إسلام ويب

تفسير سورة مريم (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جبريل عليه السلام هو الملك المختص بالنزول بالوحي من عند الله عز وجل على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وهو لا يتنزل من تلقاء نفسه، وإنما يكون ذلك بأمر الله وقتما يشاء عز وجل، فهو سبحانه العليم بأحوال عباده من ملائكة ورسل وغيرهم، وهو المحيط بكل ما تكسب الأيدي وما تخفي الضمائر، وهو سبحانه لا يغفل ولا ينام ولا ينسى.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة مريم

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس -إن شاء الله- كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن مع سورة مريم عليها السلام، وها نحن مع هذه الآيات نسمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:64-65].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم ونفسي -والذكرى تنفع المؤمنين- بالآية الكريمة التي تدارسناها في الدرس الماضي وهي آخر آية من الدرس، وهي قول الله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] هذا خبر عظيم، والمخبر به هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلاً.

    تلك الجنة التي ورثها الله سبحانه وتعالى من كان من عباده تقياً، ومن هنا آمنا أن غير المتقي ليس أهلاً للجنة، وما أعدت لغير المتقين، فلم يورثها الله إلا عباده المتقين، والله سبحانه خلق لكل إنسان وجان منزلتين؛ منزلة في الجنة وهي منزلة في عالم السعادة وهي الجنة دار السلام، ومنزلة أخرى في عالم الشقاء وهي النار والعياذ بالله تعالى.

    ومن ثم نتوارث، فالمؤمن التقي ينزل في منزله ويرث منزل الكافر الذي كان في النار، فكان له منزل في الجنة، ولما دخل النار فقد ذلك ونزل في النار، فأنت تدخل الجنة ترثه ويرث منزلك في النار.

    نقول أولاً: علمنا من طريق الوحي والنبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل خلق لكل إنسان وجان وهم ممن خلقهم لعبادته، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فمن عبده أنزله منزلاً في الجنة، ومن عصاه ولم يعبده أنزله منزل في النار، فأهل الجنة ورثوا منازل أهل النار، وأهل النار ورثوا منازل أهل الجنة، وقد ضربت مثلاً في أبو جهل فإن له منزلة في النار وأخرى في الجنة، فورث ابنه عكرمة منزله الذي في الجنة، ومنزل عكرمة الذي في النار عاد إلى والده أبي جهل في النار، وهذا معنى: نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63].

    وعلمنا أن تقوى الله عز وجل أولاً لن تكون إلا من مؤمن، فالإيمان أولاً؛ إذ غير المؤمن كافر، والكافر يعتبر ميتاً وليس بحي، فكيف يصوم ويصلي، أو يجتنب الربا والزنا؟

    فالمؤمن هو أهلاً لأن يتقي الله عز وجل، ويجب أن نتقي الله بالإذعان والانقياد والاستسلام له، والله سبحانه وتعالى أمرنا بأوامر ونهانا عن نواه، وبين لنا ثمرة تلك الأوامر وهي تزكية النفس وتطهيرها، وأن اقتراف تلك المنهيات والمحرمات من شأنها تخبيث النفس وتلويثها، حتى تنتن وتتعفن، ومن ثم لا تصبح أهلاً للجنة ولكن تصبح أهلاً للنار، فوجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يتقي الله عز وجل بطاعته فيما أمر به فعلاً وفيما نهى عنه تركاً، ويجب علينا أن نعرف أوامر الله، وأن نتعلم كيف نؤديها ونعرف أوقاتها المحددة لها، وإنما نستطيع أن نطيع الله في أوامره نحن ما عرفنا منها إلا القليل أو ما عرفنا منها شيئاً، فلا بد من معرفة محاب الله وهي أوامره التي أمر بها على سبيل الإيجاب أو الندب والاستحباب؛ لأنها تزكي النفس وتطهرها، ومن ثم يجب أيضاً أن نعرف مكاره الله، وقد عرفنا أنها في الاعتقادات والأقوال والأعمال، وحتى الصفات.

    فما أمر الله به يجب أن نعرفه، وأن نعرف كيف نؤديه؛ ليثمر زكاة النفس وطهارتها وما حرمه الله ونهى عنه يجب أن نعرفه منهياً؛ لنتجنبه ونبتعد عنه، فإذا زلت القدم وأعمى الشيطان عبد الله واستفاق على الفور يمسح ذلك ويزيله بكلمة: أستغفر الله، والنية الصادقة في التوبة الصحيحة، فهذا لا بد منه، وإلا كيف سنرث الجنة؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك...)

    قال تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]، قائل هذا القول هو جبريل عليه السلام، فهو الملك الخاص أو المختص بالوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو السفير بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد شاهده المؤمنون في الروضة في صورة دحية بن خليفة الكلبي وهو من أجمل الرجال وأحسنهم، وشاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في جياد وقد غطى بأجنحته الأفق كله؛ إذ له ستمائة جناح، وينزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة إنسان، وأول ما نزل نزل في غار حراء، وجلس بين يديه وضمه إلى صدره وهو يقول له: اقرأ.. اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، ويضمه إلى صدره كما تضم الأم طفلها رحمة به وحناناً عليه.

    سبب نزول قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك...)

    فقوله تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] أي: وما نتنزل النزول وقتاً بعد وقت؛ لأن التنزل معناه: وقت بعد وقت والنزول مرة واحدة، إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]، وحصل أن جبريل تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله بضع يوم، فتاقت نفس الرسول واشتاقت، فلما نزل قال: ما منعك يا جبريل أن تأتينا، لقد اشتقنا إليك، فاعتذر جبريل بقوله: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]، وتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجد وحشة كبيرة في مكة، النساء والرجال، الأقارب الأباعد.. كلهم يكرهونه ويفرون منه وينتقدونه، فهو في هم، فإذا انقطع عن الوحي اشتد همه وكربه.

    وهناك حادثة أخرى حدثت له صلى الله عليه وسلم عندما سئل من قبل المشركين بمكة بواسطة اليهود في المدينة، عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فلما جاءه السائل صمت صلى الله عليه وسلم فهو بشر ينسى كما ينسون، فقال له: غداً أجيبك عن أسئلتك، ولم يقل: إن شاء الله، فالسائل يقول: إن كنت كما تزعم نبياً ورسولاً أجبنا عن هذه الأسئلة الثلاثة: من أصحاب الكهف؟ ومن هو ذو القرنين؟ وما هي الروح؟

    فما كان من الحبيب صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: غداً أجيبك، فانقطع الوحي عنه نصف شهر، فكرب وحزن، فكانت أم جميل العوراء امرأة أبي جهل تغني في الشوارع وتقول: (مذمماً أبينا ودينه قلينا) أي: تركنا.

    ومسح الله دموع رسوله صلى الله عليه وسلم وأكرب المشركين وأغمهم فأنزل هذه السورة بداية المفصل الصغار: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2] الله يحلف وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3] كما تقول أم جميل قلاه وتركه، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى:3-4] فإن تألمت فلا قيمة للدنيا وألمها، فالآخرة خير لك من الأولى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5] فاز بها، ولتكن الشفاعة العظمى في عرصات القيامة، وما وراء ذلك من النصر والانتصار والفوز في الدنيا والآخرة.

    ثم ذكره بنعمه عليه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6] بلى، مات أبوه وهو رضيع، ومات جده وهو طفل، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:6-7] أي ما يعرف الطريق إلى الله قبل أن ينبأ ويوحى إليه، كأهل مكة وغيرهم، إلا أنه كان معصوماً لا يقع في الزلات والخطايا والذنوب والآثام وقد يوجد هذا النوع بين الناس.

    إذاً: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:7-8]، أي: وجده عائلاً فقيراً ليس معه شيء، فقط جارية وخمس إبل أو خمس شياة، فأغناه الله بما أعطاه وأصبح رئيس دولة ورئيس أمة وبيت المال بيده، وهو القائل: ( اللهم اجعل قوت محمد كفافاً عفافاً ).

    إذاً هذا الامتنان الإلهي كان لأنه عوتب في تركه الإجابة عن السؤال بدون الاستثناء بـ(إن شاء الله)، وكذلك لا بد أنه سئل وحصل له، وتأخر جبريل عن الوحي لأمر أراده الله عز وجل، فتاقت نفس رسول الله واشتاقت إليه، فقال: لم لا تزورنا؟ ما منعك أن تزورنا؟

    قال تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ [مريم:64]، أي: التنزل هو النزول وقتاً بعد وقت، والنزول يكون مرة واحدة.

    وقوله: إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] أي: إلاّ بإذنه في النزول على من يشاء، فجبريل أو غيره لن ينزل بدون إذن الله، ولن يتحرك في الملكوت الأعلى إلا بإذن الله له.

    وقوله: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا [مريم:64] أي: مما هو مستقبل من أمر الآخرة، فنحن الآن مستقبلون الدار الآخرة.

    وقوله: وَمَا خَلْفَنَا [مريم:64] أي: ما مضى من دنيانا.

    وقوله: وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64] أي: مما لم يمض من الدنيا إلى يوم القيامة، فله علم ذلك كله.

    وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] أي: النسيان فإنه تعالى لا ينسى.

    لا تقل: نسيني ربي فإن الله لا ينسى، والنسيان من ضعف الإنسان والجان، أما خالق كل شيء وبيده كل شيء كيف ينسى؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب السموات والأرض وما بينهما ....)

    قال تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [مريم:65] أي: مالكهما والمتصرف فيهما، وهو خالقهما ومالكهما، فيحيي ويميت ويعطي ويمنع ويضر وينفع، ويسعد ويشقي، وأعمالنا كلها من فضله وإحسانه.

    وقوله: وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65] أي: اصبر وتحمل الصبر في عبادته حتى الموت، وهذا عام للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن، فيجب أن نصبر على عبادة الله بفعل ما أمر وترك ما نهى، ونصبر كيف ما كانت الحال سواء في غنى أو فقر، أو في صحة أو مرض، أو في هجرة، فعلى أي حال يجب أن نصبر، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، واليقين هو الموت.

    ثم نشاهد عما قريب ملك الموت وأعوانه، نؤمن إيماناً قطعياً، انتهى الاضطراب والشك في النفس، الموت يقين تشاهد الملائكة وروحك تؤخذ وترفع إلى الملكوت الأعلى.

    وقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] هذا استفهام، فلا سمي له ولا مثل ولا نظير، فهو الله أحد، لم يكن له كفواً أحد.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] القائل هو جبريل عليه السلام، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64] أي: له الدنيا والآخرة وهذه المدة التي إلى الآخرة، فالكل بيد الله عز وجل.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] نفى عن نفسه سبحانه النسيان، فهو على علم به وأخبر جبريل لحكمة اقتضت ذلك.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ[مريم:64] أي: خالقك ورازقك، معبودك الحق الذي لا رب سواه.

    نَسِيًّا [مريم:64] وبينه بقوله: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [مريم:65]، الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض ومالكهما، ومالك ما يجري فيهما، فمستحيل أن يعتريه النسيان.

    وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] كيف وهو رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [مريم:65]؟ وبناءً على هذا قال: فَاعْبُدْهُ [مريم:65]والفاء للترتيب، أي: ذل له واخضع وأنت تطيعه فيما يأمرك وينهاك، وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65]، أي: واصبر على تلك العبادة لله وحده وتحمل واصطبر ؛ لأن العبادة قد تصعب أحياناً وقد توجد في أزمنة وأمكنة ضائقة لا تطاق.

    وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] الجواب: لا، إذاً: فلا يكون إلهاً يعبد حق إلا هو، ما دام لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه، فإنه هو الله ولا إله إلا هو، ولا يوجد من يستحق أن يعبد ويطاع ويحب ويرهب ويخاف منه من الكائنات كلها إلا الله؛ لأن هذه الكائنات كلها مربوبة مخلوقة لله يميتها ويحييها، يعطيها ويمنعها، يرفعها ويضعها، فكيف يوجد بينها من يعبد غيره سبحانه، فلا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصلحاء ولا غيرهم فضلاً عن النباتات والأحجار.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    شرح الآيات من الكتاب: قال: [ معنى الآيتين الكريمتين: لنزول هاتين الآيتين سبب وهو ما روي واستفاض ] بين أهل العلم من الصحابة والتابعين. وهو [ أن الوحي ] وهو ما يوحيه الله إلى رسوله بواسطة جبريل أو بواسطة يلقي الله في روعه، فيفهم عن الله كلامه ومراده؛ لقوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ))[الشورى:51] قوله: (( إِلَّا وَحْيًا )) أي: بهذا الإيحاء الغيبي. قال: [ لنزول هاتين الآيتين سبب وهو ما روي واستفاض أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يأتي بالوحي جبريل عليه السلام، فلما جاء بعد بطءٍ ]، فلما جاء جبريل بعد بطء من الزمن الله يعلم المدة هذه، فهناك خلاف كبير بين العلماء، فمنهم من يقول: اثني عشر يوماً، ومنهم من يقول: ثلاث عشر يوماً -والله أعلم-. [ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فأنزل الله تعالى قوله: جواباً لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَمَا نَتَنَزَّلُ ))[مريم:64] أي: نحن الملائكة وقتا بعد وقت على من يشاء ربنا (( إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ))[مريم:64] أيها الرسول أي: إلاّ بإذنه لنا فليس لأحد منا أن ينزل من سماء إلى سماء أو إلى أرض إلاّ بإذن ربنا عز وجل. وقوله: (( لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ))[مريم:64] أي: له أمر وعلم ما بين أيدينا أي: ما أمامنا من أمور الآخرة، وما خلفنا أي: مما مضى من الدنيا علماً وتدبيراً، وما بين ذلك إلى يوم القيامة علماً وتدبيراً. (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ ))[مريم:64] عز وجل يا رسول الله ناسياً لك ولا تاركاً فإنه تعالى لم يكن النسيان وصفاً له فينسى. وقوله تعالى: (( رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ))[مريم:65]، يخبر تعالى رسوله بأنه تعالى ملك السماوات والأرض وما بينهما واتصرف فيهما، كل شيء له بيده وفي قبضته وعليه. إذاً: (( فَاعْبُدْهُ ))[مريم:65]، أيها الرسول بما أمرك بعبادته به، (( وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ))[مريم:65]، أي: تحمل لها المشاق، فإنه لا إله إلا هو، فـ(( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ))[مريم:65]، أي: نظيراً أو مثيلاً، والجواب: لا لا.. إذاً: فاعبده وحده وتحمل في سبيل ذلك ما استطعت تحمله. فإنه لا معبود بحق إلا هو إذ كل ما عداه مربوب له مخلوق خاضع لحكمه وتدبيره فيه ].

    لطيفة

    هناك لطيفة: مجاهد إمام المفسرين رحمه الله من سادات المفسرين التابعين، يقول: لما أبطأ الملك جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه، فقال: ( ما الذي أبطأك يا جبريل وأخرك عني؟ قال: كيف نأتيكم -وهذا الذي نريد أن نعمل به- وأنتم لا تقصون أظفاركم؟ -لأن الذين يجلسون مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل هذا ما كانوا يعنون بأظفارهم- ولا تأخذون من شواربكم، ولا تنقون رواجبكم ولا تستاكون )، قال مجاهد فنزلت الآية في هذا، والمراد بالمعيب عليهم بعض المؤمنين لا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاشاه أن يكون معيباً وهو على أكمل الأحوال. ومعنى هذا ينبغي أن نقص أظافرنا في الأسبوع مرة أو في العشر أيام مرة؛ لأننا قد تتوضأ وما يدخل فيها، ولا يصح وضوئه لاسيما الغسل، فلابد من قلم الأظافر، وهذه دعوة إلى النظافة، وإلى الطهر، فأمة الإسلام هي الأمة الطاهرة، فإنهم يغتسلون ويتوضئون.

    قال: ( لا تقصون أظفاركم، ولا تأخذون من شواربكم )، فلا ينبغي أن تترك الشوارب تسقط على الفم، فلابد من قص الشارب، ( ولا تنقون رواجبكم )، والرواجب هي عقد الأصابع، إذا ما يعنى بها وتغسل تبقى فيها الأوساخ.

    ( ولا تنقون رواجبكم، ولا تستاكون )، والسواك ما هو مشروع إلا عندنا في المملكة، ففي العالم الإسلامي لا يستاكون سوى (1%)، وهذا هو الواقع، والاستياك من سنن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن الله أمره بذلك ليطهر فمه، وكل من أراد أن يذكر الله في تلاوة القرآن أو في ذكر الله أو في الدعاء أو الصلاة، ينبغي أن يطهر فمه، أي: يستاك، ويا ويل الذين يدخنون! يدخلون الرائحة الخبيثة المنتنة في أفواههم، ويذكرون اسم الله بها، بينت غير ما مرة مثل حي، فهذه الورقة هل يجوز أن تكتب فيها اسم الله، وتضعها في خرؤ؟!

    والله ما بقي له نور ولا إسلام، ارتد، اسم الله في ورقة هل يجوز أن يلقيه في مزبلة وهو يعلم ذلك؟

    والله ارتد، ولم يكن مؤمناً.

    إذاً: فكيف يخبث فمه ويلوثه بأنتن رائحة ثم يذكر الله بعد ذلك؟

    فلهذا قلت: إذا كان يدخن لا تسلم عليه؛ خشية أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله، فيجري اسم الله الأعظم على فمه المنتن، شفقة عليه ورحمة، وحفاظاً لكلام الله واسمه.

    ومن هنا علمنا يقيناً أن التدخين لا يصح للمسلمين أبداً لا رجال ولا نساء، بالله الذي لا إله غيره! لا يصح لمؤمن ولا مؤمنة أن يستعمل التدخين سواء كان شيشة أو كان سجائر أو نحوها؛ لأنهم يذكرون الله أم لا؟

    هل يمضي عليك وقت وأنت لا تذكر الله؟

    لا يمكن، فكيف تجري اسم الله الأعظم على فمك وقد عفنته ونتنته، فلو أن شخصاً يكتب اسم الله ويلقيه في مزبلة يحكم العالم بردته وخروجه من الإسلام. ومن هنا -والحمد لله- خف التدخين وتركه المؤمنين والمؤمنات، فقبل أربعين سنة كانت النساء في المدينة تدخن.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيتين:

    أولاً: تقرير سلطان الله على كل الخلق وعلمه بكل الخلق وقدرته على كل ذلك ]، تقرير سلطان الله على كل الخلق وقدرته عليهم وعلمه بهم، وحكمته أيضاً فيهم، وبهذا كان الرب الأعلى ولا إله سواه.

    [ ثانياً: استحالة النسيان على الله عز وجل ]، فمستحيل أن ينسى الله شيئاً، فغير الله عز وجل حتى من الملائكة قد ينسى، لكن الله منزه عن النسيان؛ إذ قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، والخطاب لرسول الله، وَمَا كَانَ رَبُّكَ [مريم:64] أي: يا رسولنا، نَسِيًّا [مريم:64]، أي: ما نسيك أبداً في تأخر الوحي عنك.

    [ ثالثاً: تقرير ربوبية الله تعالى للعالمين، وبذلك وجبت له الألوهية على سائر العالمين ]، تقرير ربوبية الله تعالى للعالمين، ومن ثم وجب عبادته وطاعته وتأليهه فلا إله غيره، ولا رب غيره ولا إله سواه، ولو تبحث في الشرق والغرب في السماء والأرض عمن يستحق أن يعبد كالله والله لن تجد، إذ الكل مخلوقات والله خالقهم، وكلهم مربوبون والله ربهم.

    [ رابعاً: وجوب عبادة الله تعالى ووجوب الصبر عليها حتى الموت ]، وجوب عبادة الله تعالى، من صلاة وزكاة وصيام وبر الوالدين وإحسان وذكر وجهاد ورباط وطاعة وكل هذه عبادة واجبة، وعلى كل إنسان أن يأتي بها، أما قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ [مريم:65]، واصبر على عبادته، وجوب عبادة الله تعالى على كل كائن من الملائكة والإنس والجن.

    [ خامساً وأخيراً: نفي الشبيه والمثل والنظير الله إذ هو الله أحد لم يكن له كفواً أحد ]، إي نعم، هذه حقيقة يجب ألا تخفى عنا، وهو أن الله لا يشبه كائن من الكائنات ليس له نظير ولا مثيل أبداً إذ هو رب كل شيء وخالق كل شيء، وفي القرآن: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أي: ليس له ثاني، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، فلا نظير ولا مثيل أبداً ولا سمي له يسمى باسمه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.