إسلام ويب

تفسير سورة مريم (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أعظم الكذب على الله عز وجل نسبة الولد والشريك إليه، وهذا قول شنيع تكاد السماوات أن تتفطر منه، وتنشق الأرض، وتنهد الجبال، فالله عز وجل منزه عن مشابهة المخلوقين، إذ كيف يشبههم وهو خالقهم، فهو سبحانه خالق الخلق أجمعين، ومحصي أعدادهم وجامعهم إليه يوم القيامة، فيجزي المؤمنين بإيمانهم، ويعاقب العاصين على عصيانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً... وتخر الجبال هداً)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع خاتمة سورة مريم المكية عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم:88-98].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا [مريم:88] القائل طوائف من العرب، قالوا: الملائكة بنات الله، وهم بنو لحيان يعتقدون جيلاً عن جيل أن الملائكة بنات الله، اليهود قالوا: عزير ابن الله إلى الآن، والنصارى قالوا: المسيح عيسى ابن الله، وهذا كذب وافتراء وظلم ما يقادر قدره أبداً، فالله خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يحيي ويميت، فكيف ينسبون إليه البنت والولد؟!

    إذاً: قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا [مريم:88] أي: هم بنو لحيان من العرب، واليهود والنصارى.

    وقال تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم:89] أي: قل لهم يا رسولنا: لقد جئتم بأمر منكر عظيم لا يطاق، ولا يقبله ذو عقل ولا تستريح له نفس مؤمنة، فكيف ينسبون لله الولد وهو خالق النساء والرجال وخالق كل شيء؟!

    شَيْئًا إِدًّا [مريم:89] أي: منكراً فظيعاً عظيماً، وهذا المنكر العظيم كي نعرف حقيقته: تكاد السبع السماوات تتفطر من هذا الافتراء وهذا الكذب، فتكاد تتمزق وتتناثر من سماع هذا القول، وتنشق الأرض وتنهد الجبال من أجل هذا الكفر العظيم، كذب محض وبهتان عظيم.

    قل لهم يا رسولنا: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم:89] أي: منكراً فظيعاً عظيماً.

    تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم:90] أي: يتشققن، وَتَنشَقُّ الأَرْضُ [مريم:90] أيضاً، وتسقط الجبال هداً من أجل هذه الكلمة، وهاهم يتبجحون بها اليوم من أمريكا إلى اليابان فيقولون: عيسى ابن الله -لعنة الله عليهم-.

    تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم:90] من هذا الكذب والمنكر الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن دعوا للرحمن ولداً...)

    قال تعالى: وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:90] بسبب: أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:91] أي: ادعوا للرحمن ولداً، فقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال بنو لحيان من العرب: الملائكة بنات الله، وجاء الرد عليهم في سورة الصافات: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الصافات:153-155].

    أن دعوا للرحمن عز وجل ولداً، ولولا أنه رحمن لكان قد أبادهم وأهلكهم في لحظة واحدة، لكنه الرحمن، وإلا كيف ينسبون إليه العجز والضعف ويوصف بهذا الوصف الخبيث، ولكنه من رحمته بهم ما أنزل بهم نقمته ولا عذابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً... إلا آتي الرحمن عبداً)

    قال تعالى: أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:91-92] أي: لا ينبغي له عز وجل أن يتخذ ولداً وليس في حاجة إليه، فيقول للشيء: كن فيكون، وهو خالق النساء والرجال، وخالق الكون كله، فكيف يحتاج إلى ولد؟!

    وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ [مريم:92] عز وجل أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:92] سواء كان عيسى أو عزير أو فلان وفلان، والبرهنة على هذا: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، فهل هذا يحتاج إلى ولد؟ فكل ما في السماوات وما في الأرض من ملائكة وإنس وجن ومخلوقات تأتي إلى الرحمن عز وجل عبداً ذليلاً حقيراً بين يديه، وليس معه مال ولا ولد ولا شيء.

    إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [مريم:93] أي: من الملائكة والإنس والجن؛ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] ذليلاً حقيراً بين يديه، ليس له مال ولا سلطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً)

    قال تعالى: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم:94] والله لقد أحصى الملائكة والإنس والجن وعرفهم واحداً واحداً، كيف لا وهو خالقهم؟ وكيف يكون منهم ولد له من الملائكة أو من الإنس أو من الجن؟!

    لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم:94] أي: أحصاهم فرداً فرداً، علمهم قبل أن يخلقهم، وعلمهم بعد أن خلقهم، وهم عبيده الأذلاء الذي يتصرف فيهم ويتحكم فيهم، كيف يوجد بينهم ولد له يا عقلاء البشر؟!

    وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:95] وكل هؤلاء من الملائكة والإنس والجن يأتي يوم القيامة واحد واحد، ليس معه أب ولا أم ولا أخ ولا مال ولا سلطان، بل يأتيه فرداً، فمن كانت هذه صفاته هل يحتاج إلى ولد؟!

    ألا يخجلون؟ ألا يستحون، حينما يقولون: عيسى ابن الله؟! فإنه كذب محض.

    فهذه الآيات استأصلت هذا المعتقد الباطل وأزالته من الوجود، فبقي الله الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا من أصر على اعتقاد أن الله في حاجة إلى زوجة أو ولد واتخذ ولداً فهو من أكفر الكفار ومن شر الخلق، وجريمته لا تطاق أبداً، ولا تقابل بجريمة، إذا كانت جريمة من يعتقد أن لله ولداً السماوات تكاد تتفطر، الأرض تنشق، الجبال تتهدم من أجل هذه الجريمة، فكيف إذاً يقولها عاقل ويعتقدها؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً)

    ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [مريم:96] اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم.

    يخبر تعالى بهذا الخبر العظيم وهو يساوي الدنيا وما فيها، وهذا خبر عظيم لمن فقهه وفهمه.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [مريم:96] أي: آمنوا بالله رباً وإلهاً، لا إله غيره ولا رب سواه، وآمنوا بالبعث الآخر وما يجري فيه، وآمنوا بالنبوة المحمدية وغيرها من النبوات قبله وصدقوا الله ورسوله في كل ما أخبر به ثم عملوا الصالحات من الصلاة إلى الزكاة، من الحج إلى الجهاد، إلى الرباط، إلى فعل النوافل والخيرات كلها؛ هؤلاء: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] هنيئاً لهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم.

    سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] أي: حباً، فإذا أحبهم؛ أحبهم أولياؤه أجمعون. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا أحب الله عبداً ) أحبه فكيف وصل إلى هذا المستوى؟

    أخذ يزكي نفسه ويطيبها ويطهرها بالإيمان وصالح الأعمال والبعد عن كل إثم وكل الآثام حتى طابت وطهرت وزكت، فإذا أحبه الله قال لجبريل: ( يا جبريل! إني أحب فلان بن فلان فناد في السماء، فينادي في السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلان بن فلان فأحبوه، ويلقي له القبول في الأرض، فلا يراه عبد مؤمن إلا أحبه )، وإذا أبغض الله عبداً؛ لأنه أكثر من الشرك والكفر والنفاق والخبث والشر والفساد والظلم و.. و.. نتن، عفن، كرهه الله، أبغضه الله، يقول: يا جبريل! إني أبغض فلان بن فلان فأعلن في السماء، فيعلن في السماء: يا أهل السماء! إن الله يبغض فلان بن فلان فأبغضوه، ويلقي له البغض في الأرض، فلا يراه عبد صالح إلا أبغضه. وهذه الآية صريحة، خبر عظيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96]، (وداً) أي: حباً يحبهم وتحبهم ملائكته ويحبه عباده المؤمنون الصالحون، فلهذا الأطهار والأصفياء في القرية، في المدينة، في الحي، في السوق، في المكان والله متحابون دائماً وأبداً، لا يكره بعضهم بعضاً ولا يبغض بعضهم بعضاً؛ لأن الحب ألقاه الله في قلوبهم كرامة لهم أكرمهم بها، فهيا بنا أولاً: نحقق الإيمان حتى نعرف أننا مؤمنون صادقون في إيماننا، ثم نعمل الصالحات، ثم تجنب الطالحات جهاداً للنفس والهوى والشيطان حتى تطيب النفس وتزكو ومن ثَمَّ ما تشعر إلا والحب يملأ قلبك.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] والود: الحب، حبه تعالى يحبهم، ويجعل لهم الحب في قلوب المؤمنين فيتحابون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً)

    ثم قال تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ [مريم:97] يخاطب رسوله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فيقول له: فإنما يسرنا هذا القرآن وسهلناه بِلِسَانِكَ [مريم:97] أي: باللسان العربي؛ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ [مريم:97]، أي: فإنما يسرنا القرآن يا رسولنا وسهلناه في لغته لتفهمه من أجل أن تبشر به المتقين، وهم أهل البشرى الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لأن المتقي هو الذي خاف من الله فاتقاه بطاعته وطاعة رسوله، وبفعل ما أمر الله به وأمر رسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ومن ثَمَّ طابت نفسه وزكت روحه، وأصبح كالملائكة يحبه الله وتحبه الملائكة ويحبه كل طاهر في الأرض، فهذا هو المتقي.

    أما الذي يتلطخ كل يوم بأطنان الذنوب والآثام فتتعفن نفسه وتخبث وتتدسى فمن سيحبه؟

    سيبغضه الله وأهل السماء وأهل الأرض.

    فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ [مريم:97] أي: القرآن الكريم بلسانك العربي؛ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ [مريم:97] وجاءت البشرى في قول الله تعالى من سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكأن سائل يقول: من هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا حزناً؟

    أجاب الله بنفسه فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] لا تعجز في الفهم ولا تتعب، وأولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون طول حياتهم، يتقون ما يسخط الله عليهم ويغضبه من ترك واجب أو فعل حرام، فهؤلاء المتقون.

    قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64] أي: لهم البشرى في الحياة الدنيا هذه وفي الآخرة، في الحياة الدنيا عند الوفاة تتنزل عليهم الملائكة فتبشرهم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وعينه مرتفعة إلى السماء ووجهه مستبشر كأنه يضحك، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ما قالوا آمنا وفجروا وسرقوا وكذبوا، بل: قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فسر لنا البشرى في الحياة الدنيا بقوله: ( إنها الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له )، قبل أن يموت لا بد من هذه البشرى، وصدق الله العظيم: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:64] وهنا قال تعالى: لِتُبَشِّرَ بِهِ [مريم:97] أي: بالقرآن؛ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97] واللد: جمع ألد، الخصوم، الظلمة، المعاندون، المكابرون. وهذه مهمة القرآن يبشر به المتقون وينذر به الجبابرة والطغاة والظلمة والماكرون.

    وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97] كـأبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان وفلان، وما أكثرهم اليوم! بالملايين، لكن أين العلماء الذين يبلغون النصارى واليهود وما هم فيه، وما يساقون إليه إلى جهنم والخلود فيها؟

    فهم يعيشون على الباطل، وعلى الكفر، وعلى الشرك -والعياذ بالله- رسول الله أدى أمانته ووفاها حتى قبضه الله وأمته تخلفه وخلفته قروناً عديدة ثم تنازلت عن ذلك، فمن سيبلغ اليهود والنصارى هذا الكفر الذي هم عليه؟ فهذا واجبنا نحن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد...)

    ثم قال تعالى: وَكَمْ [مريم:98] كثيراً أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم:98] كم أهلكنا قبل كفار قريش، وقبل كفار العرب، وقبل كفار العالم بأسره من أمم، كعاد وثمود وفرعون وما إلى ذلك.

    هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم:98] يا رسولنا؟ فهل فينا من يسمع أحد من قوم عاد ويراه، وهل يشعر به؟ قوم ثمود، قوم شعيب، قوم فرعون، أمم هل تحس منهم من أحد؟

    أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم:98] أي حركة أو صوت خفيف؟ فهم هلكوا والذي أهلكهم قادر على أن يهلك هؤلاء، قادر على إهلاك من شاء إهلاكهم.

    وهكذا تختم هذه السورة المباركة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] أي: حباً في قلوبهم؛ في قلوب المؤمنين بعد حبه تعالى لهم، ومن أحبه الله أفلح ونجا

    فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ [مريم:97] أي: يسرنا القرآن.

    بِلِسَانِكَ [مريم:97] يعني بلغة العرب؛ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ [مريم:97] ولو كان القرآن نزل على رسولنا بلغة غير عربية كيف سيبشر؟ وكيف سينذر؟

    لكن أنزله بلسان عربي ليقوى، ليقدر ويستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبشر المتقين بالجنة دار النعيم والفوز الكبير في الدنيا والآخرة، وينذر أهل الشرك والكفر والظلم بالعذاب الأليم في الدار الآخرة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نسمعكم شرح الآيات.

    معنى الآيات

    قال: [ ما زال السياق في ذكر مقولات أهل الشرك والجهل والرد عليها من قبل الحق تبارك وتعالى، فقال تعالى مخبراً عنهم: وَقَالُوا [مريم:88] أي: أولئك الكافرون: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا [مريم:88] إذ قالت بعض القبائل العربية: الملائكة بنات الله -وهم بنو لحيان-، وقالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله. يقول تعالى لهم بعد أن ذكر قولهم: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم:89] أي: أتيتم بشيء منكر عظيم ].

    [ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم:90] أي: يتشققن منه لقبح هذا القول وسوئه.

    وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:90] أي: تسقط لعظم هذا القول؛ لأنه مغضب للجبار عز وجل، ولولا حلمه ورحمته لمس الكون كله عذاب أليم.

    وقوله تعالى: أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم:91] أي: أن نسبوا للرحمن ولداً.

    وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ [مريم:92] أي: لا يصلح له ولا يليق بجلاله وكماله الولد؛ لأن الولد نتيجة شهوة بهيمية عارمة تدفع الذكر إلى إتيان الأنثى فيكون بإذن الله الولد ] كيف لا ينزه الله عن هذا؟

    [ والله عز وجل منزه عن مشابهته لمخلوقاته، وكيف يشبههم وهو خالقهم وموجدهم من العدم؟! ] وهل هذا يشبه صانعه؟!

    [ وقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] هذا برهان على بطلان قولة الكافرين الجاهلين، إذ ما من أحد في السماوات أو في الأرض من ملائكة وإنس وجن إلا آتي الرحمن عبداً خاضعاً ذليلاً منقاداً يوم القيامة، كيف يعقل اتخاذه ولداً؟! إذ الولد يطلب للحاجة إليه، والغني عن كل خلقه ما هي حاجته إلى عبد من عباده يقول هذا ولدي؟ اللهم إنا نبرأ إليك مما يقوله الجاهلون بك الضالون عن طريق هدايتك يا رب العالمين.

    وقوله تعالى: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم:94] أي: علمهم واحداً واحداً، فلو كان بينهم إله معه أو ولد له لعلمه، فهذا برهان آخر على بطلان تلك الدعوة الجاهلية الباطلة الفاسدة.

    وقوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:95] هذا رد على أولئك الذين يدعون أنهم إن بُعثوا يكون لهم المال والولد -كما تقدم بالأمس- والشفيع والنصير. فأخبر تعالى أنه ما من أحد إلا ويأتيه يوم القيامة فرداً ليس معه شافع ولا ناصر، ولا مال ولا سلطان.

    وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [مريم:96] يخبر تعالى أن الذين آمنوا بالله وبرسوله وبوعد الله ووعيده فتخلوا عن الشرك والكفر وعملوا الصالحات وهي أداء الفرائض وكثير من النوافل؛ هؤلاء يخبر تعالى أنه سيجعل لهم في قلوب عباده المؤمنين محبة ووداً، وقد فعل سبحانه وتعالى، فأهل الإيمان والعمل الصالح متحابون متوادون، وهذا التوادد بينهم ثمرة لحب الله تعالى لهم.

    وقوله تعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ [مريم:97] أي: هذا القرآن الكريم الذي كذب به المشركون -واليهود والنصارى والدنيا كلها إلا المسلمون، هذا الكتاب الذي كذب به المشركون سهلناه، أي:- سهلنا قراءته عليك إذ أنزلناه بلسانك؛ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ [مريم:97] من عبادنا المؤمنين وهم الذين اتقوا عذاب الله بالإيمان وصالح الأعمال بعد ترك الشرك والمعاصي.

    وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97] وهم كفار قريش، وكانوا ألداء أشداء في الجدل والخصومة.

    وقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم:98] أي: وكثيراً من أهل القرون السابقة لقومك أهلكناهم لما كذبوا رسلنا وحاربوا دعوتنا، فـ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم:98] فتراه بعينك أو تمسه بيدك؟ -الجواب: لا- أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [مريم:98] أي: صوتاً خفياً، اللهم لا، فهلا يذكر هذا قومك فيتعظوا، فيتوبوا إلى ربهم بالإيمان به وبرسوله ولقائه ويتركوا الشرك والمعاصي ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: عظم الكذب على الله بنسبة الولد أو الشريك إليه، أو القول عليه بدون علم ]، عظم جرم الكذب على الله، سواء بنسبة الولد إليه أو بنسبة الشريك له، ويكفينا في الدلالة على هذا: تكاد السماوات تتفطر والأرض تنشق والجبال تنهد لهذه الكلمة الفاجرة الكافرة.

    [ روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( يقول الله تبارك وتعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: ليس يعيدني كما بدأني ) ]، هذا تكذيب الإنسان لربه، الذي ينكر البعث والدار الآخرة والحياة بعد الموت كذّب الله عز وجل.

    قال: [ ( ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته ) ]، قطعاً.

    [ ( وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً ) ]، شتم الإنسان لله تعالى أن ينسب له ولد أو شريك.

    [ ( وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ).

    وروى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله ) ]، لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله أبداً.

    [ ( أن يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم ) ]، يشركون به وينسبون له ولد ويعافيهم ويرزقهم و.. و.. كما تشاهدونه. هذا حلم الله العظيم.

    [ بيان أن كل المخلوقات من أجلها إلى أحقرها ليس فيها غير عبد لله، فنسبة الإنسان أو الجان أو الملك إلى الله تعالى هي عبد لرب مالك قاهر عزيز حكيم ].

    [ ثالثاً: بيان إحاطة الله بخلقه ومعرفته لعددهم فلا يغيب عن علمه أحد منهم، ولا يتخلف عن موقف القيامة فرد منهم، إذ الكل يأتي الله تعالى يوم القيامة فرداً ].

    [ أعظم بشرى تحملها الآية الأولى وهي حب الله وأوليائه لمن آمن وعمل صالحاً ]، بشرى عظيمة أن يحبك الله ويحبب إليك عباده، وسبب هذه البشرى الإيمان والعمل الصالح فبهما تتحقق هذه البشرى العظيمة، سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96].

    [ ثانياً: بيان كون القرآن ميسراً؛ أن نزل بلغة النبي صلى الله عليه وسلم من أجل البشارة لأهل الإيمان والعمل الصالح، والنذارة لأهل الشرك والمعاصي ]، لو نزل القرآن بلغة غير العربية الرسول ما يعرفها، ينطق بها ولا يفهم معناها كيف يبشر المتقين؟ كيف ينذر الكافرين؟ لا بد وأن يكون بلسانه، فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ [مريم:97] لهذه العلة: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم:97].

    [ ثالثاً وأخيراً: إنذار العتاة والطغاة من الناس أن يحل بهم ما حل بمن قبلهم من هلاك ودمار، والواقع شاهد؛ أين أهل القرون الأولى؟ ].

    والله تعالى نسأل أن يتوب علينا وعليهم، وأن يعفو عنا وعنهم، وأن يكرمنا وإياهم، وأن يرضى عنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.