إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (25)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هداية الخلق وإضلالهم بيد الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يهدي المؤمنين برحمته، ويضل الظالمين بعدله وحكمته، وهو سبحانه الذي يحدد آجالهم، وينتهي بالمؤمنين إلى حيث يستحقون، في جنات وعيون، وينتهي بالمجرمين إلى حيث يخلدون، في نار الجحيم، هي مأواهم وبئس المصير، كلما خف عذابها أعيد تسعيرها عليهم إلى ما يشاء الله رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فها نحن مع سورة الإسراء المكية المشتملة على كثير من أخبار الرب تبارك وتعالى، وكلها أخبار صدق وعدل، فهيا بنا نسمع بعض آياتها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء:96-99].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الإسراء:96]، أتدرون لماذا نزلت هذه الجملة؟ لما أخبر الرسول بما أخبر الله به في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:94] ، فجاءوا فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك أنك رسول؟

    ذاك الوفد الذي تجمع حول البيت البارحة وسمعنا ما قالوا، بعثوا أيضاً وقالوا: من يشهد لك يا محمد! أنك رسول الله؟ فكان الجواب من الله تعالى لرسوله: قل لهم: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الإسراء:96]، أفمن كان الله شاهداً له يحتاج إلى شاهد؟ أي شهادة تعادل شهادة الله؟ الله نبأه وأرسله وأنزل كتابه عليه وهو يتكلم بكلامه، وتطلبون شاهداً على أنه رسول الله؟ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79]، نعم. لو يدعي أحدنا دعوة بيننا يطلب شاهداً على ما ادعى، ويجد من يشهد له إذا كان صادقاً.

    أما أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله إليكم باسم الله وإذنه، والقرآن ينزل عليه، ثم تطلب شاهداً. هذا عبث ولهو وباطل، وسببه العناد والكفر والظلم والخبث، ما يريدون أن يؤمنوا ليسعدوا ويكملوا، ما يريدون أن يؤمنوا ليتخلوا عن باطلهم وشرهم وفسادهم، فعلم الله تعالى رسوله أن يقول: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ [الإسراء:96] أي: الله تعالى كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:96]، عباده كلهم بين يديه يعلم ظواهرهم وبواطنهم الخبرة الكاملة، يعرف هذا رسول وهذا غير رسول، هذا كذاب وهذا صادق، هذا مؤمن وهذا كافر، إنه بعباده خبير بصير، فكيف إذاً تطلبون مع الله شاهداً؟ فأبطل تلك الصيحة وردها رداً كاملاً، يكفي في أن يشهد لرسول الله ربه، أما قال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29]؟ يكفي أن ينزل القرآن.. كيف يعملون بهذا القرآن؟ لو يأتيك رجل بكتاب من الحاكم عليه خاتمه، فقلت: أعطني شاهداً يشهد على هذا؟ ما يقول هذا ذو عقل ودين أبداً، يكفي الكتاب وإمضاء السلطان فيه، وتقول: لا بد من شاهد؟ الذي يقول هذا يعتبر سفيهاً لا قيمة له، فكيف والقرآن بين يديه يتلوه عليكم وتقولون: من يشهد أنك رسول الله؟ مع أن الأنبياء ناظروا وأشهدوا أممهم على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ...)

    قال الله تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء:97]، الهداية بيد الله، لا تحزن يا رسول الله ولا تكرب ولا تغتم ولا تتعب، الهداية بيد الله، من شاء الله هدايته هداه، ومن ولم يشأ هدايته والله ما اهتدى لو جاءت الدنيا كلها معه، وفي الآية تخفيف عن رسول الله من آلام ما يسمع ويشاهد من العناد والمكابرة، قال له: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:97] يهدونهم أبداً.

    ومن هنا: معاشر المستمعين والمستمعات! نطلب الهداية من الله؛ إذ لا يملكها إلا هو، ولا تطلب منه عز وجل؛ لأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، إذاً: فلنوجه قلوبنا وألسنتنا ووجوهنا إليه نطلبه الهداية دائماً وأبداً، وها نحن في كل ركعة من الصلوات نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، إذ لا يهدي إلا الله، فإذا عرف العبد أنه لا هادي إلا الله، والله لا يبرح يسأل الله حتى يموت بالهداية، ولا يلتفت إلى غير الله أبداً، ومن يضلل الله فلن تجد لأولئك الضالين أولياء يتولون هدايتهم أبداً.

    مرة ثانية: معاشر المستمعين! الآية الكريمة تدعونا إلى أن نعترف بهذه الحقيقة، وهي أن الهداية بيد الله والضلال بيده؛ فمن شاء هداه ومن شاء أضله، فلنفزع إلى الله تعالى ولنسأله دائماً هدايتنا وهداية إخواننا من المؤمنين والمسلمين: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    ثم بينت لكم أن الله لا يضل إلا من علم أنه لا يقبل الهداية ورفضها، فالذين عاندوا وكابروا وأبوا الهداية ماتوا على الضلال والكفر، هذا معنى قول ربنا تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:97] أي: لا يهدونهم أبداً، لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن.

    كيفية حشر الكافرين يوم القيامة

    قال الله تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ [الإسراء:97] أي: الضالين الكافرين المشركين الفجرة الفاسقين الظالمين، الذين رفضوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصروا على عبادة الأصنام والأوثان والشهوات والدنيا؛ هؤلاء يخبر الله تعالى عنهم فيقول: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ [الإسراء:97]، يحشرون ويجمعون إلى جهنم ويسحبون بالحديد في رقابهم ووجوههم على الأرض، وقد لا يسحبون كما يسحب أهل الدنيا، الآن في مكة كم سحبوا من مؤمن ومؤمنة بالحبال على وجهه في الأرض، ولهذا ( سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: الذي أمشاهم على رجليهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم )، يحشرون على وجوههم يوم القيامة عمياً لا يبصرون، بكماً لا ينطقون، صماً لا يسمعون، وهذه ظروف في مواقف هذه حالهم: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:18]، في مواقف يسمعون ويبصرون، في مواقف يمشون على أرجلهم، مواقف يسحبون على وجوههم، ما هي ساعة ولا يوم بل دهر طويل، مواقف متعددة، والقرآن يذكر هذا: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا [الأنعام:22]، يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48] مواقف.

    فقال تعالى وهو يقول الحق جل جلاله وعظم سلطانه: وَنَحْشُرُهُمْ [الإسراء:97]، أي: هؤلاء الكفرة المشركين يوم القيامة، ما يوم القيامة؟ اليوم الذي تقوم فيه البشرية من الأرض من قبورها، قاموا إذ كانوا تراباً وأحياهم الله، ثم قاموا على أرجلهم لساحة الحشر، ذاكم يوم القيامة، ويقال فيه: يوم البعث؛ إذ بعثهم الله من قبورهم، ويقال فيه: يوم النشور؛ إذ نشرهم الله على الأرض بعدما أحياهم، ويقال له: يوم الحشر؛ إذ يحشرهم، ويوم الساعة: إذ هي ساعة وجودهم.. وهكذا أسماء عديدة.

    يقول تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء:97]، لا يبصرون ولا يتكلمون ولا يسمعون: مَأْوَاهُمْ [الإسراء:97] مصيرهم الذي يأوون إليه وينتهون إليه، جَهَنَّمُ [الإسراء:97]، مصيرهم والمأوى الذي يأوون إليه وينتهون عليه وهم في عرصات القيامة هو جهنم.

    وأخبر تعالى عن جهنم فقال: كُلَّمَا خَبَتْ [الإسراء:97] خفتت وخف أوارها: زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97]، هذه قرون لا حد لها.. ملايين السنين، كلما خبت النار وخفت يزيدها الله تعالى قوة وسعيراً، حتى لا يفكروا أن هذه النار تشتعل ألف سنة أو ألفين أو مائة ألف سنة وبعدها تنطفئ، هذه انزعها من ذهنك، كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97].

    ومما يلفت النظر لتقوى عقيدة المؤمنين: هذا الكوكب النهاري الشمس تشاهدونها يرحمكم الله، هل هي باردة أو حارة؟ حرارتها تنزل إلى الأرض أو لا؟ ونشعر بها؟ كوكب ناري حجمه أكبر من الأرض بمليون ونصف المليون مرة. قال هذا علماء الإسلام قبل أن يعرف الغرب هذا، لو نجمع البشرية كلها ما تسد فيها ثغرة، فكيف بالعالم الأسفل الذي لا حد له؟! هذه الشمس الآن مضى عليها آلاف السنين، هل سقطت، احترقت، غيرت نظامها؟ ما فعلت شيئاً؛ لأن الله هو الذي يديرها بحكمته وتدبيره.

    إذاً: فعالم الشقاء ناره كلما خبت بعد مليون سنة تزداد سعيراً والتهاباً -والعياذ بالله- حتى لا يطمعوا يوماً ما أن تنطفئ وتبرد.

    واسمعوا ما يقول تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الإسراء:97] من هؤلاء؟ الضالون المكذبون الكافرون، نحشرهم عَلَى وَجُوهِهِمْ [الإسراء:97] حال كونهم عمياً لا يبصرون، صماً لا يتكلمون، بكماً لا ينطقون، ماذا قال تعالى: مَأْوَاهُمْ [الإسراء:97]، مقرهم مستقرهم، وما يأوون إليه، وينتهون إليه: جَهَنَّمُ [الإسراء:97]، ولفظ جهنم اسم لدركة من دركات جهنم؛ إذ جهنم دركات طبقة تحت طبقة، والجنة درجات واحدة فوق الأخرى، دركات جهنم أولها النار، ثم السعير، ثم سقر، ثم لظى، ثم الحطمة.

    فجهنم علم واسم لدركة من دركات النار، وهي من أشدها حرارة: كُلَّمَا خَبَتْ [الإسراء:97]، يعني: انطفأت وخفت وما أصبحت تحرق: زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ...)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ [الإسراء:98] ذلك الذي سمعتم جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا [الإسراء:98]، هذه أول خطيئة، أول جريمة الكفر بالقرآن الكريم، بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا [الإسراء:98] أي: أنكروا وكذبوا، جحدوا ولم يعترفوا بأن القرآن أنزله الله ومازال ينزله على رسوله وهو يتلقاه صباح مساء، فكذبوا بآيات الله.

    ثانياً: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:98] ، فكفروا أولاً بالقرآن وبالرسول، وثانياً: سخروا من دعوى البعث والنشور والحياة الثانية للجزاء على الدنيا وما فيها من عمل، وقالوا متهكمين مستهزئين: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:98] ، هذا الاستفهام للتهكم والازدراء، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا [الإسراء:98] تراباً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:98]؟ هكذا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويواجهون المؤمنين، من هؤلاء؟ العلمانيون، الملاحدة، البلشفيون -والعياذ بالله تعالى- إلى اليوم لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، يعجبون بعدما نصير تراباً نحيا من جديد ونعود كما كنا؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ...)

    اسمعوا ماذا قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا [الإسراء:99] بأعينهم وقلوبهم أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [الإسراء:99] الذي خلق كوكب الشمس فقط قادر على أن يخلق البشرية مرة ثانية، بل خلق السماوات والأرض كلها وما فيها أيعجز على أن يعيد هذه المجموعة من البشر؟ مع أن الإعادة أسهل، الذي بنى داراً وهدمها يستطيع أن يبنيها مرة ثانية، بخلاف إذا ما بناها ما يقدر، أما إذا بناها يهدمها ويبنيها لا تقل: ما يستطيع، أين عقلك؟! كيف ما يستطيع؟

    هكذا يقول تعالى منكراً عليهم قولهم: أَوَلَمْ يَرَوْا [الإسراء:99]، بأبصارهم وعقولهم، أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ [الإسراء:99]، السبع، وَالأَرْضَ [الإسراء:99]، وما فيهما، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [الإسراء:99].

    ثم جاءت الآيات والأحاديث، وبين تعالى كيف يخلقهم، وكيف يتم خلقهم، والرسول بين ذلك وشرح، ومن جملة ذلك: لما ينفخ إسرافيل عليه السلام نفخة الفناء، فيفنى كل حي في هذا الوجود، صيحة واحدة، ما يبقى حيوان ولا إنسان، بعد ذلك تتبخر الحياة الدنيا والسماوات، ثم ترسوا السماء والأرض، وتصبح عبارة عن قطعة أرض، كخبز النقي، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لا جبل فيها، ولا تل ولا سهل ولا وادي، قطعة أرض كهذه الصفحة، فينزل الله تبارك وتعالى من السماء ماء فننبت كما ينبت البقل من الخردل والبصل والثوم، بذرة الخردل كم هي؟ قد لا ترى بالبصر، وإذا بها في أربعين يوماً طولها ذراعاً، فكيف ما ننبت نحن هذا النبت في أربعين سنة؟! هكذا أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا اكتمل خلقنا، وتعرفون: أننا على خلق آدم عليه السلام، طول أحدنا ستون ذراعاً، عندها ينفخ إسرافيل النفخة الثانية.. نفخة البعث؛ فلا تبقى جثة في الأرض إلا قامت، إذ الأرواح ينفخها نفخة واحدة، فتدخل كل روح في جسمها ووالله ما تخطئه، الروح التي معك الآن وأنت تتكلم بها أو تسمع وتأكل وتشرب، هذه الروح موجودة؟ يعلمها الله فقط، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، ما نعرف عنها إلا أن الحياة بها، فإذا خرجت مات أو لا؟

    فإذا نفخ الأرواح التي تجمعت.. أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار، ينفخ إسرافيل لتدخل كل روح في جسدها، والله ما تخطئه، فإذا هم قيام ينظرون.

    بعد ذلك في عرصات القيامة وساحة فصل القضاء نفخة ثالثة، فينفخ إسرافيل نفخة فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، يصعقون على الأرض، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( فأكون أول من يفيق )، أول من يفيق من تلك الصعقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( وإذا بأخي موسى آخذ بقائمة العرش، لا أدري أستفاق قبلي أو لم يصعق جزاه الله عن صعقة الطور )، تعرفون لماذا صعق موسى في الطور؟ طلب من الله أن ينظر إليه؛ لأنه يكلمه، كلامك يا رب أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى، قال: أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، أمامك فإن استقر مكانه وثبت يمكنك أن تراني، فتجلى الرحمن للجبل فاندك، ما إن رأى موسى الجبل قد تحلل حتى أغمي عليه وصعق، فقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: ( أكون أول من أفيق، وإذا بأخي موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أستفاق قبلي أو لم يصعق جزاه الله بصعقة الطور )، ما يصعق مرتين.

    فلما يصعقون وينفخ النفخة الثالثة عندئذٍ يجيء الرب تبارك وتعالى، واقرءوا لهذا قول الله من سورة الزمر، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:68-70]، هذه كلها أمامنا، ونحن كل يوم نمشي إليها، كلما تطلع الشمس مشينا خطوة، إلى أن ننتهي إليها.

    إذاً: رد الله تعالى عليهم باطلهم وتكذيبهم بالحياة الثانية والجزاء فيها، وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، قالوا هذا لرسول الله وأصحابه المؤمنين، يتبجحون بالكفر، كما يتبجح الملاحدة الآن والشيوعيون وما إلى ذلك، ما قالوا: لا إله والحياة مادة، ويكررونها؟ العرب على كل حال كانوا يؤمنون بوجود الله، يعرفون ألا خالق إلا هو، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25].. في آيات كثيرة ما كانوا ينكرون وجود الله.

    وأخرى -وتكررت منا-: اعلموا أنه قبل وجود المذهب الشيوعي منذ مائة سنة أو مائتي سنة، ما كان أحد في الأرض من أبيض أو أسود.. عربي أو عجمي ينكر وجود الله أبداً؛ لأن الإيمان بوجود الله فطري، غريزة: من خلقك؟ ما هي أمك؟ أمك من خلقها؟ ما ينكرون وجود الله أبداً، أما القرآن فيصرح باعتقاد العرب، وهم يصرحون بأنهم يؤمنون بالله خالقاً رازقاً، لكن المذهب الشيوعي الذي صنعه أبناء عمنا اليهود -عليهم لعائن الله- حتى يفرغوا قلوب الناس من الإيمان بالله فيصبحوا بهائم يركبونهم ويسوقونهم حيث شاءوا.

    وبرهن على هذه القضية المسيحيون الصليبيون أوروبا الشرقية والغربية والوسطى كلهم كانوا مسيحيين، يؤمنون بالله ولقائه، أليس كذلك؟

    هؤلاء الصليبيون كانوا يبغضون اليهود بغضاً عجباً، تقول الروايات: ما كان الصليبي يفتح عينيه في يهودي لينظر إليه غضباً. لأنه يقول: هذا قتل ربي، أليس هو من صلب عيسى؟ ما ينظرون إليهم، كيف يعيش اليهودي إذاً؟ كيف ينتشرون؟ كيف.. وكيف.. وهم يريدون أن يسودوهم ويحكموهم، فأوجدوا المذهب البلشفي اللاديني: لا إله والحياة مادة، بذلك خربت الكنائس، والله صلينا في كنيسة في باريس كذا شهر كانت مهجورة، كفروا بالله ولقائه، خربت الكنائس في أوروبا بكاملها ولم يبق إلا القليل، لم؟ ما أصبحوا يؤمنون بالله ولقائه، أصبحوا شيوعيين بلاشفة علمانيين -والعياذ بالله تعالى- ومن ثم أصبح لليهود مراكز وسمعة وكلمة في أمريكا في أوروبا في أعز بلاد كألمانيا التي دمرتهم ما زالوا يتصرفون فيها، بسبب ماذا؟ مسحوا الإيمان من القلوب، بقوا كالبهائم يركبونها لأجل المادة فقط، هل عرفتم هذه؟

    والآن الاشتراكية التي كان يقول عنها الزعيم العربي: اشتراكيتنا نوالي من يواليها ونعادي من يعاديها، هكذا صوت العرب ونحن نسمع، أين تلك الاشتراكية؟ والله ما هي إلا صورة مصغرة من الشيوعية، شيوعية حمراء باطلة، تحمل نفي وجود الله، ما تطيقها البلاد الإسلامية، فحولوها إلى اشتراكية.

    والآن العوض والبديل العلمانية، يا عم لم لا تصلي؟ اسكت العلم هو كل شيء، العلم فقط! بمعنى: لا خلق، لا آداب، لا شريعة، إلا العلم كل شيء فقط، والله لهي موروثة عن كلمة الشيوعية.

    إذاً: يقول تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى [الإسراء:99]، على ماذا؟ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ [الإسراء:99]، لا بد وأن يعيدهم أحياء كما كانوا وأشد ما كانوا؛ ليثيبهم ويجزيهم على عملهم، الخير بالخير والشر بالشر، لا بد من الميعاد، لا بد من البعث الآخر، لا بد من الحساب والجزاء.

    ولهذا قررنا غير مرة: أن سر هذه الحياة، وعلة وجودها: العمل، أراد أن يعبد فأوجد هذه المائدة بكل ما فيها، وأنزل آدم وحواء، وبارك في ذريتهما ليعبد؛ فمن عبده كمله وأسعده، وأعده لسعادة الآخرة الدائمة الباقية، ومن أشرك به وكفره وجحده هيأه لعذاب الدار الآخرة، فالدنيا هذه دار عمل، خير وشر، كفر وإيمان، صلاح وفساد كما هو الواقع، والجزاء في الدار الآخرة، فالدار الآخرة أوجدها الله للجزاء على العمل، وَقُلِ اعْمَلُوا [التوبة:105]، ليجزي العاملين بعملهم؛ فإن كان خيراً زكى أنفسهم وطيبها وطهرها وأسكنهم الفراديس العلى في الملكوت الأعلى الجنة دار السلام، ومن كان عمله شركاً وخبثاً، فخبث نفسه وسودها وعفنها ما هو أهل للسماء، ينزل إلى الدركات السفلى من الأرض، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا [التين:1-6].

    هكذا يقول تعالى: قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا [الإسراء:99]، موعداً مؤجلاً، لا رَيْبَ فِيهِ [الإسراء:99]، وهو موتهم أولاً وعذابهم يوم القيامة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: عظم شهادة الله تعالى ووجوب الاكتفاء بها ].

    عظم شهادة الله، يوجد شهادة أعظم من شهادة الله؟ غير الله قد يكون كاذباً، قد يكون ناسياً، قد يكون جاهلاً، أما شهادة العليم الحكيم اللطيف الخبير، يوجد شهادة تساويها؟ فإذا شهد الله لك بالجنة هناك من ينكر؟ ما دام قد شهد لمحمد بالرسالة، كيف تنكر هذه الرسالة ويكذب بها؟! وقد كذب بها اليهود والنصارى والملاحدة والعالم بأسره -إلا هذه الجماعة من المؤمنين- ما آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

    [ ثانياً: الهداية والإضلال بيد الله؛ فيجب طلب الهداية منه والاستعاذة به من الضلال ].

    كما علمتم معاشر المستمعين! من يملك الهداية؟ الله. إذاً فقرعوا باب الله صباح مساء، ادعوه الهداية، سلوه أن يهديكم دائماً وأبداً وأنتم في كل ركعة تقولون: اهْدِنَا [الفاتحة:6]، إلى أين؟ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الموصل إلى رضا الله ودار السلام الجنة.

    والله يضل من يشاء، لكن علمنا من يشاء إضلاله؟ ذاك الذي يعاند ويكابر ويجحد عناداً هذا يميته الله على ضلاله؛ لأنه كتب شقاوته، لو تجتمع البشرية على هدايته ما تستطيع، ولهذا ما تحزن ولا تكرب إذا ما دعوت إلى الله وما استجابوا لك، فالهداية بيد الله، ما تحزن أبداً، أنت ادع وبلغ فقط.

    [ ثالثاً: فظاعة عذاب يوم القيامة؛ إذ يحشر الظالمون يمشون على وجوههم كالحيات، وهم صم بكم عمي والعياذ بالله تعالى من حال أهل النار ].

    يحشرون على وجوههم، فيها مواقف متعددة، عميان ما يبصرونها، صم ما يسمعونها، بكم ما يتكلمون، نوع من العذاب، ويتم هذا لهم في النار أيضاً أحياناً.

    [ رابعاً: جهنم جزاء الكفر بآيات الله والإنكار للبعث والجزاء يوم القيامة ].

    جهنم لم خلقها الله؟ أسأل المستمعين؟ لم خلق الله النار؟ ليجزي العاملين في هذه الدنيا بالكفر والفسق والظلم والفجور، نعم يجب أن نعرف هذه الحقيقة، لم خلقنا الله في هذه الدنيا؟ لنعبده، فويل للذين لا يعبدون الله، ولا يبكون بين يديه، ولا يطيعونه ويطيعون رسوله، فرطوا في علة وجودهم.

    [ خامساً وأخيراً: دليل البعث عقلي كما هو نقلي فالقادر على البدء، قادر عقلاً على الإعادة، بل الإعادة عقلاً أهون من البدء للخلق من لا شيء ].

    دليل الحياة الثانية والبعث الآخر والجزاء فيه يدرك بالعقل، الذي خلقنا في هذه المدينة يعجز أن يخلقنا في أخرى؟ ما يعجز مستحيل، أليس كذلك؟

    هذا دليل عقلي بينه تعالى، والدليل النقلي أخبار الله ورسله وأنبيائه كلها مجمعة على أننا بعد الموت تنتقل أرواحنا إما إلى عليين وإما إلى سجين، واقرءوا: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18]، كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7]، ولهذا في السماء والأرض، الجنة والنار.

    والله نسأل أن ينجينا من الكفر والكافرين.