إسلام ويب

تفسير سورة مريم (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنكر بعض المشركين البعث بعد الموت، وكان في يده عظم قد بلي ففته بين أصابعه، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات مخبراً عباده أن الله عز وجل الذي خلق الإنسان أول مرة ولم يك شيئاً قادر على أن يعيد إخراجه بعد أن يكون عظاماً بالية، ثم يحشر المكذبين منهم والعتاة المجرمين مع الشياطين إلى جهنم، وينصب عز وجل الصراط على متنها، فأما المتقون فيجوزونها بفضل الله ورحمته، وأما المجرمون فلا يستطيعون، وفي جهنم يتساقطون، وبئس مقام الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة مريم عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:66-72].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! يخبر تعالى فيقول: وَيَقُولُ الإِنسَانُ [مريم:66]، وهذا الإنسان هو الكافر، المكذب بتوحيد الله ونبوة رسول الله، والمكذب بالبعث الآخر وما يتم فيه.

    سبب نزول قوله تعالى: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً)

    ورد أن أبي بن خلف كان قريباً من الصفا، فأخذ عظاماً ففتتها بيديه وقال: يزعم محمد أن هذا يحيا، فسواء كان أبي أو كان الوليد بن المغيرة أو كان العاص بن وائل ، فهذه عامة في كل الكافرين المكذبين بالبعث والدار الآخرة، وإلى اليوم وملايين من البشر في الصين واليابان، وفي أمريكا، في الشرق والغرب لا يؤمنون بالبعث الآخر والحياة الآتية، ومن ثم والله لا خير فيهم، فهم أموات وليسوا بأحياء.

    يقول تعالى مخبراً عما يقول هذا الملحد الكافر: وَيَقُولُ الإِنسَانُ [مريم:66]، أي: مستهزئاً ساخراً، منكراً، أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]، وهكذا المكذبون بيوم القيامة المنكرون للبعث، فهذه لسان حالهم ومقالهم، فيقولون: بعدما نموت ونفنى ونصبح عظاماً هل سنحيا من جديد؟ ويقولون هذا إلا من أجل أن يستمروا على الكفر والخبث والشر والفساد، أما كون عقولهم ما أدركت هذا وما طاقته فهذا لا يقال أبداً، فالذي أوجدك اليوم سيوجدك غداً، بل وجود غداً أسهل من وجود اليوم؛ لأنك وجدت وعرفت وعلمت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً)

    فرد الله تبارك وتعالى عليه بقوله: أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ [مريم:67]، أي: هذا الكافر المكذب بالبعث الآخر.

    أَوَلا يَذْكُرُ [مريم:67]، (أولا يتذكر)، قراءة سبعية، (أولا يتذكر أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً)، لِمَ ما يتذكر هذا ويستذكره؟

    أيها الحاضرون! أيها المستمعون! قبل مائة سنة هل كان موجود بيننا أحد؟!

    فلن تأتي مائة سنة إلا ولم يبق منا أحد، فالذي أوجدنا اليوم سيوجدنا غداً، ولا يعقل أبداً إنكار البعث الآخر والتكذيب به، ما دام الخلاق العليم قد خلق وأوجد وأخبر وواعد وعد الصدق أنه سيعيدنا من جديد أحياء؛ لنتلقى الجزاء على العمل في هذه الدنيا -وهذا أيضاً علمناه وتكرر- فلو سئلت: لِمَ خلق الله هذه الحياة الأولى، فبم ستجيب؟

    من أجل العمل، أما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، أما قال: اعْمَلُوا [التوبة:105]..

    إذاً: وما سر الحياة الثانية، وما علة وجودها؟

    الجواب: الجزاء، ليجزينا بما كنا نعمل، فينبغي ألا يغيب هذا عن أذهاننا، فلو يجتمع علماء الكون كلهم والله ما يعرفون هذا إلا المسلمون فقط، ولو تسأل عن سر بناية هذا المسجد، لقيل لك: للصلاة فيه.

    ولو سألت عن سبب صنع العمامة، لقيل لك: لتقيك الحر والبرد.

    ولو سألت عن سر هذا الوجود الأولي، لقيل لك: من أجل أن يعبدوا الله عز وجل، وعلة الحياة الثانية ووجودها بعد فناء هذه وإنهائها هو الجزاء على العمل في هذه الدنيا، فمن يعمل صالحاً يجزى به ومن يعمل سوءاً يجزى به.

    وَيَقُولُ الإِنسَانُ [مريم:66] أي: ساخراً مكذباً منكراً، أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]؟ قال تعالى: أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ [مريم:67] أي: هذا الكافر الملحد، أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم:67]، أي: لا اسم له ولا صفة ولا وجود ولا ذات، والذي أوجدك اليوم سيوجدك غداً عقلاً ومنطقاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين...)

    ثم قال تعالى مخاطباً مصطفاه ونبيه صلى الله عليه وسلم: فَوَرَبِّكَ [مريم:68] أي: يا رسولنا؛ لأن الرسول يؤلمونه بهذا الكفر وبهذا التكذيب ويتحدونه -كما سمعتم-، فهذا يكسر العظم ويقول: أنت تزعم أن هذا يحيه الله؟ فيقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم:68]، أي: نجمعهم مع الشياطين، فالكافر معه شيطانه، والفاسق والفاجر معه شيطانه مرتبط به.

    لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم:68]، أي: باركين على ركبهم، وهذا شأن المكذبين الكافرين، الفاسقين، الفاجرين.

    يقسم الله عز وجل بنفسه فيقول: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ [مريم:68]، مع بعضهم البعض، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم:68]، الجثي: الجاثي البارك على ركبتيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً)

    ثم يقول تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ [مريم:69]، الشيعة: الفرقة التي تتعاون على الباطل والشر والفساد. الشيعة: أي: الأمة، الجماعة، الجيل الذين تشيعوا وتعاونوا على الباطل والكفر والشرك والفساد.

    لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69] أي: نبدأ برؤسائهم ومن كانوا أكثر كفراً وعناداً وتكذيباً، أي: هم الأولون ثم بعد ذلك الباقون.

    ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69]، أي: ننزع من هم أشد كفراً وعناداً والعياذ بالله تعالى.

    أولاً: الرؤساء، رؤساء الباطل والشر وهم أول من يؤخذ.

    ثانياً: الرؤساء الذين كانوا أشد عنداً وكفراً ومحاربة للحق في كل مكان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70]، (ثُمَّ لَنَحْنُ) أي: رب العزة والجلال والكمال، أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا [مريم:70]، أي: أعلم بجهنم احتراقاً واصطلاءً، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70]، (هم) أي: أهل الشرك والظلم والكفر والفساد هم المتمردون على الله وعلى شرائعه وعلى عباداته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها...)

    ثم قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ [مريم:71]، يا بني الناس، إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، إلا سيرد جهنم، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، وهذا الورود ليس معناه الدخول فيها، وإنما معناه كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحت الأحاديث وهو معتقد أهل السنة والجماعة، والحديث في مسلم هو: ( أن الله ينصب على جهنم جسراً ثم تمر عليه البشرية والجن المؤمنون والكافرون، الكافرون يسقطون ولا ينجو منهم أحد ويخرون على ركبهم في جنهم، والمؤمنون يتفاوتون في المرور منهم من يمر على الصراط كالبرق الخاطف ومنهم من يزحف، ومنهم من يقع في جهنم )، والذين نجوا من النار أمامهم الجنة دار الأبرار يجتمعون عند أبوابها ويدخل أول من يدخل رسولنا صلى الله عليه وسلم ثم يدخلهم الله.

    فقوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، هذا الورود معناه: المرور عليها ولابد منها، ليس هناك طريق إلى الجنة إلا هذا.

    كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]، أي: قضاه الله وحكم به وحكمه لا يتخلف أبداً، ولابد من المرور على نار جنهم، ونار جهنم عالم وعالمنا هذا لا يساوي ذرة معه.

    وَإِنْ مِنْكُمْ [مريم:71]، أي: ما منكم أحد.

    إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ [مريم:71]، أي: كان ذلك عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا [مريم:71]، أي: قضى به وحتمه في حكم قضائه وحكمه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72]، عندما يمرون على الصراط فوق جهنم ينجي الله الذين اتقوا، فلا تمسهم النار ولا يقعون فيها، فينجيهم من عذاب النار -اللهم اجعلنا منهم-.

    وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ [مريم:72] أي: ونترك الظالمين فيها، جِثِيًّا [مريم:72] أي: جاثمين على ركبهم هالكين. وعلة نجاة المتقين في قوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72]، أنهم ما عصوا الله، وما خرجوا عن طاعته، وفعلوا ما أمرهم بفعله، واجتنبوا ما نهاهم عن فعله، في العقيدة، في العمل، في القول، في الصفات، وسر ذلك: تقوى الله بالإيمان والعمل الصالح والبعد عن الشرك والكفر، زكت نفوسهم، وطيبت أرواحهم، وأصبحوا أهلاً لجوار الله في الجنة دار السلام، والذين فجروا أنفسهم خبيثة منتنة عفنة، فما زكيت ولا طيبت ولا طهرت، إذاً: مصيرهم الجحيم -والعياذ بالله- وهذه هي الحقيقة.

    قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]، ما يعقب عليه أبداً، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72]، أي: ربهم، لم يكفروا ولم يشركوا، لم يفجروا ولم يفسقوا، وإن كفروا أو فسقوا وتابوا تابوا، لكن إن ماتوا على كفرهم وشركهم وفسقهم وفجورهم، هؤلاء يذرهم في جهنم؛ لأنهم ظالمون.

    وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72]، والظلم أبشعه وأقبحه هو الشرك بالله، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالذين يأكلون ما حرم الله، ويلبسون ما حرم الله، ويقترفون ما نهى الله عنه، ويتركون ما أمر الله به، ووضعوا الشيء في غير موضعه، هم ظالمون، فبدلاً من أن يتزوج يزني، وهذا هو الظلم، وهكذا..

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    الآيات في سياق تقرير عقيدة البعث والجزاء -ما معنى البعث والجزاء هذا؟ البعث: الإحياء، والجزاء على كسبنا في هذه الدنيا- يقول تعالى قوله وقوله الحق: وَيَقُولُ الإِنسَانُ [مريم:66]، أي: المنكر للبعث والدار الآخرة، وقد يكون القائل أبي بن خلف أو العاص بن وائل وقد يكون غيرهما، إذ هذه قولة كل من لا يؤمن بالآخرة -إلى اليوم- يقول: أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا [مريم:66]، يقول هذا استنكارا وتكذيباً. قال تعالى: راداً على هذا الإنسان قولته الكافرة: أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ [مريم:67]، أي: المنكر للبعث الآخر، أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم:67]، أيكذب بالبعث وينكره ولا يذكر خلقنا له من قبل، وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم:67]، موجوداً. أليس الذي قدر على خلقه قبل أن يكون شيئاً قادراً على إعادة خلقه مرة أخرى؟ أليست الإعادة أهون من الخلق الأول والإيجاد من العدم؟

    ثم يقسم الله تبارك وتعالى لرسوله على أنه معيدهم كما كانوا، ويحشرهم جميعاً مع شياطينهم الذين يضلونهم ثم ليحضرنهم حول جهنم جثيا على ركبهم أذلاء صاغرين. هذا معنى قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم:68].

    وقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69]، يخبر تعالى بعد حشرهم إلى ساحة فصل القضاء أحياء مع الشياطين الذين كانوا يضلونهم، يحضرهم حول جهنم جثياً، ثم يأخذ تعالى من كل طائفة من تلك الطوائف التي أحضرت حول جهنم، وهي جاثية تنتظر حكم الله تعالى فيها أيهم كان أشد على الرحمن عتيا، أي: تمرداً عن طاعته وتكبراً عن الإيمان به وبرسوله ووعده، وهو معنى قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69].

    وقوله تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70]، يخبر تعالى بعلمه بالذين هم أجدر وأحق بالاصطلاء بعذاب النار، وسوف يدخلهم النار قبل غيرهم ثم يدخل باقيهم بعد ذلك وهو معنى قوله عز وجل: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [مريم:70].

    وقوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]، فإنه يخبر عز وجل عن حكمٍ حكم به وقضاء قضى به وهو أنه ما من واحد منا معشر بني آدم إلا وارد جهنم، وبيان ذلك كما جاء في الحديث: ( أن الصراط جسر يمد على ظهر جهنم والناس يمرون فوقه، فالمؤمنون يمرون ولا يسقطون في النار، والكافرون يمرون فيسقطون في جهنم )، وهو معنى قوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72]، أي: ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك واجب ولا بارتكاب محرم، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ [مريم:72]، بالتكبر والكفر وغشيان الكبائر من الذنوب، فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72]، أي: ونترك الظالمين فيها، أي: جهنم جاثمين على ركبهم يعانون أشد أنواع العذاب ]، اللهم نجنا من عذاب جهنم.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بالحشر والإحضار حول جهنم والمرور على الصراط ]، فهذه الآيات التي درسناها تقرر عقيدة البعث والجزاء، وتفصلها وتبينها.

    [ ثانياً: تقرير معتقد الصراط في العبور عليه إلى الجنة ]، الصراط قررته هذه الآية، وقد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن البشرية تمر فوقه، فالكافرون يسقطون والمؤمنون ينجيهم الله.

    قال المؤلف غفر الله لنا وله ولوالدينا أجمعين في الحاشية: [ حاول صاحب التحرير أن يرد مذهب الجمهور في ورود المؤمنين على الصراط كسائر الخلق ثم ينجي الله الذين اتقوا حيث يجتازونه بسلام ويقع فيه الكافرون فلا يخرجون ]. وصاحب التحرير هو التونسي في تفسير ذكر قول الباطل لا قيمة له أن الصراط ليس بحقيقة ولا يمرون عليه.

    قال: [ وما هناك حاجة إلى رد مذهب الجمهور من أئمة الإسلام إذ حديث الصراط والمرور به ثابت قطعياً ففي صحيح مسلم : ( ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة فيقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله -دعوة الرسل والناس يمرون على الصراط- وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون فيها شويكة يقال لها: السعدان -(شويكة السعدان) ليست شوكة فقط، بل شويكة يقال له: السعدان- فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم )، وبهذا الصراط فسر السلف الورود على جهنم، ولم يقولوا بلازم الورود وهو الدخول، إذ قد يرد المرء على الحوض ويقف على طرفه ولا يدخل فيه.

    وورد وصح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فيمن مات له ثلاثة ولد لم يبلغوا الحنث لا تمسه النار إلا تحلة القسم ) ]، وهذا حديث صحيح: ( من مات له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث لا تمسه النار إلا تحلة القسم )، ومعنى: (إلا تحلة القسم) أي: قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]، إلا المرور فقط.

    قال: [ وهو الورود على متن جهنم نظراً إلى الآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] ].

    [ ثالثاً: تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع الضالين ].

    (تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع)، هم أولاً، قال تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:69].

    [ رابعاً: تقرير حتمية المرور على الصراط ]، تقرير المرور على الصراط حتم، ولا خلاف فيه ولابد منه، ومنا من سينجو، ومنا من لا ينجو.

    [ خامساً وأخيراً: بيان نجاة الأتقياء، وهلاك الفاجرين الظالمين بالشرك والمعاصي ].

    معاشر الأبناء! أحد الإخوان من أبنائكم في الدرس مريض يشكو ألماً في عينه قال: ادع الله لي بالشفاء، وأحد إخوانكم بنته لها تسعة أشهر في المستشفى طلب منكم أن تدعو له، هيا ندعو والله يستجيب.

    اللهم يا أرحم الراحمين.. يا ولي المؤمنين.. يا متولي الصالحين.. يا ذا الجلال والإكرام.. يا أرحم الراحمين! هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين فاشف اللهم ضر هذين المريضين، واشف ضر كل مؤمن ومؤمنة يا رب العالمين.

    رب إنك تعلم أنه فينا مرضى وبيننا وفي مشافينا فاشف كل مريض منا، وأعظم أجر المأجورين، وأعلي درجة العالمين يا رب العالمين.

    اللهم هذه أكفنا قد رفعناها فلا تردنا خائبين، فاكشف ضرنا وضر كل مؤمن ومؤمنة يا رب العالمين، وزك نفوسنا، وطهر قلوبنا وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    يا ولي المؤمنين تولنا ولا تتركنا، إلى من تتركنا يا رب العالمين؟! فاحفظنا بما تحفظ به الصالحين من عبادك، واحفظ قلوبنا وزك نفوسنا وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    وصلى اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.