إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (23)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • علم الروح هو مما استأثر الله عز وجل بعلمه، فليس أحد من الملائكة ولا الرسل والأنبياء ولا العلماء من يعرف حقيقة الروح، وكانت هذه الروح مما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم لتعجيزه، فأنزل الله عليه الآيات يخبر فيها سبحانه بأن حقيقة الروح من العلم الذي اختص به سبحانه، وأن ما في قلب النبي من القرآن هو محض فضل الله عليه، وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بسورة واحدة من سوره فإنهم لا يستطيعون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الإسراء، ويا لها من سورة، وهنيئاً للمؤمنات بهذه السورة المباركة، نتلو الآيات، ثم نتدارسها لنقف على أسرار هذه الآيات وأحكامها الشرعية.

    وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا * وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا * قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء:85-89].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85] يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن الروح، من السائلون؟

    اعلموا أن كفار قريش بمكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كونوا وفداً من شخصيتين كبيرتين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط وبعثوا بهما إلى المدينة، وفي ذلك الوقت تعرف المدينة باسم يثرب؛ إذ بيثرب يهود بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة، والعرب جهال ومشركون، ويعرفون أن اليهود ذوو علم؛ لأن لديهم التوراة، فبعثوا بهذا الوفد من مكة إلى المدينة ليسألوا اليهود عن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو نبي الله حقاً أو دجال وشاعر وكاذب؟ فقال لهم علماء اليهود: اسألوا محمداً صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن الثالث فهو نبي من الأنبياء، وإن لم يجب عن هذه الأسئلة فروا رأيكم فيه فما هو بنبي ولا رسول.

    مرة ثانية: أقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85] هذا خبر من الله، من السائلين؟ قلت: قريش بعثت وفداً من رجالاتها إلى المدينة إلى اليهود أهل الكتاب، والوفد مكون من النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط -عليه لعائن الله فقد مات كافراً- فجاءوا إلى يثرب واتصلوا بعلماء اليهود فسألوهم: ما تقولون في هذا الرجل وما يقول ويقول؟ فقالوا لهم: سلوه عن ثلاثة أشياء، عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح؛ فإن أجاب عن أصحاب الكهف وذي القرنين، ولم يجب عن الروح فهو نبي ورسول، وإن لم يجب فليس بنبي ولا رسول.

    وعاد الوفد إلى مكة، فجاءوه فقالوا: نسألك عن فتية الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فقال صلى الله عليه وسلم: ( غداً أجيبكم )، سها سهواً وغلط، وجل من لا يسهو ولا يغلط، قال: ( غداً أجيبكم )، ولم يقل: إن شاء الله، فانقطع الوحي، اليوم الأول ما جاء شيء، الثاني، الثالث، الرابع، أسبوع.. فأمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كرب وحزن عظيم، وحتى أصبحت أم جميل العوراء امرأة أبي جهل تغني تقول: مذمماً أبينا ودينه قلينا.

    وبعد نصف الشهر نزلت سورة الضحى: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:1-11].

    فزال الكرب والهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت سورة الكهف، وفيها بيان أصحاب الكهف أيما بيان، وفيها بيان ذي القرنين في آخر السورة أيما بيان، والروح: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] هذا علم استأثر الله به، لم يطلع عليه أحداً، لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن، الروح كيف الروح؟ هذا التيار في داخل البدن إذا خرج مات الإنسان ما هو؟ كيف هي؟ لا يعلم حقيقة الروح إلا الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا عالم من علماء الإسلام وغيرهم، استأثر الله بهذا العلم، لا يعلمه إلا هو، وكونه حجبه عن الخلق فذلك لحكم عالية ما ندركها: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، يا من بعثتم بهذه الأسئلة من المدينة ما أعطيتم من العلم إلا قليلاً.

    إذاً: هذا معنى قول ربنا تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85]، من السائلون؟ قريش بعثت وفدها: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وفي سورة الكهف نزل قول الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] إلا أن تقول: إن شاء الله، ومن ثم عوتب صلى الله عليه وسلم بانقطاع الوحي خمسة عشر يوماً؛ لأنه قال: غداً أجيبكم عن سؤالكم، ولم يقل: إن شاء الله، ومن تلك الساعة من ذلك الحدث الجلل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء أفعله غداً إلا قال: إن شاء الله، وما قال في شيء مستقبلاً إلا قال: إن شاء الله، أسافر إن شاء الله، أحج إن شاء الله، أقدم لكم الطعام إن شاء الله، أنا مسافر إن شاء الله، كلمة: إن شاء الله. مع كل كلام مستقبل، وبقيت سنته في أمته.

    فعلى كل عاقل منا أن يقول: إن شاء الله إذا أخبر عن المستقبل إذ لا يملكه إلا الله، تقول: أسافر، تملك أن تسافر، قد تموت، إذاً: قل إن شاء الله، أعطيكم كذا غداً؟ تملك أنت؟ قد تموت أو ما تجد العطية، إذاً: قل: إن شاء الله، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] أي: إلا أن تقول: إن شاء الله. هذا معنى قوله تعالى وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ...)

    ثم قال له: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:86] نعم، لو شاء الله لمسح قلب رسوله من القرآن، فوالله ما تبقى كلمة ولا آية، ولمسحه من السطور المكتوبة أيضاً، ولم يبق سطر في ورقة أو كتاب، لكن أبى إلا أن يبقى كتابه في صدر رسوله ليبلغه ولتسعد البشرية به إن هي آمنت واتقت وعملت بهذا الكتاب.

    وفي هذا كما علمتم تأديب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء:86]، من يتول أن يرد من الله ما منعه؟ مستحيل.

    لطيفة: كلمة الروح تطلق على ملك من أعظم الملائكة لا أعظم منه قط، واسمه الروح، واقرءوا: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ:38].

    فجبريل يلقب بالروح عليه السلام، وأما الروح هنا في الآية فهي التي في صدورنا وأجسامنا، فهذه استأثر الله بعلمها، فليس لأحد كائناً من كان أن يعرف حقيقة الروح، لا من إنس ولا جن، هذا معنى قول ربنا جل ذكره: ويسألونك عن الروح أجبهم، قل: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    وَلَئِنْ شِئْنَا [الإسراء:86] نحن رب العزة والجلال والكمال لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:86] يصبح وليس في قلبه آية ولا حرف، أليس الله بقادر على هذا؟ وفي هذا تقرير نبوته صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله، وهذا الله يخاطبه بأنه أوحى إليه، ولو شاء لسلبه وحيه، فهو إذاً والله لرسول الله، آية النبوة: ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء:86] يسترد منا ما نسلبه منك، ويأبى الله إلا أن يبقى كتابه في العالمين إلى قبيل قيام الساعة، فيبقى القرآن محفوظاً في الصدور.. محفوظاً في السطور إلى أن يبقى وقت قصير عن قيام الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ولماذا؟ لتقوم الحجة لله على البشرية، القرآن الآن موجود، اليابان، الصين، الأمريكان، أوروبا، العالم كله أبى أن يسأل عن هذا القرآن ولا يستفسر عنه، وعلى من نزل؟ وماذا يحمل؟ إعراض كامل والعياذ بالله تعالى، فتقوم الحجة لله عليهم يوم القيامة، إذا قالوا: ما عرفناك، ما عرفنا ما تحب ولا تكره، ما عرفنا كيف نعبدك، لم ما قرأتم كتابي؟ لم كفرتم به وأعرضتم عنه إعراضاً كاملاً، فوالله ما ينجو أحد.

    ها نحن الآن معهم والأخبار والأحداث والأحاديث تنقل في الهواء، لم لا يقولون: يا أهل القرآن تعالوا عندنا، بينوا لنا ما في القرآن، ويسلمون ويدخلون في رحمة الله، لكن أبو كبرياء وإعراضاً وإصراراً على الخبث والشر والفساد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيراً)

    ثم قال تعالى: إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا [الإسراء:87]، أي: ما أبقاه في صدرك وفي سطورك ولم يسلبه إلا من أجل الرحمة الإلهية للخليقة كلها: إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ [الإسراء:87] يا رسولنا كَبِيرًا [الإسراء:87].

    ومن آيات فضله الله على رسوله أولاً: أن أرسله إلى الناس كافة، ما أرسل رسولاً إلى البشرية جميعاً إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، ثانياً: عرج به إلى الملكوت الأعلى في حياته إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى، وكلمه ربه كفاحاً وجهاً لوجه في ذلك الملكوت الأعلى، هذا ما تم لأحد أبداً. ثالثاً: أعطاه المقام المحمود، رابعاً: جمع له الأنبياء وصلى بهم في بيت المقدس قبل العروج إلى السماء، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ [ الإسراء:87] يا رسولنا كَبِيرًا [الإسراء:87] أو لا؟ رسالته عامة، الإيمان به واجب على كل إنسي وجني، اتباعه واجب على كل إنسي وجني، عرج به إلى السماء، ماذا فعل؟ أعطاه أفضل عطاء يوم القيامة، وهو المقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف أجمعون.. الشفاعة العظمى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ...)

    قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، قل يا رسولنا للذين قالوا: لو شئنا لقلنا مثلما يقول محمد، تبجح بهذا النضر بن الحارث وغيره، قالوا: لو شئنا لقلنا ما يقول محمد، واقرءوا آية سورة الأنفال، قال: لو نشاء لقلنا مثل هذا الذي يقول، فقال تعالى مخبراً: قل يا رسولنا: والله وعزة الله لئن اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على ساعة واحدة أن يأتوا بمثل هذا القرآن والله لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض نصيراً وظهيراً ومعيناً، ومن ثم إلى الآن ما استطاع العرب والإنس ولا الجن أن يأتوا بشيء من القرآن، هذه الآية دلت على أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن، وهناك آيات أخرى تقول: عجزوا عن عشر سور، وأخيراً بسورة واحدة في المدينة نزلت آيتها، وهي قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ [البقرة:23] أي: شك مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23] أي: محمد صلى الله عليه وسلم فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24]، إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24].

    فلهذا أعظم آية كانت لمحمد صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم، فلهذا من أراد أن يدخل الجنة دار السلام الباب مفتوح، ومن أعرض أعرض الله عنه، يقرأ كتاب الله يسأل أهل العلم عن كتاب الله، يعرفونه بما يحب الله وما يكره، هذا معنى قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] أي: ناصراً ومعيناً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ...)

    ثم قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الإسراء:89]، القيامة، أهوالها، الجنة، النار، الأمور الماضية، الآداب، الأخلاق الشرائع، الأحكام.. كل متعلقات الحياة ومتطلباتها موجودة في القرآن: ولقد صرفنا للناس أبيضهم وأسودهم في هذا القرآن الذي حفظنا بقاءه إلى يوم القيامة من كل مثل تتطلبه الحياة، يكفي أن أحوال القيامة كأنها بين أيدينا، الأمم الماضية وما جرى وما تم لها كأنها بين أيدينا في هذا الكتاب، بيان ما يحب الله وما يكره من المطاعم والمشارب والمناكح، بيان الحروب والجهاد.. كل متطلبات الحياة والله موجودة في هذا القرآن، ويكفي قول الله تعالى: تِبْيَانًا [النحل:89] للناس لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89].

    إذاً: هذا معنى قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ [الإسراء:89]، لم أنزل القرآن، ولم صرف فيه ما شاء من ذلك التصريف بذكر الأمثال والأحداث والتواريخ والمتطلبات كلها، لماذا؟ لأجل الناس أن يهتدوا، فأبى مع الأسف فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء:89]، هذا الخبر نزل في مكة أليس كذلك؟ فوالله لقد أبى أكثر الناس إلا كفوراً، نسبة المسلمين كم بالنسبة إلى العالم لا قيمة له، أبى الناس إلا كفوراً، لماذا؟ لأن الله علم أنهم لا يعبدونه، ولا تزكو لهم نفوس، ولا تطيب أرواح، وكتب لهم مقامهم مصيرهم في جهنم، فلهذا سوف يستمرون على الكفر حتى يدخلوا جهنم ويملئوها: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

    إذاً: أخبر تعالى بأن الناس أبوا إلا الكفر، فهو كما أخبر أو لا؟

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما نذكر ونسمع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات

    من هداية الآيات:

    أولاً: علم الروح مما استأثر الله تعالى به ].

    علم الروح أي: معرفة الروح، مما استأثر الله به، فليس لأحد من الملائكة ولا الرسل والأنبياء والعلماء أن يعرف حقيقة الروح، لو تجتمع البشرية كلها لدراسة الروح؛ علماؤهم ومناطقتهم وفلاسفتهم، والله لا يسعهم إلا أن يقولوا: الله أعلم، أو يقولوا: لا ندري، استأثر الله تعالى بعلم الروح، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    [ ثانياً: ما علم أهل العلم إلى علم الله تعالى إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء المحيط ].

    علم الله وعلم الناس علمان: أيهما أكبر؟

    علم الله أكبر، ونسبة الصغر في علم الناس ما هي؟ قال: علم أهل العلم إلى علم الله تعالى ما هو إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء البحر من المحيط، والرسول بين هذا صلى الله عليه وسلم، تعرف الطائر؟ يدخل المحيط الأطلسي ويأخذ قطرة ماء، نسبة ما أخذ إلى المحيط كم؟ كذلك نسبة علوم الخليقة كلها إلى علم الله كهذه القطرة، من أين أخذنا هذا؟ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    [ ثالثاً: حفظ القرآن في الصدور والسطور إلى قرب الساعة ].

    حفظ القرآن وبقاؤه محفوظاً في الكتابة والصدور إلى قيام الساعة، من أين أخذنا هذا؟ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:86]، لكن ما شاء الله أبداً أن يمحو القرآن لا من الصدور ولا من السطور، فهو باقٍ إذاً إلى قرب قيام الساعة.

    [ رابعاً: عجز الإنسان والجن عن الإتيان بقرآن كالقرآن الكريم ].

    عجز الإنسان والجان عن الإتيان بمثل القرآن، عاجزون أو لا؟ ما تحداهم تعالى؟ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] ناصراً ومعيناً، ومضى ألف وأربعمائة سنة وما حصل شيء، هل اجتمعوا عليه وجاءوا بقرآن؟

    [ خامساً وأخيراً: لما سبق في علم الله من شقاوة الناس تجد أكثرهم لا يؤمنون ].

    لما سبق في علم الله تعالى من شقاوة الناس لذا تجد أكثرهم لا يؤمنون، لماذا قال عز وجل: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء:89]؟ لأنه لما كتب كتاب المقادير كتب كل إنسان ونظر إليه وعرف هل يستجيب لدعوته أو لا يستجيب، فكتب شقاوته، ومن ثم يعيش على الكفر والفسق والفجور حتى يدخل النار.

    لعل هذه غير واضحة؟

    اسمعوا: نظر الرب تعالى إلى الأرواح فعرف الروح التي تستجيب له وتعبده، فكتب ذلك في كتاب المقادير، والروح التي عرف أنها لا تطيعه ولا تطيع الرسل ولا تستجيب كتب شقاوتها.

    ولنا مثل: خذ في كفك بذر الحنظل وبذر الحبحب، قبل أن تبذر وقبل أن ينبت ما تعرف أن هذا مر أو لا؟ قبل أن يوجد أنت عارف أنه مر، وعرفت أن هذا حلو، فكذلك الرب تبارك وتعالى نظر إلى الأرواح وعرف من تطيع ومن لا تطيع فكتب ذلك، فمن ثم إذا جاء إلى الدنيا وخرج وكبر، إن كان ممن كتب الله سعادتهم يؤمن ويستقيم، وإن كان ممن كتب شقاوتهم يستمر على العناد والكفر والباطل، كما تشاهدون بلايين البشر ما سمعوا بالقرآن؟ والله سمعوا، لم ما يسألون عنه، أين يوجد، من يفهمه، لم ما يطلبونه؟ لأن الله كتب شقاوتهم فهم في غيهم وشركهم وباطلهم، بل ويحاربون القرآن وأهله.