إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كل ما يصيبه الإنسان في هذه الحياة من خير أو شر، أو صالح أو طالح مسجل عليه، وهو في عنقه كالقلادة، وما يقع له في الآخرة من الجزاء على الخير والشر هو كذلك، ثم يوم القيامة ينشر له كتابه فيقرؤه، سواء كان متعلماً أو أمياً، عالماً أو جاهلاً، فمن كان مهتدياً في الدنيا انتفع ونجح وأفلح، ومن كان ضالاً فقد خاب وخسر، ولا يظلم الله عز وجل عبداً مثقال ذرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:13-17].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    هذه علوم ومعارف إلهية، لو نطلبها في غير القرآن الكريم ما نظفر بها، ولا نحصل عليها.

    علوم ومعارف أولها في قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ [الإسراء:13] وهذا اللفظ يشمل كل إنسان ذكراً كان أو أنثى، في الأولين أو في الآخرين.. كيفما كان جنسه، أو كيفما كانت حاله، والإنسان هو أنا وأنت.. ذرية آدم وأولاده كلهم ينطبق عليهم لفظ إنسان وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ [الإسراء:13] من الملزم له؟ الله هو المتكلم المتحدث عن نفسه، ألزمه رب العزة والجلال والكمال، ألزمه بماذا؟ بأن جعل طائره في عنقه، ما كتب الله له في هذه الحياة، وفي الدار الآخرة من خير أو شر، من سعادة أو شقاء، من غناء أو فقر، من عز أو ذل.. كل ما يصيب الإنسان في هذه الحياة قد كتبه الله في كتاب المقادير، وألصقه به كالقلادة في العنق؛ بحيث لا يفارقه أبداً، تدعو تفعل ما تشاء لن يتغير ما كتبه الله عليك أو لك، فما ينبغي إلا الإذعان والانقياد، وسؤال الرب واللجوء إليه والصدق في دعائه، أما أن لك قدرة لا قدرة لك، تطبق ما كتب الله لك حرفياً وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13].

    مرة ثانية: قبل أن يخلق الله الإنسان كتب له ما يكون له من سعادة وشقاء في الدنيا والآخرة، حتى حركة يدي هذه والله مكتوبة.

    ثم ألصق ذلك به وألزمه كالقلادة في عنقه، لا يمكنني أن أموت قبل أن أحقق كل الذي كتب، لو تجتمع البشرية كلها على قتل إنسان وبقي عليه عمل مكتوب والله ما تستطيع حتى يستوفي كل ما كتب. هذه مظاهر القدرة العظيمة أو لا؟ والعلم العجيب، ما أكثر البشر، ما أكثر الناس، وكل إنسان له صحيفته وكتابه منوط به فيه حتى أنفاسه التي يرددها، لا إله إلا الله! هذا هو الرب الحق، هذا هو الإله الحق، هذا الذي يجب أن يعبد، أما غيره من الأوهام والشياطين فكيف تعبدها وهي مخلوقة ضعيفة رخيصة لا قيمة لها؟!

    وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ [الإسراء:13] ماذا؟ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13] بمعنى أن ما كتب لك وعليك لا يمكن أن تفارقه أو يفارقك أبداً كالقلادة في عنقك.

    ثانياً: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13]، يوم القيامة: يوم نقوم من قبورنا ونجتمع حول ساحة القضاء ثم نعطى كتبنا، بل ونعطاها ونجدها منشورة هكذا.

    وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13] أعماله التي عملها من خير وشر كلها مدونة في كتاب، وأنتم تعرفون الكرام الكاتبين ماذا يفعلون معكم، أليسوا يكتبون؟ إذاً: وتجمع تلك الأعمال كلها والأقوال وتقدم لك في كتابك لتشهد على نفسك، وتحاسب أنت نفسك.

    وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13] ومعنى هذا: هيا نعمل ما يسرنا ويفرحنا ويثلج صدورنا في كتبنا؛ فمن يعمل السيئات يا ويله عندما يطالعها في كتابه، ويحكم على نفسه بالشقاء والعذاب الأبدي، ولهذا المؤمنون الصادقون والمؤمنات الصادقات يحاسبون أنفسهم في الدنيا قبل يوم القيامة، إذا أمسى ينظر ماذا فعل وماذا ترك، ماذا يلزمه، وماذا يجب عليه؟! وهكذا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا؛ لأن هذا الحساب الدقيق نتائجه معروفة، إن كان في كتابه حسنات، وأعمال صالحة، ونيات صادقة يقاد إلى الجنة، وإذا كانت سيئات ومساوئ وقبائح الذنوب يقاد إلى النار ولا يلوم إلا نفسه.

    وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13]، ويقول له الملك المرسل إليك: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] أنت الذي تحاسب نفسك، لا يحاسبك غيرك، أنت الشاهد عليها، وأنت العامل معها، وأنت الذي تحاسبها، ما تطلب محاسباً آخر يحاسبك أبداً.

    اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:14] سواء كنت أمياً لا تحسن القراءة أو كنت عالماً تحسن القراءة، والله ليقرأن كل واحد من الناس كتابه، وإن كان ما يعرف الياء من الباء.

    من الذي جعلك تنطق؟ هل أنت خلقت النطق؟ يجعلك تفهم القراءة بمجرد ما تنظر.

    اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ [الإسراء:14] هذا يوم القيامة عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] أي: حاسباً، ما تحتاج إلى من يحاسبك فيما فعلت أو تركت؛ لأنك أنت شاهد على نفسك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ...)

    هذان الخبران العظيمان بعدهما علم آخر، قال تعالى: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الإسراء:15] حقيقة والله كما أخبر تعالى، من اهتدى منا يا بني آدم، يا بني الناس إلى الإيمان والتوحيد وعبادة الرحمن والصالحات وتجنب الشرك والكفر والمعاصي، فثمار ذلك ونتائجه كلها له هو.

    مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ [الإسراء:15] لا لغيره، لا لله؛ فالله غني عن عباده، ولا لغيره من الناس تنفعهم هدايته، نتائجها ثمارها عائدة عليه هو، فليحمد الله.

    والعكس وَمَنْ ضَلَّ [الإسراء:15] الطريق، وانصرف عن الحق، فكفر بالله وأشرك به وعصاه وتمرد عليه، وخرج عن طاعته بالفجور والظلم والشر والفساد، عائد ذلك على من؟ عليّ.

    حقائق ثابتة ثبوت الليل والنهار والشمس والقمر، لا ترى غير هذا، من اهتدى منكم يا بني آدم فهدايته عوائدها عليه لا على غيره، ومعنى اهتدى: إلى الطريق المسعد، ألا وهو الإسلام، فمشى في الطريق ينهض بالواجبات ويتخلى عن المنهيات، وإن زلت القدم وتلطخت غسلها وطهرها، وواصل التوبة والعبادة حتى الموت. هذا هو الذي اهتدى، هذا الذي يسعد بين الناس، ومن ضل الطريق.. ما عرف الإسلام ولا سأل عنه، ولا دخل فيه، ولا قام بواجباته، ولا تجنب منهياته ضل الطريق، يعود على من؟ على الله؟ حاش لله، على أنبياء الله؟ حاشاهم، يعود على نفسه فقط، هو الذي يجزى بذلك.

    حقيقة علمية ثابتة ثبوت الشمس نحفظ هذا: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الإسراء:15] عواقب الضلال وهو العذاب الأبدي في جهنم يعود على تلك النفس لا على غيرها.

    ويقرر هذا المعنى في قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] الوازرة: النفس الحاملة للوزر، أي: للإثم العظيم الكبير، الوازرة: الحاملة للوزر والوزر هنا الإثم والذنوب.

    نفس وازرة: حاملة للذنوب، أتنفع نفساً أخرى؟ لو كانت طاهرة ممكن، لكنها ملطخة مقبحة تشفع في غيرها؟ لا تزر وازرة وزر أخرى.

    حقيقة علمية ثابتة: صاحب ذنوب وآثام لا يشفع أبداً لصاحب ذنوب وآثام آخر، من يشفعه؟ قد يشفع الله الأصفياء الأطهار، أما خبيث يشفع في خبيث؟ ومعنى هذا: أن أهل الكفر والشرك والفسق والفجور ما ينفع بعضهم بعضاً أبداً، وإن اشتركوا في الباطل والشر وتعاونوا وتحابوا و.. و.. في الحياة الدنيا، يوم القيامة والله ما ينفع أحد منهم الآخر.

    ومعنى هذا: أننا نعمل على ألا نزر وزراً ولا نحمل إثماً، ولا نرتكب كبيرة، وإن زلت القدم نتوب ونستعجل التوبة ليمح أثرها قبل أن نموت.

    وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] أي: نفس أخرى وازرة.

    مرة ثانية: الوازرة: هي النفس الحاملة للوزر، والوزر ما هو؟ الإثم.

    فهذه الحاملة للإثم ما تنفع نفساً أخرى حاملة للإثم أيضاً، وإذا كانت النفس طاهرة نقية قد يشفعها الله في أخرى، لكن خبيثة منتنة يشفعها في أخرى؟ مستحيل وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] لا تتحمل عنها أبداً ذنوبها.

    معنى قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)

    قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] هذا علم آخر، يقول تعالى وقوله الحق: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ [الإسراء:15] أمة من الأمم ولا فرداً من الأفراد، لا في العرب ولا العجم، لا مع آدم ولا مع نوح ولا مع إبراهيم ولا محمد، ما كنا معذبين أحداً حتى نبعث رسولاً فيبلغه ويرفض ويتكبر ويتعالى ويحاد، هذا الذي نعذبه، أما أمة أو جماعة في قرية.. في جبل ما بلغناهم دعوتنا.. ما بعثنا إليهم رسولاً ما نسخطهم أبداً بعذاب من أجل ذنوبهم.

    والمراد من العذاب هنا: عذاب الدنيا بالإبادة والإهلاك، بالفقر والجوع، بالأمراض بالأسقام، بالأعداء تُسلط عليهم.

    وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فيبلغ دعوتنا، فإذا رفضت لم تقبل وأصروا على الشرك والكفر، حينئذ استوجبوا العذاب فنعذبهم، أما قبل أن نبعث إليهم الرسول يبلغهم دعوتنا، وما نريد منهم فلا نهلكهم لا باستئصال وإبادة ولا بغيرها، وهذه سنة الله في خلقه.

    ومن هنا ما من أمة إلا وبعث الله فيها رسولاً؛ إذ قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24].

    وهنا لطيفة علمية، وإن كان فيها خلاف، لكن الذي رجحه إمام المفسرين هو الذي نرجحه: أن المجنون من بني الناس، والمعتوه الذي ما يعقل، والرجل الشيخ الكبير الخرف، لو جاءه الرسول وهو ما يميز بين الحق والباطل والخير والشر، وكذلك أطفال المشركين والكافرين، والذي هو أصم وأبكم لا ينطق ولا يفهم ولا يبصر، وأهل الفترة، والفترة الزمن المحدود إذا بعث الله رسولاً في هذه القرية أو هذه المدينة وعاش مع أهلها وآمنوا واستقاموا، ثم مات الرسول ومات العلماء بعد قرن.. قرنين، ما بقي فيهم من يعرف الله، حتى يأتيهم رسول آخر جديد فيعرفونه، فأهل هذه الفترة بين الرسول الأول والثاني أصبحوا لا يعرفون الله، ولا يجدون من يعرفهم بالله، ولا ماذا يحب الله ولا ماذا يكره، هؤلاء هم أهل الفترة.

    إذاً: هؤلاء الأصناف: أولاً: الأعمى الأصم، ثانياً: الرجل الكبير السن الذي خرف، جاء الرسول وهو ما يعقل ولا ويفهم، ثالثاً: الأطفال، أبناء المشركين قبل بلوغهم، رابعاً: المجنون: الذي لا يميز بين الحق والباطل؛ لأنه مصاب في عقله، خامساً: أهل الفترة، كل هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرسل إليهم في عرصات القيامة من يقول لهم: إن ربكم يأمركم أن تدخلوا النار؛ فمن كان مستعداً للطاعة وقبول الأمر في الدنيا يستجيب في الآخرة، ويقول: سمعاً وطاعة، فيخالف به إلى الجنة، ومن كان مستعداً بطبعه في الدنيا بأن يكفر ويرفض دعوة الحق ولا يستجيب، ثم يقول: كيف ندخل النار؟ فيلجئون إليها إلجاء، ويضطرون إليها اضطراراً.

    هذا أحسن ما تفهمون في هذه الأصناف؛ لأنهم شبه معذورين، ما جاءهم رسول ولا عرفوا: أعمى وأصم وأبكم ما ينطق ولا يسمع ولا يبصر كيف يعرف الله؟ كيف يعبده؟ طفل صغير مات قبل بلوغه ما يدري، شيخ كبير خرف ما يفهم شيئاً وجاءه الرسول ما يفهم شيئاً، المجنون الذي فقد عقله من صباه، ما يفرق بين الحق والباطل والخير والشر هؤلاء يمتحنون في عرصات القيامة، ومن كانوا مستعدين للطاعة والإيمان في الدنيا يجيبون الداعي الذي بعثه الله ويخالف بهم إلى الجنة، والذين كانوا مستعدين لو جاء الرسول أن يكفروا به ويكذبوه ويحاربوه، ثم يرفضون الدخول إلى النار: كيف ندخل النار؟ فيلجئون إليها إلجاء.

    قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ [الإسراء:15] أي: عذاب إبادة واستئصال، كما عذب قوم نوح فقد أغرقهم الله، وكما عذب قوم لوط، أنزل عليهم الحجارة من السماء وأهلكهم، وكما عذب قوم مدين.. وهكذا عذاب الإبادة والاستئصال ما يفعله الله مع أمة حتى يبعث فيها رسولاً ويبلغها ويدعوها، فإن كفرت وأعرضت حينئذ يعذبها عذاب الإبادة الكاملة والاستئصال التام.

    وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] من رسلنا، إن كانوا عرباً يبعث فيهم عرباً، وإن كانوا عجماً يبعث فيهم عجماً.

    إذاً: هذا في الدنيا في الدنيا، أما عذاب الآخرة -كما سمعتم- الأصناف السابقة يمتحنون يوم القيامة، فالمستعد للطاعة في الدنيا يطيع في الآخرة، ومن هو غير مستعد في الدنيا يعصي في الآخرة، حتى يدخل النار بحكم الله العدل فيه؛ لأنه كفر ورد دعوة الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ...)

    قال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء:16] سبق أن عرفتم أن القرية في القرآن العاصمة الحاضرة المدينة، وفي الاصطلاح الجغرافي اليوم مجموعة من السكان، وحسبكم قول الله تعالى: وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى [الأنعام:92]، من هي أم القرى هذه؟ مكة، أعظم عاصمة في العالم وأجلها.

    إذاً: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:16] أصحاب الترف المال والغنى والدولة والسيادة والشرف الذين انهمكوا في الذنوب والمعاصي؛ لتوفر النساء والطعام والشراب واللباس والسكن، فأعرضوا عن الله؛ فاستوجبوا نقمته.

    إذا أردنا أن نهلك قرية من القرى أمرنا مترفيها بأن يفسقوا فيها، فإذا هم فسقوا نزلت بهم النقمة.

    وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء:16] ما استجابوا للأمر والنهي، والفسق هو: الخروج عن الطاعة، عصوا الله ورسوله، فهؤلاء فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ [الإسراء:16] وجبت كلمة العذاب فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16]، استوجبت العذاب.

    ولهذا نتوقع أن حرباً عالمية تدمر هؤلاء الفساق الفجرة الكفار من العرب والعجم؛ لأنها نقمة إلهية، طالت مدة الفسق والفجور، كم قرناً ما استجابوا لله ولا لرسوله، ولا دخلوا في الإسلام، ولا طبقوا شرعه، بل استمروا على حربه والمعاندة فيه.. إلى متى؟ لا بد وأن تنزل نقمة الله، واسمعوا الآية ماذا تقول؟ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:16] بطاعتنا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء:16] ما استجابوا لنا فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].

    وهيروشيما اليابانية الكافرة، فيها ستون ألفاً مع أنها قنبلة في عصرها الأول في بدايتها، ما هي كالقنابل الآن والغازات.. لا إله إلا الله! في محاولات كثيرة لتهدئة الحال، وإنهاء الخلاف بين الأمم حتى لا تضطرم نار الحرب، ولكن يد الله فوق أيدهم، لو تابوا، لو أنابوا، لو رجعوا إلى الله، لو قالوا: أسلمنا، دلونا على الإسلام نطبق الإسلام ونعيش مسلمين. نعم نقول: لا عذاب، لكن ماداموا مصرين على الفجور والفسق والظلم والكفر -والعياذ بالله- لا بد من نقمة إلهية، والله يقول: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16]، بحرف الفاء في الكل، الوقت متصل، ما في زمان أبداً، أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] كاملاً، كانت مدينة يقال لها لندن أو باريس أو نيويورك أو مدينة أخرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ...)

    قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء:17] لا تقل: لا يمكن أن يقع هذا؛ لأن الله ما فعل هذا مع أمة، قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء:17]، أولاً: قوم نوح أمة كاملة أكلتها المياه وأغرقتها البحار، وبعد ذلك قوم عاد، أين تلك القصور العالية الشاهقة والمباني الرفيعة؟ أزيلت، قوم ثمود أين مصانعهم وأين قراهم؟ سكنوا في الجبال وانتهت، أين فرعون وجيشه مائة ألف؟ كله غرق في البحر.

    وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:17]، يكفي أن الله خبير بذنوب عباده لا يخفى عنه شيء أبداً، ولا يجهل شيئاً من خلقه أبداً، عرف ذنوبهم كما نعرفها، بل أشد من معرفتنا نحن، ومعنى هذا: أن البشرية تحت النظارة، عندما يأذن الله بالدمار يتم الدمار؛ لأن سلوك البشرية سلوك يستوجب العذاب، أعرضوا عن الله وذكره، أعرضوا عن عبادة الله، عذبوا عباده، خرجوا عن أمره، إذاً: فهم منتظرون ممهلون ولا يهملون.

    إليكم مرة ثانية الآيات أتلوها عليكم وتأملوا: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:13-16]، تأملوا الإتراف، ما تطلبون الترف والله ما هو في صالحنا، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:16-17].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات.

    من هداية الآيات: أولاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر ].

    من أين أخذناه؟ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13]، هذه عقيدة القضاء والقدر أو لا؟ ما قضاه الله وحكم به وقدره فهو الذي يتم بالحرف الواحد.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء ].

    وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13].

    [ ثالثاً: تقرير العدالة الإلهية يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً ].

    من أين أخذنا هذا؟ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    [ رابعاً: بيان سنة الله تعالى في إهلاك الأمم؛ غير أنها لا تهلك إلا بعد الإنذار والإعذار إليها ].

    وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    [ خامساً: التحذير من كثرة التنعم والترف ].

    ونحن بخاصة السعوديين راغبين في هذا، وجدنا بعض الأسباب، التحذير من أين؟ من كثرة التنعم والترف.

    [ فإنه يؤدي إلى الفسق بترك الطاعة، ثم يؤدي الفسق إلى الهلاك والدمار ].

    التحذير من كثرة التنعم والترف، فإنه يؤدي إلى الفسق، ووالله كما أخبر الله تعالى يؤدي إلى الفسق؛ وذلك بترك الطاعة لله ورسوله، ثم يؤدي أيضاً الفسق إلى الهلاك والدمار.

    والله نسأل أن يعافينا، وأن يحفظنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.