الحق، فعبادته حق، والإيمان به حق، وطاعته حق، وقدرته كماله وصفات الجلال والكمال كلها له حق، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الحج:62]، أي: النصارى واليهود والمشركين والخرافيين من عيسى ومريم وعبد القادر الجيلاني وسيدي أحمد وفلان وفلان، كل ذلك باطل، إذ ما خلق ولا زرق، ولا أمات ولا أحيا، ولا أعطى ولا منع، ولا ضر ولا نفع، وإنما هو مخلوق مربوب ليس من حق الناس أن يعبدوه مع الله، فهذه هي آيات التوحيد، والسورة مكية ومدنية.

    ذَلِكَ [الحج:62]، أي: ذلك الأمر الذي علمتم بأن الله هو لا غيره الحق الذي يعبد بحق، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [الحج:62]، من هم؟ المشركون على اختلاف أجناسهم، إذ إنهم يدعون آلهتهم ويعبدونها، هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، ليس فوق الله شيء، إذ هو أعلى وفوق كل شيء، وليس أكبر من الله، والخليقة كلها كالنملة بيدي يديه، وصدق الله إذ يقول: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، أي: الذين عبدوا غيره، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ [الزمر:67]، كطي الصحيفة في يده، فهذا هو العلي الأعلى، والكبير الأكبر الذي لا أكبر منه، فقولوا: آمنا بالله العلي الكبير.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن اسمعوا إلى شرح هذه الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان حكم الله تعالى بين عباده، فذكر تعالى ما حكم به لأهل الإيمان والعمل الصالح، وما حكم به لأهل الكفر والتكذيب، وذكر هنا ما حكم به لأهل الهجرة والجهاد، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:58]، أي: خرجوا من ديارهم لأجل طاعة الله ونصرة دينه، ثُمَّ قُتِلُوا [الحج:58]، من قبل أعداء الله المشركين حتف أنوفهم بدون قتل، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، أي: في الجنة، إذ أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، لَيُدْخِلَنَّهُمْ [الحج:59]، يوم القيامة، مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [الحج:59]، وهو الجنة.

    وقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59]، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج:58]، أي: لخير من يرزق، فما رزقهم به هو خير رزق وأطيبه وأوسعه.

    وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:59]، عليم بعباده وبأعمالهم الظاهرة والباطنة، حليم يعفو ويصفح عن بعض زلات عباده المؤمنين، فيغفرها ويسترها عليهم، إذ لا يخلو العبد من ذنب إلا من عصمهم الله من أنبيائه ورسله.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ [الحج:60]، أي: الأمر ذلك الذي بينت لكم، وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج:60]، أي: ومن أخذ من ظالمه بقدر ما أخذ منه قصاصاً، ثم المعاقب ظلم بعد ذلك من عاقبه، فإن المظلوم أولاً وآخراً تعهد الله تعالى بنصره.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:60]، فيه إشارة إلى ترغيب المؤمن في العفو عن أخيه إذا ظلمه، فإن العفو خير من المعاقبة، وهذا كقوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:40-41].

    وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:61]، أي: أن القادر على إدخال الليل في النهار، والنهار في الليل، بحيث إذا جاء أحدهما غاب الآخر، وإذا قصر أحدهما طال الآخر، والسميع لأقوال عباده، البصير بأعمالهم وأحوالهم، قادر على نصرة من بغي عليه من أوليائه.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ [الحج:62]، أي: المعبود الحق المستحق للعبادة، وإن ما يدعون من دونه من أصنام وأوثان هو الباطل، أي: ذلك المذكور من قدرة الله وعلمه ونصرة أوليائه كان؛ لأن الله هو الإله الحق وأن ما يدعون من دونه من الآلهة هو الباطل، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ [الحج:62]، أي: على خلقه القاهر لهم المتكبر عليهم، الكبير [الحج:62]، العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان فضل الهجرة في سبيل الله حتى إنها تعدل الجهاد في سبيل الله ]، بيان فضل الهجرة في سبيل الله حتى إنها تعدل الشهادة في سبيل الله، اللهم اجعلنا من المهاجرين.

    قال في النهر: [ والرباط كالهجرة والجهاد، فقد روي عن سلمان الفارسي أنه مر برجال مرابطين على حصن ببلاد الروم، وطال حصارهم للحصن، وإقامتهم عليه، فقال لهم: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من مات مرابطاً أجرى الله تعالى عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتانين )، واقرءوا إن شئتم: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا [الحج:58].

    الجيش السعودي هم المرابطون، فإذا أقاموا الصلاة وامتثلوا أمر الله تعالى، وأطاعوا ملكهم، فإنهم يعتبرون مرابطين ينتظرون الإذن بالجهاد، أما نحن فنبني ونزرع ونحصد ونبيت في بيوتنا، وهم والله لمرابطون، وقلت: الجيش السعودي فقط؟ لأنهم يحمون راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويحمون حرم الله وحرم رسوله، ويحمون كتاب الله وتطبيق شرعه، بخلاف إخواننا الآخرين من إندونيسيا إلى موريتانيا، فإنهم مرابطون لأجل ماذا؟ هم لا يصلون، ويعبثون ويقولون الباطل، إذاً فماذا يحمون؟ القرآن غير مطبق، والشرع لا يعمل به، وقد قلت بفتح الله علي: من أراد أن يسكن بريطانيا أو بلجيكا أو ألمانيا أو أمريكا أو فرنسا فلينو هناك الدعوة إلى الإسلام، ووالله ليكون مرابطاً في سبيل الله، وإن رباط يوم في سبيل الله يعدل عبادة سبعين سنة، وقد استفاد من هذا كثيرون، فقد كانوا يذهبون إلى أوروبا للخبز وللحم وللعيش وللعمل، والآن لم يصبحوا ينتقلون من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر لأجل الأكل والشرب، وإنما لأجل أن ينشروا دعوة الله تعالى، وذلك بألسنتهم بالكلمة الطيبة، وبزيهم الطاهر، وبسلوكهم المحمود، فينجذب الناس ويدخلون في الإسلام.

    قال: [ ثانياً: جواز المعاقبة بشرط المماثلة، والعفو أولى من المعاقبة ]، جواز المعاقبة بالمماثلة، والترك أو العفو أولى وأفضل.

    قال: [ ثالثاً: بيان مظاهر الربوبية من العلم والقدرة الموجبة لعبادة الله تعالى وحده، وبطلان عبادة غبره ]، كونه السميع والعليم والغفور والرحيم، فهذه آيات الكمال هي لله عز وجل.

    قال: [ رابعاً: إثبات صفات الله تعالى: العلم والحلم والمغفرة والسمع والبصر والعفو والعلو على الخلق والعظمة الموجبة لعبادته وترك عبادة من سواه ]، يجب الإيمان بأسماء الله وصفاته مع اعتقاد أن صفات الله لا تشبه صفات المخلوقين، فننزه صفات الخالق عن صفات المخلوقين.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.