إسلام ويب

تفسير سورة مريم (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان المشركون إذا سمعوا آيات الله تتلى أعرضوا وقالوا للمؤمنين: نحن أفضل مقاماً ونادياً منكم، وفعلهم هذا إنما هو رد فعل لما يسمعونه من البشارة للمؤمنين في آيات الله، فجاء الخبر من الله عز وجل أن سنته عز وجل لا تتبدل ولا تتخلف في الذين كذبوا وطغوا، فهو سبحانه يمهلهم ويمد لهم في أسباب التمكين، ثم إذا انتهوا إلى وقتهم المحدد أخذوا بالعذاب، إما عذاب الدنيا من قتل وأسر وذلة وصغار، وإما عذاب الآخرة حيث يحشرون إلى النار وبئس المهاد.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة مريم

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة مريم عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا * قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:73-76].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات لها ارتباط كامل بالآيات التي تدارسناها في الدرس الماضي، قال تعالى: وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]، وهذا عرفناه أنه إنكار للبعث وتكذيب بيوم القيامة.

    وقال تعالى: أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم:67]، فلو ذكروا لعرفوا ولكن الجهل والعناد حملهم على التكذيب بالبعث الآخر.

    وقال تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم:68]، أي: هؤلاء المكذبون بالبعث الآخر، فيقسم تعالى أنه سيحشرهم مع الشياطين، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم:68]، أي: على ركبهم.

    وقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69]، أي: من كل طائفة متناصرة على الباطل، سيأخذ رؤساءهم أولاً إلى النار.

    وقوله تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70]، أي: سيصلي بالنار من هم أحق بها وأولى.

    وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ [مريم:71]، أي: ما منكم إلا ورادها، وقد عرفنا أنه المرور على الصراط، ينصب الجبار جسراً على جهنم فيمر المؤمن والكافر والبار والفاجر على هذا الجسر، فأهل الكفر والفسق والفجور والشرك يسقطون في جهنم، وأهل الإيمان وصالحي الأعمال يعبرون في سلام وأمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( تحلة قسم ) فقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً...)

    قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:71-72]، وهؤلاء يخبر تعالى عنهم: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [مريم:73]، أبي بن خلف ، والعاص بن وائل ، وعقبة بن أبي معيط وأبو جهل وهم مجموعة من الطغاة.

    وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [مريم:73]، أي: يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر أو عمر من المؤمنين، إذا قرءوا عليهم الآيات ليبينوا لهم طريق السلامة والنجاة وهو الإيمان والتوحيد والعمل الصالح، إذا تليت عليهم الآيات ردوا بالفعل، قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، أي: نحن أم أنتم؟ أي: انظروا إلى منازلنا وديارنا وإلى لباسنا وإلى أمتعتنا وإلى نادينا ومجتمعنا أين أنتم منا، وأين منازلكم؟

    كـبلال وعمار وصهيب وفلان.. أين ناديكم؟ دار الأرقم ابن أبي الأرقم محصورين فيها مع نبيكم؟

    وقالوا هذا تبجحاً ورداً للفعل.

    قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [مريم:73] يقرأها رسول الله أو أحد أصحابه ويبين لهم فيها الحق والطريق والهداية، فردوا الفعل، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [مريم:73]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله ونبوة رسوله، والبعث الآخر والجزاء فيه، فقالوا للذين آمنوا: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [مريم:73]، نحن أم أنتم، أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم:74]، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا [مريم:73]، أي: منزلة ودار وبستان، وأحسن أثاثاً ورئيا، والأثاث في المنزل هي الفرش، والأدوات والأواني وكلها أثاث.

    والندي: هو النادي، انظروا إلى ناديكم دار الأرقم، وانظروا إلى نادينا الأعظم الذي يجتمع فيه رؤساء المشركين، وهذا الكلام رد فعل فقط، ولما وعظوا وذكروا بالآيات لم يحملهم الكبرياء والجحود والعناد على أن يسلموا، وقالوا رداً على هذا الكلام: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [مريم:73]، أي: نحن أم أنتم يا محمد وأصحابك، خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، والمقام: حيث القيام، يعني: ينظرون إلى سكن بلال وفلان وفلان، أين يسكنون، وانظر إلى ديار أبي سفيان وأبي جهل وفلان وفلان.. وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، أي: نادينا نحن هذا الذي يجتمع عليه كبراء المشركين والشعراء وناديكم أنتم ها هو دار الأرقم ابن أبي الأرقم.

    وهكذا يردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا هم قرءوا عليهم الآيات القرآنية من أجل هدايتهم ودخولهم في الإيمان والإسلام، وهذه كلمتهم قالوها رداً للفعل، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا [مريم:73]، أي: رسول الله وأصحابه، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [مريم:73]، أخبرونا، مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، نحن أم أنتم، وقالوا هذا؛ حتى ما يسمعوا الآيات ولا يدخلون في الإيمان والإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً)

    قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم:74]، أي: كم وكم من أهل القرون أهلكناهم، هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم:74]، كم وكم من الأمم أهلكم الله وهم أحسن من قريش وكفار قريش في الأثاث والمنظر، وقرئ: (زيا)، أي: منظراً، فكثيراً من الأمم أهلكها الله من أهل القرون السابقة، والحال أنهم أحسن من كافر قريش منظراً وأحسن منهم أثاثاً، لا قيمة لما عند قريش مع قوم عاد أو ثمود، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم:74]، أي: من أهل قرن، هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا [مريم:74]، أثاث ما في البيوت من أمتعة، و أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم:74]، أي: منظراً في جمالهم ولباسهم وصلاحهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75]، هذه سنة الله عز وجل أخبرهم: أن من كان في ضلالة الشرك والكفر والتكذيب بالنبوة المحمدية، وإنكار البعث والجزاء، والتنكر للصالحات ورفضها، هؤلاء: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75]، أي: يزيدهم في أموالهم وفي لباسهم، وفي أثاثهم حتى في أعمارهم، حتى تحين ساعة الهلاك، وهذه سنة الله عز وجل في أهل الطغيان والشر والفساد ما يهلكهم الله لأول مرة، بل يملي لهم ويمهل ويزيد ويزيد.. حتى يبلغوا الحد الذي يستوجب به عذاب الله فيهلكهم، وهكذا يعلم الله تعالى رسوله ليعلم كفار قريش مصيرهم، قُلْ [مريم:75] يا رسولنا، مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ [مريم:75]، الضلالة والضلال: البعد عن الحق، وعدم معرفة الحق، فالذين يعبدون الأصنام والأحجار ويستغيثون بها لم يعرفوا طريق الهداية، ولكن مشوا في طريق الضلال، وكفروا بالله ونسوه وأشركوا به، وتنكروا لرسالته ونبوته فهم في الضلالة.

    قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75]، أي: يزيد في عمره وفي ماله وفي طغيانه، حتى تحين الساعة ويتم الأجل، وهذه سنة لا تتخلف، فما كل ظالم هلك من يومه، لابد وأن يملي لهم ويمهل حتى يستوجبوا المسخ والعذاب.

    حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ [مريم:75] أي: يوم القيامة، إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ [مريم:75]، (ما يوعدون) أي: من قبل الله، وقد توعدهم اللهم بالعذاب، أما عذاب الدنيا بالوباء والبلاء والمرض، وألم من الآلام، وعذاب بوم القيامة في ساحة فصل القضاء، حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ [مريم:75]، في الدنيا بالبلاء الذي يصيبهم، وَإِمَّا السَّاعَةَ [مريم:75]، عذاب الساعة، هناك: فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا [مريم:75]، رسول الله وأصحابه أبو بكر ورجالاته، أم هم.

    قُلْ [مريم:75]، أي: يا رسولنا قل لهم، مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75]، إلى متى؟ حَتَّى إِذَا رَأَوْا [مريم:75] بأعينهم، مَا يُوعَدُونَ [مريم:75] من عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، إِمَّا الْعَذَابَ [مريم:75] في الدنيا، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا [مريم:75]، رسول الله أو أبو جهل وجماعته؟ وَأَضْعَفُ جُندًا [مريم:75] ونصرة، ثم يعلمون، إما عذاب الدنيا، إذا دقت ساعته ثم يفهمون من أفضل، هل رسول الله وأصحابه أم هم؟ كذلك إذا ما أخذوا في الدنيا سيؤخذون في الآخرة، في عرصات القيامة وسيعرفون: مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا [مريم:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى...)

    ثم قال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]، الظالمون سيمهلهم الله ويتركهم حتى تحين ساعتهم، والمؤمنون الموحدون كل ما قرأت الآيات ونزلت الآيات يزدادون إيماناً، وكلما تنزل آية يقوى إيمانهم وعلمهم وبصيرتهم، والمشركون كلما تنزل آية يعاندون ويكابرون، وهكذا يقول تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]، أي: كلما تنزل الآيات يزداد المؤمنون إيماناً، والكافرون والمنافقون يزدادون كفراً ونفاقاً، قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125]، وهذه الآيات كالإعلانات التي تعلنها الدولة، فكلما تنزل آيات تحمل الهدى ينتفع المؤمنون ويزداد إيمانهم، ويهلك الكافرون ويزدادون في ضلاهم؛ لأنهم كفار على علم، محاربين للإسلام وأهله، وهذه جماعة أهل مكة ومن مثلهم إلى الآن.

    وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [مريم:76]، أي: من أموال الدنيا، ومساكنها وعماراتها وركائبها وما فيها، وفيها تسلية لرسول الله والمؤمنين؛ لأن الآخرون تبجحوا عليهم بالأهدية واللباس والأمتعة و.. و.. والمؤمنون فقراء، فقال تعالى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، (مرداً) أي: يرجعون إليه ألا وهو الجنة.

    معنى قوله تعالى: (والباقيات الصالحات خير عند ربك)

    والباقيات الصالحات: هي كل العبادات التي نعبد الله بها من ذكر، من صلاة، من صيام، من حج، من رباط، وكل هذه العبادات هي الباقية وهي الصالحة المزكية للنفس، أما الأموال وما يملكه الناس من أمتعة وأثاث فلا قيمة لها ولو ملكوا الدنيا كلها، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا [مريم:76]، أي: جزاء، وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، يردون إليه ويرجعون ألا وهو الجنة.

    وهنا لطيفة: فسر النبي صلى الله عليه وسلم الباقيات الصالحات في أحاديث أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وليس هي الباقيات الصالحات فقط لكن منها، وهذه الأذكار اجعلوها ورداً لكم في اليوم والليلة، فهذا خير عند ربكم ثواباً وجزاء وخيراً مرداً تردون إليه أحسن مرد تردون إليه ألا وهو الجنة، فلنجعل هذه الأذكار ورداً ولا نفارقها ما حيينا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، مرة.. عشرة.. عشرين.. أربعين.. خمسين..، ولتكن هكذا دائماً معنا طول اليوم والليلة، ولا ننساها؛ لإخبار الله تعالى عنها، فقال: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ [مريم:76]، أي: خير من الدنيا بكل ما فيها، وخير ثواباً، وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، أي: خير مرجع نرجع إليه إلا وهو الجنة دار السلام.

    وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، مع العلم أن الباقيات الصالحات هي كل العبادات، أليست باقية خالدة صالحة؟!

    إذاً: كل عبادة شرعها الله ونعبده بها كما بينها هي والله من الصالحات الباقيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الآيات من الكتاب لنزداد بصيرة: [ ما زال السياق في تقرير النبوة والتوحيد والبعث الآخر ]، وعرفتم هذا في السور المكية كلها، فالسياق مهما تغير لابد وأنه يقرر التوحيد، ويقرر النبوة المحمدية، ويقرر الدار الآخرة وما فيها، وهذا شأن كل سورة مكية.

    معنى الآيات

    قال: [ يقول تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [مريم:73]، أي: وإذا قرئت على كفار قريش المنكرين للتوحيد والنبوة المحمدية والبعث والجزاء يوم القيامة، وإذا قرئت -تليت قرئت- على كفار قريش ]، ويقرأ الآيات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة.

    [ على كفار قريش المنكرين المكذبين بالتوحيد والنبوة المحمدية والبعث والجزاء يوم القيامة، إذ قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد المؤمنين من أصحابه بعض الآيات من القرآن البينات في معانيها ودلائلها على التوحيد والنبوة والبعث -لأنهم عرب، وآيات القرآن يفهمونها واضحة- قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73] ]، نحن أم أنتم؟ إذا قرئت الآيات من رسول الله أو أصحابه على أبي جهل أو على عقبة أو على أبي بن خلف يردون بدل ما يقولوا: آمنا واتبعنا صدقتم، نحن جهال ضلال، قالوا: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، نحن أم أنتم؟ انظروا إلى لباسكم ومتاعكم وبيوتكم وناديكم الذي تجتمعون فيه، وانظر إلى ما عندنا نحن، هذا كلام باطل، ولكن ماذا يقولون؟ إلا هذا ليردوا الكلم. قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، الندي: هو النادي الذي يجتمعون فيه.

    [ وقولهم هذا هو رد فعل لا غير إذ إنهم لما يسمعون الآيات تحمل الوعد للمؤمنين -بالخير- والوعيد للكافرين -بالشر من- مثلهم لا يجدون ما يخففون به ألم نفوسهم فيقولون هذا الذي أخبر تعالى به عنهم ]، لما يسمعون الآيات بينات واضحة ماذا يفعلون؟ ما يجدون كيف يخففون عن أنفسهم، فيقولون هذه الكلمة: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73].

    قال: [ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [مريم:73]، أي: فريق المؤمنين أو فريق الكافرين، خَيْرٌ مَقَامًا [مريم:73]، أي: منزلاً ومسكناً، وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مريم:73]، أي: نادياً ومجتمعاً يجتمع فيه؛ لأنهم يقارنون بين منازل فقراء المؤمنين ودار الأرقم ابن أبي الأرقم التي يجتمع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وبين دور ومنازل أبي سفيان وأغنياء مكة ونادي قريش وهو مجلس شوراهم فرد تعالى عليهم بقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم:74] ]، هل قوم عاد كانوا كأهل مكة، قوم ثمود كانوا كأهل..؟ والله ما كان كانوا أجل وأعظم في كل شيء في شئون الحياة. فرعون أهلكه الله، كان مثل قريش يعني؟ كان أعز وأعلى وأعظم. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم:74]، يعني: من أهل قرن والقرن مائة سنة كما تعرفون، هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم:74]، أي: منظراً.

    [ أي لا ينبغي أن يغرهم هذا الذين يتبجحون به ويتطاولون فإنه لا يدوم ما داموا يحاربون دعوة الحق والقائمين عليها، فكم وكم من أهل قرون أهلكناهم لما ظلموا وكانوا أحسن من هؤلاء مالاً ومتاعاً ومناظر حسنة جميلة. وقوله تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75] ]، هذا والله إلى الآن، قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ [مريم:75] أي: في الشرك والكفر والفسق والفجور والبعد عن الإيمان والإسلام والدار الآخرة.

    قال تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75].

    [ أي: اذكر لهم سنتنا في عبادنا يا رسولنا! وهي أن من كان في ضلالة الشرك والظلم والمكابرة والعناد، فإن سنة الرحمن فيه أن يمد له، بمعنى: يمهله ويملي له استدراجا حتى إذا انتهوا إلى ما حدد لهم من زمن يؤخذون فيه بالعذاب جزاء كفرهم وظلمهم وعنادهم وهو إما عذاب دنيوي بالقتل والأسر ونحوهما أو عذاب الآخرة بقيام الساعة حيث يحشرون إلى جهنم عمياً وبكماً وصماً جزاء التعالي والتبجح بالكلام وهو معنى قوله تعالى: حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ [مريم:75] -واحد من اثنين، ثم- فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا [مريم:75] -هم أو رسول الله وأصحابه- أي: شر منزلة وأقل ناصراً أهم الكافرون أم المؤمنون؟ ولكن حين لا ينفع العلم. إذ التدارك أصبح غير ممكن -فات الحال- وإنما هي الحسرة والندامة لا غير ]، أي: عند مشاهدة العذاب لا ينفع الندم.

    [وقوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا [مريم:76]، أي: إذا كان تلاوة الآيات البينات تحمل المشركين على العناد والمكابرة؛ وذلك لظلمة كفرهم فيزدادون كفراً وعناداً، فإن المؤمنين المهتدين يزدادون بها هداية؛ لأنها تحمل لهم الهدى في كل جملة وكلمة منها وهم لإشراق نفوسهم بالإيمان يرون ما تحمل الآيات من الدلائل والحجج والبراهين فيزداد إيمانهم وتزداد هدايتهم في السير في طريق السعادة والكمال بأداء الفرائض واجتناب المناهي ].

    قوله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا [مريم:76] يزيدهم إذا تليت الآيات وسمعوها يزدادون إيماناً وهم المؤمنون، والآخرون وهم الكافرون إذا سمعوها ازدادوا كفراً وطغياناً؛ لأن قلوبهم ميتة مظلمة، وهؤلاء قلوبهم حية مستنيرة.

    قال: [ أي: إذا كان تلاوة الآيات البينات -إذا كانت- تحمل المشركين على العناد والمكابرة؛ وذلك لظلمة كفرهم فيزدادون كفراً وعناداً، فإن المؤمنين المهتدين يزدادون بها هداية؛ لأنها تحمل لهم الهدى في كل جملة -بل في- كلمة منها، وهم لإشراق نفوسهم بالإيمان يرون ما تحمل الآيات من الدلائل والحجج والبراهين فيزداد إيمانهم ويزداد هدايتهم في السير في طريق السعادة والكمال بأداء الفرائض واجتناب -المنهيات أو- المناهي.

    وقوله تعالى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [مريم:76]، أيها الرسول، ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، أي: في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن ما يتبجح به المشركون من المال والمتاع وحسن الحال لا يساوي شيئاً أمام الإيمان وصالح الأعمال ]، إي والله العظيم! لو يملك الإنسان ما يملك من مدن كاملة لن تساوي إيمان مؤمن، والله لركعتان لله خالصتان تساوي الدنيا بما فيها، لكن الكفر هكذا يحمله على أن يتبجح بالمال والأولاد، والسلطان.

    [وقوله تعالى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [مريم:76]، أيها الرسول، -خير ماذا؟- ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم:76]، في هذه الآية -قلت- تسلية -وتصبير- للرسول والمؤمنين بأن ما يتبجح به المشركون من المال والمتاع وحسن الحال لا يساوي شيئاً أمام الإيمان وصالح الأعمال؛ لأن المال فاني، والصالحات باقيات، فثواب الباقيات الصالحات من العبادات والطاعات خير من كل متاع الدنيا وخير مرداً -أي- مردوداً على صاحبها إذ هو الجنة دار السلام والتكريم والإنعام]، اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين، اللهم ارزقنا إيماناً صادقاً وعملاً صالحاً.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: الكشف عن نفسيات الكافرين وهي الاعتزاز بالمال والقوة إذا اعتز المؤمنون بالإيمان وثمراته في الدنيا والآخرة ]، وهذه إلى الآن، فأيما كافر وأيما مشرك وأيما أعمى ضال يتبجح بماله وسلطانه، والكفار الآن في أوروبا وفي الصين يتبجحون على المسلمين، ويقولون: أين إسلامكم؟ فيكم الفقر والذل والهون وأنتم تابعون لنا، ويتبجحون بالسلطان والدولة والمال، وهذه سنة الله.

    [ وذلك إذا اعتز المؤمنون بالإيمان وثمراته في الدنيا والآخرة من حسن العاقبة ]، إذا واجه المؤمنون الكافرين وفرح المؤمنين واعتزوا بالإيمان وصالح الأعمال يردون عليهم الآخرون بالاعتزاز بالمال والسلطان والقوة، إلى الآن.

    [ ثانياً: بيان سنة الله تعالى في إمهال الظلمة والإملاء لهم استدراجاً لهم حتى يهلكوا خاسرين ]، وهذه إلى الآن سواء في اليهود أو في الروس أو في أي جهة في أي مكان، أهل الظلم والشر والفساد يزدادون طغياناً؛ لأن الله هو الذي يمهلهم ويؤخر لهم حتى يبلغوا ساعة يستوجبون فيها الدمار والعذاب، هذا واقع نعيشه وتعيشه البشرية، أهل الطغيان والكفر والعناد والكبر والشرك والعياذ بالله يزدادون قوة، يزدادون مال، يزدادون.. إلى متى؟ لأن الله أمضى سنته هذه فيهم، حتى تدق الساعة، إما عذاب الدنيا بالإبادة بالاستئصال بحرب تفنيهم بكذا بمرض وإما عذاب الآخرة إذا شاهدوا الساعة.

    [ثالثاً: بيان سنة الله تعالى في زيادة إيمان المؤمنين عند سماع القرآن الكريم، أو مشاهدة أخذ الله تعالى للظالمين]، وهكذا من فضل الله على المؤمنين إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم يزداد إيمانهم، إذا شاهدوا مصارع الكافرين الهلكى يزداد إيمانهم، سنة الله أيضاً، المؤمنون الصالحون إذا تليت عليهم الآيات سمعوا كتاب الله والله يزداد إيمانهم، إذا شاهدوا مصارع الظالمين وما أنزل الله بهم من عذاب يزدادون إيماناً كذلك؛ لأنهم عرفوا وعيد الله للكافرين.

    وقال الشيخ غفر الله لنا وله ولوالدينا أجمعين في الحاشية: [ وفي الآية وجه آخر مشرق صالح وهو: أن الله تعالى يمد لأهل الضلالة في ضلالتهم، ويزيد لأهل الهداية في هدايتهم إذ قال: مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [مريم:75].. وقال: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76]، وما في التفسير صالح ومشرق أيضاً ].

    [ رابعاً: بيان فضيلة الباقيات الصالحات ومنها.. ] بيان فضيلة الباقيات الصالحات، يا معشر المستمعين والسامعات! اتخذ ورداً من هذا الذكر، ما جئنا لنسمع فقط أو لنعلم ولا نعلم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاجعل ورداً مائة.. مائتين .. عشر.. لابد وأن ترد هذا الحوض يومياً.

    وليكن تسبيحي أولاً: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشراً ثم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله عشراً، ثم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر عشراً، ثم سبحان الله والحمد لله والله أكبر عشراً؛ لأن هذه كلها واردة فنجمع بينها كلها.

    [ إذاً رابعاً وأخيراً: بيان فضيلة الباقيات الصالحات ومنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ]، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين أولي البصائر والنهى يا حي يا قيوم.