إسلام ويب

تفسير سورة الحج (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن تكذيب أهل مكة لرسالات الله عز وجل لم يكن حكراً عليهم ولا شيئاً انفردوا به عن غيرهم، إذ إن تكذيب الرسل وإنكار الرسالات سبق وأن حدث في الأمم السابقة، فقد كُذِّب نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وموسى وعيسى وغيرهم من النبيين، وكانت سنة الله عز وجل في مكذبيهم أن أملى لهم حتى إذا بلغوا غاية الكفر والتكذيب، حتى استحقوا العقاب واستأهلوا العذاب، فأخذهم سبحانه أخذ عزيز مقتدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحج المكية المدنية، قال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:42-46].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [الحج:42]، من القائل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [الحج:42]؟ الله جل جلاله، ومن المخاطب؟ رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [الحج:42]، أي: قومك مشركو العرب عامة وعلى رأسهم مشركو قريش، وبالفعل فقد كذبوه وردوا كلامه، وادعوا أن ما يقوله هو من السحر ومن الجنون، والرسول الكريم يتحمل، ولو أصابنا ما أصابه في ساعة واحدة لأغمي علينا، ولتركنا دعوة الله تعالى، وحسبكم أن يخر ساجداً عند البيت فيأتي عقبة بن أبي معيط بسلا الجزور ويضعه على كتفيه وهو يصلي، والقوم يضحكون ويتمرغون على الأرض، فأي موقف أعظم من هذا الموقف؟! ويحاصر هو وأسرته في شعب من شعاب مكة أكثر من شهر حتى أكلوا ورق الشجر، فماذا نقول؟ أما شج رأسه في أحد وكسرت رباعيته؟ ونحن آمنون سالمون مطمئنون شباع ولا نذكر الله بقلوبنا، بل حتى بألسنتنا؟ فيا ويلنا أين نحن؟ نطمع في دار السلام ونريد أن ندخل الجنة؟ إن لدخول الجنة مسلكاً خاصاً تسلكه حتى تصل إليها، وليس ذلك بالأماني والأحلام الكاذبة.

    فهذا رسول الله يكذبه قومه فيقول له ربه مسلياً له وحاملاً له على الصبر والتأسي: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [الحج:42]، يا رسولنا! فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [الحج:42]، أي: فما أنت بأول رسول كذبت، وما قومك بأول قوم كذبوا، بل قد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج:42]، فعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، ولم يذكر الرسولين واكتفى بذكر القبيلتين لأن الشاهد فيهما، إذ هم الذين كذبوا، فعاد في جنوب الجزيرة، وثمود في شمالها، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج:42].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقوم إبراهيم وقوم لوط)

    قال تعالى: وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ [الحج:43].

    وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ [الحج:43]، البابليون، وَقَوْمُ لُوطٍ [الحج:43]، وهو ابن عم إبراهيم، وقد مشى معه مهاجراً ثم بعثه الله إلى أهل المؤتفكات، فكان نبياً ورسولا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأصحاب مدين وكذب موسى...)

    قال تعالى: وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44].

    وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ [الحج:44]، وقد بعث الله فيهم شعيباً عليه السلام، وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج:44]، ولم يقل: وكذب قوم موسى؛ لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وقد آمنوا وما كذبوا، والذي كذب موسى هو فرعون وملأه، وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج:44]، فمن كذب موسى؟ إنه فرعون وملأه ورجال الأقباط، أما بنو إسرائيل فقد آمنوا بموسى ومشوا ورائه، وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج:44].

    إذاً: فماذا فعلت بهم؟ قال تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ [الحج:44]، أي: زدت في زمنهم وفسحتهم وفي أموالهم وفيما عندهم، وأرخيت الزمام وتركتهم فترة ننتظر ماذا يفعلون؟ ثم لما أصروا على الكفر والشرك والعناد والمكابرة وحرب رسلنا أخذناهم، فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ [الحج:44]، الذين كفروا بالله تعالى، أي: بتوحيده، وكفروا برسله وما اعترفوا برسالتهم، وكفروا بشرعه فأبوا أن يعملوا به، وسر ذلك أمور، منها: أولاً: المحافظة على المادة والشهوات حتى لا يتخلوا عنها أبداً، وهذه هي الغالبة، وثانياً: المكابرة والمعاندة، وثالثاًً: عمى القلوب وذهاب البصيرة.

    فهذه عوامل جعلتهم يشاهدون النور ولا يطلبونه ولا يمشون ورائه، والله عز وجل ما استعجلهم بل أمهلهم وأرخى الزمام لهم فترة من الزمن قد تكون عشرات السنين أو مئات السنين، فنوح مثلاً مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم لما علم تعالى عدم عودتهم وإصرارهم على الباطل أنزل بهم العقوبة، كما قال تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44]، أي: إنكار الله كيف كان؟ أبادهم وشتتهم ومزقهم، فأنكر عليهم كفرهم وتكذيبهم وعنادهم وجحودهم وفسقهم وفجورهم، وأنزل نقمه فيهم وسلط عليهم العذاب، فكان نكير الله كما أراد الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة...)

    قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45].

    فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الحج:45]، أي: كم من قرى، وقد علمتم أن القرى في اصطلاح القرآن معناها: العواصم والحواضر والمدن، وفي اصطلاح الجغرافيين المعاصرين: أن القرية دون المدينة، إذ عدد أفرادها محدود، وما فيها إمارة ولا سلطان، وهذا باطل، وينبغي أن نتركه لأننا إذا قلنا به فقد كذبنا الله تعالى، إذ الله تعالى يقول: القرية هي العاصمة، ونحن نقول: القرية هي القرية الصغيرة المعروفة.

    مرة أخرى: لا نقول أبداً في القرية الصغيرة بأنها قرية، بل نقول: مجموعة سكان أو مجموعة أفراد يسكنون في مكان كذا، أو نقول: قرية صغيرة ليس بالكبيرة، إذ القرية الكبيرة هي الحاضرة والعاصمة والبلد الكبير.

    واسمع الله تعالى وهو يقول: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الحج:45]، والحال أنها ظَالِمَةٌ [الحج:45]، فحاشا الله تعالى أن يعذب غير الظالمين، وحاشا الله تعالى أن يهلك غير الظالمين، وحاشا الله تعالى أن ينكل بغير الظالمين؛ لأنه أعدل العادلين وأرحم الراحمين، ولكن الذين ظلموا خرجوا عن طريق الهداية فاستوجبوا العذاب.

    فَكَأَيِّنْ [الحج:45]، أي: كثير من القرى، أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45]، والحال أنها ظالمة، فما معنى: ظالمة؟ رفضت دعوة الله وحاربت رسوله وكفرت بشرعه وبلقائه، وكذبت بكل ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الظلم.

    وقد علمت زادكم الله علماً: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فلو أنك الآن تنام بين إخوانك في الحلقة فقد ظلمت، إذ ليس هذه المكان مكاناً للنوم، وإنما هو مكان إسماع وإصغاء، وكذلك لو أنك ترفع رأسك وتدخل أصبعيك في أذنيك وتغني يا ليلى، فعملك هذا ظلم؛ لأنه وضع الشيء في موضعه، والذي يقول: يا رسول الله! المدد، يا أبا فاطمة! الغوث، فقد ظلم، إذ إنه وضع الدعاء في غير موضعه، فهل أمرنا الله تعالى أن ندعو رسوله وأن نستغيث به؟ والله ما كان، فهل إذا قلنا: يا رسول الله! المدد سيسمعنا ويمد يده إلينا ويغيثنا؟ والله ما كان.

    إذاً: فكيف ندعوه؟ قد وضعنا الدعاء في غير موضعه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه كالحسين وعبد القادر الجيلاني وموالاي إدريس والعيدروس وغيرهم؟! تأملوا! يجب أن نعلم، والعلم يؤخذ من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فلو رآك مؤمن رافعاً يديك: يا رب! يا رب! يا رب! وتصرخ بين يدي الله يقول: قد ظلمت؟ والله ما ظلمت، إذ إن هذا هو موضع الدعاء، لكن يا عبد القادر! يا سيدي فلان! فتدعو من لا يسمعك ولا يراك ولا يقوى على أن يعطيك ولو حبة عنب، يكون قد ظلمت، ولو رأيناك تقول: يا شيخ فلان! من فضلك أعطني خمسة ريالات، فهل هذا شرك؟ هل هذا كفر؟ هل هذا ظلم؟ فالجواب: لا، إذ إن هذا هو وضع الشيء في موضعه، فهو يسمعك ويراك، وفي جيبه عشرة ريالات يستطيع أن يعطيك، فأنت ما فعلت إلا ما هو حق لا باطل.

    فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [الحج:45]، بالتدمير والتخريب والإماتة، وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45]، فلا بد من هذا القيد، أي: والحال أنها ظالمة تعيش على الظلم، فتعبد غير الله تعالى، وتكذب رسل الله تعالى، وأنكرت شرع الله تعالى، واتبعت الهوى وجرت وراء الشياطين.

    فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45]، فإذا مررت بها ترى سقوفها ساقطة على أرضها، والعروش جمع: عرش، وهو السقف، يقال: عرش السلطان، أي: كرسيه الذي يجلس عليه، فالعرش هو السقف، فَهِيَ خَاوِيَةٌ [الحج:45]، أي: فارغة ليس فيها طير، عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45]، أي: ساقطة على عروشها.

    وَبِئْرٍ [الحج:45]، وقرئ: (وبيرٍ معطلة) بالتخفيف، وهي قراءة نافع، والكل صحيح، فإن خففت قلت: (بير)، كما خففت في الإيمان، المؤمنين فقلت: الايمان، المومنين، والصواب أن تقول: المؤمنين، الإيمان، لكن هذا التخفيف قد أذن الله تعالى به.

    وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج:45]، كانوا يسقونها ويستخرجون الماء ويسقون الزروع والضروع وا.. وا.. مات أهلها، فبقيت البئر فارغة لا يأتيها أحد ولا يشرب منها أحد؛ لأن أهلها أهلكهم الله بوباء أو سلط عليهم كذا أهلكهم.

    وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45]، مجصص مبيض كذا وما فيه إلا الحمام أو الطيور، لا يسكنوه، أين أهله؟ أهلكهم الله، لم أهلكهم؟ لأنهم ظلموا، كيف ظلموا؟ ظلموا ربهم، إذ خلقهم له ليعبدوه فعبدوا ضده وغيره، وأنزل وحيه وشرعه ليستقيموا عليه فقبلوا الخرافات والضلالات وأعرضوا عن شرع الله.

    والآن اسمعوا! هل يعتبر المسلمون من اندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا ظالمون؟ أما عطلوا شريعة الله؟ أما أعرضوا عن كتاب الله وهدي رسول الله وطبقوا القوانين الأوروبية الكافرة إلا باستثناء هذه المملكة؟ أظلم هذا أم ماذا؟ والله لهو الظلم، فقد حكموا الناس بغير شرع ربهم، وإن قالوا: ما عرفنا أو ما علمنا؟ قلنا لهم: قد وضعنا الدستور الإسلامي، ووالله لو طبق في قرية من القرى إلا ساد أهلها وكملوا، وهذا الدستور الإسلامي في ورقات معدودة قد وزعناه وصرفناه وأرسلناه إليهم فأعرضوا مستكبرين.

    وبالتالي إذا نزلت النقمة فماذا يقولون؟ ظلمهم الله؟ لا أبداً، إذ حاشا لله أن يهلك قرية وأهلها صالحون، قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، أي: ليس من شأن الرب تعالى أن يهلك القرى وأهلها مصلحون أبداً، وإنما يهلك القرية التي أهلها مفسدون.

    فإن قيل: إن هذا الكلام لا يسمعونه؟ إي يا شيخ! فإن هذا القرآن من ألف سنة يقرأ على الموتى، ولا يجتمعون عليه هكذا أبداً، وإن شئت حلفت لكم بالله، فلا يجتمعون على دراسة كتاب الله تعالى، وعلم ما فيه من العلم والمعرفة، وإنما حولوه إلى الموتى، فمن حول القرآن إلى الموتى؟ أعداء الإسلام والمسلمين، وذلك عندما مدوا أعناقهم ومشوا ورائهم وجعلوا القرآن خاص بليلة الموت.

    فمثلاً: الآية التي جمعت أركان الدولة الإسلامية: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، ما معنى: (مكناهم)؟ أي: سودناهم فأصبحوا سادة وحاكمين، إذ كانت فرنسا هي الحاكمة، وكانت إيطالياً هي الحاكمة، وكانت بريطانيا هي الحاكمة، ثم من حكم بعدهم؟ أليس المسلمون؟ إي والله، إذاً فلماذا ما أقاموا الدولة على أركانها الأربعة التي وضعها الرب العلام الحكيم؟! أو ما بلغكم هذه الآية: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]؟! وهل بلغكم أن دولة في العالم الإسلامي يجبرون العسكريين على الصلاة؟ يجبرون المواطنين على الصلاة؟ من شاء أن يصلي ومن شاء لم يصل، لماذا؟ أكفر بالله وآياته أم عنترية وتعالي؟ والله لتنزلن بهم إلا أن يشاء الله، فأين ربنا؟ بالمرصاد، والله يمهل ولا يهمل.

    ومن قال: كيف هذا يا شيخ؟ أما سلط الله على العالم الإسلامي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا فحكمونا وسادونا وأذلونا وأهانونا؟ إي والله، ما سبب ذلك؟ فسقنا وفجورنا وشركنا وضلالنا وهبوطنا وانعزالنا عن هدي ربنا ورسولنا، فلما هبطنا سلطهم الله علينا فحكمونا وسادونا، ولما مكننا وسدنا رفضنا دينه وكتابه وشرعه، وتركنا الناس يغنون ويزمرون ويعبثون ويسخرون، ونحن سائدون وحاكمون! فإلى متى سيظل ذلك؟ والله ما هي إلا إمالة ربانية، فإما أن يتوبوا وإما أن تنزل بهم النقمة، وهذا هو إيماننا بالله تعالى، أما قال: أَمْلَيْتُ لَهَا [الحج:48]؟ والإمهال قد يكون مائة سنة، وقد يكون ألف سنة لعلهم يتوبون.

    فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45]، هابط خالٍ فارغ ليس فيه أحد، إذ إن أهلها ماتوا وهلكوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ...)

    قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [الحج:46]، أي: هؤلاء المكذبون الجاحدون المتكبرون الذين لا يخافون الله رب العالمين، ولا يقبلون على شرعه ولا دينه، ولا تصديق رسوله والمشي ورائه، ما الذي صرفهم عن السير في الأرض فيشاهدوا بأنفسهم الديار الخاوية والعروش الساقطة والآبار الفارغة؟ أي شيء صرفهم عن المشي في الأرض ليقفوا أمام الخرائب والمدن الخالية؟

    أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج:46]، لو كانوا يمشون ويمضون إلى تدبير الله وإقامة شرعه بين عباده وأحكامه وقضائه، ولو كانت لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، لكن مع الأسف لهم قلوب لكن لا تعي ولا تفهم، ولهم أعين لكن لا تبصر، ولهم آذان لكن لا تسمع؛ لأن القلوب قد عميت بالذنوب والآثام، والعيون ما أصبحت تنظر إلى العواقب أبداً، بل تنظر إلى الشهوات وما يتحقق لها من اللذات، والآذان ما تسمع إلا صوت الفجور والكذب والخيانة، ولا تسمع صوت الحق أبداً.

    والقضية والحقيقة هي: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، فأين يوجد القلب يرحمكم الله؟ في الصدر، والذين يقولون: القلب في المخ، كذب وافتراء، إذ إن اتصال المخ بالقلب اتصال عجيب، فلو فسد المخ فسد القلب، وإذا فسد القلب فسد المخ وأصبح صاحبه كالمجنون، فمن خلق هذا؟ إنه الله جل جلاله وعظم سلطانه، وهذا الذي يجب أن يعبد وحده، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! اسمعوا إلى شرح هذه الآيات من الكتاب لتزدادوا علماً وبصيرة.

    معنى الآيات

    قال: [ مازال السياق الكريم في دعوة قريش إلى الإيمان والتوحيد وإن تخلله إرشادات للمؤمنين، فإنه لما أذن للمؤمنين بقتال المشركين بيّن مقتضيات هذا الإذن، وضمن النصرة لهم، وأعلم أن عاقبة الأمور إليه لا إلى غيره، وسوف يقضي بالحق والعدل بين عباده يوم يلقونه.

    قال لرسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له عن تكذيب المشركين له: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ [الحج:42]، أيها الرسول! فيما جئت به من التوحيد والرسالة والبعث والجزاء يوم القيامة ]، إذ إن هذه الثلاث هي أعظم أركان الإيمان، أي: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر والجزاء فيه.

    قال: [ فلا تأس ولا تحزن، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ [الحج:42]، أي: قبل مُكذِّبيك من قريش والعرب واليهود، قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ [الحج:42]، قوم هود، وَثَمُودُ [الحج:42]، قوم صالح، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى [الحج:43-44]، أيضاً مع ما آتيناه من الآيات البينات، وكانت سنتي فيهم أني أمليت لهم، أي: مددت لهم في الزمن وأرخيت لهم الرسن -أو الزمام- حتى إذا بلغوا غاية الكفر والعناد والظلم والاستبداد وحقت عليهم كلمة العذاب، أخذتهم أخذ العزيز المقتدر ]، والعزيز هو الذي لا يمانع فيما يريده أبداً، والمقتدر هو القادر على كل شيء يريده.

    قال: [ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44]، أي: إنكاري عليهم؟ كان وربّك واقعاً موقعه، وليس المذكورون أخذت فقط ]، بل أخذت غيرهم.

    قال: [ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الحج:45]، عظيمة غنية برجالها ومالها وسلطانها، أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45]، أي: ضالعة في الظلم، أي: الشرك والتكذيب، فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45]، أي: ساقطة على سقوفها، وكم من بئر ماء عذب كانت سقيا لهم فهي الآن معطلة، وكم من قصر مشيد، أي: رفيع مشيد بِالجص، إذ مات أهله وتركوه، هذا ما تضمنته الآيات الأربع.

    أما الآية الأخيرة من هذا السياق فالحق عز وجل يقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج:46]، أي: في البلاد ليقفوا على آثار الهالكين فلعل ذلك يكسبهم حياة جديدة في تفكيرهم ونظرهم، فتكون لهم قلوب حية واعية يعقلون بها خطابنا إليهم، ونحن ندعوهم إلى نجاتهم وسعادتهم، أو تكون لهم آذان يسمعون بها نداء النصح والخير الذي نوجهه إليهم بواسطة كتابنا ورسولنا، وما لهم من عيون مبصرة بدون قلوب واعية وآذان صاغية، فإن ذلك غير نافع، فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وهذا حاصل القول، ألا فليسيروا لعلهم يكسبون عبراً وعظات تحيي قلوبهم وسائر حواسهم المتبلدة ]، من السمع والبصر، فهل الكلام هذا واضح أم لا؟ هل بقي بيننا من ينكر التوحيد؟ وهل بقي بيننا من يحب الكافرين والمشركين؟ وهل بقي بيننا من يعرض عن كتاب الله ويعيش أربعين سنة ولا يجلس كهذه الجلسة؟

    هداية الآيات

    والآن مع هداية هذه الآيات، قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: تكذيب الرسل والدعاة إلى الحق والخير سنة مطردة في البشر ]، تكذيب الرسل وإنكار الحق والخير قاعدة أو سنة مطردة في العالم وإلى الآن، قال: [ ولها عوامل ومن أبرزها: التقليد والمحافظة على المنافع المادية ]، إذ لماذا يكذبون؟ للحفاظ على ما هم عليه، ولماذا الآن ينكرون تطبيق الشريعة؟ والله من أجل البقاء على ما هم عليه، وذلك حتى لا يحضروا الصلاة ولا يقيموها، ولا يؤتوا الزكاة، ولا يأمروا بالمعروف ولا ينهوا عن المنكر، قال: [ ومن عوامل هذا التكذيب أيضاً: وظلمات القلب الناشئة عن الشرك والمعاصي.

    ثانياً: مظاهر قدرة الله تعالى في إهلاك الأمم والشعوب الظالمة ]، والآن نحن نشاهد ذلك ونسمع به، فأي قدرة أعظم من أن تبيد أمة بكاملها؟! وإن قلتم: لماذا لا يهلك الله الكفار؟ قلنا: لأن الله قد جعل رسوله رحمة للعالمين، فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فمن ثم تكفر بريطانيا وفرنسا وإيطاليا فلا يسلط عليها العذاب فيبيدها كما كان يفعل مع الأمم السابقة، نعم قد يصابوا بالفقر والهون والمرض، أما الإبادة الشاملة كما أباد عاداً وثمود فلا؛ لأن رسوله وخاتم رسله قال له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وأمة محمد لما أصابها بالبريطانيين والفرنسيين هل أبادها؟ هل مزقها وشتتها؟ لا والله، وإنما أذلها وأهانها، والذي ينزل بهم في المستقل إذا لم يتوبوا هو هذا.

    قال: [ ثالثاً: مشروعية طلب العبر وتصيدها من آثار الهالكين.

    رابعاً: العبرة بالبصيرة القلبية لا بالبصر، فكم من أعمى هو أبصر للحقائق وطرق النجاة من ذي بصر حاد حديد، ومن هنا كان المفروض على العبد أن يحافظ على بصيرته أكثر من المحافظة على عينيه، وذلك بأن يتجنب مدمرات القلوب من الكذب والترهات والخرافات ]، كيف نحافظ على حياة قلوبنا وصفائها وبصيرتها؟ نجنبها الآثام والذنوب فقط، ونطيع الله تعالى ورسوله فنؤدي ما أوجب علينا، ونتخلى عن كل ما حرمه الله علينا، فتبقى القلوب بصيرة واعية مستنيرة، لكن إذا صببنا عليها ذنوب الزنا والربا والغش والكذب والخيانة والشرك عميت وإن كان كبصر الفرس.

    قال الشيخ غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين في النهر: [ فإنها أي: الحال أو القصة لا تعمى الأبصار، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل لما نزلت: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى [الإسراء:72] ]، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى [الإسراء:72]، أي: في الدنيا، فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى [الإسراء:72]، أي: في الآخرة.

    قال: [ لما نزلت: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى [الإسراء:72]، سأل ابن أم مكتوم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت هذه الآية: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ [الحج:46] ]، أي: من كان أعمى القلب فهو يوم القيامة كذلك، أما البصر فلا قيمة له.

    قال: والآية صريحة بأن العقل في القلب، ولا منافاة بين من يرى ذلك في المخ، إذ ارتباط كبير بين المخ والقلب في حصول الوعي والإدراك للإنسان ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.