إسلام ويب

تفسير سورة الحج (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طبع الإنسان على العجل، وقد كان كثير من جهال أهل الشرك يستعجلون وقوع العذاب بهم عندما يحذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم منه، فيوجه الله نبيه عند ذلك بأن يبين لهم أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث مبلغاً رسالة ربه ومنذراً للناس جزاء الإيمان به والإعراض عنه، أما الجزاء فإنما هو لله عز وجل، فهو الذي يكافئ المؤمن على إيمانه، ويعاقب الكافر على كفره وعصيانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحج المكية المدنية، الناسخة المنسوخة، الخاصة العامة، الليلية النهارية، السفرية الحضرية، فكل هذه شئونها، فسبحان الله! نزل بعضها في السفر، وبعضها في الحضر، وبعضها في الليل، وبعضها في النهار، وبعضها محكم، وبعضها ناسخ، وبعضها منسوخ وهكذا، فهي أعجب سورة في كتاب الله تعالى.

    قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحج:47-51].

    استعجال الله ورسوله بالعذاب جهل وضلال

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [الحج:47]، من القائل؟ إنه الله خالقنا ورازقنا، وواهبنا الحياة ومدبر أمورنا، والذي إليه مصيرنا، إنه الله الذي لا إله إلا هو، يخبر من؟ يخبر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وما معنى يستعجلونك بالعذاب؟ أي: يطالبونك، فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف:70]، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، وكم قد تبجح أبو جهل والنضر بن الحارث وطالبوا بالعذاب مستعجلين به؟! فهل ذلك في صالحهم؟ لولا الجهل والكفر وظلمة النفس ما طالبوا بالعذاب، إذ لا يفعل هذا ذو عقل أبداً، واستعجالهم بالعذاب والله يؤذي الرسول ويؤلمه ويكربه، بل ويجعله في حال لا تطاق، إذ كيف يخوفهم بالعذاب فيقولون: هات العذاب؟! والرسول كما هو معلوم لا يستطيع أن يأتي بالعذاب، بل ولا بحمى ولا بألم بسيط، إذ ليس هو بخالق ولا رازق ولا مميت ولا محيي، وإنما عليه فقط أن يبين الطريق، فمن سلكها نجا وفاز، ومن أعرض عنها هلك، لكن العناد والمكابرة والتعالي والجهل والكفر والشرك يحملهم على أن يقفوا هذه المواقف أمام عبد سليم نقي طاهر صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل رحمة برسوله وشفقة عليه ينزل عليه مثل هذه الآيات ليحمله على الصبر والتسلي وعدم التألم والتعدي.

    إيفاء الله بالوعد

    وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47]، والله ما يخلف الله وعده؛ لأنه قادر على أن ينجز ما وعد، إذ لو كان يقدر ولا يقدر، ويقوى أحياناً ويضعف، قد يكون في الكلام احتمال، لكنه على كل شيء قدير، وحسبه أن يقول للشيء: كن فيكون، ودعنا من الأسباب وعوامله كلها، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فلمَ يستعجلون بالعذاب؟ لأنهم مصرون على الكفر والتكذيب والعناد وعدم الإيمان بهذه الرسالة وهذا الكتاب، وعدم الإيمان بأنه لا إله إلا الله، وإنما يعبدون الأصنام والأحجار ويعكفون حولها والعياذ بالله تعالى.

    وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47]، و(لن) هذه زمخشرية كما يقول النحاة، فالمنفي بها لا يقع أبداً، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47]، وهل وعدهم بالعذاب؟ إي في عشرات الآيات تواعدهم ووعدهم بالعذاب، وقد أنجزه لهم بعد سنيات لا تزيد على الثمان، إذ أهلكهم الله في بدر وعلى رأسهم أبي جهل إلى آخر واحد منهم، واستعجال العذاب ما ينبغي؛ لأن الله عز وجل قد نظم الحياة كلها بمقادير وموازين وأوقات ومواعيد لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر أبداً، فإذا أخر الله عذاب قوم إلى ألف سنة فمستحيل أن ينزل العذاب قبل ذلك.

    مشروعية دعاء الله عز وجل دون استعجال الإجابة

    وهنا لطيفة: ادعوا الله واسألوه ما شئتم، ولكن لا تستعجلوا فتقولوا: دعونا وما استجاب لنا، وإنما ادعوا الله وسلوه واطلبوه حاجتكم الدنيوية الأخروية، فإن استجاب لكم فاحمدوا الله واشكروه وخروا له ساجدين، وإذا لم يستجب لحكمة عالية فلا تيأس ولا تقنط، وإياك أن تقول: دعوت ولم يستجب لي، فإن الله قد كتب في كتاب المقادير أن كل حدث يحدث فله وقته ومكانه ومن يقوم به.

    ثم إنه قد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا لما ندعو ونلح في الدعاء، فلا بد وأن نكتسب خيراً، فإن كان مطلوبنا دنيوياً وأراد الله تأخيره فلنا أجر الدعاء، وإن كان طلبنا أخروياً فهو أمامنا حاصل بإذن الله تعالى، وإن استجاب الله في قضية وأعطاكها فاحمده، فإن القضاء كان موافقاً على طلبك في وقته، والمهم ألا نحجم على الدعاء، بل نواصل سؤال الله حاجتنا ليل نهار، وهو إن رأى فيما طلبناه خيراً عاجلاً عجله، وإن لم يرى فيه خيراً لنا لم يقضه لنا، فكم من إنسان يسأل الله الولد فإذا به يذبحه! وكم من إنسان يسأل الله وظيفة فإذا به يهان ويذل فيها! وكم من إنسان يسأل زوجه وإذا بها تخنقه أو تذيقه العذاب.

    إذاً: فأنت اسأل الله واترك الأمر له، فإن أعطاك سؤلك فلعلمه أنه خير لك فاحمد الله تعالى، وإن لم يعطك فقد علم أن ما طلبته لا ينفعك، بل وليس في صالحك، ولا يغشك تعالى لأنه وليك، فآمنا بالله تعالى.

    وَيَسْتَعْجِلُونَكَ [الحج:47]، أي: المشركين بطلب العذاب العاجل، وهو واقع لا محالة، وقد وقع في بدر وهلكوا عن آخرهم، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47]، فإذا وعد الله فلن يخلف وعده، إذ إن الذي يخلف الوعد هو العاجز الجاهل، يريد شيئاً ثم يتبين له أنه لا صالح له فيه فيتركه، أو عندما يرى عدم الخير فيما وعدك، أما الله عز وجل العليم الحكيم فإذا وعد أنجز، لكن هذا الإنجاز له ساعته وزمانه ومكانه لا يتقدم ولا يتأخر.

    ما عند الله في الملكوت الأعلى يختلف تماماً عما في الملكوت السفلي

    وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، وفي قراءة سبعية: ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا يعدون )، وهنا قد تكلم أهل العلم كثيراً، وخلاصة ما عندنا: أن هذا اليوم هو من أيام الآخرة، وأيام الآخرة غير أيام الدنيا، إذ إن أيام الآخرة اليوم منها بألف سنة، وأيام الدنيا اليوم باثنى عشر ساعة، والله يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ق:38]، أي: من تلك الأيام التي اليوم فيها بألف، وذكر تعالى في عدة آيات أن اليوم الآخر بألف.

    وهنا لطيفة أخرى وهي: أن يوم الآخرة يطول على الهلكى بما فيه من الشقاء والعذاب، والله اليوم كألف سنة من أيام الدنيا، وذلك لما ينزل العذاب ويقع على العبد في جهنم والعياذ بالله، فيكون ألف سنة لا تساوي ذلك اليوم، والعكس، فأهل النعيم في الجنة يوم في الجنة يعدل نعيم ألف سنة وهم يأكلون ويشربون ويتلذذون.

    وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم: ( أن فقراء هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- يدخلون الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة سنة )، أي: بنصف يوم، إذ اليوم ألف سنة، فيدخلون الجنة والأغنياء ما زالوا في الحساب والنقاش حتى تنتهي محنتهم ثم يدخلون الجنة، ولهذا كان الصحابة يفرحون بالفقر ولا يبكون ولا يسخطون أبداً، فإذا وجدوا ما يسد حاجتهم استغنوا عن الدنيا بما فيها، ويذكرون قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( وكنت أجوع يوماً وليلة حتى يأتيني بلال

    تحت إبطه بقطعة خبز ).

    والشاهد عندنا في قول ربنا تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، أي: من أيامكم هذه، وقال تعالى في يوم القيامة: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، أي: أن يوم القيامة هو يوم الحساب والجزاء، وذلك بعد أن يبعث الله الخليقة في صعيد واحد، ويكون الجزاء خمسين ألف سنة في ذاك اليوم، فلا إله إلا الله! إننا مقبلون على أهوال، وأول إقبالنا قد تكون الليلة، وذلك ساعة ما تتحشرج في الصدر، ويقف ملك الموت وأعوانه، وتنكشف تلك الأغطية، وتظهر تلك الحياة الحقة كما هي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة...)

    قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48].

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:48]، وقد علمتم يا أهل العلم! أن القرية هي العاصمة والحاضرة والمدينة، لا في الاصطلاح الجغرافي المادي الكاذب، أَمْلَيْتُ لَهَا [الحج:48]، هل أملى لها الكأس؟ السطل؟ البرميل؟ أي: زاد في أيامها وطعامها وشرابها وسعادتها وراحتها.

    وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:48]، أي: والحال أنها ظالمة لربها تعبد غيره، ظالمة لرسلها تسبهم وتشتمهم وتحاربهم وتقتلهم، ظالمة بإعراضها عن كتاب ربها وتعاليمه وهداه، وقد علمنا أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وبالتالي استوجبت العقوبة، فالذي يشرب كأساً من السم يموت قطعاً؛ لأن السم ليس موضعاً للشرب، وهو قد وضعه في غير موضعه، وبالتالي كل من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم، فبدل أن نطبق شرع الله ونعيش عليه أعرض عنه المسلمون وتركوه وراء ظهورهم، وديارهم وأهليهم يعيشون على الأهواء والشهوات والشياطين، فأي ظلم أفظع من هذا الظلم؟!

    وَكَأَيِّنْ [الحج:48]، أي: كثير، مِنْ قَرْيَةٍ [الحج:48]، عاصمة أو حاضرة، أَمْلَيْتُ لَهَا [الحج:48]، أي: أرخيت زمامها وزدت في طول المدة، وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:48]، أي: والحال أنها ظالمة، لمن؟ لربها، إذ إنها أعرضت عن كتابه ورسوله وذكره وشرعه وعبادته، فهي تعيش على الأهواء والشهوات والشرك والكفر والعياذ بالله.

    ثم قال تعالى: ثم أَخَذْتُهَا [الحج:48]، كيف أخذها؟ أخذ عزيز مقتدر، إذ دمرها وأباداها وأهلكها وأمات رجالها ونسائها وأطفالها، وقلبها ظهراً على عقب، وكم من القرى فعل بها ذلك! ما هي قرية واحدة ولا عشر ولا مليون، بل كثير.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48]، أي: عذبناها ودمرناها، لكن لا بد وأن يرجعون إلينا، إذ عذاب الدنيا نقمة مقابل ذنب من الذنوب، لكن عذاب الآخرة مقابل الشرك والكفر وخبث النفس، وهو عذاب أبدي، فالمصير والمرجع إلى الله عز وجل، ومن قال: لا، فقل له: لا تمت، وإذا لم تمت فلا تذهب إلى الله تعالى، فشد نفسك بالحبال والسلاسل ما دمت تؤخذ من حجر امرأتك ومن فراش أخيك وأبيك، فكيف تقول: لا أرجع ومصيرك إلى الله تعالى؟!

    وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48]، لا إلى غيره، فإذا صرنا إليه ووقفنا بين يديه فسيجزينا ويكافئنا بحسب ظلمة نفوسنا ونور قلوبنا، وبحسب توحيدنا وشركنا، وبحسب كفرنا وإيماننا، وبحسب صلاحنا وفسادنا، وذلك كما قرر هذا في مئات الآيات، ومنها قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124].

    فتأملوا هذه الآية الكريمة! ويا ليت أوروبا تسمعها! ويا ليت أمريكا تفقهها! ويا ليت اليابان تتلى عليهم ويفهمونها! ويا ليت الصين والروس تقرأ عليهم ويفهمونها! لكن هم كالبهائم، بل هم شر الخليقة، وهمهم إنما هو الأكل والشرب والنكاح لا أقل ولا أكثر، وما عرفوا من خلقهم ولا سألوا عنه، ولو قالوا: الله، ما سألوا: من الله؟ وماذا يريد الله؟ وماذا يحب الله؟ وماذا يكره الله؟ هذا مولانا وخالقنا، إليه مرجعنا وإليه مصيرنا، فهيا نتحبب ونتقرب إليه، لكن لا يسألون هذا أبداً، ولذلك فلنحمد الله على نعمة الإيمان والإسلام، فالحمد لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)

    قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الحج:49].

    قُلْ [الحج:49]، يا رسولنا والمبلغ عنا! قل بأعلى صوتك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الحج:49]، يا بني آدم! يا ذرية آدم! أبيضكم كأسودكم، وعربيكم كعجميكم، وأولكم كآخركم، والخطاب وإن كان موجهاً إلى قريش وخاص بها، ولكن والله لعام للإنسانية كلها، وذلك من اليابان إلى أمريكا، ويجب أن يقرأ عليهم هذا النداء، ولو كنا أهلاً لذلك لبلغناهم، فالرسول بلغ ما استطاع وتوفاه الله، والمسئولية على أتباعه فهم الذين يبلغون عنه.

    قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الحج:49]، أي: ما أنا برب ولا إله ولا سلطان ولا ملك ولا جان، وإنما أنا نذير أبين لكم النذارة، فأنذركم عواقب حياتكم في الدنيا والآخرة، وأنذركم عواقب سلوككم في هذه الدنيا، وهو عذاب أبدي في الآخرة، بل وقد يستعجلكم العذاب فتذوقوا مراراته في الدنيا، وذلك بالفقر والهون والذل والعذاب، فهذه هي مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لا يملك موتاً ولا حياة ولا مالاً ولا قدرة على شيء، وإنما مهمته فقط أنه نذير مبين، نذير للبشرية ينذرها من عواقب كفرها وشركها وظلمها وخبثها وفسادها وسلوكها المعوج، فالله عز وجل ما حرم شيئاً إلا وقد كرهه، إلا وهو يحمل الأذى والضرر لبني آدم، فلم يقبل الناس على ما حرم الله من الكذب والغش والزنا والربا والخداع؟ إن تلك المعاصي التي حرمها الله ورسوله تذيق صاحبها العذاب في الدنيا والآخرة.

    إذاً: الرسول نذير بين النذارة لقومه، وقد بين لهم ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم أيضاً، وقد مضت فترة على المسلمين كانوا أسعد أهل الأرض، والله لا أسعد منهم لا في أوروبا ولا في الشرق ولا الغرب، بل لا أكمل منهم ولا أسعد، وذلك لما طبقوا شرع الله وعاشوا على أنواره.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الحج:49]، فلا تطالبوني بأن أنزل عليكم العذاب، أو نكشف على الذهب والفضة في الأرض، أو نأتيكم بالمطر، إذ إن هذا ليس من شأني أبداً، وإنما مهمتي هي أن أنذركم عواقب سلوككم وما ينتج عن كفركم وفسادكم وشركم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم)

    قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الحج:50].

    ما دام أن النبي ينذر فمن استجاب فآمن وعمل صالحا نجا وسعد، قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا [الحج:50]، بي وبرسالتي، وآمنوا بربي فعبدوه وحده، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الحج:50]، فهؤلاء لهم جزاء عظيم، إنه مغفرة ذنوبهم أولاً، ورزق طيب كريم في دار السلام، فاللهم اجعلنا منهم.

    إذاً: أنا مهمتي أني نذير مبين، وبناء على ذلك فالذين استجابوا فآمنوا بي وبرسالتي وبتوحيد ربي وعبدوا الله معي، وعملوا الصالحات لا الفاسدات في الأقوال والأعمال، وما إن آمنوا حتى كفروا بالشرك وابتعدوا عنه، فهؤلاء لهم مغفرة وهي محو ذنوبهم وآثارها على نفوسهم حتى تصبح أرواحهم كهذه الأنوار في إشراقها، ثم يدخلهم دار السلام، إذ أولاً يطهرهم ويزكيهم ثم يدخلهم الجنة.

    وقد علمتم حكم الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فما معنى أفلح؟ أي: فاز، والفوز عند الله أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة، فهذا هو الفوز العظيم، إذ قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، فاعملوا الآن فلا جزاء اليوم، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، فاللهم اجعلنا من الفائزين.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هيا نحقق إيماننا ونعمل الصالحات ما دام أن الجزاء والأجر العظيم هكذا، هيا نحقق إيماننا ونعمل الصالحات ونبتعد عن الشرك والكفر والمفسدات التي هي السيئات، ونجاهد أنفسنا حتى نلقى ربنا أذكياء طاهرين.

    ويبقى هنا سؤال: يا شيخ! ما عرفنا الإيمان، فكيف نؤمن؟ وما هي الصالحات وكيف نعملها؟

    والجواب: هو أن نجتمع في بيوت ربنا بنسائنا وأطفالنا مساء كل ليلة أو مساء كل يوم، وذلك من صلاة المغرب إلى العشاء، كاجتماعنا هذا وكدرسنا هذا، وطول العمر هكذا، إذ إن هذا هو الطريق الوحيد لتعرف به الله وتعرف ما يحب وما يكره، وتعرف كيف تتقرب إليه وتعمل الصالحات، أما المشغولون بالتجارة والأهواء والأضاحيك والأباطيل ودنياهم فإنهم لا يجلسون في حلقة كهذه، لا مرة في الأسبوع ولا مرة في الشهر، فأنى لهم وكيف لهم أن يعرفوا الإيمان ما هو؟ وكيف يعرفون العمل الصالح؟ وكيف يؤدونه ويفعلونه؟ مستحيل.

    كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يجلس للناس فيعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فهذه منة الله التي امتن بها عليهم، إذ يقول سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ [الجمعة:2]، أميون لا يقرءون ولا يكتبون، رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]، فقد أصبحوا في هداية بينة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحج:51].

    وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحج:51]، وفي قراءة: (معجّزين)، سعوا ليلاً ونهاراً يا جماعة! يا إخواننا! أيها المواطنون! اتركوا هذه الدعوة، انصرفوا عنها، انشغلوا بأعمالكم، لا تسمعوا لهذه الأقوال، هذه كلها أباطيل، هذا الرجل يريد أن يكون فيكم كذا وكذا، ابتعدوا عنه، وطول العام وهم يسعون في إبعاد المؤمنين عن الإسلام، ووالله إلى الآن يسعون.

    وَالَّذِينَ سَعَوْا [الحج:51]، والسعي هو المشي مع السرعة، فهم يسعون بين الناس لصرفهم عن الإيمان وصالح الأعمال حتى يدخلوا النار دار البوار، فمثلاًُ: هذه البرانيط التي على رؤوس أطفالكم من سنها لكم؟ أبو القاسم؟ علمتكم عائشة الصديقة؟ من أين جاءت؟ من الكفار! لم لا تغضبون؟ لم لا تسخطون؟ يا شيخ! إيماننا ضعيف، إن أصحاب الإيمان والمعرفة هنا في الحلقة لو يعطى مليون دولار على أن يلبس طفله برنيطة والله ما يفعل، والذين هم على الجهل وظلمته يتبجحون بذلك، فولده على كتفه والبرنيطة على رأسه كاليهودي أو كالنصراني، فهذا العمل عمل من؟ أصابع من؟ وهذه الشاشات في البيوت، وهذه الدشوش على السطوح، يد من أوجدتها؟ ولمن أوجدوها؟ أوجدوها في ديار الكفر لأنهم هابطون ساقطون كالبهائم، بل شر الخلق، ولا عجب ولا غرابة في ذلك، إذ ما عندهم ذكر الله تعالى، بل ما يعرفون الله تعالى، فتراهم يجلسون أمام التلفاز أربع ست ساعات أو ثمان ساعات لأنهم عطاش ملهوفون، أما أهل لا إله إلا الله فأهل ذكر الله وأهل كتاب الله، فهل يجلسون أمام عاهرة تغني أو كافر يتبجح ويغني؟! لا والله، من عمل فينا هذا؟ إنه الثالوث الأسود، إذاً لمَ نمد أعناقنا ونستجيب؟!

    وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ [الحج:51]، البعداء، هم أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحج:51]، فلا يفارقون النار ولا تفارقهم، وإنما صحبة أبدية، وكلمة: (الْجَحِيمِ) علم على دركة من دركات النار، وهي أشدها والعياذ بالله، فقولوا: آمنا بالله، ولنطهر بيوتنا وقلوبنا، ولنحقق إيماننا بربنا ونبينا، ونعيش على ذكر ربنا.

    وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [الحج:51]، يريدون أن يغلبوا المؤمنين ويقهروهم، مُعَاجِزِينَ [الحج:51]، لرسولنا والمؤمنين، إذ إنهم يعاجزوننا ويعملون ضدنا، وهذه هي المعاجزة، فيريدوننا أن نعجز، فهم معاجزين للمؤمنين ورسولهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: العجلة من طبع الإنسان، ولكن استعجال الله ورسوله بالعذاب حمق وطيش وضلال وكفر ]، العجلة من طباع الناس، أما استعجال الله ورسوله بطلب العذاب فهذا حمق وطيش وضلال، إذ كيف نطالب بأن يعجل الله لنا العذاب؟! أعوذ بالله! نطالب بألا يعذبنا، فكيف نستعجل العذاب؟!

    إذاً: استعجال الأشياء من طبع الإنسان، لكن استعجال العذاب من الله من الحمق والطيش والعياذ بالله تعالى، إذ قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [الحج:47].

    قال: [ ثانياً: ما عند الله في الملكوت الأعلى يختلف تماماً عما في هذا الملكوت السلفي ]، ما يوجد في الملكوت الأعلى عند الله من كل الموجدات تختلف قطعاً عما هي موجودات في الأرض، حتى اليوم هناك بألف سنة وهنا بيوم.

    قال: [ ثالثاً: عاقبة الظلم وخيمة، وفي الخبر: الظلم يترك الديار بلاقع، أي: خراباً خالية ]، عاقبة الظلم خطيرة، فيا معاشر المستمعين! لا نظلم، لا ربنا ولا غيرنا ولا أنفسنا، فإن للظلم عاقبة وخيمة تذر الديار بلاقع وخرائب والعياذ بالله.

    قال: [ رابعاً: بيان مهمة الرسل وهي البلاغ مع الإنذار والتبشير ليس غير ]، مهمة الرسل عليهم السلام هي البلاغ والنذارة والتبشير، فيبشرون المستقيمين وينذرون الكافرين والكاذبين، ويعلمون الناس كيف يسلكون الطريق الحق؟

    قال الشيخ في النهر: [ ومما يزيد تفسير هذه الآية وضوحاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال ) ]، لهم، قال: [ ( يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني ) ]، أي: يا! إني رأيت الجيش الذي أرادكم ليخرب دياركم ويأخذكم، قال: [ ( وأنا النذير العريان ) ]، لكم؛ لأنهم كانوا في الزمان الأول إذا أراد أن ينذر أهل قرية يجب أن يتجرد من ثوبه ويمشي عارياً ساخطاً، فلهذا ما يكذبونه أبداً، أو يعلو فوق جبل ويتجرد من ثيابه ويبقى عارياً وينادي: أنقذوا أنفسكم، قال: [ ( فالنجاة النجاة! فأطاعته طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم ) ]، والدلجة هي المشي أول الليل، فمشوا من وقت بدأ الظلام فأصبحوا سعداء، قال: [ ( وكذبت طائفة منهم ) ]، فبقوا والعياذ بالله، قال:[ ( فأصبحوا مكانهم ) ]، أي: ما مشوا، وإنما أصبحوا في مكانهم فجاءهم العدو وأخذهم، قال: [ ( وصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ) ]، والعياذ بالله، قال: [ ( فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به ) ]، أي: هذا مثل رسول الله ومثل من أطاعه، فاللهم اجعلنا من مطيعيه يا رب العالمين.

    قال: [ خامساً: بيان مصير المؤمنين والكافرين يوم القيامة ]، فمصير المؤمنين مغفرة ذنوبهم وإدخالهم دار السلام للإنعام والتكريم، ومصير الكافرين جهنم وبئس المصير.