إسلام ويب

تفسير سورة مريم (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأنبياء الكرام الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، والذي نبأه الله عز وجل في مكة المكرمة حيث كان يعيش مع أصهاره من قبيلة جرهم، ومن الأنبياء إدريس عليه السلام، الذي أكرمه الله تعالى بمرتبة الصديقية والنبوة، وهو ممن رفعه الله عز وجل إلى السماء في حياته كمحمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة مريم عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:54-58].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من أين لمحمد صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأنباء والإخبار؟ فوالله إنه لرسول الله، وكيف يكفر به الكافرون؟! وما زالوا إلى الآن يكفرون به من يهود ونصارى ومجوس ومشركين، قد يقول القائل: ما قرئ عليهم هذا، ما بلغهم، نقول: نعم، لبعضهم، أما البعض الآخر علموا وسمعوا وعرفوا وأعرضوا واستكبروا، لكن ينبغي أن يبلغوا، فلما بلغهم رسول الله وأصحابه دخلوا في الإسلام ووحدوا الله من إندونيسيا إلى أقصى الشرق، إلى ما وراء نهر السند، والآن ليس هناك من يبلغ إلا القليل، فلهذا لا يدخل في الإسلام إلا القليل، ولكن نسبة الدخول قليلة، سببها: ما حملت الأمة الإسلامية رسالتها وقدمتها لهم كما فعل سلفنا الصالح في القرون الذهبية الثلاثة.

    قال تعالى: وَاذْكُرْ [مريم:54] أي: اذكر يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن العظيم الذي نزل عليك، وهو بين يديك وهو شاهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، أي: اذكر في الكتاب إسماعيل.

    تقدم ذكر زكريا ويحيى وعيسى ومريم وإبراهيم وموسى، والآن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وهذا ابن هاجر القبطية المصرية، وهو الذي قال له أبوه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102] ووفى حتى وضعه على الأرض، فكان إذاً وفياً.

    نشأ إسماعيل عليه السلام في مكة بعد أن ولد في القدس وحملته أمه إلى مكة فنشأ وتربى فيها، وأرسل ونبئ فيها بعدما بنيت الكعبة وعاش في قبيلة جرهم يأمرهم بالصلاة والزكاة، وكلمة إسماعيل كعبد الله أو عبد الرحمن، مثل إسرائيل، عزرائيل، ميكائيل، جبريل، كعبد الله وعبد الرحمن.

    وإسماعيل أمه قبطية جارية تسراها إبراهيم حيث وهبتها له سارة بنت عمه وزوجته؛ لأن ملك مصر أهداها لـسارة عندما شاهد الكرامات الإلهية فأكرمها وقال: خذوا عني وسمعها وأعطاها هاجر ، تفضلت بها هي على إبراهيم؛ لأنه ما أنجب منها ولا أنجبت منه، فأنجب منها ومن ثم كربت سارة وتألمت، فأعطاها الله إسحاق، وسبحان الله العظيم! لا تبكي يعوضك الله عز وجل، وإن كان ذلك العطاء إكراماً لإبراهيم حيث وفى لله بذبح ولده إسماعيل، أكرمه بإسحاق.

    فضيلة الوفاء بالوعد والصدق في القول والعمل

    قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ [مريم:54] أي: اذكر إسماعيل في القرآن العظيم، إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]، أي: اذكره لأنه كان صادق الوعد، إذا وعد يفي ولا يخلف، وهناك آثاراً عن بني إسرائيل أنه وفى بوعده سنة كاملة، ولا عجب فأنت تستطيع أن تعد شخصاً في بلد تقول له: ما نخرج حتى تأتيني، أنا مقيم هنا، لكن لو صح وثبت أنه ثلاثة أيام، وذلك الذي حصل لحفيده الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، إذ مكث ثلاثة أيام في مكان ينتظر من واعده بالحضور هناك، وإسماعيل كذلك.

    ومن هنا يجب أن نفي بالوعد؛ لأننا أتباعهم ونحن ملتهم من رجالهم، ومن أمتهم، فلنفعل كما يفعلون، وإنما قد تعد وتعجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، تعد ثم ترى في وعدك ضرراً يصيبك أو يصيب هذا الأخ تعتذر له ولا حرج، أما إذا كان لا ضرر فيه يتبعك أو يتبعك من وعدته ينبغي الوفاء بالوعد، فنبينا صلى الله عليه وسلم انتظر ابن الحمساء ثلاثة أيام في مكان واحد قبل أن يبعث، وقبل أن ينبأ، ومعنى هذا من شعارنا نحن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحبي الأنبياء أننا نفي بالوعد ما قدرنا على ذلك، ولا نخلف الوعد، ومن آيات النفاق وعلاماته خلف الوعد: ( وإذا واعد أخلف ).

    ولهذا أمة الإسلام لا تخون كما يخون غيرهم، ولكن مع الأسف أصبح الكفار لا يخلفون ونحن نخلف، وهذا الذي شاع، فيقال: وعد بريطاني، ووعد فرنسي.. وهكذا، فقد كنا في علاء السماء وهبطنا إلى الأرض، هل هذا شأننا، وما سبب ذلك؟

    النور الذي كنا نعيش عليه أبعدوه عنا وأبعدونا عنه، فكان الظلام، فكيف سيمشي الذي في الظلام؟

    ولا عودة إلا إذا عدنا في صدق إلى كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا تقل: تريد أن ننكث عن الدنيا ونعتزل! لا، اشتغلوا من صلاة الصبح إلى قبل غروب الشمس، ما يكفي في المزرعة والمصنع والمكتب؟ فإذا دقت الساعة السادسة ومالت الشمس إلى الغروب توقف عن العمل، وهذا نظام حياتنا نحن المسلمين، والكافرون الذين هم نقتدي بهم في أكثر أعمالنا إذا دقت الساعة السادسة توقفوا عن العمل، وحملوا أطفالهم ونساءهم إلى دور السينما والمراقص والمقاصف والله العظيم! ونحن نعجز أن نحمل أطفالنا ونساءنا إلى بيوت ربنا ساعة ونصف كل ليلة، نتعلم الكتاب والحكمة، فلا طريق لنجاة هذه الأمة إلا بهذه العودة الحميدة، وخلال سنة واحدة وأهل القرية أو الحي يصبحون كأنهم أصحاب رسول الله في الصدق والوفاء والطهر والصفاء، والعز والكرامة.. وغيرها من صفات الكمال، وغير هذا هيهات هيهات أن نظفر بما نريد.

    قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54] أي: امتدحه الله وأثنى عليه بصدق وعده، فكيف لا نصدق نحن وعودنا، وهذا ثناء على الله، وتذكره في الكتاب؛ لأنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً، وبالأمس علمتم أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وهذا قاعدة عامة، وهذا فاز بالرسالة والنبوة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة...)

    ثانياً: مما استوجب الثناء على إسماعيل: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ [مريم:55]، وهذا يشمل أسرته ومن حولها من قبيلة جرهم، وكذا قال أهل التفسير؛ لأنه نبي ورسول بينهم، يأمرهم بإقام الصلاة على النحو الذي كانوا يصلونه.

    بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم:55] أي: وإيتاء الزكاة، والزكاة وإن كان اللفظ يشمل كل الأعمال المزكية للنفس المطهرة للروح البشرية من التسبيح والتحميد إلى الصلاة.. إلى الصدقات، لكن أولاً الزكاة المفروضة في المال، فمن أعطاه الله مالاً يجب أن يزكيه بالعطاء والصدقة منه ليطهر ولينمو ويكثر، وسميت الزكاة زكاة؛ لأنها تزكي النفس وتزكي المال وتنميه ويصبح أكثر مما كان، ولا تنقصه أبداً، في الظاهر نقص وفي الباطن زاد ونما.

    وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] أي: مرضياً عنه رضي الله عنه، وسبب هذا الرضا طهارة روحه وزكاة نفسه بهذه العبادات التي يقوم بها، فأصبح طيباً طاهراً فرضي الله عنه، ولا يرضي الله تعالى عن الأخباث والأنجاس والفسقة الفجرة، بل لا يرضي إلا عن الطيبين الطاهرين.

    وفي الحديث: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً )، فمن أراد أن يرضي الله عنه فليطيب نفسه، ولا تطيب النفس وتزكو وتطهر إلا بالإيمان وصالح الأعمال، وإبعادها عن الشرك والذنوب والآثام، ومن أراد أن يزكي نفسه فليؤمن إيماناً حقيقياً، وليعبد الله بهذه العبادات، وليبتعد عما يلوث النفس ويخبثها من الشرك والمعاصي، ولا يزال كذلك حتى تزكو نفسه وتطيب وتطهر، وقد أفلح من زكاها.

    قال تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] وهذه مقتضيات حمد الله له وثنائه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً)

    ثم قال تعالى لرسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ [مريم:56] أيضاً إدريس كأني سمعت هذا الأسبوع في إذاعة ما من يقول: إن إدريس ما كان من قبل نوح، والصواب الصحيح أن إدريس جد أبي نوح، وإدريس جد والد نوح، ونوح ابن فلان ابن فلان ابن إدريس، وهذا الذي تشير الآية إشارة عجيبة، قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [مريم:58]، ممن ذرية آدم؟ فلو ما كان قبل نوح لم يقل: ومن نوح؟ وهذه إشارة عجيبة تدل دلالة قطعية على أن إدريس كان نبياً قبل نوح عليه السلام.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [مريم:58]، أي: أنعم عليهم بالنبوة والرسالة والكمال والطهر والصفاء، مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم:58] أولاً يدخل إدريس، وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [مريم:58] يدخل من جاء بعد نوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ [مريم:58] يدخل أولاد إسرائيل.. وهكذا، فالآية صحيحة في أن إدريس كان قبل نوح عليه السلام، وقد أوتي كذا ثلاثين صحيفة كان يدرسها، ولهذا قيل: إدريس.

    معنى قوله تعالى: (إنه كان صديقاً نبياً)

    قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:56]، اصدق وتحرى الصدق يوماً بعد يوم، بعد يوم.. شهر.. شهرين، عام.. عامين، تكتب عند الله صديقاً، وبعدها لن تستطيع أن تكذب ولا تقوى عليه، بل ستصبح صديقاً، والصديق هو كثير الصدق الذي لا يعرف الكذب أبداً، وفي الحديث الصحيح: ( إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، ولا يزال المرء يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ).

    صدّيق: كثير الصدق، فجربوا بعضكم بعضاً فلن تجدون الكذب يستعمل. كان صدّيقاً وكان نبياً.

    الصديقية فاز بها بعمله وجهاده والنبوة رحمة الله وفضله عليه، لكن لصدقه ونبوته صدّيق كثير الصدق، فأثنى الله عليه في كتابه، وأمر الرسول أن يذكره في القرآن ليرغبنا في الصدق نحن لنكون صديقين يضرب بنا المثل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورفعناه مكاناً علياً)

    قال تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57]، الصحيح من الأقوال والروايات أن الله رفعه كما رفع عيسى ابن مريم، وكما رفع محمداً صلى الله عليه وسلم في الملكوت الأعلى؛ إذ شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في السماء الرابعة كما هو، وأي داع لأن نكذّب أو ننكر؟ أما قال تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57]؟ فيوجد المكان العلي في السماء، وأخبر رسول الله أنه في السماء الرابعة، ثم هذا ابن مريم بعده بقرون رفعه الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم رفعه ولو شاء لتركه في الملكوت الأعلى.

    وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57] ودل هذا على كماله وعلى طهره وصفائه، وأنه أهل لأن يقوم في الملكوت الأعلى، وينزل هناك.

    وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57] لو قال: مكانة: منزلة، فالمكان هنا المنزل الذي هو فوق السماوات الرابعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ...)

    ثم قال تعالى تعقيباً على هذا، وانتهى ذكر الأنبياء والرسل في الآيات، قال تعالى: أُوْلَئِكَ [مريم:58] أي: الأعلون، السامون، الشرفاء، وهذه الصفات تشير إلى العلو والسمو، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [مريم:58] أي: أنعم عليهم بنعمة الإيمان وصالح الأعمال، والاصطفاء، والرضا، ورفعهم درجات.. وهذا الذي أنعم الله به عليهم، وكانوا أطهاراً أصفياء ربانيين صادقين على ما جاء به الإسلام لو عملنا به.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [مريم:58] جمع نبي، وتقدم أولئك الذين أنعم عليهم من إدريس إلى زكريا فيما تقدم مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم:58] أي: كلهم من ذرية آدم، إذاً ما أراد هذا، بل أراد إدريس من قبل نوح من ذرية آدم، فلهذا ما نقبل من يقول: إدريس ليس من قبل نوح ولكن من بعده، قد يوجد اسم إدريس، هذا الاسم عام الآن فعندنا إدريس في الحلقة، أما إدريس الذي أثنى الله عليه وذكر له رضاه رفعه الله إليه.

    قال: مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [مريم:58] أي: نوح بعد إدريس وهو جد أبيه وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ [مريم:58] أليس من بعد نوح؟ وَإِسْرَائِيلَ [مريم:58] أي: يعقوب من بعد إبراهيم، وَمِمَّنْ هَدَيْنَا [مريم:58] كداود وسليمان وعيسى ابن مريم، وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا [مريم:58] أي: هديناهم للطريق المستقيم، ليفوزوا برضانا، وينزلوا بجوارنا بعد موتهم ودخولهم الجنة.

    سنية سجود التلاوة

    قال: وَمِمَّنْ هَدَيْنَا [مريم:58] أي: هداهم إلى أن عرفوه فآمنوا به فعظموه، وأحبوه وخافوه، وذلوا له وعبدوه، واجتباهم للنبوة والرسالة، ولمهام لا نعلمها، فاختارهم اختياراً؛ لأنهم أهل لذلك، منها إبلاغ رسالته، ومنها عبادته.

    وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا [مريم:58]، يقول تعالى مخبراً عنهم: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ [مريم:58]أي: أيام حياتهم كل هؤلاء المذكورون إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58] ليس هذا خاص بالقرآن فقط، بل آيات الله إدريس كان عنده ثلاثون صحيفة، إذاً آيات الله في الإنجيل، في التوراة، في صحف إبراهيم، في صحف.. وهي آيات الله، إذا قرئت عليهم آيات الله يذلون ويخضعون ويخرون ساجدين يبكون، سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58].

    وهنا يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وصل إلى هذه الآية فخر ساجداً، ثم قال: يا رب هذا السجود فأين البكاء؟! لأنه مشغول بمهام الدنيا ما استطاع يبكي.

    والبكي: جمع باكٍ.

    خروا سجداً: جمع ساجد.

    وبكياً: جمع باكٍ.

    اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    وإليكم شرح الآيات من الكتاب:

    معنى الآيات

    قال: [ يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرت من ذكرت من مريم وابنها وإبراهيم وموسى اذكر كذلك إسماعيل فإنه كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم:54] لم يخلف وعداً قط وكان ينتظر الموعود الليالي حتى يجيء وهو قائم في مكانه ينتظره، وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54] نبأه تعالى بمكة المكرمة إذ عاش بها وأرسله إلى قبيلة جرهم العربية، ومنها تزوج وأنجب وكان من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ المراد من الأهل أسرته وقومه من قبيلة جرهم، والمراد من الصلاة إقامتها ومن الزكاة أداؤها، وهذا مما أعلى شأنه ورفع قدره فاستحق ذكره في القرآن العظيم ]، فذكر في القرآن بهذه الكمالات والفضائل.

    [ وقوله: وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] موجب آخر لإكرامه والإنعام عليه بذكره في القرآن الكريم في سلسلة الأنبياء والمرسلين، ومعنى وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] أي: أقواله وأفعاله كلها كانت مقبولة مرضية فكان بذلك هو مرضياً من قبل ربه عز وجل ].

    أعمالهم وأقوالهم واعتقادهم مقبولة مرضي عنها، فكان هو مرضياً، هي السبب في كونه مرضياً.

    [ وقوله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ [مريم:56] وهو جد أبي نوح ] ونرفع أصواتنا: الذي قرره ابن جرير الطبري لا يخالف أول مفسر في العالم الإسلامي في بداية التفسير، إمام المفسرين، فلا نلتفت إلى غير هذا.

    [ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ [مريم:56] وهو جد أبي نوح، واستوجب الذكر في القرآن؛ لأنه كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم:56] كثير الصدق مبالغاً فيه، حتى إنه لم يجر على لسانه كذب قط، وصديقاً في أفعاله وما يأتيه، فلم يعرف غير الصدق في قول ولا عمل، وكان نبياً من أنبياء الله.

    وقوله تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57] أي: إلى السماء الرابعة في حياته ] لا بعد موته [ كما رفع تعالى عيسى ورفع محمداً صلى الله عليه وسلم إلى ما فوق السماء السابعة ].

    إذا قال القائل: كيف يرفعه وهو حي في السماء الرابعة؟ لو شاء لرفعنا كلنا، والدليل رفع عيسى؟

    لا تقل: كيف يأكل وكيف يشرب، وكيف يعيش؟ فأهل الجنة يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، وهذه حياة خاصة بهم.

    قال: [ كما رفع تعالى عيسى ورفع محمداً إلى ما فوق السماء السابعة.

    وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم:58] كإدريس وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [مريم:58] أي: في الفلك كإبراهيم، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ [مريم:58] كإسحاق وإسماعيل، وَإِسْرَائِيلَ [مريم:58] أي: ومن ذرية إسرائيل كموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ] كلهم يعودون إلى إسرائيل، وهو يعقوب بن إبراهيم.

    وقوله تعالى: [ وَإِسْرَائِيلَ [مريم:58] أي: ومن ذرية إسرائيل كموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى، وَمِمَّنْ هَدَيْنَا [مريم:58] ] هديناهم لماذا؟ [ لمعرفتنا وطريقنا الموصل إلى رضانا، وذلك بعبادتنا والإخلاص لنا فيها ] ما فيه طريق إلا العبادة والصدق فيها والإخلاص، تؤدى كما بينها الله وتريد بها وجه الله فقط.

    وقوله: [ وَاجْتَبَيْنَا [مريم:58] لوحينا ] اخترنا لحمل وحينا [ لوحينا وحمل رسالتنا ].

    [ وَاجْتَبَيْنَا [مريم:58] لوحينا وحمل رسالتنا.

    وقوله: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58] أي: أولئك الذين هديناهم واجتبينا من اجتبينا منهم، والاجتباء الاختيار والاصطفاء بأخذ الصفوة ] من الناس [ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ [مريم:58] الحاملة للعظات والعبر والدلائل والحجج خَرُّوا سُجَّدًا [مريم:58] لله ربهم وَبُكِيًّا [مريم:58] عما يرون من التقصير أو التفريط في جنب ربهم جل وعظم سلطانه ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير النبوة إذ الذي نبأ هؤلاء وأرسلهم لا ينكر عليه أن ينبئ محمداً ويرسله ]، فالآيات تقرر النبوة المحمدية، فكيف الذي نبأ الأنبياء والرسل يعجز أن ينبئ محمداً، أو يقال: ما يجوز أو ما ينبغي؟ كلام عبث، لو كان ما وجد نبي قبله نقول: كيف هذا النبي؟ هؤلاء مئات الأنبياء وتنكر نبوة نبي منها؟ وسبب الإنكار الدنيا وأوساخها، اليهود من أجل الدنيا، والنصارى رجال الدين فيهم من أجل دنياهم، وكذلك الحكام من أجل دنياهم، والأمة جاهلة تتخبط في محنتها.

    [ ثانياً: فضيلة الأمر بالصلاة والزكاة ]، فضيلة الأمر بالصلاة والزكاة، يكفي أن إسماعيل أثنى الله تعالى عليه بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، فنحن لم ما نأمر بهذا؟ ألسنا أتباعاً لهم؟ بلى، إذاً نأمر بالصلاة والزكاة.

    [ ثالثاً: فضيلة الوفاء بالوعد والصدق في القول والعمل ]؛ شعارنا معشر المؤمنين والمؤمنات هو الوفاء بالوعد إلا في حال العجز نستغفر الله عز وجل، والصدق في القول والعمل، إذا عملنا نعمل عملاً سليماً صحيحاً صادقين فيه، ما فيه عبث ولا غش ولا زيادة ولا نقصان نؤديه كما هو، هذا شأن الصدق في العمل، والقول كذلك لا نعرف الكذب.

    [ رابعاً: سنية السجود لمن تلا هذه الآية أو تليت وهو يستمع إليها: خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58] ]، هذه السجدة من السجدات الواجبة في القرآن المتفق عليها، فإذا كان القارئ يقرأ يتعبد أو يصلي ويقرأ بها ينبغي أن يسجد، والمستمع إذا سجد القارئ سجد معه، وإذا لم يسجد ما يسجد، والسامع غير المستمع، السامع ما هو مطالب بالسجود، لكن الذي جالس يستمع في التلاوة إذا سجد القارئ ينبغي أن يسجد معه قاعدة عامة ما ننساها.

    كان عمر يقول في سجوده: هذا السجود فأين البكاء؟ يتأسف ويتحسر.

    [ خامساً وأخيراً: فضيلة البكاء حال السجود فقد كان عمر إذا تلا هذه الآية سجد ثم يقول: هذا السجود فأين البكيُّ يعني البكاء ]، أين البكيُّ يعني: البكاء.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم من الصادقين الوافين أولياء الله رب العالمين.