إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن أوصى الله عباده المؤمنين بالوالدين، والإحسان إليهما وطاعتهما، ومراعاة كبرهما وضعفهما بالتذلل لهما ورحمتهما، ثنى سبحانه وتعالى بعد ذلك بذكر حقوق أخرى على الإنسان مراعاتها، ومن ذلك حقوق ذوي القربى من الأرحام والأصهار؛ من الصلة والبر، وحقوق الفقراء والمساكين؛ من التوسيع عليهم ومد يد المساعدة لهم، وحقوق الأباعد من مسافر وغيره؛ من بذل المعونة له وإكرامه.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الإسراء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء مع أخبار الرب تبارك وتعالى، فهيا بنا نسمعها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:23-27].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    الربط بين عبادة الله والإحسان إلى الوالدين

    عرفنا بالأمس أن الله تعالى قضى وحكم وأمر وألزم بأن لا يعبد إلا هو، ويا ويل الذين يعبدون غيره، ويخرجون عن طاعته، ويعبثون بحكمه وقضائه، ولهذا الكفار أهل النار -لا تتردد: الكفار المشركون الملاحدة والله لأهل النار- ما إن يموت أحدهم إلا وتكون روحه في النار -والعياذ بالله تعالى- وعرفنا أن الله يعبد مقابل إنعامه، وهبك حياتك كلها، أما تشكره؟ وهبك كل ما أنت فيه، أما تقول: الحمد لله؟

    ثم هذه الطاعة هي فعل المأمورات وترك المنهيات، ويطلق عليها لفظ العبادة؛ لأنها طاعة لله عز وجل، وهو المعبود بحق، هذه العبادة التي هي شكر الله على إنعامه وإفضاله علينا تؤدي نتائج عجبية؛ تطيب النفس وتطهرها، ترضي الرب عز وجل وتهيئك لسعادة الدار الآخرة، وقد ينالك من بركتها في حياتك هذه، فتعيش مطمئناً طيب النفس لا تخاف ولا تحزن كما يخاف ويحزن الكافرون.

    ثانياً: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، أي: وقضى وحكم وأمر وألزم أن نحسن لوالدينا إحساناً حقاً.

    وبالأمس عرفتم أن إحساننا بوالدينا مقابل نعمتهم السابقة، أما حملتك أمك في بطنها تسعة أشهر من غذاك، من سقاك، من ألبسك، من رباك، أليس والدك؟

    إذاً: كيف تعامل هذه النعم بغير شكرها؟ وعرفنا السر، وهو أن الله أنعم فيعبد، وأن الوالدين أنعما فيحسن إليهما.

    وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، أي: وأحسنوا بالوالدين إحساناً زائداً كاملاً تاماً، وعرفنا أن الإحسان إلى الوالدين معناه: برهما وطاعتهما في المعروف. يحفظ هذا: برهما، وبرهما إيصال الخير إليهما، فأنت مسئول عن إطعام والديك وكسوتهم وإيوائهم وسكنهم ومركوبهم مادمت قادراً وهم عاجزون، ثم الطاعة، ولكن تكون بعد أمر الله بذلك الذي أمرت به، أو نهى الله عن ذلك الذي نهيت عنه، فأنت تطيعهما فيما هو معروف في الشريعة أنه مأذون مباح.

    وهنا مسألة تحصل لكل فرد، وهي: أن المرأة قد تحسن إلى زوجها وقد تسيء، فهذه المرأة إذا قالت لك أمك: طلقها، أو قال لك والدك: طلقها، وهذا يجري حتى فيما بيننا، ما هو المخرج؟ كيف نحقق طاعة الله في قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]؟

    بينت لكم أن هذه المرأة التي أمرك والدك أن تطلقها أو والدتك انظر إلى الذي أمر؛ فإن كان الوالد: هل هو مؤمن مستقيم تقي عالم عارف؟ إذا كان هكذا فطلقها، وإن كنت تحبها وهي تحبك. وهذا من البر والإحسان للوالدين.

    الأم كذلك إذا كانت برة تقية نقية صالحة مؤمنة، وقالت: طلق هذه البنت أو هذه المرأة طلقها، لماذا؟ لأن الأب يؤذيه يؤلمه أن تكون امرأة ابنه فاجرة أو فاسدة، ما يسعد أبداً.

    والأم كذلك إذا كانت ذات بصيرة ونهى وعلم ومعرفة، وعرفت السوء في هذه المرأة، وإن كنت أنت تحبها فهذا لا ينفع؛ لأن الوالدين أعرف بحالك منك، على شرط: أن يكون الوالدان على أحسن حال من البصيرة والهدى.

    ومن أين استنبطنا هذه القضية؟ من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فالمرة الأولى لما زار بيت ولده وجاء بالبراق من فلسطين، سأل الزوجة: كيف حالكم؟ قالت: نحن في شر، نحن في بلاء، ما رأينا خيراً، وهذا تقوله النساء الآن، فحينئذٍ قال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، هذه كناية جائزة، يغير عتبة بابه، جاء إسماعيل وضع رماحه ووضع ما صاده، وكان يصيد، من زارنا اليوم؟ قالت: زارنا شيخ، أوصاك بشيء؟ قال لي: أقرئيه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه، قال: ذاك أبي وقد أمرني بطلاقك، فالتحقي بأهلك؛ لأنها ما كانت امرأة صالحة.

    وتزوج إسماعيل جرهمية أخرى، وجاءه أبوه بعد عام أو عامين يزوره، فدخل، فشاء الله أن يكون غير موجود، أين زوجك؟ قالت: ذهب يصطاد لنا، كيف حالكم؟ إنا في خير، إنا في سعادة، إنا في عافية -هذه الكلمات تزن الدنيا وما فيها- ففرح، وقال: إذا جاء زوجك أقرئيه السلام وقولي له: يثبت عتبة بابه، أي: يبقي على هذه الزوجة ويصونها ويحافظ عليها.

    فإذا كان أباك كإبراهيم، وقال لك: طلق هذه! طلقها، وإذا كانت أمك كـخديجة بنت خويلد أو عائشة أما المؤمنين في صلاحها، وقالت: هذه المرأة ما تصلح طلقها.

    وإذا كان أبوك أو أمك مثلي وأمي لا تطلق إذا رأيت المرأة صالحة، هذا العلم أخذناه بالأمس، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] أولاً، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ثانياً.

    الإحسان إلى الوالدين حال الضعف والكبر

    وقوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [الإسراء:23]، قلنا: ما زائدة؛ لتقوية الكلام؛ إذ القاعدة في اللغة: زيادة المبنى تزيد في المعنى، الأصل: حين يبلغ الكبر عندك، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا [الإسراء:23]، كم من إنسان، وأنا منهم أنا عشت مع أمي، أبي مات عام ولادتي، هل أبر والدي؟ مات، أمي نعم. وكم من إنسان تموت أمه وهو يرضع ويبقى مع والده، أليس كذلك؟ وكم من إنسان يعيش مع أبيه وأمه مع بعضهم البعض ويموت قبلهم جائز.

    فمن هنا إذا أدرك أحدهما الكبر وأصبح في حاجة إليك كما كنت طفلاً في حاجة إليهم، هنا انتبه أحسن وبالغ في الإحسان، تستطيع أن تغسل الوسخ من بدن أمك أو أبيك، تستطيع أن تطبخ الطعام وتقدمه، تستطيع أن تحمل أمك على كتفيك، والحمد لله حملت أمي على كتفي، مرضت مع كبر سنها، ونحن نسكن في حديقة كذا درجة، فهبطتها لنذهب بها للمستشفى على كتفي، ووضعتها عند باب الطريق، كلما يجيء تاكسي يقول: ما ننقل هذه ما ننقلها، فرددتها على كتفي، والحمد لله، وتوفيت في ذلك اليوم أو بعده.

    تعرف حمل والدك على كتفيك، تحمل أمك على كتفيك، واذكر دائماً قول الله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، الكلمة التي تدل على عدم رضاك تدل على سخطك وغضبك عنهم لا تقال أبداً، لا يفهمان إلا أنك محب صادق في حبهم.

    أما الانتهار والزجر والصوت العالي أو كلمة: اذهبي. هذا هو العقوق، هذا قطع الصلة بينك وبينهم، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، ما هو القول الكريم؟ الذي يشعر الوالد معه بالراحة والطمأنينة، الكلمة الطيبة.

    وهنا أذكركم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يصعد المنبر صعد الدرجة الأولى قال: ( آمين )، الدرجة الثانية قال: ( آمين )، الدرجة الثالثة قال: ( آمين؛ فسألوه: لم أمنت يا رسول الله؟! قال: أتاني جبريل عليه السلام )، من جبريل هذا؟ هذا ملك من أشراف الملائكة المقربين، ( قال لي: رغم أنف امرئ ذكرت عنده ولم يصل عليك، فقل آمين! فقلت: آمين )، ومن أمن عليه عليه الصلاة والسلام يسلم؟ ( وقال لي: رغم أنف امرئٍ دخل عليه شهر رمضان وخرج ولم يغفر له )؛ لأن شهر رمضان شهر المسابقات والجوائز، فإذا انسلخ الشهر وبقي العبد على ذنوبه هلك، ادع عليه بالبلاء والشقاء.. آمين. ثالثاً: ( رغم أنف امرئٍ أدرك أبويه أو أحدهما حياً ولم يدخلاه الجنة ).

    إذاً: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا [الإسراء:23]، على حد سواء، فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23]، تعرفون النهر السائل؟ هذا الانتهار بكلمة قاسية، نهر: فجر وزجر، دائماً كلمتك مع أمك ألين ما تكون، مع والدك أرق ما تكون؛ حتى ما يشعر أبداً أن في نفسك شيئاً من بغضهم أو عدم حبهم.

    وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، وهو القول الحسن الجميل الذي يتلذذون به ويشعرون بالسعادة معه، ما هو القول النابي القاسي المخالف لما يحبانه أو يريدان، قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23].

    وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، وقد قلت لكم: لكل منا جناحان، بمعنى: لِن وتطامن وانكسر على جنبك؛ لتكون أقل مستوى من مستواهم، وحتى إن الرجل إذا كان أطول من أبيه ما يمشي أمامه، يمشي الأب هو الأول وهو الآخر، أو يمشي إلى جنبه ويتقاصر، ما يتطاول.

    وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، ادع لهما: يا رب! ارحم أبوي مقابل التربية التي ربياني عليها وأنا طفل في حجورهما، كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربكم أعلم بما في نفوسكم ...)

    قال الله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25]. ما معنى هذا؟ كم من إنسان ما يظهر السوء لأبويه أبداً حتى في حركته ومشيه، ولكن يحمل في نفسه بغضاً، إما لأن الوالد غير مطيع، الوالدة كذا، أو حملاه ما ليس يقدر على حمله، فيحمل في نفسه بغضاً لهما، وهو ما يظهر هذا أبداً لكن في نفسه، وقد يسببه خسارة الوالدين.. جهلهما.. عنادهما.. مكابرتهما؛ لأن ما كل والد مستواه كإبراهيم وإسماعيل، في هذه الحال يقول تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ [الإسراء:25]، فلا يضركم ذلك، ولكن توبوا إلى الله منه، والله لا يؤاخذنا بما لم نتكلم به ولم نعمل، أليس كذلك؟ فإذا حصل لأحدكم أنه يكره أباه لدمامة وجهه أو لسوء كلامه أو لكذا ما يظهر هذا، لكن الله يعلمه، فليحاول أن يزيل ذلك المرض الذي في قلبه مادام عبداً صالحاً.

    فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25]، الذين يئوبون ويرجعون إلى الله يغفر لهم، لعلي ما أوضحت لكم.

    أقول: كم من إنسان يكون مع أبوين غير صالحين، فيحمل في نفسه عدم الرضا، هو لا يجوز أن يتكلم بكلمة أو يتحرك بحركة تدل على أنه يبغضهما أبداً، ولكن في القلب، من يطلع على قلبك؟ ربك، الله أعلم بذلك، رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ [الإسراء:25]، فلا يضركم ذلك الذي في النفس، والتوبة بابها مفتوح.

    فَإِنَّهُ كَانَ [الإسراء:25] تعالى لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25]، من هم الأوابون؟ الأوابون: جمع أواب، كثير الأوبة أي: الرجعة، كلما تزل القدم يقوم ويستغفر ويعود إلى الله عز وجل، هؤلاء وعدهم الله بالمغفرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً)

    يقول الله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26]، من المأمور بهذا ابتداءً؟ رسول الله، ولكن أمته تابعة له، وهو من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، نحن المقصودون بهذا، لم؟ لأن الله قال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26].

    المقصود بذي القربى والمسكين

    ذا القربى أي: صاحب القرابة، من جهة أبيك أو من جهة أمك، هذا صاحب القرابة أعطه حقه، ما حقه؟ كالوالدين البر والإحسان، الكلمة الطيبة والمعروف، لا سب ولا شتم ولا تعالي ولا ضرب ولا.. ولا..، أعط أقاربك حقهم في البر والإحسان؛ لأنهم ثمرة الأبوين.

    وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26]، من البر والصلة، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26]، المساكين: جمع مسكين، والمسكين هو الفقير، ولكن دلالة كلمة اللغة أن المسكين: من مسكنته الحاجة وأذلته، فتمسكن وسكن ما أصبح يقوى على التحرك والعمل لفقره.

    فلهذا اختلف أهل العلم من فقهائنا في الزمن الأول: أيهما أكثر فقراً المسكين أو الفقير؟ فذهب قوم إلى أنه المسكين، وهذا الذي يبدو أظهر؛ لأن الحاجة مسكنته أذلته، بخلاف الفقير قد يكون محتاجاً وهو عزيز، لكن من مسكنته الحاجة والفقر هو المسكين، فهذا المسكين نعطيه حقه الكلمة الطيبة، القرش أو الريال إن أمكن، تغطية عورته بثوب إذا احتاج إليه، حمله على دابتك إن كنت ماشياً عليها وهو معك، الكلمة الطيبة، لا تظهر أبداً له سوءاً، لا تعبس في وجهه ولا تقل له كلمة عالية أبداً، أحسن إليه.

    المقصود بابن السبيل

    وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26]، ابن الطريق؟ وهل الطريق تلد ولها أبناء؟

    الجواب: الذي يدخل مدينتنا أو قريتنا ما يعرف فيها أحداً، ليس أباه هنا ولا أمه، هذا ابن من؟ الطريق، عرفناه في الطريق، فلهذا سمي بابن السبيل، أي: ولد الطريق، أي: ما عرفناه إلا في الشارع، لا عنده دار ولا قرابة وإنما وجدناه في الطريق. هذا ابن السبيل يجب أن نحسن إليه، فلا يسب، لا يعير، لا ينكر، لا يكذب، لا يؤذى بحال من الأحوال، وإذا احتاج إلى الطعام يطعم وإلى الشراب يشرب وإلى المبيت يبيت، وهذا هو التضامن الإسلامي، لو طبق هذا التطبيق النظامي يا لها من سعادة، الآن ما نستطيع.

    ونعود إلى ما طالبنا به جميعاً أهل القرية: يا عباد الله! أهل القرية البلد الصغير يجتمعون في جامعهم كل ليلة ما بين المغرب والعشاء، نساؤهم وراء الستائر، أطفالهم صفوف كالملائكة بين أيديهم ويتعلمون الكتاب والحكمة ويزكون أنفسهم، هذا المجتمع الجديد في هذه القرية سوف يكون كجسم واحد، تتلاقى القلوب وتتعارف النفوس ويصبحون كأمة واحدة، هنا صندوق في المحراب، صندوق حديد في المحراب ما هو في البيت، ويقول المربي: معاشر الأبناء! إن كان كبير السن، معاشر الإخوان، السيدات المؤمنات! هذا الصندوق لمن زاد على قوته درهم واحد يضعه فيه، من زاد على حاجته الضرورية بدل ما يذهب إلى البنك يضع فيه، يضعه في هذا الصندوق، ولا تقولوا: الصندوق يسرق! البنوك سرقت، ومسجد القوم ما يسرق أبداً، لم؟ لأنه لا يخلو طول النهار والليل من الركع السجود، هذه الكلمة مقبولة أو لا؟ مسجد القرية تلك القرية الصالحة، عزابها أولادها كلهم في المسجد يبيتون ويعبدون.

    ثم صندوق حديد من يكسره؟ أين المفاتيح؟ ما يبقى لص بينهم، وقد مضت عليهم سنة وهم يزكون أنفسهم ويطهرون قلوبهم، هذا الصندوق، معنى هذا أننا أغلقنا أبواب البنوك، وتكون اللجنة الخاصة من الإمام والمربي والمؤذن والعمدة وشيخ الحارة أو عمدة الحي لجنة دائمة في المسجد، هذه اللجنة مهمتها إذا حصل نزاع بين اثنين يتقاضيان عنده في المحراب، فيخرجان وهما يبتسمان، انتهت المحاكم.

    ثانياً: يا معشر المستمعين والمستمعات: هذا المال سوف ننفقه على كل محتاج في قريتنا أو في حينا، حيث لا يمد يده ولا يسأل أحداً، ويوزع على عدد الفقراء، كانوا عشرة أو أقل أو أكثر شهرياً يعيشون في أمن وسعادة، واعلموا أننا نريد أن ننمي هذا المال؛ لينمو ويزيد، ماذا نصنع؟ إن كانوا في أرض زراعية ينشئون مزرعة للبر والشعير والذرة وأنواع الحبوب، أو يغرسون أشجاراًونخيلاً، وغلالها يوزع على الذين أودعوا أموالهم، أو البلاد ما هي زراعية تجارية، ينشئون متجراً للاستيراد والتوريد، والفوائد هذه توزع على الذين وضعوا فلوسهم من أجل أن تنمو لا من أجل غير ذلك، بحسب الربح الذي حصل.

    كيف يصبح أهل القرية إذا كانوا هكذا؟ والله لكأنهم بيت واحد، لا حسد لا بغض، لا كذب، لا رياء، لا نفاق، لا فسق، لا فجور.. ما يمكن أبداً، سنة الله لا تتبدل، أمة تجتمع على كتاب ربها وسنة نبيها كل ليلة طول العام، هل يبقى بينهم فاجر أو عاهرة؟

    وإذا انحرف من انحرف لجنة المسجد مسئولة عن هذا، تستدعيه وتؤدبه ويتوب بين يديها، وإذا طغى وتجبر تبلغ الحكومة أو الأمير أو المسئول: عندنا شخص يؤذي القرية كاملة أبعدوه عنا، والله يبعدونه، هنا نستطيع أن نحسن إلى أبناء السبيل والمساكين والفقراء والمؤمنين.

    معنى قوله تعالى: (ولا تبذر تبذيراً)

    قال تعالى وقوله الحق: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26]، لا الناهية، والمنهي رسول الله وأنا وأنت وكل مؤمن ومؤمنة، وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26]، قال مجاهد -أحد أئمة التابعين-: من أنفق ماله في سبيل الله، ولو أنفقه كله والله ما قيل فيه مبذر، ومن أنفق درهماً واحداً في معصية الله فهو مبذر.

    مع العلم أن التبذير الزيادة عن الحاجة، يكفيك خمسة كيلو مثلاً رز لماذا تأتي بعشرين؟ يكفيك في لباس الشتاء ثوب غليظ وفي لباس الصيف ثوب خفيف يكفي ذلك، فالتبذير هو ما زاد عن الحاجة، كل ما زاد عن حاجتك الضرورية يعتبر تبذيراً.

    وأوضح من ذلك: كل ما ينفق في الشهوات والأهواء وحب الدنيا والباطل والكبر والعجب بالنفس هو محرم وهو التبذير، أما الذي ينفق في سبيل الله لو أنفق ماله كله لا تقل مبذراً أبداً، وإنما أراد ما عند الله، أراد أن يتعامل مع الرب يعطيه الموجود ويعطيه أوفر منه وأحسن، ولا تبذر تبذيراً شنيعاً قبيحاً، ما هو التبذير؟ أن تنفق المال في معصية الله.

    أبدأ أنكت أو لا؟ الذين يدخنون بالسجائر والحشائش في بيوتهم والله لمبذرون؛ لأنه يحرق الريال إحراقاً، وقد سمعوا أن التدخين حرام وأصروا على ذلك، كل يوم أربعة ريال أو خمسة، تبذير أو لا؟ خذوا القاعدة التي وضعها مجاهد : لو أنفقت مالك كله في سبيل الله ما قيل فيك مبذر أبداً، وإذا أنفقت درهماً واحداً في معصية فأنت مبذر، وهذا الذي أراده الله عز وجل: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26].

    ثم علل تعالى لهذا النهي فقال: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، إن المبذرين، ما قال: والمبذرات؟ يدخل النساء أو ما يدخلن؟ يدخلن، لماذا ما قال: والمبذرات؟ لأن الغالب أن المرأة لا تبذر، في الغالب تتعلم الشح على والديها، ولكن القرآن الكريم كتاب يقرأه الشبان والشيوخ والنساء والرجال فهو يتحاشى النساء؛ لأن العرب في حميتهم ما يريدون أن تذكر نساؤهم أبداً، مراعاة لهذه الغريزة قل ما يذكر الله تعالى النساء للضرورة، وهن داخلات في كل ما أمر الله به الرجال، إلا ما كان من الجهاد.

    إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، ما وجه هذه الأخوة؟ الشياطين كفروا بالله رب العالمين، جحدوا كماله وجلاله، عصوه وما أطاعوه، كفروا نعمة خلقهم، أليس الخالق هو الله؟ من خلقهم؟ من خلق هذا الكون لهم؟ كفروا هذه النعمة وغطوها ولا يعترفون بها، والذي يكفر نعم الله عليه ويبذرها في المعاصي أخ للشياطين.. آخاهم وأصبح منهم، الشياطين يريدون الفساد أو يريدون الإصلاح؟

    يريدون الطهر أو يريدون الخبث؟

    يريدون التبذير أو يريدون الاقتصاد والاعتدال؟

    إذاً: فالمبذرون تحلف بالله لإخوان الشياطين، ويكفيك أن يقول الله هذا ما هو من عندك، هذا خبر: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] أعوذ بالله! لو تقول للمبذر: يا أخا الشيطان! كيف؟ لأنك تفعل ما يفعله، تفعل معصية، يا أخا الشيطان! أهل القرية: يا إخوان الشياطين، توبوا إلى رب العالمين، عودوا إلى الله.

    ولا بأس أن نقول: فلان تزوج ويوزع البطاقات إلى أين؟ في قصر شيراتون في الشيراتون في كذا، نسأل يعطوهم مجاناً؟ قالوا: بعشرين ألف ريال، ثلاثين ألف ريال، أي تبذير أعظم من هذا؟

    الحمد لله، شيخكم تزوج في حجور الصالحين، والله ما هي إلا مأدبة لطلبة القرآن في المسجد، وكم واحد زوجناه الآن في بيتنا، وأنا أتكلف بذبح الشاة والرز، وندعو طلبة الحلقة يكفي في البيت، لم قصر بأربعين ألفاً أو ثلاثين؟ أليس هذا تبذيراً؟

    إذاً: ومن هنا نقول: من تزوج منكم يا أبنائي فليتزوج المرأة الصالحة، وليجعل الوليمة في النهار لا في الليل، بعد صلاة الظهر الغداء عندنا، أما سهرات الليل ويبقى النساء إلى آخر الليل ما يصلين الصبح، هذا من التقليد الأعمى للفجرة والكفرة من اليهود والنصارى، أما هدي أبي القاسم وسنته صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعرفون الطعام في الليل، إلا العشاء بعد المغرب مباشرة، عشنا زمناً ما نعرف العشاء إلا بعد صلاة المغرب، وبعد ذلك نذهب إلى صلاة العشاء ونعود فننام ونستريح.

    ومن أراد منكم أن يقيم وليمة من هذا النوع نحن نتحملها، عندنا حوش ما أوسعه! وكم زوجنا، ونفع الله به.

    وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ [الإسراء:26- عز وجل كَفُورًا [الإسراء:27] شديد الكفر وكثيره، جحد آلاء الله وأنعامه عليه، وعصاه وتمرد على طاعته والعياذ بالله، هل ترضى أن تكون مثل الشيطان؟ من يرضى؟ فلهذا ما من مؤمن يفهم هذا الكلام، والله ما يرضى بالبذخ ولا بالترف والتبذير؛ حتى لا يكون أخاً للشياطين.

    ويسأل هنا الابن الصالح: وإذا كان الأبوان كافرين كيف نفعل معهم؟ وهذا من حقنا أن نقوله، ولكن الكلام ينسي بعضه بعضاً.

    إذا كان أمك أو أباك كافراً فيجب أن تصله بأن تطعمه وتسقيه وتكسوه وتسكنه، ولكن لا تحبه، ولا تطع له أمراً ولا قولاً أبداً، والدليل: أسماء بنت الصديق أخت عائشة تزوجها الزبير نفسه، وهاجرت أسماء وبعد أيام أو عام في المدينة جاءت أمها في الهدنة التي تمت بين الرسول وبين المشركين، فسألت قالت: ( يا رسول الله! أمي جاءت وتريد مني شيئاً أفأصلها؟ قال: نعم. صلي أمك )، فوالدك الكافر أو أمك الكافرة أو الفاجر أو الفاجرة الطاعة في المعروف والإحسان ضروري، لكن قلبك لا يحبهما وإلا تكفر؛ لأن الله أبغضهما؛ فكيف تخالف أمر ربك، هو يحب وأن تكره، أو يكره وأنت تحب، ولهذا لا يحب مؤمن كافراً أبداً، وليس معنى ذلك أنه يضربه ويسرق ماله ويقتله، لا.. لا، فقط لا يحبه بقلبه، ويبغضه لأنه عدو الله، فإن كان أباً أو أماً لا بد من صلتهما، لا بد من الإحسان بهما.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات:

    أولاً: وجوب عبادة الله تعالى وحده، ووجوب بر الوالدين، وهو الإحسان بهما، وكف الأذى عنهما ].

    البر بالوالدين الإحسان إليهما وكف الأذى -حتى أف- عنهما.

    (وجوب عبادة الله تعالى). من أين أخذنا هذا؟ من الآية وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] حكم.

    [ ثانياً: وجوب الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة ].

    وهذا تقدم معنا أمس، يجب على العبد لأبويه خمسة حقوق:

    أولاً: الصلاة عليهما.

    ثانياً: الاستغفار لهما.

    ثالثاً: إنفاذ عهدهما، مات والدك وترك ديناً أو وعداً تنفذه.

    رابعاً: إكرام صديقهما.

    خامساً: صلة الرحم التي تجمعك بهم، ولا رحم لك إلا من قرابتك، وهذا دل عليه قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23].

    (وجوب الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة). في كل يوم ندعو لوالدينا وفي السجود: يا رحمان يا رحيم! يا رحمان يا رحيم! اغفر لوالدي وارحمهما كما ربياني صغيراً.

    وأنا أجمع الدعاء للمؤمنين والمؤمنات: اللهم يا أرحم الراحمين! يا أرحم الرحمين! اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات أجمعين.