إسلام ويب

تفسير سورة الحج (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ومن سبقه من الأنبياء إذا قرأ آيات الله فإن الشيطان يلقي على أسماع الكافرين وفي قلوبهم من الكفر والباطل ما يزيد في ضلالهم، ويكون فتنة لهم، لكن أهل الإيمان الصادق الذين أوتوا العلم بالله وآياته وتدبيره فإن الله عز وجل يهديهم في حياتهم وفي كل أحوالهم إلى صراط مستقيم يفضي بهم إلى رضاه وجنته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحج المكية المدنية، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [الحج:52-57].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]، لنزول هذه الآية سبب، فيها بنا نقف عليه ونعرفه، وهذا السبب هو: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حول الكعبة، وكان المشركون يتجمعون حولها، فقرأ سورة النجم: بسم الله الرحمن الرحيم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، حتى بلغ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، فلما وجد الشيطان فرصة ألقى في آذان المشركين وأسماعهم هذه الجملة: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ففهم المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأ هذا وأنه نزل من عند الله فآمنوا، ولما انتهى من السور سجد صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه، إلا ما كان من أحد كبار السن -واختلف في اسمه- ما استطاع أن يسجد على الأرض، فأخذ حفنة من تراب ووضعها على رأسه، وانتشر الخبر بأن محمداً قد اصطلح مع قومه، وبلغ ذلك الأحباش، فجاء المهاجرون إلى الحبشة إلى مكة ظناً منهم أن الحرب قد انتهت، وأن اللقاء قد تم مع الرسول وأصحابه.

    ولذلك اعلموا! أن هذه الحادثة قد وردت في أحاديث كثيرة، وبعض أهل العلم يبطلها ويقول: لم تصح ولن تصح؛ لأن هذه الآيات قد نزلت تعزية وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قال له ربه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]، بمعنى: قرأ، يقال: تمنى الكتاب، أي: قرأه، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر، ومن سورة البقرة في أهل الكتاب: لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78]، أي: إلا قراءة كعوام المسلمين، إذ يقرأ أحدهم القرآن ولا يعرف منه إلا القراءة فقط، ولا يعرف شيئاً وراء ذلك، والذين ننفيه ولا نقول به هو: لا يثبت أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد نطق بهذه الجملة: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، إذ الله تعالى يعصمه ويحفظه، أما أن ينطق الشيطان ويسمعه المشركون -وهم يتطلعون- فهذا ليس ببعيد أبداً، وذلك كإنسان مناف للدعوة التي في دربه، فإنه يجلس يسمع من الإمام أو الخطيب ويئول كلامه ويقول: قال كذا وكذا، وهو م قال ذلك.

    مرة أخرى: هذه الآيات فيها تعزية وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ إنه كرب واغتم لما نسبوا إلى الله تعالى: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، وقالوا: قرأها محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا سجدنا، وهذا لا شك يورث كرباً عظيماً، فأنزل الله تعالى قوله من سورة الحج المكية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج:52]، وفي الآية فرق بين النبي والرسول، ونحن قد علمنا زادكم الله علماً أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، فالرسول يرسله الله تعالى برسالة إلى قوم من الأقوام، والنبي ينبئه بأخبار ويعلمه ويتبع رسالة من قبله من الرسل.

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]، أي: قرأ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، أي: في قراءته، والأحاديث التي يذكر فيها أن الرسول قد قرأ هذا لا نصدقها، إذ الله يعصم رسوله، وحاشاه أن ينطق بهذا الكذب والباطل، لكن الشيطان يلقي في أسماع المشركين فيقبلون بذلك، وإن أردتم أن تفهموا أكثر فأقول: كم من إنسان يقلد إنسان في صوته ولهجته؟! وهذا موجود بآلاف، إذ إنه يتكلم وكأنه هو، فهل يعجز الشيطان عن هذا؟ هو أقدر على هذا، فهم فهموا أن الرسول قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فقالوا: إذاً قد وافقنا محمد وأصبحنا معه، فلما سجد في آخر السورة سجدوا معه، وانتشر الخبر حتى بلغ الأحباش، فجاء المهاجرون ظناً منهم أن صلحاً قد تم بين رسول الله وقومه، فهل فهمتم هذه الحقيقة؟

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]، وتمنى ليس ذاك التمني القلبي كما يقول من يقول، وإنما تمنى هنا بمعنى: قرأ، بدليل: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، أي: في قراءته لا في تمني قلبه، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52]، أي: يبعده ويزيله، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [الحج:52]، فلا يبق بينها خلل، ولا نسخ من الآية الفلانية كذا، وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الحج:52]، بخلقه، حَكِيمٌ [الحج:52]، في تدبيره وقضائه، فمن علمه وحكمته كانت هذه الفتنة لتعليم رسول الله والمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض...)

    وعلل تعالى ذلك بقوله: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج:53]، إذ كل عمل له سبب، فالأحداث الكونية كلها لها أسباب، فمن خلق هذه الأسباب وأوجدها؟ إنه عز وجل الله، لماذا؟ لحكم وهو الحكيم العليم، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:53]، من تلك الكلمات، فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الحج:53]، وهم الكافرون، وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج:53]، بالكفر والشرك.

    وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج:53]، أي: المشركين الظالمين في خلاف وصراع لا حد له، بل وإلى الآن الكافرون والمشركون والله ما يتفقون ولا يتحدون؛ لأنهم خرجوا عن الطريق الحق، وبالتالي كل من خرج يميناً أو شمالاً كيف يهتدي؟! لابد وأن يتخبط حتى يعود إلى الطريق أو يلهك ويتحطم والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ...)

    وعلة أخرى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54]، إذاً في هذه الحال فائدتان عظيمتان، والله عليم حكيم، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [الحج:54]، كـأبي بكر وعمر وأصحابه أهل علم الكتاب والسنة، أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54]، أي: تخشع وتخضع وتطمئن وتسكن.

    وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54]، وهذا خبر عظيم، وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى [الحج:54]، يوم القيامة، إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54]، يسلكونه حتى ينتهي بهم إلى باب الجنة، فكم تسلك أنت؟ سبعون سنة؟ ثمانون؟ مائة إن شاء الله؟ لابد وأن تصل إلى باب الجنة، إذ هو صراط مستقيم هداهم إليه، وعقيدة التوحيد السليمة النقية، والطمأنينة والسكون في القلب، والعمل الصالح يهديهم إلى صراط مستقيم، وهذا فضل الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ...)

    قال تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55].

    وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [الحج:55]، أي: من صحة الكتاب وأنه كلام الله تعالى، أو في الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ [الحج:55]، أي: في شك، مِنْهُ [الحج:55]، أي: إما من الكتاب أو من الرسول، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الحج:55]، وإلى الآن فما زالوا في شك حتى تقوم القيامة، وشأنهم هذا شأن كل كافر مشرك أعمى ضال يمشي في الضلالة، وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [الحج:55]، أي: في شك، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ [الحج:55]، أي: يوم القيامة، بَغْتَةً [الحج:55]، أي: فجأة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55].

    ومن اللطائف: لماذا يقال في يوم القيامة: عقيم؟ لأنه لا ليل بعده، إذ العقيم الذي لا يلد، ويوم القيامة لا ليل بعده ولا يوم، لكن هنا المراد بعذاب بيوم عقيم: هو يوم بدر، إذ إنه كان العقيم من كل خير، ولذلك ذكر الساعة قبله، عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55]، ألا إنه عذاب يوم بدر، إذ قتلوا وصرعوا ومزقوا هناك ولم ينالوا خيراً، فهل فهمتم ذلك؟

    وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ [الحج:55]، أي: من الحق والتوحيد والإيمان والعمل الصالح والأحكام الشرعية والقضاء الإلهي، إلى متى؟ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الحج:55]، أي: ساعة الموت وساعة القيامة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ [الحج:55]، لا خير بعده، فهل الذين صرعوا في بدر كـأبي جهل وعقبة وفلان وفلان شاهدوا خيراً بعد ذلك؟ والله لا خير، إلا عذاب أبدي لا يخرجون منه، فكان حقاً عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم...)

    قال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الحج:56].

    ثم قال تعالى مبيناً لمن يكون الحكم يوم القيامة: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الحج:56]، يوم تقوم الساعة لمن السلطان؟ لمن الدولة؟ لمن الحكم؟ لله، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج:56]، أي: بين المشركين الظالمين الفسدة الأشرار وبين المؤمنين الموحدين الصالحين، الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ [الحج:56]، تقوم الساعة، لمن يكون؟ لِلَّهِ [الحج:56]، إذ هو الحاكم الواحد، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج:56].

    وبيان هذا الحكم كيف؟ قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الحج:56]، وهذا هو الجانب الأول، فأهل الإيمان والتوحيد، وأهل العمل الصالح قد آمنوا بالله رباً وإلهاً، وبنبيه رسولاً، وأقاموا الصلاة، وفعلوا ما أمر الله بفعله، وتجنبوا ما أمر الله بتجنبه، فهؤلاء حكم الله لهم بالجنة، جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الحج:56]، إذ لا عذاب في الجنة، فلا مرض ولا كبر ولا سقم ولا غربة ولا هول أبداً، وإنما النعيم الدائم فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [الحج:57]، يذلهم الله فيه، ويكسر أنوفهم، ويحطم كراماتهم، ويصبحون شر الخلق، واقرءوا قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، أي: الخليقة.

    الآيات مرة أخرى فتأملوا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52]، لم فعل هذا؟ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج:53]، وهذا شأنهم، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54].

    وأخيراً: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55]، وقد عرفنا عذاب يوم عقيم هو عذاب يوم بدر؛ لأن الساعة ذكرت قبله، ولما يأتي هذا اليوم قال: الْمُلْكُ [الحج:56]، لمن؟ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج:56]، ما هذا الحكم؟ قال: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الحج:56]، فحكم لهم بوجودهم في جنات النعيم، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [الحج:57]، عياذاً بالله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب لتزدادوا بصيرة وعلماً إن شاء الله تعالى.

    معنى الآيات

    يقول غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [ معنى الآيات: بعد التسلية الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنها قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [الحج:42]، ذكر تعالى تسلية ثانية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في هم وغم، وهي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة في صلاته سورة النجم والمشركون حول الكعبة يسمعون، فلما بلغ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، ألقى الشيطان في مسامع المشركين الكلمات التالية: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. ففرح المشركون بما سمعوا ظناً منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها، وأن الله أنزلها، فلما سجد في آخر السورة سجدوا معه إلا رجلاً كبيراً لم يقدر على السجود فأخذ حفنة من تراب وسجد عليها، وشاع الخبر أن محمداً قد اصطلح مع قومه حتى رجع المهاجرون من الحبشة، فكرب لذلك رسول الله وحزن، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة تسلية له، فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [الحج:52]، هذه رسالة يبلغها، ولا نبي مقرر لرسالة نبي قبله، إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]، أي: قرأ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، أي: في قراءته، فَيَنْسَخُ اللَّهُ [الحج:52]، أي: يزيل ويبطل، مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52]، من كلمات في قلوب الكافرين أوليائه، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [الحج:52]، بعد إزالة ما قاله الشيطان، فيثبتها فلا تقبل زيادة ولا نقصاناً، والله عليم بخلقه وأحوالهم وأعمالهم لا يخفى عليه شيء من ذلك، حكيم في تدبيره وشرعه، فهذه سنته تعالى في رسله وأنبيائه، فلا تأس يا رسول الله ولا تحزن.

    ثم بين تعالى الحكمة في هذه السنة فقال: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:53]، أي: من كلمات في قراءة النبي أو الرسول، فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الحج:53]، أي: الشك والنفاق، وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج:53]، وهم المشركون، ومعنى (فِتْنَةً) هنا: محنة يزدادون بها ضلالاً على ضلالهم، وبعداً عن الحق فوق بعدهم، إذ ما يلقى الشيطان في قلوب أوليائه إلا للفتنة، أي: زيادة في الكفر والضلال.

    وقوله تعالى: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج:53]، هو إخبار منه تعالى عن حال المشركين بأنهم في خلاف لله ورسوله، بعيدون فيما يعتقدونه وما يعملونه وما يقولونه، وما يتصورونه مخالف تمام المخالفة لما يأمر الله تعالى به ويدعوهم إليه من الاعتقاد والقول والعمل والتصور والإدراك.

    وقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54]، هذا جزء العلة التي تضمنتها سنة الله في إلقاء الشيطان، وقراءة الرسول أو النبي، فالجزء الأول تضمنه قوله تعالى: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج:53]، وهذا هو الجزء الثاني، أي: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [الحج:54]، بالله وآياته وتدبيره، أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [الحج:54]، أي: ذلك الإلقاء والنسخ وإحكام الآيات بعده، فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج:54]، أي: تطمئن وتسكن عنده وتخشع فيزدادون هدى.

    وقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54]، هذا إخبار منه تعالى عن فعله مع أوليائه المؤمنين به المتقين له، وأنه هاديهم في حياتهم وفي كل أحوالهم إلى صراط مستقيم يفضي بهم إلى رضاه وجنته، وذلك بحمايتهم من الشيطان، وتوفيقهم وإعانتهم على طاعة الرحمن سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [الحج:55]، أي: من القرآن، هل هو كلام الله؟ هل هو حق؟ هل اتباعه نافع؟ وتستمر هذه المرية والشك بأولئك القساة القلوب أصحاب الشقاق البعيد، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ [الحج:55]، أي: فجأة - بَغْتَةً [الحج:55]، أي: فجأة- وهي القيامة، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [الحج:55]، أي: لا خير فيه لهم، وهو يوم بدر، وقد تم لهم ذلك، وعندها زالت ريبتهم وعلموا أنه الحق حيث لا ينفعهم العلم.

    وقوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الحج:56]، أي: يوم تأتي الساعة يتمحض الملك لله وحده، فلا يملك معه أحد، فهو الحاكم العدل الحق يحكم بين عباده بما ذكر في الآية، وهو أن الذين آمنوا به وبرسوله وبما جاء به، وعملوا الصالحات من فرائض ونوافل بعد تخليهم عن الشرك والمعاصي يدخلهم جنات النعيم، والذين كفروا به وبرسوله وبما جاء به، وكذبوا بآيات الله المتضمنة شرائعه وبيان طاعاته، فلم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات وعملوا الكفر وعملوا السيئات، فأولئك البعداء في الحطة والخسة -والذل والهون- لهم عذاب مهين يكسر أنوفهم ذلة لهم ومهانة لأنفسهم ]، والله تعالى أسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان سنة الله في إلقاء الشيطان في قراءة الرسول أو النبي للفتنة ]، بيان سنة الله في إلقاء الشيطان الفتنة عندما يقرأ عالم أو نبي أو رسول، وقد قلت لكم: كم من عالم يقرأ فيأتي الشيطان ويلقي في أذهان أصحابه كلاماً ما قاله، وذلك للفتنة وإثارتها، وهذه سنة من سنن الله دائماً.

    قال: [ ثانياً: بيان أن الفتنة يهلك فيها مرضى القلوب وقساتها، ويخرج منها المؤمنون أكثر يقيناً وأعظم هدى ]، وهذه دائماً وأبداً، ولذلك فأيما فتنة تقع في قرية أو في بلد أو في إقليم أو في العالم، يخسر فيها أهل الفسق والفجور والجهل والكفر، أما أهل الإيمان والعلم واليقين فلا يخسرون أبداً، بل يستفيدون كما استفاد المؤمنون من هذه الآيات وهلك الكافرون.

    قال: [ ثالثاً: بيان حكم الله تعالى بين عباده يوم القيامة بإكرام أهل الإيمان والتقوى، وإهانة أهل الشرك والمعاصي ]، فقد أخبر تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم، وأن الذين كفروا وأشركوا في العذاب المهين.

    قال: [ رابعاً: ظهور مصداق ما أخبر به تعالى عن مجرمي قريش، فقد استمروا على ريبهم حتى هلكوا في بدر ]، وقد تجلت هذه الآية وظهرت بعد ست سنوات أو سبع سنوات، والآية قد نزلت في مكة وتوعدتهم بعذاب مقيم، وما هي إلا أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى أو الثانية حتى كانت غزوة بدر فهلكوا فيها عن آخرهم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.