إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله عز وجل أن من أراد الحياة الدنيا فإنه سبحانه يعطيه إياها وفق إرادته وتحت مشيئته، ولكنه يوم القيامة يحشر إلى النار مذموماً مدحوراً، وأما من أراد الآخرة وسعى لها سعياً حثيثاً مع إيمان صادق ويقين مطلق بما عند الله، فإنه من المشكورين عند الله، المستحقين لإنعامه وإكرامه، والله عز وجل يهب الدنيا لهؤلاء وهؤلاء، إلا أن مصيرهم في الآخرة يختلف على حسب أعمالهم ونياتهم في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    هذه أخبار الرب تبارك وتعالى، وكلها صدق، فهيا بنا نسمعها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا * لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:18-22].

    أول خبر: يقول فيه الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:18] أي: الدنيا، ووصفت بالعاجلة؛ لأنها عاجلة الزوال، والله عما قريب ستنتهي، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء:18]، عجلنا له طلبه الذي يريده تحت مشيئتنا وإرادتنا، لسنا مقهورين أو ملزمين، ولكن بإرادتنا.

    عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]، فليس كل كافر مشرك غني ثري ذا أموال، ليس كل كافر صحيحاً سليماً عزيزاً كريماً، ولكن يوجد الغني والفقير والصحيح والمريض والعزيز والذليل.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا [الإسراء:18] يحترق بها مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18]، في سورة هود عليه السلام يقول تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، فكونه مشركاً أو كافراً أو فاجراً لا يمنع ذلك الله أن يرزقه المال ويكسبه الصحة والعافية، وإنما اللطيفة في قوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود:15]، فالكافر إذا فلح وأحسن الفلاحة في الأرض ما يحرم لكفره الزرع والحصاد، فكونه كافراً مشركاً ثم أنشأ مصنعاً على علم ودراية، وأصبح يصنع فيه لا يعطله الله لكونه كافراً ويحرمه منه؛ لأنه أراد العاجلة يعجل الله فيها ما يشاء لمن يريد.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:18] أي: الدنيا؛ فهو يعمل لها ليل نهار، ومن أجلها ارتد وكفر وأشرك، فليعلم أن الله عز وجل يعجل له فيها ما يشاء لمن يريد من عباده هؤلاء، ولكن: ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ [الإسراء:18]، جهنم دركة من دركات النار؛ إذ النار عالم تحته دركات، كعمارة فيها طبقات اسمها النار وهي سبع دركات: الجحيم، السعير، الحطمة، لظى، سقر، جهنم، الهاوية: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:9].

    والدركات جمع دركة ما تستطيع أن تدرك حقيقتها أبداً، لماذا؟ ما هي بئر تحت بئر فقط، اذكر كيف يكون الكافر فيها عرضه خمسة وثلاثون كيلو متراً، وضرسه كأحد، كم يسعه؟ هذا النوع لو يدخل منهم خمسة أنفار في المسجد هذا ما يكفيهم، ولكن عالم، وإن أردت أن تعرف أغمض عينيك وطأطئ رأسك بين ركبتيك، وفكر: أين ستصل بهبوطك وأنت تفكر؟

    إذاً: معاشر المستمعين هذا خبر عجيب عظيم، خبر الصدق: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:18] اللهم لا تجعلنا ممن يريدونها، اللهم لا تجعلنا ممن يريدونها، اللهم لا تجعلنا ممن يريدونها: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]، وهذا التعجيل -كما قدمنا- قائم على سنن الله وأسبابها، ثم بعد ذلك بعد نهاية هذه الدنيا والعطاء فيها: جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا [الإسراء:18] حال كونه مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18] مبعداً مطروداً من رحمة الله والجنة، مذموماً مطروداً من الجنة بعيداً عنها، مع أنه من المفروض أنه كان من أهل الجنة، منزلته في الجنة موجودة لكن ورثها عبد صالح، فأهل الجنة يتوارثون أهل النار، وأهل النار يتوارثون أهل الجنة: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ...)

    قال تعالى في خبر آخر بعد الأول: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ [الإسراء:19] أي: الحياة الآخرة، أي: الجنة وما فيها من نعيم مقيم، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19]، لا كونك تحب الجنة وتريدها وتنام طوال الليل! ما تكفي هذه الإرادة: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19] الخاص بها، لا بهواه أو ببدعة المبتدعة، كما وضع الله تلك العبادات المقننة المقدرة المهيأة يؤديها كما هي بإخلاص تزكي النفس وتطهرها، لا أن يبتدع البدع ويقول: أنا أحب الجنة والدار الآخرة، ويعبد الله بالهوى والعبادات الشيطانية، والله ما يدخل الجنة، فتلطفوا مع هذا الخبر:

    وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19]، أولاً: أرادها، مريداً راغباً طالباً طامعاً فيها، وفي نفس الوقت: وَسَعَى لَهَا [الإسراء:19]، وليس عمل لها، بل: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19] الخاص بها، ألا وهو عبادة الله التي شرعها في كتابه وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي مضبوطة كالكيماويات في زمانها، ومكانها، وهيئتها، وأعدادها بدون زيادة أو نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، حتى تنتج له زكاة نفسه وطهارة روحه، هذا السعي المعد لها.

    وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19] الخاص بها، لا يسعى على جهل يبني ويهدم، ويقول: أنا سعيت لها سعيها، سعي الدار الآخرة ما هو؟ العبادات التي تعبد الله بها المؤمنين والمؤمنات، تؤدى على الوجه الذي بينه رسول الله؛ إذ لها أزمنة محددة ولها أمكنة ولها هيئات، لا تقديم ولا تأخير، أليس كذلك؟ لو تقوم تصلي وتقدم السلام على تكبيرة الإحرام، يقول الفقيه: صلاتك باطلة، أي: ما تنتج لك الحسنة، أو الآن لو صليت صلاة الفجر للغد، والله ما تزكي نفسك ولا تصح منك ولا تقبل، قدمتها على وقتها، الجنة تحتاج إلى تأن وتبصر، (وسعى لها) ماذا؟ سعيها الخاص بها، الذي من شأنه أن يحقق للعبد مطلوبه، ويصل بها إليه.

    ثالثاً: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19] والحال أنه مؤمن، أما يسعى للجنة ويعمل لها عملها وهو كافر مشرك، والله ما ينتفع بذلك بشيء، الإيمان كما علمتم يا أهل العلم بمثابة الروح للبدن.. المؤمن حي والكافر ميت؛ فالذي يريد أن يعمل الصالحات: يتصدق، يبني المستشفيات، يعطي الأموال، يعالج المرضى، وهو كافر ينفعه ذلك؟ والله ما ينفعه، لو قام الليل كله وصام النهار كله، الإيمان هو أول شيء؛ لأن المؤمن حي يقبل عمله وصدقته، والكافر ميت ماذا يقبل منه؟

    وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19]، وهذه الواو واو الحال، والحال أنه مؤمن، مؤمن بماذا؟ بالمادة؟ بالعلمانيات؟ بزخرفة الحياة؟ مؤمن بالله ولقائه، وبكل ما أمر الله عباده بالإيمان به في كتابه أو على لسان رسوله من شأن الغيب والشهادة.

    كم أركان الإيمان عباد الله؟ ستة، ووراء ذلك كل ما يخبر الله تعالى به من شئون الغيب أو يخبر رسوله إلا وجب الإيمان به، ولا تقل: أنا ما أطقت هذا أو ما فهمته، ما هو شأنك، آمن.

    أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضرس الكافر كجبل أحد، نقول: ممكن لا. نكفر، كما أخبر، قال: ( ما بين كتفي الكافر كما بين مكة وقديد )، نقول: لا، ما هو ممكن. نكفر، آمنا بالله وبما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أن للإيمان ستة أركان، أولاً، ما أعظم هذه الأركان الستة؟

    الإيمان بالله واليوم الآخر، هما الطاقة الدافعة القوية، من كان يؤمن بالله مستعد أن يذبح نفسه إذا أمر الله بذلك، أن يجوع من أجل الله، أن.. أن.. لأنه مؤمن بربوبيته وألوهيته وعظمته وجلاله، وما عنده من مفاتيح الخير والشر، ما يستطيع أن يعصي الله أبداً، والذي يؤمن باليوم الآخر أيستطيع أن يعصي الله؟ هذا شأنه أن يقدم الصالحات طول حياته.. يقدم للدار الآخرة، والذي لا يؤمن بالله ولا بلقائه، أو يؤمن بلقاء الله ولا يؤمن بالله، ما ينفعه شيء، هكذا نقول: أعظم أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله واليوم الآخر، من أين لنا هذا؟ لأن الله تعالى يقول: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]، حتى في النساء في الحيض، قال: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228].

    ومن اللطائف تسمعونا نقول صلى الله عليه وسلم ألف ألفٍ وسلم أو لا؟

    من أين جاءت هذه؟ اليوم عثرنا عليها في تفسير القرطبي الحمد لله، لكن ما هي ألف ألف فقط، ( قالوا لـأبي هريرة : يا أبا هريرة سمعت الرسول يقول: الحسنة بألف ألف؟ قال: سمعته يقول: الحسنة بألفي ألف )، يضاعف الله الحسنة من حسنة إلى عشرة، إلى مائة، إلى خمسمائة، إلى ألفي ألف.

    وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ [الإسراء:19] العالون السامون الفائزون الناجحون. الإشارة تشير إلى هذا: كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، كان عملهم الصالح مقبولاً مثابين عليه، شكره الله لهم وأثابهم عليه، ما كان سعيهم مذموماً مدحوراً، أولئك السامون العالون، كان سعيهم مشكوراً، ما معنى سعيهم؟ كانوا يسعون بين الصفا والمروة؟ السعي هو العمل، كما تسعى بين بستانك ودارك، بين سوقك ومنزلك، بين أهلك. هذا سعي أو لا؟ كلنا يسعى الليل والنهار، وليس السعي فقط بين الصفا والمروة.

    (كَانَ سَعْيُهُمْ) أي: عملهم الدائم المتواصل حتى الموت، كان مشكوراً، من شكره لهم؟ الله، وبذلك أثابهم وجزاهم بخير الجزاء وأحسنه، ألا وهو الجنة دار السلام، اللهم اجعلنا منهم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ...)

    واسمع الخبر الآتي: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [الإسراء:20] يا رسول الله! كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء صنفان: الصنف الأول: أرادوا الدنيا على العاجلة، والصنف الثاني: أرادوا الآخرة الخالدة الباقية، كُلًّا نُمِدُّ [الإسراء:20] نعطي، هؤلاء كما تقدم وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [الإسراء:20] وفضله، وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] أي: ممنوعاً، إذ بيده الملك، وهو الذي يعطي ويهب أو ينتزع ويأخذ.

    هذا كلام الله.. هذا هو القرآن، أسألكم بالله: الذين يقرءونه على الموتى يفهمون هذا؟ يتأملون هذا ويتدبرونه؟ لا. يقرءون: يس والواقعة والملك وقل هو الله أحد، أما هذا الكلام فما سمعوا به أبداً.

    كُلًّا نُمِدُّ [الإسراء:20] أي: نعطي كلنا من أين؟ مما ذكر، المريدين للدنيا والمريدين للآخرة: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [الإسراء:20] كم غني وهو كافر، كم فقير وهو مؤمن؛ بحسب سنته في العطاء: كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وإفضاله وإحسانه وما كان عطاء ربك يا عبد الله محظوراً على أحد، من يحظره؟ من يمنع عطاء الله؟ لو تجتمع البشرية كلها على أن تمنع فرداً كتب الله له كذا، والله ما تستطيع وتصرف عن ذلك، عطاء ربك ما هو بمحظور أبداً، ولا يستطيع أحد أن يمنعه، تريد أن تمنع فلاناً، إذا كان الله كتبه له وقدره والله ما تقوى على منعه، بل تعطيه، وإذا منعه الله وما أعطاه، والله ما تقدر على أن تعطيه، تصرف عنه صرفاً.

    ومعنى هذا: اللجأ الصادق يكون لمن؟ لله، الاطراح بين يدي من؟ بين يدي الله، الضراعة والسؤال لمن وممن؟ من الله ولله؛ إذ الخليقة كلها في يده وقبضته والعطاء عطاؤه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ...)

    ثم الخبر الآخر يقول فيه تعالى: انظُرْ [الإسراء:21] يا رسولنا. انظر أيها المؤمن كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:21]، انظروا إلينا في الحلقة: هل نحن مستوون في لباسنا وطعامنا ومراكبنا وسكننا، فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:21]، في علمنا في جهلنا في حياتنا كلها، فضلاً عن الكافر والمؤمن، انظر بعيني البصر والبصيرة كيف فضلنا بعضهم على بعض في الدنيا، هذا فقير وهذا غني، هذا عزيز وهذا ذليل، هذا صحيح وهذا مريض، هذا شريف وهذا وضيع إلى ما شاء الله، بالمشاهدة: وَلَلآخِرَةُ [الإسراء:21] والله وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، الدنيا فيها درجات متفاوتة وتفضل متفاوت، والآخرة أعظم.

    ومن ثم أخبرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم أن الجنة فيها مائة درجة، وأن ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، وهي سبعة آلاف وخمسمائة سنة، أولاً: عرفنا أن ما بين السماء والسماء خمسمائة سنة، سبع سماوات في كل سماء خمسمائة وما بينهما كم الحاصل؟ سبعة آلاف وخمسمائة.. ما بين الدرجة والدرجة في الجنة مسافة سبعة آلاف وخمسمائة سنة، قولوا: آمنا بالله، ومع هذا إذا تريد أن تنزل تنزل وتزور من هو تحتك، أما من كان أسفل لا يطلع.. لا حق له، يبقى في درجته، لكن إذا رغبت ينزل إليك صاحبك الذي تحبه.

    انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، انظر كيف فضل الله الناس بعضهم على بعض في العلم، في الفهم، في العز، في الذل، في الغنى، في الفقر، في الجمال، في القبح.. انظر البشرية، من فضل بعضها على بعض، أمهاتهم أو آباؤهم؟ الله خالقهم وخالق كل شيء، وفي الآخرة كيف حالهم؟ أهل الجنة درجات، وأهل النار دركات، فالذين في الدركة الأولى أخف ممن هم أسفل، والغالب أن الدركة الأولى هم المؤمنون الموحدون الذين فسقوا وفجروا وماتوا على الفسق والفجور، يعذبون في تلك النار، ألطف نار وأخفها، وأخبر الرسول: ( أن أبا طالب في ضحضاح من نار إلى قدميه يغلي منه دماغه ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً)

    ثم قال له ولكم ولكل إنسان يا بني الناس: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء:22]، الخطاب موجه إلى الرسول، والمراد غير الرسول، فحاش رسول الله أن يشرك بربه، لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء:22].

    الآن جلس إلي طالب من تايلاند قال لي: يا شيخ ما حكم طعام المشركين؟ عندنا يأتون بفواكه وأطعمة إلى الأصنام، ثم بعد ذلك يقدموها للناس ليأكلوها، هل يجوز أكلها؟

    قلت: لا. ما يجوز؛ لأنهم ما أردوا بذلك وجه الله، هم قدموها للآلهة والأصنام.

    فانظر العجب! الآن يعبد غير الله، أصنام تعبد، يقدم لها اللحم والفواكه والخضار، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    وقبل اليوم أما كان إخوانكم يذبحون لسيدي عبد القادر ، لمولاي إدريس لمن يا أهل مصر؟ للسيد البدوي للسيدة زينب .. لكذا وكذا، ويقدمون البعير والشاة وتذبح، وبعد ذلك يعطونها للناس يأكلونها، والله لا يحل أكلها أبداً، كيف تقول: لا يحل أكلها؟ هل عندك دليل يا هذا؟

    الجواب: يقول تعالى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة:173]، أي: وما ذبح لغير الله، كيف يقدم للأصنام والأحجار والأموات وتأكله أنت؟ أنت راضٍ إذاً بالشرك؟! ومن رضي بالشرك فهو مشرك، بل يجب أن نلعنهم وأن نبتعد عنهم وألا نجالسهم، كيف نرضى كفرهم وشركهم: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ [الإسراء:22] كيف حالك: مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، هذا هو المشرك والله يوم القيامة لمخذول مذموم، لا يرى السعادة ولا يشم لها رائحة، الذل والهون والشقاء والعياذ بالله تعالى، هذا خبر من الله أو لا؟ حكم إلهي في صيغة خبر: لا تجعل مع الله إلهاً آخر، فيترتب على ذلك أنك تقعد يوم القيامة مذموماً مخذولاً.

    اسمعوا الآيات مرة ثانية، هذه الأخبار الإلهية العظيمة، وليست بأخبار الصحف والإعلام الكاذب: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18].

    يقول القرطبي في تفسيره نقلاً عن السلف الصالح في التفسير: هؤلاء الذين يريدون العاجلة منافقون يصلون للدنيا، يتصدقون للدنيا، يضحكون للدنيا، وهم منافقون متآمرون على الرسول والمسلمين. حقاً يتناولهم هذا الخطاب أولاً: لأنهم يريدون الدنيا، ولكن بماذا؟ يصلون مع المسلمين، وإذا كان جهاد يريدون الخروج، وهم خائنون كاذبون -والعياذ بالله- والآية أعم من هذا.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]، يا من يريد الدنيا اطلبها من الله، كيف تطلبها؟

    بالإذعان والطاعة بعد الإيمان والاستسلام، لا تقل: أنا على كفري وأطلب ربي الدنيا يعطيني إياها. ما يعطيك، فقط إذا عملت بأسبابها ما يحرمك الأسباب لكفرك، إذا زرعت ما تحصد، وإذا غرست ما تجني. لا أبداً، أخذنا هذا من آية هود، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، إذا الكفار تركوا الصناعة والعمل والزراعة من أين يأتيهم المال والغنى؟ الفقر والبؤس والشقاء، أليس كذلك؟ هذا مشاهد في العالم بأسره.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ [الإسراء:18-19]، من هي الآخرة؟ أهي عجوز اسمها الآخرة؟ الحياة التالية الثانية.. الدار الآخرة؛ إذ هذه الأولى وتلك الآخرة.

    وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19]، سعي الدار الآخرة: الصلاة والزكاة والصوم وعبادة الله، والحال أنه مؤمن، أعمال الكافر كيفما كان نوعها من بر وإحسان لا قيمة لها عند الله، والله ما تزكي نفسه ولا تؤثر فيها، المشركون يذبحون لله، يحجون ويعتمرون، والله لا يقبل منهم شيئاً، فلهذا يجب أن نوحد الله وأن نحقق إيماننا.

    كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:20-21]، عرفنا درجات الجنة؟ مائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ [الإسراء:22] يا عبد الله.. يا أمة الله.. يا عبد! لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء:22]، فيترتب على ذلك أن تقعد يوم القيامة مذموماً مخذولاً والعياذ بالله تعالى!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    مع هداية الآيات، تأملوا هذه الهدايات كيف استنبطت.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: كلا الدارين السعادة فيها أو الشقاء متوقف على الكسب والعمل. هذه سنة الله تعالى في العباد ].

    مرة ثانية: كلا الدارين.. دار الدنيا ودار الآخرة، السعادة فيهما أو الشقاء متوقف على الكسب، ما تقول: أنا مؤمن وتنام طوال الليل، لا بد من عمل، ما يقول: أنا كافر، لكني أحب عيسى وأمه، ندخل الجنة، لا بد من الكسب، من أين استنبطنا هذا؟

    وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19].

    [ ثانياً: سعي الدنيا التجارة والفلاحة والصناعة ].

    من أين أتينا بهذا؟ أما قال: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا [الشورى:20]، ما سعي الدنيا؟ الفلاحة والصناعة والتجارة، في أموال غير هذه الطريق؟ في أموال تؤخذ من غير الصناعة والتجارة والفلاحة، أو ماذا عندكم؟ لا بد من فلاحة، لا بد من تجارة، وصناعة، وبهذا يحصل المال، وسعى للدنيا سعيها، كيف يسعى لها سعيها دلونا؟ يتاجر، يزرع، يحصد، يبني.. وهكذا. هذا السعي، فلهذا قلنا: إن سعي الدنيا التجارة والفلاحة والصناعة.

    [ ثالثاً: سعي الآخرة الإيمان، وصالح الأعمال، والتخلية عن الشرك والمعاصي ].

    والله كما تسمعون، ما هو سعي الدنيا، بم يكون؟ سعي الدنيا عرفناه بالفلاحة والتجارة والصناعة، وسعي الآخرة بم يكون؟ أولاً: الإيمان الصحيح، ثانياً: صالح الأعمال، ثالثاً: التخلي والبعد عن الشرك والمعاصي. هذا هو سعي الدار الآخرة لمن أرادها.

    [ رابعاً: يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب ].

    فكم من كافر يحرمه الدنيا ويموت فقيراً، وكم من مسلم يعطيه الدنيا، أليس كذلك؟

    [ يعطي الله الدنيا ومن يحب ومن لا يحب، وعطاؤه قائم على سنن له في الحياة يجب معرفتها ].

    عرفناها الآن أو لا؟ تريد المال اتجر، اصنع، ازرع، ما هو بالكذب والسرقة.

    يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، وعطاؤه الدنيا قائم على سنن وأنظمة له في الحياة يجب معرفتها، تظل أنت في المسجد مضطجعاً وتقول: أحصل على أموال، يجوز هذا؟ لا بد أن تسعى، وعرفنا ميادين السعي: اتجر، واصنع بيديك واعمل، أو ازرع واحصد، من أين أخذنا هذه؟ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا[الإسراء:19].

    [ خامساً: ما أعطاه الله لا يمنعه أحد سواه، فوجب التوكل على الله والإعراض عن سواه ].

    ما أعطاه الله لا يمنعه أحد في الأرض أبداً، يصرفها الله عنك، يقلب قلوبها حتى ترضى.

    ما أعطاه الله لا يمنعه أحد، إذاً: فوجب التوكل على الله والإعراض عما سوى الله، مادام العطاء من عنده، وإذا أراده لا يمنعه أحد، إذاً: ما بقي لنا إلا أن نطرح بين يديه، ما عندنا من نسأل ونبكي بين يديه إلا الله عز وجل، فلا أصنام ولا أحجار ولا شهوات ولا دنيا.

    [ سادساً وأخيراً: تحريم الشرك والوعيد عليه بالخلود في نار جهنم ].

    لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا [الإسراء:22].. هذه لا ناهية للتحريم، لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، أين؟ في جهنم والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    دعاء

    معاشر المستمعين والمستمعات! جاءتكم طلبات من الرياض من جدة من المدينة، مرضى في المشافي يطلبون منكم الدعاء لهم بالشفاء؛ عرفوا أن دعاءكم مستجاب، وقد استجاب كثيراً لكم ربكم، فلهذا يطلبون منكم الدعاء، هيا ندعو، أنا أدعو وأنتم آمنوا، وكلنا شريك في الدعاء.

    اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ملك الملك، يا ذا الجلال والإكرام، هذه أكفنا قد رفعناها إليك ضارعين سائلين، إنا نسألك يا ربنا شفاء هؤلاء المرضى الذين طلبوا منا أن ندعوك متوسلين لك بإيماننا وصالح أعمالنا فاستجب لنا يا ربنا، فاكشف ضرهم، اللهم اكشف ضرهم، وعجل بشفائهم يا حي يا قيوم، اللهم اكشف ضرهم، وعجل بشفائهم يا حي يا قيوم، اللهم اكشف ضرهم، وعجل بشفائهم يا حي يا قيوم، واشف كل مريض بيننا وفي بيوتنا ومشافينا، إنه لا شفاء إلا شفاؤك، شفاؤك لا يغادر سقماً يا رب العالمين، استجب دعاءنا ربنا، هذه أكفنا قد رفعناها إليك ضارعين سائلين، اللهم اكشف ضر هؤلاء المرضى، وعجل بشفائهم يا رب العالمين، واغفر لنا وارحمنا، واعف عنا وعافنا.

    اللهم إن عبادك في الأفغان يعانون من الكروب والهموم والأحزان والبلاء، اللهم فرج ما بهم، اللهم فرج ما بهم واكشف ما بهم، وعبيدك في الجزائر يعانون مثل ذلك، اللهم أطفئ نار الفتنة التي بينهم، اللهم عجل الصلح بينهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.