إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حق الوالدين على الولد عظيم، وما قرنه الله عز وجل بعبادته سبحانه في أكثر من موضع إلا لأهميته وخطر التفريط فيه، فعلى المؤمن الذي يطمع في الدخول في رحمة الله ونيل رضوانه أن يرضي والديه، وإذا بلغ بهما الكبر والجهد مبلغه فعليه أن يعطف عليهما، وأن يخفض لهما جناح الذل، ويجتنب أذيتهما بأي أمر صغر أو كبر، فالأبوان الكبيران بوابة المؤمن إلى الجنان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    هذه أخبار الرب تبارك وتعالى، وكلها صدق، فهيا بنا نسمعها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:23-27].

    سبب اختصاص الله بالعبادة

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: وَقَضَى رَبُّكَ [الإسراء:23]، فما معنى قضى؟ حكم، أوصى، أمر، ألزم، والكل صحيح، قضى بماذا؟ بشيئين: أولهما: أن يعبد الله تعالى وحده، وثانيهما: البر بالوالدين، ونظير هذا في قوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14].

    من أسرار عبادة الله تعالى: أننا نعبده مقابل خلقه لنا؛ وهبنا أسماعنا، أبصارنا، ألسنتنا، أيدينا، أرجلنا، وهب لنا هذه الحياة.. هذه كلها وما نشكره؟!

    إذاً: فعبادة الله استلزمها أنه الخالق المنعم بالحياة المتصرف بالوجود.

    والوالدان: هما سبب الوجود وعلة الوجود، فماء الرجل يلتقي مع ماء المرأة، ومنهما يتكون الولد، فلهذا أمك وأبوك أبوان، ثم الأم حملت المولود قرابة التسعة أشهر، وهي تحمله في بطنها، وذكرنا مرة أنه لو أنيط بك حبل، أو عصا، أو نعل لا تضعه أبداً ليلاً ونهاراً ما تطيقه أبداً، والمؤمنة وأم الولد تحمل ولدها ليل نهار، لاسيما لما يأخذ في النماء والكبر يمتص دمها، ولما تضعه يتحول الدم لبناً أبيض حلواً، من عاطفتها وشدة رحمتها، ولهذا أولاً: وجب أن نعبد الله تعالى وحده.

    معنى العبادة

    قال تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، أي: إلا الله، والعبادة ما هي؟

    العبادة هي: الطاعة مع الذل والانكسار، مع التعظيم والإجلال والإكبار للرب تبارك وتعالى، ما كل مطيع عبد الله عز وجل، لا بد مع الطاعة التي هي فعل ما أمر الله بفعله، واعتقاد ما أمر الله باعتقاده، هذه العبادة لا بد من وجود شعور بالحاجة والفقر إلى الله، وأنك بين يديه حيثما كنت، فلا بد من الخضوع والذلة لله عز وجل مصحوبة بالإعظام والإكبار والإجلال. تلكم هي العبادة.

    وأنواع العبادة كثيرة، ومصدرها كتابه تعالى، وبيان رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم حوى واشتمل على أنواع العبادات، والرسول الكريم وظفه الله تعالى ليبين للناس كيف يعبدون الله، أما بم يعبدونه؟ فقد بينه تعالى في كتابه، كيف؟ يحتاج إلى بيان رسول، فلهذا اصطفاه الله وكلفه بأن يبين للناس كيف يعبدون ربهم.

    وهذه العبادة معاشر المستمعين والمستمعات -وأكرر القول- تحقق سعادة الحياتين: الدنيا والآخرة، لو أن أهل إقليم.. أهل قرية.. أهل بيت أطاعوا الله عز وجل، وعبدوه بما أمر والله لسعدوا، ولا ذلوا ولا هانوا ولا انكسروا.

    وقد عرفنا ما إن دخل العرب في الإسلام وأصبحوا يعبدون الله وحده وكفروا بالشرك والمشركين، حتى سعدوا سعادة لم تعرفها البشرية في أمة من الأمم قط قبل السلف الصالح، سعادة بمعناها، أمن ورخاء، طهر وصفاء، عز وكرامة، تحققت لأصحاب رسول الله وأولادهم وأحفادهم؛ إذ قال عليه الصلاة والسلام: ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )، عبادة الله طاعته بما أمر أن يطاع فيه، وبما نهى عنه، هذه العبادة موجودة كلها في القرآن الكريم، والرسول المسئول عن بيانها؛ إذ قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فلولا أن الرسول صلى بالمؤمنين ما عرفنا كيف نصلي.

    والعبادة يجب أن تكون لله وحده، والله الذي لا إله غيره لا يرضى الله ولا رسوله ولا المؤمنون بأن يعبد مع الله غيره، كيفما كان هذا الغير، ملك من الملائكة، رسول من المرسلين، نبي من الأنبياء، ولي من الأولياء، لم يأذن الله في عبادة غيره مطلقاً، وهذا معنى: لا إله إلا الله.

    حرمة النذر لغير الله تعالى

    نلفت النظر إلى جهالنا بعد أن ضلت أمتنا بكيد أعدائها، ومكر خصومها، فقد انتشر بينهم أنواع من الشرك، من بينها دعاء غير الله، فالذي يقبل على مخلوق، ويقول: يا سيدي أو يا فلان ويدعو ويطلب حاجته، هذا والله عصا الله تعالى وخرج عن أمره في قوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:26]، وعبد غير الله تعالى مع الله، كالذي ينذر كما ما زال الجهال بين المسلمين عرباً وعجماً ينذرون للسيد فلان وفلان، إن تحقق لي كذا أفعل معك كذا! والنذر لا يكون إلا لله، واقرءوا في صفات أوليائه: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، يوفون بالنذر.

    والنذر قسمان: الأول: لله، أن تقول: لك يا رب علي أن أصوم هذا الشهر، أو لك علي يا رب أن أخرج من مالي في سبيلك، لك علي يا رب أن أبيت هذه الليلة راكعاً ساجداً، لك يا رب أن أنفق نصف مالي.. هذه النذور تريد بها التملق إلى الله والتزلف إليه ليحبك ويرضى عنك، ولنعم المطلب، ولا أسمى غاية من أهله، يعد ربه، بمعنى ينذر له كذا وكذا، ولا هم له إلا أن يرضى الله عنه، فهذا النذر أفضل أنواع النذر.

    النذر الثاني وهو جائز، ولكنه ليس بمحمود ولا ممدوح: أن تقول: يا رب إن شفيت ولدي أصوم غداً، يا رب إن جاء والدي حياً أو أبي أو ولدي أتصدق بكذا، هنا إذا تحقق لك ما نذرت من أجله وجب أن تفعل، إن كان صياماً تصوم، وإن كان مالاً تتصدق، وإن كان صلاة تصلي. لك يا رب إن رددتني سالماً إلى أهلي لأتصدقن بكذا، أو لأصومن كذا، أو لأقرأن من كتابك كذا، أو لأختمن كتابك قراءة، في هذه الحال إذا أعطاك الله ما نذرت لأجله وجب الوفاء.

    ومما يتعلق بالنذر: إذا نذرت شيئاً لا تطيقه كفر كفارة يمين ويعفى عنك، إذا قلت: لله علي إذا شفاني من مرضي أن أخرج من بيتي، وإذا خرجت من بيتك أين تسكن؟ ما يطاق هذا، إذاً: كفر كفارة يمين، كل من نذر نذراً لا يطيق والوفاء به تجزئه كفارة اليمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام عند العجز عن الصيام.

    حرمة الحلف بغير الله سبحانه وتعالى

    ومما شاع بين المسلمين الحلف بغير الله عز وجل، هذا يحلف بالمسبحة، هذا يحلف بسيدي فلان، هذا يحلف برأسه، هذا يحلف بالملح الذي أكلنا، وهذه الأيمان حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، وأخبر مرة فقال: ( من حلف بغير الله فقد كفر )، وفي مجلس آخر في يوم آخر قال: ( فقد أشرك ).

    والكل حقيقة، ووجه الكفر فيها: أن الذي ينسى الله ويغطيه وما يراه أبداً، ويحلف بفلان تعظيماً له، كفر الله وغطاه وجحده، لو أظهره وعرفه يستحي أن يحلف بمخلوق غيره، وهذا الكفر وإن كان كفراً لا يخرج من الملة؛ لأن الكفر يكون صغيراً وكبيراً.

    ومن جرى على لسانه الحلف بغير الله، وهو لا يريد ذلك، ولكن للإلف والعادة فليمح السيئة بكلمة: لا إله إلا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقول بعدها: لا إله إلا الله، تنمحي تلك السيئة، من أعطانا هذا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ( من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق )، لما علمنا أن الشخص عاش خمسين سنة يحلف باللات والعزى، وأسلم من أسبوعين أو سنة، ما يبقى على لسانه؟ ألفه واعتاده، ما يشعر إلا وهو يقول: واللات، والشخص الذي عاش سنوات على القمار كأهل مكة؛ لأنهم تجار يعيشون على القمار والتجارة، فلا يشعر بنفسه إلا وهو يقول: تعال أقامرك. كما كان يقولها بالأمس في الجاهلية، فلهذا كفارة الحلف بغير الله: لا إله إلا الله، ثانياً: كفارة تعال ألعب القمار معك صدقة تتصدق بها.

    إذاً: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] أي: إلا الله، فلا نعبد سوى الله، لا جني ولا إنسي، لا في الأولين ولا في الآخرين، لا نركع ولا نسجد، ولا ننكسر ونذل إلا لله تعالى، وبعض الغافلين من لاعبي الكاراتيه شاهدناهم إذا حيوا بعضهم يركع ركوعاً. هذا الركوع لا يحل أبداً، ولا يصح لمؤمن أن يركع لغير الله تعالى.

    معنى الإحسان إلى الوالدين

    قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقضى بمعنى أمر ووصى وألزم بالإحسان بالوالدين، ما هو الإحسان للوالدين؟ الإحسان: بذل الخير، وبذل المعروف، وكف الشر والأذى، وهنا بالإجماع: أن على العبد بر والديه، وهو الإحسان بهما وإليهما، ومن البر الطاعة لهما والسمع لأمرهما ونهيهما ما لم يأمرا بمعصية الله ورسوله، إذا أمرك والدك أو أمرتك أمك بأن تقول أو تفعل يجب أن تطيع، إلا إذا أمرا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لماذا؟ لأن الله قدم حقه أولاً: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] أولاً، وثانياً: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، حق الله مقدم على حق الأبوين، حتى الحاكم إذا أمرك بمعصية لا تطعه بل تطيع الله عز وجل؛ فإن أمرك بطاعة يجب أن تطيع ولا تعص.

    إذاً: الإحسان بهما طاعتهما في المعروف، وإذا قال لك أباك طلق هذه المرأة يجب أن تطلقها، هذا حدث لـعبد الله بن عمر ، قال له أبوه: طلق هذه، أنا أكرهها، فذكر ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( أطع أباك وطلقها )، وإذا أمك أمرتك أن تطلق أيضاً امرأتك طلقها طاعة لأمك؛ لأن حق الأم ثلاثة أرباع، والأب له حق واحد، جاء هذا في قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال: ( من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، ثم من؟ قال: أمك، ثم من؟ قال: أمك، وفي الرابعة قال: ثم أباك ).

    وهنا لطيفة مرت بنا -والحمد لله-: إبراهيم عليه السلام لما أودع إسماعيل وهاجر بمكة، وعاد إلى أرض الشام على البراق، وكبر إسماعيل وتزوج جرهمية في مكة، جاء إبراهيم يزور ولده ويتعهد تركته، فدخل على البيت: السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أين إسماعيل؟ قالت المرأة: ذهب إلى الصيد ليأتينا بما نتغدى به، إذ كانوا ما عندهم إلا اللحم، كيف حالكم؟ قالت: إننا في شر، في أذى في كذا. قال لها: إذا جاء زوجك أقرئيه السلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، كناية على أن الزوجة هي عتبة الدار، وعليها العمدة، مادامت ما تصلح الدار تسقط، غير عتبة بابك، جاء إسماعيل ووضع رماحه ووضع غزلانه التي اصطادها، وكأنما تفرس شيئاً، وكيف لا وهو ابن نبي، ويتأهل للنبوة والرسالة، قال: هل زارنا اليوم أحد؟ قالت: شيخ كبار قال: أقرئيه السلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، فقال: ذاك أبي وقد أمرني بفراقك فالتحقي بأهلك، أطاع إسماعيل أباه أو لا؟ وإن كان يحب هذه المرأة و.. و.. مادام أمر أبيه فليطلق، طلقها وتزوج، وبعد مدة جاء إبراهيم ليزور ولده ويتعهد تركته، دخل: أين إسماعيل؟ ذهب يصطاد لنا، إذ يعيشون على اللحم، فقال لها: كيف حالكم؟ قالت: إنا في خير، إنا في سعادة، إنا في كذا، وهذا قد لا تجدونه عند 75% من نسائكم، إننا في خير، إننا في سعادة إننا في كذا، مسلمون مؤمنون صالحون، بغض الطرف عن البقلاوة والحلوى والشبع، قال لها: إذا جاء زوجك أقرئيه السلام، قولي له: يسلم عليك من زارنا، وقولي له: فليثبت عتبة بابه، جاء إسماعيل عليه السلام ووضع سلاحه وضع صيده، وكأنما تفرس: هل زارنا أحد اليوم؟ قالت: نعم، شيخ وصفه كذا، وإنه يقرئك السلام، ويقول لك: ثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني بالمحافظة عليك، وأنت العتبة.

    هنا الذي فتح الله به علينا وقررناه: يا بني إذا كان والدك رجلاً صالحاً ذا علم وبصيرة ومعرفة، وقال: طلق امرأتك طلق، وإذا كان جاهلاً أحمق من ضلال الناس يتخبطون لا تطعه؛ لأنه ما أمرك بمعروف بل أمرك بمعصية، وكذلك الحال مع أمك، إذا أمك كرهت المرأة وما رغبت بها، وقالت: طلقها، انظر إذا كانت المرأة ربانية، صالحة لا تريد دشاً ولا تسمع إذاعة، وتعبد الله عز وجل؛ وجاءت الوالدة، وقالت: طلق فلانة، لا شك أنها رأت فيها ما تنكره من السوء والباطل، فلهذا ما ترضى لك أن تبقى في بيتك: طلقها، وإن كانت المرأة كما قدمنا كالأب: الشيشة والتلفاز واللهو والضحك والباطل، وقالت: طلق هذه، ما تطلقها، لا تستجب لها، عرفتم هذه اللطيفة؟

    إذاً: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، ما الإحسان؟ البر بهما وإليهما، ومن ذلك: طاعة الوالدين في المعروف لا في المنكر يجب أن تطعهما، من هنا: إذا قال لك والدك، امش إلى كذا، أو قف في كذا، ينبغي أن تطيعه، إلا إذا أمرك بمعصية الله فلا، من هنا إذا أردت أن تسافر إلى مكة أو إلى الرياض مثلاً أو باكستان، استشر والديك؛ فإن أذنا لك في السفر سافر، فإن لم يأذنا لا تسافر.

    تريد الجهاد انفتح بابه، ائت أبويك وقل لهما: أريد أن أجاهد، فإن أذنا لك فبها ونعمت، وإن لم يأذنا لا يحل لك هذا الجهاد، اللهم إلا في حال النفير والتعبئة العامة، إذا إمام المسلمين قال: من بلغ سنه ثمانية عشرة إلى الخمسة والأربعين الكل في المعركة. حينئذ يجب أن لا تطيع أبويك في الجهاد، إذا كان نفيراً عاماً كاملاً، وهذا حصل كله على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما)

    قال الله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ [الإسراء:23]، إما بمعنى: إن يبلغ عندك الكبر أحدهما، فزيدت ما لتقوية الأسلوب والكلام، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ [الإسراء:23] بلغ الوالد خمسين ستين سنة الأم كذلك كبرت، فحال الكبر هذه شبيهة بحالك في الصغر، لاحظ بين حالك الماضية وحالهم الحاضرة، أيام كانا شابين قادرين كانا يربيانك وينفقان عليك، ويحافظان عليك و.. و.. و.. فلما كبرا ابذل لهما ذاك الذي بذلاه لك، لو احتاج أباك إلى أن تغوطه أو تبوله وجب أن تفعل، أن تمسح النجاسة من جسمه امسحها، لا بد وأن تحافظ على طاعة والديك لاسيما في حال كبرهما وعجزهما في حال الشيخوخة والكبر، واذكر ما بذلاه لك في صباك وفي صغرك، فعوض المعروف بالمعروف، لا أن تنسى ما بذلاه وأنفقاه عليك وتنساه أنت.

    ومن هنا وجب عليك أن تنفق عليهما في الأكل والشرب واللباس والسكن إذا احتاجا إليك، وأنت قادر يجب أن تنفق على أبويك أو على أحدهما الموجود كما كانا ينفقان عليك. هذه بتلك، شكر النعم هو هذا، النفقة عليهما في حال الرخاء والشدة، اللهم إذا استغنى الوالد أو الوالدة وما طلبا شيئاً فما أنت مطالب إلا بالإحسان، أما إذا احتاجا إلى النفقة يجب أن تنفق عليهما بإجماع الأمة: أن الولد ينفق على والده، والوالد ينفق على أمه مادام قادراً على ذلك، والأبوان أو الأب محتاجاً إلى ذلك وجوباً والمحكمة تقضي بهذا.

    معنى قوله تعالى: (فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما)

    قال الله: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، هذه أف.. يتأفف الإنسان لما يتضجر ويغضب ما يريد أن يسمع كلامه: أف لك، هذه الكلمة معناها: لا تقل كلمة يفهم منها أنك متضجر أو غير راضٍ عنهما، أما أن تقول بالفعل: أف لك. فالتمُت خير لك من أن تقولها، فقط إياك أن يظهر منك ما يدل على أنك تكرههما أو ما تريد أن تطيعهما.

    فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] لا ترفع صوتك، اخرج عند الباب، دائماً بالكلمة الطيبة والصوت المنخفض، لا ترفع ولا تجهر لهما بالقول، فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] ليناً جميلاً، ما فيه معنى القبح أو السوء، قولك لأبيك قولك لأمك دائماً القول اللين الحسن الجميل، ليس فيه ما يدل على غضب أو عدم رضا أو كراهية أو ما إلى ذلك: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، فلان كريم جميل حسن يفعل الخير، حتى القول يكون كريماً؛ لأنه يسر ويثلج الصدر ولا يغضب ولا يحزن الكلم الطيب.

    معنى قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)

    قال الله: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ [الإسراء:24]، وهل لك جناحان؟ إي نعم، يمينك وشمالك، جناحان أو لا؟ كالطائر: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ [الإسراء:24]، يعني: انكسر أمامهما، كان بعض الأصحاب ما يمشي أمام والده، وإذا كان طويلاً وأباه قصيراً يتقاصر حتى ما يقال أطول من أبيه، هذا خفض الجناح، الليون والعطف والانكسار، كأنك عبد لهما تخدمهما، ما في إظهار العنجهية والقوة وأنك وأنك: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24].

    معنى قوله تعالى: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً)

    قال الله: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، أي: ادع لهما مادمت حياً في ليلك ونهارك: رب اغفر لهما وارحمهما كما ربياني صغيراً، مقابل تلك النعمة التي بذلاها لي حيث تربيت عشر سنوات، خمس عشرة سنة وأنا بين يديهما.

    حقوق الوالدين بعد وفاتهما

    إذا مات الأبوان أو أحدهما بقيت خمسة حقوق تبذلها لهما:

    أولاً: الصلاة عليهما: إذا مات الوالد أنت أحق بأن تصلي على والدك، تقول للإمام في المحراب أنا أصلي، والإمام ما يغضب، يقول: هذا أبي اسمح لي أصلي به، ولا حرج.

    ثانياً: الاستغفار لهما طول الحياة: وخاصة أثناء السجود: يا أرحم الراحمين.. يا أرحم الراحمين اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات وارحمنا أجمعين، على الأقل مرة في كل ركعة أو في كل صلاة ندعو بهذا الدعاء.

    ثالثاً: الوفاء بعهدهما: إذا عهدا إليك أن تفعل كذا يجب أن تفي بما وعدتهم.

    رابعاً: إكرام صديقهما: إذا كان لأمك صديقة أو لأبيك صديق ومات الأب تكرم ذلك كما كان والدك يكرمه، كما كانت أمك تكرمهما، والحمد لله حققنا هذا بفضل الله عز وجل، أبي ما أعرفه ولا أعرف أصحابه، والدتي لها صديقات والله كنت أبرهم.

    خامساً: صلة الرحم التي لا رحم لك إلا هي: كما تبر أمك بر خالتك، بر خالك، بر عمك، بر ابن عمك.. وهكذا الذين تجمعكم رحم واحدة كلهم تبر بهم، والبر الطاعة والإحسان في المعروف، الطاعة في المعروف والإحسان، هكذا يقول تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ [الإسراء:24].

    لماذا ما قال: يا رب؟ قدمنا لكم؛ لأنه قريب منك يسمعك لم تقول: يا؟ يا لنداء البعيد أو لا؟ الذي بين يديك: راضي! أعطني العصا، ما أقول: يا راضي؛ لأنه يسمع، فالله عز وجل معنا حيث كنا، بعلمه وقدرته، فلا يحتاج أن تقول: يا رب، قل: رب. فهو هنا، علمنا هذا: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، مثلما ربياني صغيراً ارحمهما.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم من البارين بوالديهم والمحسنين إليهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.