إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هذا القرآن الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم دستور حياة، يدعو إلى الطريق القويم الذي يفضي بمن يسلكه إلى سعادة الدنيا والآخرة، فمن آمن وسلك طريقه وعمل بموجب ما جاء فيه من الأوامر والنواهي فهو مستحق للثواب العظيم والجزاء الكبير، وأما من جحد، وتنكب الصراط وأعرض عن الطريق فإنه متوعد بالعذاب الأليم، والخلود في نار الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:9-12].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم: أن السور المكية تعالج العقيدة، وأعظم أركان العقيدة: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، وهذه الآيات تقرر هذا وتؤكده.

    أولاً: يخبر تعالى وقوله الحق فيقول: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ [الإسراء:9] الذي بين أيديكم.. الذي في صدوركم.. المكتوب في سطوركم، هذا القرآن العظيم هو فوق التوراة بمسافات، فوق التوراة التي يحتج بها اليهود، يضاف إلى ذلك أنهم زادوا فيها ونقصوا منها حسب أهوائهم وشهواتهم وأطماعهم في الحياة، فلهذا لسنا في حاجة أبداً إلى التوراة ولا إلى الإنجيل، ويكفينا هذا القرآن العظيم.

    والقرآن وصفه الله بأنه المجيد، وأنه الحكيم، وأنه العزيز، وأنه.. وأنه..، وهذه الصفات كلها للقرآن الكريم بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:21-22]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس:1].

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ [الإسراء:9] الذي بين أيدينا يهدي المؤمنين به، وبمن جاء به، وبمن أنزله ودعا إليه، يهدي من آمن وأراد الهداية، يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، أعدل وأسلم وأصح وأسعد وأكرم، الطريق المسعدة المكملة للإنسان المحققة له مراده من هذه الدنيا والآخرة هو القرآن الكريم، ما يدعو إلى باطل ولا إلى ترهات ولا خرافات، ولا شهوات ولا أطماع ولا نزعات ولا قبليات، يدعو للإسلام الذي هو الطريق المسعد لمن أسلم قلبه فيه لله، وسار فيه وسلكه، فلا نلتفت إلى التوراة كتاب موسى.

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] أولاً، وثانياً: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الإسراء:9] يبشرهم بماذا؟ والله لبسعادة الدارين، سعادة الدنيا والآخرة، فقط أن نؤمن به وبما طلب منا الإيمان به من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولنطرح بين يدي الله نفعل ما أمر ونترك ما نهى، لن تنتهي مسيرتنا إلا إلى دار السعادة في الدنيا والآخرة وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الإسراء:9] يبشرهم بماذا؟ بما يحبون من خير الدنيا والآخرة وبسعادة الحياتين.

    وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الإسراء:9] دائماً يذكر الإيمان ثم العمل الصالح، لحكمة، وهي: أن المؤمن حي يستطيع أن يعمل الصالحات، والكافر ميت لا يستطيع أن يعمل الصالحات، فالإيمان أولاً كالروح في الجسم، بعد ذلك الجوارح تعمل، فإذا فقدنا الروح فالأجسام لا تفعل شيئاً، لا العين تبصر ولا الأذن تسمع، ولا اليد تبطش أو تأخذ.

    الإيمان أولاً؛ إنه بمثابة الروح للجسم، وهذا في كتاب الله عشرات الآيات دائماً تذكر الإيمان ثم العمل الصالح، وإذا ما ذكر الإيمان يعقّب به وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:112]، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124] تأتي جملة حالية، والحال أنه مؤمن.

    وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:9] الكُمّل الإيمان، كلمة (المؤمنين) الصادقين في إيمانهم الكاملين فيه، الإيمان بحق، ومصدر الإيمان: قال الله، قال رسوله، ما أمرنا الله أن نؤمن به آمنا به، ما أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نؤمن به آمنا به، سواء حفظناه، فهمناه، أدركناه، وصلت عقولنا إليه أو لم تصل، فقط إذا قال: آمن بكذا. آمنا به، لا يستلزم أنك لا تؤمن إلا بما تعقله وتفهمه لا أبداً، قل آمنت فقط.

    ونذكر الحادثة التي تمت في درس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أصحابه: أوحي إليه وهو على الكرسي يعلم الناس: أن فلاحاً في بني إسرائيل كان يركب بقرة، والبقرة للحرث والسني وليست للركوب كالحمار والفرس والبغل، فهذه البقرة رفعت رأسها هكذا إلى الراكب وقالت له: ما لهذا خلقت، ما إن بلغ الخبر الرسول حتى أمسك بلحيته وقال: آمنت به.. آمنت به.. آمنت به، وآمن به أبو بكر ، وآمن به عمر ! وهما غائبان، لما يعلمه من صدق إيمانهم، ما قال: كيف البقرة تتكلم وترفع رأسها؟ ليس شأنك هذا، المهم أن يبلغك الخبر عن الله أو عن رسوله، فقل: آمنت.

    وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الإسراء:9] الصالحات: جمع صالحة، وليس المقصود امرأة صالحة، الصالحات من النساء حقيقة، والصالحون من الرجال كذلك، لكن الصالحات هي هذه العبادات على اختلافها وتنوعها.. كل عبادة صالحة لتزكية النفس وتطهيرها وتهذيب الأخلاق والآداب للمؤمن، كل عمل صالح سواء كان من الاعتقادات القلبية أو الأعمال بالجوارح كالسمع والبصر واليد والرجل، هذه الأعمال إذا كان الله شرعها وأمر بفعلها أو شرعها الرسول بإذن الله وأمر بفعلها فهي صالحة والجمع صالحات.

    بمعنى: آمنوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا رمضان، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، واجتنبوا الشرك، والكفر، والفسق، والفجور، والباطل، والسحر، والكذب و... و... فعل وترك، هؤلاء يبشرهم القرآن بماذا؟ بـ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] الأجر الجزاء عن العمل أو لا؟ كالأجرة للعامل، آمنوا وعملوا الصالحات يؤجرون على هذا، لا بد من أجرة، قال تعالى في هذه الأجرة: لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] وإذا استكبر الكبير الكبير كيف يكون؟ هذا الأجر الكبير -كما قلت لكم- سعادة في الدنيا، ثم سعادة الحياة في البرزخ بين الحياتين، ثم السعادة في الدار الآخرة، حيث الخلد والبقاء الأبدي.

    هذا خبر عظيم أو لا؟

    بم نشتري هذا الخبر؟ بم نحصل عليه؟ بشيئين: دينار ودرهم؟ لا، إيمان وعمل صالح، إيمان حق وعمل صالح حق.

    وأهل الحلقة عرفوا أسرار هذه العبادات، لم العمل الصالح والإيمان يكسبان هذا الأجر؟

    لأنهما يزكيان النفس البشرية، يطيبانها ويطهرانها، فإذا طابت النفس وزكت وطهرت، والله ما تشقى في الدنيا ولا تكرب ولا تحزن، وكذلك في الدار الآخرة لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:64].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذاباً أليماً)

    قال الله تعالى: وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الإسراء:10] هذا كله يحويه القرآن ويشتمل عليه، الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، يقولون: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون:82]، أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] يأخذ عظماً ويكسره بين يدي رسول الله عند الصفا، ويقول: أتزعم أن هذا يحييه الله يا محمد؟ والمكذبون بالبعث الآخر الآن بليارات من البشر، الصين، واليابان، والروس، وأوروبا و.. و..، والمؤمنون باليوم الآخر عدد جزئي نسبي لا قيمة له بالنسبة إلى الكافرين الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة؛ لأن من آمن وأيقن أنه سينتقل إلى دار يجزى فيها على عمله، والله ما يضيع العمل أبداً، بل يكدح الليل والنهار حتى يسعد في الدار الآخرة، والذي فرغ قلبه من الإيمان بالدار الآخرة هيهات هيهات أن يعمل خيراً أو يبقى عليه، ما هو بأهل لذلك أبداً، فلهذا -كما قدمنا- الإيمان بالله واليوم الآخر ركنان من أعظم أركان الإيمان، ويشهد لذلك مثل قول الله تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232] حتى النساء إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228] هذان الركنان من أركان الإيمان عليهما قيام الأركان الباقية، الإيمان بالله والبعث الآخر.

    وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:10] أعتدنا: أعددناه وهيأناه، لمن؟ للذين لا يؤمنون بالآخرة، وهو عذاب أليم، والأليم المؤلم الموجع، شديد الإيلام والإيجاع، ضع يدك على جمرة لتعرف الحرارة والعذاب الأليم عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:10]، هذه كلها مهام القرآن الكريم، محامله وما يحمله من الهدى والنور.

    ثم قال تعالى: وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:10] إذاً هذه الآية الأولى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:9-10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً)

    يقول الله تعالى: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]، هذه حقيقة علمية تدرس السنوات.

    أولاً: يدعو الإنسان الذي ما هذّب ولا صفّي ولا نقي ولا رُبّي ولا أصلح، الإنسان قبل أن يدخل المشافي القرآنية، وقد عرفنا أن الله تعالى أخبر عن الإنسان -وهو خالقه- أنه كان ظلوماً جهولاً، ووصفه بأنه خلق هلوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:20-21]، إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34] فإن دخل إلى المشافي القرآنية وعولج يبرأ والحمد لله.

    علاج القلب بالمداومة على الصلوات

    تكرر القول -والحمد لله- بأن هناك ثمانية أرقام، تعرفون الرقم؟ الطبيب لما يكتب الوصفة الطبية أليست بالأرقام؟ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة.. افعل كذا، افعل كذا؟ فالله عز وجل وضع وصفة طبية ربانية بثمانية أرقام، والله ما طبقها إنسان إلا كمل وسعد، والذي ما طبقها أو طبق بعضها والله لهابط وساقط، ولا يعرف أدباً ولا خلقاً ولا فضلاً ولا إحساناً، تسمعون هذه الوصفة؟

    وصفة ربانية، خالق الأجسام والعقول والقلوب والأرواح هو واصفها الطبيب الحكيم، فتأملوا!

    قال تعالى من سورة المعارج: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19] ما معنى الهلوع يا رب؟

    إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:20-21] بصيغة المبالغات هذه، الجزوع: كثير الجزع، المنوع: كثير المنع، والله كما أخبر الله إِنَّ الإِنسَانَ شريفاً كان أو وضيعاً، في قبيلة شريفة أو هابطة، في الأولين أو الآخرين، المهم أنه من بني آدم إِنَّ الإِنسَانَ ما له يا رب؟ أخبر عنه خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19] ما معنى هلوعاً؟ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا [المعارج:20] الصراخ والصياح والبكاء والغضب والسخط.

    وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ [المعارج:21] وفاز به منعه، شديد المنع اللهم إلا أصحاب الأرقام التالية:

    أولاً: إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:22-23] الليل والنهار طول العمر ما يقطعوها أبداً، ما قال يصلون يوم ويتركون آخر، أو يصلون الظهر ويتركون العصر عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] والدوام معروف وهو عدم الانقطاع، هذا الرقم الأول.

    علاجب القلب ببذل الزكاة

    وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25] هذا الرقم الثاني، في أموالهم التي اكتسبوها ويكسبونها حق معلوم معروف مقدر مبين في شرع الله عز وجل، ويعني بهذا زكاة الأموال الصامتة والناطقة فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] يعطى لمن سأل ولمن امتنع من السؤال، يعطى للفقراء والمساكين؛ إذ يوجد مساكين لا يسألون أبداً، يرضى أن يموت ولا يمد يده، هذا المحروم وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25]، فمانعو الزكاة هالكون، والذين لا يعطونها كاملة هالكون، تفسد أخلاقهم وآدابهم ولا يسعدون ولا يكملون.

    علاج القلب بالتصديق بيوم الدين

    الرقم الثالث: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26] أي: يؤمنون بالبعث الآخر، موقنون مصدقون بالدار الآخرة وما يجري فيها من حساب وما يكون فيها من جزاء عن الحسنات والسيئات على حد سواء.

    هذا الرقم عرفتم قيمته أو لا؟ صاحبه هالك لا سعادة له أبداً، ولا يرجى منه خير أبداً، ولا يعول عليه في شيء أبداً؛ لأنه كالمجنون.. أقبح مخلوق الذي لا يؤمن بلقاء الله عز وجل.

    وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26] أي يوم للدين والجزاء؟ يوم القيامة، هو يوم الجزاء والدين.. يصدقون بيوم الجزاء على العمل والكسب في هذه الحياة الدنيا؛ إذ عرفنا والحمد لله أن علة هذه الحياة العمل، وعلة الحياة الثانية الجزاء.

    علاج القلب بالإشفاق من عذاب الله

    الرقم الرابع: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27] مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ أي: من عذاب الله في الدنيا والآخرة خائفون مشفقون، ما يستطيع أن يقول كلمة سوء، ما يستطيع أن ينظر نظرة محرمة، ما يستطيع أن يأكل ريالاً محرماً، خائف من عذاب الله، لا خيانة ولا سرقة ولا كذب ولا حسد ولا بغضاء، ولا عداوة ولا.. ولا..، كل الآثام هو خائف منها، معناه أطهر إنسان هذا. هذا الرقم ذو عجب.

    وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27] خائفون فلا يسرقون ولا يزنون ولا يكذبون ولا يرابون ولا يعقون آباء ولا يؤذون الجيران ولا المؤمنين ولا.. ولا..؛ لأنهم خائفون من عذاب ربهم.

    وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27] يخافون عذاب الله في الدنيا أن يبتليهم بالفقر والمرض أو بالذل والهون، فلهذا ما يعصونه أبداً، ووالله لو خاف إخواننا وأشفقوا والله لانتهى الظلم والخبث والشر والفساد في ديار المسلمين، لكن ما هم بخائفين أبداً، بعضهم يؤمن إيماناً سطحياً فقط، بعضهم ما يبالي، بعضهم أعمى ما يفكر في الله ولا في عذابه، وإلا كيف يزني الرجل ويواصل الزنا والعهر والفجور والباطل والشرك والكفر وما إلى ذلك؟

    وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المعارج:27]، وعلل تعالى فقال: إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:28] الله أكبر! العالم الآن يتدحرج، ينتظر ضربة قاطعة.. الآن الغازات، والله ما ندري كيف يمسون أو يصبحون! غازات تملكها روسيا وأمريكا واليابان والصين واليهود، إذا لم يأذن الله عز وجل ببقاء الحياة كما هي تنتهي في أربعة وعشرين ساعة، القنبلة الذرية الأولى التي جربت في اليابان كم قتلته؟ حوالي ستين ألفاً، والآن مادة أخرى تسمى الغازات، وها هم يطالبون العراق بأن يبعدها وأن يخرجها من دياره حتى لا يضرب بها، وهو مُصر على بقائها، وهم خائفون ماذا يصنعون؟ القضية، الحكام، العلماء.. الدنيا كلها الآن واقفة في هول، والمفتاح بيد الرحمن، إن شاء كذا كذا.

    إلا أننا نرى أن الدنيا خمت بالعبث امتلأت بشر أنواع الفساد والعذاب، فأهلها متوقع لهم هذا العذاب، أين المشفقون من عذاب ربهم؟ وهو غير مأمون، ومن قال: نحن آمنون فهو كاذب مخطئ، من أمنك؟ جاءك صك من الرحمن أنك آمن؟

    فيجب أن نبقى خائفين أبداً؛ لأن عذاب ربنا غير مأمون، من يؤمننا منه؟ اللهم إلا إذا استقمنا على منهج الحق آمنا حق الإيمان وعملنا الصالحات، وأعلنا شرع الله وحكمنا به، حينئذ آمنون، إذا بدأ السقوط والهبوط بدأ الخوف أيضاً ينتابنا.

    علاج القلب بحفظ الفروج

    sالرقم الخامس: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29] اللهم إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:30].

    وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29] من الزنا واللواط، اللهم إلا على زوجته يجامعها متى شاء، على شرط أن تكون طاهرة نقية من دم الحيض والنفاس، وألا تكون صائمة إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المعارج:30] أيام كانوا يملكون العبيد الأرقاء، فكان للرجل رقيقة أو رقيقتان له أن يجامعها وذلك في صالحها؛ لأنه يحسن مجلسها وثيابها وفراشها إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المعارج:30] وديار البغاء والعهر المنتشر في العالم وأندية اللواط في أوروبا أين هذا؟ إلى متى؟ هل غاب الله؟ غفل الله؟ عجز الله؟ والله ما كان ذاك ولا يكون إن ربك فقط لبالمرصاد، يمهل ولكن لا يهمل، وإذا أخذ بطش بطشة الجبارين.

    عرفتم العالم الآن؟ ما تنفع الكمائم على الأنف ولا الرز في البيت خبيه، نعم لو قالوا: آمنا بالله لا إله إلا الله محمد رسول الله، يا إمام المسلمين في الحرمين آمنا بك إمامنا، ابعث علماءك وقضاتك لنا، وانتشر الإسلام في العالم الإسلامي في أربعين يوماً، طبقت الشريعة، والله ما يمسهم سوء، والله لو ملك الأمريكان والروس أبشع أنواع السلاح، والله ما تصل إليهم؛ لأن يد الله فوق أيديهم، يصرف قلوبهم، يعطل سلاحهم، لا يجدي ولا ينفع، لكن ما دمنا كما يعلم هو اللهم سلم سلم، على كل حال الصالحون هنيئاً لهم استراحوا من شقاء الدنيا وأتعابها وآلامها إلى دار السلام، والفاسدون الفاسقون الفجار والكفار إلى جهنم وبئس المصير، من عذاب إلى أشد العذاب.

    أعيد الرقم الخامس: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج:29-30] من يلومهم وقد أذن لهم ربهم بذلك.

    والحفاظ على الفروج يتطلب أولاً فصل النساء عن الرجال، والآن العالم الإسلامي كالعالم الكافر اليهودي النساء غاديات رائحات بائعات شاريات، موظفات في الطائرات وفي المدارس، أين الحجاب؟ كيف يتم عدم الزنا؟ والله لن يكون، لا بد منه.

    لو أرادوا منع الزنا لفصلوا الرجال عن النساء، لو أرادوا أن يستخدموا النساء فلينشئوا مصنعاً لإنتاج كذا مديرتهما أو بوابتهما وفي يدها رشاش وهو مصان ويشتغلن إذا أردن، مزرعة عشرة كيلو متر لها جدار يحوطها والنساء يشتغلن بالفعل، زارعات فلاحات، هم لا يريدون هذا، يريدون فقط أن تجلس إلى جنبه، وأن تواجه وجهه وتضحك ويبتسم ويغمزها وتغمزه في المكاتب والمصانع.

    إذاً: الساعة قربت أو لا؟ الآن يقولون باقي خمسة أيام وتفجر، روسيا قالت: إذا أمريكا فجرت سوف نفجر، اليابان كذلك.. واحترق العالم، ودقت ساعته، وينجو من ينجو بإذن الله عز وجل من المؤمنين، أبشروا يا أهل الحرمين إنكم ناجون، لم؟ لأن الصلاة تقام بينكم والأمر بالمعروف قائم، وكتاب الله يطبق ويحكم، فهذه أمنة الله عز وجل.

    وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المعارج:29] وما قال: يحافظون، لأنهم حافظون بالفعل، لازمة أبداً في كل حال من الأحوال، وقد قلت لكم: من مقتضيات حفظ الفرج فصل النساء عن الرجال، لا يسمح للمرأة أن تخرج من بيتها إلا لضرورة اقتضت خروجها، ما تسمح لامرأتك أن تخرج للدكاكين تشتري وتبيع وإن كانت متحجبة، أنت الفحل وأنت الرجل، تريدين ماذا يا أم فلان؟ تريد طعاماً اشتري لها، لباساً اشتري لها، أما أن تتركها تخرج تتجول، فلا. ولما خرجن متجولات أصبحن يخترن أحسن لباس ليرين لابساته، والشيطان مد يده أيضاً وأصبحت أزياء عجيبة، هي متحجبة تمام التحجب، ولكن اللباس يلفت النظر، وهذا والله لمن عمل الشيطان.

    هكذا قلت بالأمس في مسجد: يا معشر الفحول! أيها الرجال! لا تسمحوا لنسائكم أبداً أن يخرجن لغير ضرورة، خرجت للمسجد لصلاة العيد، تخرج تفلة في ثياب رديئة ما تلفت النظر، خرجت للضرورة القصوى تخرج لحاجتها ساعة أو ربع ساعة ثم تعود، أما هذا الخروج والتجوال في الشوارع وعلى السيارات بأبدع الألبسة ومظاهر الجمال، هذا والله ليسبب الفتنة، ولا يستطيع أهل البلد أن يحفظوا فروجهم.

    علاج القلب برعاية العهد والأمانة

    الرقم السادس: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:32].

    وَالَّذِينَ هُمْ [المعارج:32] لا غيرهم، (هم) هذه كلمة لها أثرها وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ [المعارج:32] جمع أمانة، وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج:32] رعاية كاملة، وأول من ائتمنك ربك، أعطاك سمعك وائتمنك عليه فلا تسمع ما تغضب الرب، أعطاك بصرك أمانة لا تبصر به ما لا يريد الله عز وجل، وهبك لسانك لا تنطق به كلمة تغضبه عز وجل، وهبك رجلك لا تمش خطوة واحدة في طريق لا يريد الله أن تمشي به، ائتمنك على هذه الجوارح، وأنت الأمين عليها، لم تخونها وتفرط فيها؟ ويدخل في هذا كل الدين فقد ائتمنا الله عليه، كل هذه العبادات أمانة في أعناقنا، يجب أن نرعاها ونحفظها ونواصل العمل بها حتى الموت، ولن نضيع من هذا شيئاً.

    وتدخل في هذا الأمانات التي تودع في أيدينا، هذا ائتمنك على أهله وسافر، ائتمنك على دابته، ائتمنك على نقود وضعها في جيبك.. أمانة ارعها، ومن الأمانة أيضاً العهود، وهل بينكم وبين الله عهد؟ ما هذا العهد؟ متى تم؟

    أولاً: يوم ما مسح الرب تعالى ظهر آدم واستخرج منه ذريته، ثم استنطقها فنطقت واستشهدها فشهدت، وأخذ عليها عهداً ألا تخون، واقرءوا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173] هذا كلام لا يقبل منهم. باطل.

    وعهد آخر عملي وهو كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، قد ائتمن على الإسلام وأصبح أهلاً له، فلا يضيع فريضة ولا واجباً، ولا يرتكب محرماً، وإن فعل تاب وأناب ورجع إلى الله، وإلا فهو خائن لعهده وميثاقه.

    من دخل في الإسلام بدأ بكلمة: أشهد أن لا إله إلا الله يجب أن يعبد الله، وألا يعترف بعبادة غير الله؛ لأنه شهد على علم أنه لا إله إلا الله، شهد أن محمداً رسول الله يجب أن يؤمن به ويتبعه ويمشي وراءه، ويحب ما يحب ويكره ما يكره، هذا عهد يجب أن يراعى ولا يهمل.

    علاج القلب بإقامة الشهادة

    الرقم السابع: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33] وقرئ (بشهادتهم قائمون)، ما معنى: يقيم الشهادة؟ ما يميل؛ لأن هذا ابن عمه فيشهد بالباطل، أو لأن هذا غني بينه وبينه صلة يشهد بالباطل! يقيم الشهادة حتى على نفسه، على ولده، هذا النوع هم الربانيون المؤمنون أهل الجنة، والله ليشهد حتى على نفسه ولا يشهد بالزور أبداً.

    والآن شهادة الزور هذه شاعت، بلغنا أيضاً أنهم يجلسون عند باب المحكمة، وإذا أردت من أحدهم شهادة يشهد لك على أن تعطيه ألف ريال.

    وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] شهادة الزور أتدرون عن قبحها؟ لأنك شهدت عن الله أنه أعطاها ومنعها، كذبت على الله عز وجل؛ لأن الله جعلك شاهداً عليه وأعطى الحق بسبب شهادتك، فأنت الآن تكذب على الله عز وجل وتخونه، فلهذا لا يشهد المؤمن شهادة كذب وباطل أبداً.

    وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33] معتدلون، ما هم منحرفون ولا معوجون ولا.. ولا..، مرة يشهد بالباطل ومرة يشهد بالحق، يراعي هذا لغناه وهذا لقرابته.

    لما هبطنا وجدت قبائل في العرب كاملة يشهدون بالباطل، يقولون: هذا قريبنا، ويشهدون على آخر لأنه من قبيلة أخرى وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ [المعارج:33].

    علاج القلب بالمحافظة على الصلاة

    الرقم الثامن والأخير: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج:34] في الأولى دائمون فقط، وهنا حافظون لها، فتؤدى بشروطها، بأركانها، بواجباتها في أوقاتها كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمحافظة الدائمة، لا تفسد له ركعة ولا ركعتان ولا صلاة، يؤديها كما هي.

    وهؤلاء اسمعوا الإعلان الإلهي عنهم: أُوْلَئِكَ [المعارج:35] السامون الأعلون، من يصل مستواهم؟ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:35] اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.

    هذا خبر الله، هذه هي النتيجة الطيبة، هذه الثمار اللذيذة أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ [المعارج:35] ما هي جنة واحدة، مُكْرَمُونَ [المعارج:35] أكرمهم المنعم الكريم الرحمن الرحيم، أكرمهم بالحور العين والقصور العالية، ومن النعيم الذي ما يخطر على البال ( أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ) تاقت نفوسكم إلى هذه الجنة؟ أو تقولون ما رأيناها؟ رآها رسولكم صلى الله عليه وسلم، الرائد الأول والأخير لدار السلام محمد صلى الله عليه وسلم، ووطئ بقدميه الشريفتين أرض الجنة، وشاهد حورها وقصورها وأنهارها.

    إذاً: هذه الأرقام الثمانية وصفة طبية ربانية، من أراد أن يطهر ويسلم ويصفو ويطيب عليه بتطبيق هذه الأرقام الثمانية.

    ثم كما نقول: إن كان يمكنه أن يطبقها تحت إشراف طبيب عالم رباني فذلك أفضل، حتى تكمل آدابه وعباداته، وإن عجز ما استطاع يجاهد نفسه ويعمل، وإلا تحت الإشراف أفضل.

    إذاً: نعود إلى قول الله تعالى في هذه الآية: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ [الإسراء:11] هذا الإنسان من هو: أنتم وأنا؟ لا، الإنسان الكافر، الفاسق الفاجر، الذي ما ربي، ما عولج، ما استعمل هذه الأدوية.. هذا الإنسان من وصفه أنه يدعو بالشر، يغضب على امرأته: الله يهلكك، يغضب على ولده: أهلكك الله لا أسعدك!

    وتسمعون هذا. يدعو بالشر على زوجته، على ابنه، على أولاده، على إخوانه، يحمق ويغضب ويدعو.

    والله سيصلحه إذا استعمل الأرقام الثمانية وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ [الإسراء:11] كما يدعو بالخير يدعو بالشر، أية حماقة أكثر من هذه؟ يعرف الخير ويعرف الشر ويطلب الشر ويطلب الخير، هذا أحمق أو عاقل؟ يدعو بالخير أما يدعو بالشر كيف يمكن؟ ولكن لأنه مريض ما شفي ولا عولج وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11].

    تذكر روايات أن آدم عليه السلام لما صوره الله على صورته التي نحن عليها أربعين عاماً أو أربعين يوماً، هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1] فلما نفخ فيه الروح في رأسه سرت الروح، بدأت تحيى الأجسام، لما وصلت الروح إلى السرة قام.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله.