إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته المقربين، أما إبليس فأبى أن يسجد لمن خلق من طين، فاستحق بذلك الطرد من رحمة الله إلى يوم الدين، فأخذ على نفسه العهد أن يغوي آدم وذريته أجمعين، إلا عباد الله منهم المخلصين، فإن الله لا يسلطه عليهم ولا يجعل له عليهم السلطان المبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:61-65].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    قول ربنا جل ذكره: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الإسراء:61] هذا الحوار الذي دار بين الله عز وجل وبين عدوه إبليس يحمل الهداية لمن هداه الله؛ فالمشركون في مكة يعبدون الأصنام، من أمرهم بعبادتها؟ يحللون ويحرمون من الأطعمة، من أحل وحرم؟ كل هذا عمل الشيطان، فإن كفروا بالشيطان وآمنوا بالله نجوا وسعدوا، وإن استمروا على عبادة الشيطان فهم في جهنم وكانت لهم جزاء موفوراً.

    فقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا [الإسراء:61] أي: اذكر يا رسولنا! لهؤلاء المشركين المصرين على عبادة الأصنام والتقرب إليها، والذبح والنذر لها، إذ بحروا البحائر وسيبوا السوائب للآلهة الأصنام.

    وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الإسراء:61] القائل هو الله عز وجل، لما خلق الله آدم، وخلقه كما- علمنا وآمنا- من طين لازب، من حمأ مسنون، ونفخ فيه من روحه فكان آدم أبو البشر، طوله ستون ذراعاً؛ ولهذا ذريته في الجنة كلهم على هذا النمط: ستون ذراعاً في الطول.

    اذكر إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [الإسراء:61] امتثلوا أمر الله، وأطاعوه وسجدوا لآدم، وهذا السجود سجود تحية لآدم لا سجود عبادة، كما يحيي بعضنا البعض بالسلام عليكم، ولكن الذي أمر بالسجود هو الله، فهو المعبود، فسجود الملائكة عبادة لله، وتحية لآدم عليه السلام، كصلاتنا خلف مقام إبراهيم معشر الحجاج، من طاف بالبيت سبعة أشواط من السنة أن يصلي ركعتين خلف المقام؛ إذ قال تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125].

    فالصلاة لمن؟ لله، والمقام فاز بوقوع هذه العبادة عنده؛ لأنه قدم خدمة جُلة لله؛ إذ هذا الحجر كان إبراهيم عليه السلام يبني عليه الكعبة، إذا ارتفع البناء يضع هذا الحجر ويرتفع فوقه ويواصل البناء؛ حتى أكمل البناء وتركه بين الحجر والركن اليماني، ثم جاءت السنين والأمطار فزحزحته وجعلته في مكانه الذي فيه الآن.

    والشاهد عندنا: أن سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة، وإنما عبدوا الله الذي أمرهم أن يسجدوا، وهذا السجود تحية لآدم عليه السلام، وتشريفاً وتكريماً.

    إبليس عدو الله من عالم الجن وكان مع الملائكة رفض أن يسجد، إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ [الإسراء:61] متعجباً: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61] ؟ كيف أسجد لمن خلقته من الطين، وأنا مخلوق من النار؟ فرأى أنه أفضل من آدم من حيث الخلقة والتكوين وهو خطأ؛ لأن النار تحرق وتأتي على الأخضر واليابس، والطين ينبت البقل والزرع والزيتون، بينهما فرق كبير، لكن أخطأ في القياس.. قياسه فاسد، ليس بسليم ولا صحيح.

    قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61] أي: لمن خلقته من الطين؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ...)

    ثم قال الله: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62] أهذا الذي كرمته علي وفضلته وأكرمته عني لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الإسراء:62] ما أمتني لأفعلن ما أفعل في ذريته انتقاماً منهم لأجل والدهم.

    لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الإسراء:62] أي: إلى أن تنتهي هذه الحياة فإني أفعل ما أفعل مع ذريته حتى أدخلهم النار معي، ولا ينجو منهم إلا من شاء الله. هذا كلام العدو، يقول للرب تبارك وتعالى: أرأيت والكاف للتوكيد، أرأيت هذا الذي كرمت علي وفضلته عني، وأمرت الملائكة بالسجود له، وأمرتني بالسجود له وعزتك وجلالك يا رب! لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأفعلن وأفعلن مع ذريته.

    لَأَحْتَنِكَنَّ [الإسراء:62] الاحتناك: هو الاستيلاء والاستخفاف، كوضع الحنكة في فم الفرس وقيادته، لأقودنهم إلى المهاوي والشرور والمفاسد، وهو يقودهم كما نشاهد.

    إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] استثنى وأصاب في هذا الاستثناء، لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62] نساء ورجالاً إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] والباقي أجعل في أفواههم أطواق الفرس وأقودهم إلى مهاوي الشر والفساد، هكذا يصارح إبليس -عليه لعائن الله ربنا تبارك وتعالى- بهذا القول.

    واسمعوه مرة ثانية: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62] وفضلت لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الإسراء:62] ما أمتني، لأفعلن ماذا؟ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] ممن تحفظهم أنت وتتولاهم من أوليائك وصالحي عبادك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً)

    فأجابه الرب تبارك وتعالى؟ قال: اذْهَبْ [الإسراء:63] يا عدو الله! فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء:63] أي: وافراً كافياً اذْهَبْ [الإسراء:63] يا عدو الله! فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الإسراء:63] أي: من ذرية آدم فَإِنَّ جَهَنَّمَ [الإسراء:63] هذا العالم عالم الشقاء جَزَاؤُكُمْ [الإسراء:63] أنت وإياهم جزاء وافراً كافياً، وهكذا كل من اتبع الشيطان ومشى وراءه وقاده مأواه ومصيره جهنم، سواء كان ابن النبي أو أباه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك ...)

    ثم قال له تعالى أيضاً: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ [الإسراء:64].

    أولاً: استفزز. الاستفزاز: الاستخفاف مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] قالت العلماء ابن عباس والصحابة والتابعين: صوت إبليس هو المزامير والأغاني. بلا خلاف، وكل ما يدعو إلى معصية الله والخروج عن طاعته فهو دعوة إبليس وصوته.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64] أي: ورجالك، خيل الشيطان: كل عباده ومطيعيه وهم رجاله فرساناً ومشاة، كل الذين يدعون إلى المعاصي والجرائم والموبقات في الأرض هم رجال الشيطان وفلوله، وهو قائدهم.

    وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] كل من يأكل الحرام فهو يأكل من مال الشيطان، وهو شريكه في ذلك، كل من يزني فهو مشارك في أولاد الزنا؛ ولهذا قالت العلماء: أن آكل الربا والزاني هم من أولاد الشيطان.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] وهذا الصوت- كما قلت لكم- ابن عباس والصحابة كلهم يقولون: إنها الأغاني والمزامير، وكل لهو هو صوت الشيطان، الذي يقوم فيدعو إلى الزنا والربا والباطل والمنكر صوته صوت إبليس، هو الذي دفعه إلى أن يقول، نسمع صوت إنسان وهو صوت الشيطان!

    وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] وهنا لطيفة، يروى عن السلف: أن الذي يأتي زوجته، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فالشيطان يلتف حول إحليله ويدخل معه الفرج، فيشاركه في الولد!

    وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] كما أن أولاد الزنا كلهم أبناء الشيطان وأولاده، إذ هو الذي أمر بالزنا وحرش عليه ودعا إليه، فهم أولاده.

    وَعِدْهُمْ [الإسراء:64] والشيطان يعد بما شاء أن يعد، أما وعد المشركين بالنصر في بدر، ثم انهزم وهرب منهم؟ وعدهم بأنه معهم وإلى جنبهم وناصرهم، فكل وعد من أي إنسان بالشر فهو وعد كاذب ووعد إبليس.

    وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64] الشيطان يعد الإنسان بأنه إذا كبر يتوب، وإذا استغنى يترك الربا و..و..، كل هذه الوعود تجري على ألسنة الناس وهي وعوده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ...)

    أخيراً: يقول له الرب تبارك وتعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الإسراء:65] من هم عباده؟ الأنبياء والرسل والأولياء، المؤمنون المتقون، ليس له سلطان على إغوائهم أو استخفافهم أو استفزازهم، أو قيادتهم إلى الباطل والشر أبداً، لا سلطان له عليهم؛ لأن الله واقيهم وحافظهم، الأنبياء والرسل والأولياء، من هم الأولياء؟ المؤمنون المتقون، هؤلاء عباد الله الذين عبدوه وحده ولم يعبدوا سواه، عبيده ويحميهم، بهذا الوعد الإلهي: إِنَّ عِبَادِي [الإسراء:65] الذين خلقتهم لعبادتي ووفقتهم إلى أن يعبدوني، هؤلاء ليس لك عليهم سلطان، لا قدرة لك ولا قوة عليهم، لا تستطيع أن تفسدهم بحال من الأحوال.

    وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65] أي: وكفى بالله حفيظاً لعباده المؤمنين، وكفيلاً بكفالتهم يحفظهم منك يا عدو الله!

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية: تأملوا كلام الله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الإسراء:61] من القائل؟ الله جل جلاله، متى قال هذا؟ يوم خلق آدم من طين، فلما خلقه ونفخ فيه من روحه، ونطق وتكلم قال الله للملائكة: اسجدوا له سجود تحية لا عبادة.

    فسجد الملائكة كلهم إلا إبليس فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [الإسراء:61] لماذا؟ للحسد والكبر، أولاً: حسد إبليس: كيف يلقى هذه الكرامة ويفوز بهذا الفوز؟ وتكبر: كيف نسجد لمن خلق من الطين؟ امتناع إبليس من السجود لآدم لعلتين:

    الأولى: الحسد، والثانية: الكبر؛ ولهذا من اتصف بالصفتين فهو إبليس رأساً، ومن اتصف بصفة واحدة فهو نصف إبليس، الحاسد نصف إبليس، والمتكبر كذلك، ومن جمع بينهما فهو إبليس.

    ماذا قال العدو؟ قال مستفهماً استفهام إنكار: أأسجد لمن خلقته من الطين؟! أَرَأَيْتَكَ [الإسراء:62] يا رب! أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62] أرأيت هذا الذي كرمت علي وعزتك وجلالك لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الإسراء:62] لم تمتنييأ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] والباقي كلهم أفسدهم، هذا وعده عليه لعائن الله.

    ثم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الإسراء:62] قال تعالى: إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:38] هو يريد ألا يموت إلا في النفخة الثانية، ما يموت حتى النفخة الثانية معناها: لا يموت أبداً، ولكن الله أعلمه أنه يموت في النفخة الأولى مع من يموت، ولا يبقى إلى النفخة الثانية، هناك ثلاث نفخات:

    نفخة الفناء، ونفخة البعث، ونفخة الصعق، لكن إبليس لما طلب يريد أنه لا يموت حتى تموت البشرية كلها، فالله وعده بأنه سيبقى إلى وقت معلوم، وهو النفخة الأولى فقط، قبل فناء البشرية.

    إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر:38] ماذا قال العدو؟ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62] وهذه اللام لام القسم أيضاً، والله لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] يعلم أن منهم من لا يستطيع أن يحنكه أو يغويه ويفسده ويحيط به.

    فأجابه الرب تبارك وتعالى بقوله: اذْهَبْ [الإسراء:63] يا عدو الله! اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الإسراء:63] من ذرية آدم وأولاده رجالاً ونساءً فَإِنَّ جَهَنَّمَ [الإسراء:63] ذلك العالم الذي يعرفه إبليس عالم الشقاء النار جَزَاؤُكُمْ [الإسراء:63] أنت وإياهم جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء:63] وافياً كاملاً، هذا كلام الله عز وجل.

    وقال له تعالى بعد ذلك: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] ورجلك وخيلك، تعرفون خيله ورجاله؟ هؤلاء الفساق والفجار دعاة الباطل والشر والكفر، كلهم خيل إبليس ورجاله.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] أقول: قالت العلماء من السلف والخلف: إن أصوات المغنين ومزامير المغنين وطبولهم هذه كلها من صوت الشيطان، وبها يستفزز الناس ويحرك ضمائرهم إلى الشهوات والباطل.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] الذين يتعاطون الربا ويأكلون الحرام هذا المال ما يشاركهم فيه الشيطان؟ هو الذي دعاهم إليها وجلبها لهم، الذين يزنون أولادهم ما هم أبناء الشيطان؟ شاركهم فيهم، كل مال حرام الشيطان مشارك فيه، كل ولد زنا الشيطان مشارك فيه.

    ولفت النظر إلى تلك الفضيلة: على أحدنا إذا أتى امرأته أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ حتى لا يشارك العدو في الولد.

    وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64] والغرور معروف: الخداع والكذب والباطل.

    ثم يقول تعالى له: إِنَّ عِبَادِي [الإسراء:65] الذين تعبدتهم وخلقتهم لعبادتي وحميتهم وحفظتهم وعلمتهم وفقهتهم، وجعلتهم خواص عبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الإسراء:65] لا قدرة لك عليهم، لا تستطيع أن تخرج أحدهم من المسجد، والله ما يقدر، لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65] فالله يحفظ أولياءه، ويحميهم منك، ومن كل ما يؤذيهم ويسيء إليهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نستمع إلى شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [ قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الإسراء:61] أي: اذكر يا رسولنا! لهؤلاء المشركين الجهلة الذين أطاعوا عدوهم وعدو أبيهم من قبل، وعصوا ربهم، اذكر لهم كيف صدقوا ظن إبليس فيهم، واذكر لهم إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فامتثلوا أمرنا، وسجدوا إلا إبليس قال منكراً أمرنا مستكبراً عن آدم عبدنا: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61] ؟ أي: لمن خلقته من الطين؛ لأن آدم خلقه الله تعالى من أديم الأرض، أي: عذبها وملحها؛ ولذا سمي آدم آدم.

    ثم قال في صلفه وكبريائه: أرأيتك أي: أخبرني أهذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [الإسراء:62] قال هذا استصغاراً لآدم واستخفافاً بشأنه.

    لَئِنْ أَخَّرْتَنِ [الإسراء:62] أي: وعزتك لئن أخرت موتي إلى يوم يبعثون لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62] أي: لأستولين عليهم، وأسوقهم إلى أودية الغواية والضلال حتى يهلكوا مثلي.

    إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62] منهم ممن استخلصتهم لعبادتك، فأجابه الرب تبارك وتعالى: قَالَ اذْهَبْ [الإسراء:63] أي: منظراً وممهلاً إلى وقت النفخة الأولى، وقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [الإسراء:63] أي: عصاني وأطاعك، فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [الإسراء:63] أي: وافراً كاملاً.

    وقوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] قال هذا لإبليس، بعد أن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم، أذن له في أن يعمل ما استطاع في إضلال أتباعه.

    وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] أي: واستخفف منهم بدعائك إلى الباطل بأصوات المزامير والأغاني وصوت الملاهي وأنديتها وجمعياتها ] في أندية للباطل وجمعيات للباطل.

    [ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ [الإسراء:64] أي: صح على خيلك ورجلك الركبان والمشاة وسقهم جميعاً على بني آدم لإغوائهم وإضلالهم.

    وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ [الإسراء:64] بحملهم على الربا وجمع الأموال من الحرام وفي وَالأَوْلادِ [الإسراء:64] بتزيين الزنا وتحسين الفجور وَعِدْهُمْ [الإسراء:64] بالأماني الكاذبة، وبأنه لا بعث يوم القيامة ولا حساب ولا جزاء ] هذا الذي يعد به الشيطان لا حساب ولا جزاء ولا بعث.

    [ قال تعالى: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء:64] أي: باطلاً وكذباً وزوراً، وقوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي [الإسراء:65] أي: المؤمنين المصدقين بلقائي ووعدي ووعيدي: ليس لك عليهم قوة تتسلط عليهم بها وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65] أي: حافظاً لهم منك، فلا تقدر على إضلالهم ولا إغوائهم يا عدوي وعدوهم ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: مشروعية التذكير بالأحداث الماضية للتحذير من الوقوع في الهلاك ].

    أولاً: كلمة الهداية علمتم ما هي، والذين ما علموا: فكل آية من كتاب الله تهدي إلى أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كل آية تهدي إلى خير، إلى علم، إلى هدى، إلى معرفة، إلى فضل، إلى إحسان.

    فمن هنا الآية الأولى تدل على مشروعية التذكير بالأحداث الماضية للتحذير من الوقوع في الهلاك، كأن أصاب البلاد جوع نذكر الآكلين بجوع الماضي، أصابهم اضطراب وخوف نذكرهم بذلك، هذا التذكير مفيد، بدليل أن الله ذكر المشركين في مكة بهذه الآية، وقال للرسول: اقرأ عليهم.

    [ ثانياً: ذم الكبر وأنه من شر الصفات ].

    ذم الكبر وأنه من شر الصفات، ما الذي منع إبليس من أن يسجد لآدم؟

    الكبر، أضفنا إلى الكبر شيئاً آخر؟ وهو الحسد، زلتان فاحشتان قبيحتان، من اتصف بهما فهو إبليس. أما الحسد فإنه اعتراض على الله: لم يعط فلاناً وفلاناً وأنا ما يعطيني؟! الذي يقول: يا رب! لم منحت فلاناً كذا وأنا ما منحتني؟ الذي يعترض على الله يبقى مؤمناً؟ فالحاسد اعترض، لم؟ لأنه يحسد على المال أو العلم أو البصيرة أو الجمال أو أي نعمة، يريد لماذا يعطيه هذه وأنا ما يعطيني؟ اعتراض على الله، فهو إذاً ذنب عظيم، ونعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد، والكبر يمنع من العبادة، المتكبر ما يقع على الأرض ساجداً لله!

    [ ثالثاً: تقرير عداوة إبليس والتحذير منها ].

    تقرير عداوة إبليس والتحذير منها، هذه الآية ما قررت أن إبليس عدو لآدم وذريته؟ ما حذرتنا منه من أن نسمع صوته ونمشي وراءه؟ الحمد لله.

    [ رابعاً: بيان مشاركة إبليس أتباعه في أموالهم وأولادهم ونسائهم ].

    كما علمتم، أخبرنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن أحدنا إذا دخل باب بيته قال: بسم الله ما يدخله الشيطان، وأنه إذا وضع طعامه وقال: بسم الله ما يأكل معه الشيطان، وأنه إذا دنا من امرأته وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما يقربه الشيطان.

    إذاً: فعلينا أن نعترف بعداوته، وأنه عدونا يريد إهلاكنا وإشقاءنا، يريد خسراننا في الدنيا والآخرة؛ فلهذا ما نسمع صوته أبداً ولا كلامه.

    [ خامساً: بيان أن أصوات الأغاني والمزامير والملاهي، وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف ].

    بيان أن أصوات الأغاني سواء المغنية مرأة أو رجل، وخاصة -والعياذ بالله- المخنثين والفواجر، أصوات الأغاني والمزامير والملاهي وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع والله من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف؛ فلهذا لن تسمع في بيوت المؤمنين أصوات مغنين ومغنيات أبداً.

    [ سادساً: بيان حفظ الله تعالى لأوليائه، وهم المؤمنون المتقون، جعلنا الله تعالى منهم، وحفظنا بما يحفظهم به إنه بر كريم ].

    سادساً: وأخيراً: بيان حفظ الله تعالى لأوليائه، من هم أولياؤه؟ المؤمنون المتقون شبيباً كانوا أو شيباً، عرباً أو عجماً.

    اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، واحفظنا بما تحفظهم به يا رب العالمين!