إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كانت عقيدة المشركين باطلة أتاهم الله عز وجل بحجة عقلية تثبت بطلان شركهم، فتحداهم أن تستجيب لهم أصنامهم بشيء من جلب نفع أو دفع ضر، وإن كانوا يعبدون أولياء صالحين فإنهم محتاجون إلى الله يطلبون رحمته ويخافون عذابه كسائر الخلق غيرهم، ولولا أن الله أتى الأولين بآيات بينات فجحدوا بها؛ لكان أتى هؤلاء المشركين بآيات بينات، ثم لجحدوا بها كما جحد الأولون، فاستحقوا الهلاك مثلهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا * وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا * وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:56-60].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    أعيد إلى أذهانكم أن السورة مكية من سور القرآن تعالج العقيدة، وأعظم ما تعالجه: التوحيد، وإثبات النبوة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر والجزاء الذي يتم فيه، وقد علمتم أن العقيدة نزل القرآن بها ثلاث عشرة سنة في مكة، في عشر سنين لم يفرض فرض ولم تسن سنة، والدعوة كلها حول العقيدة من أجل أن يعتقدوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الدار الآخرة حق، دار الجزاء على الكسب والعمل في الدنيا.

    وقد علمتم أن صاحب العقيدة الإسلامية الصحيحة هو حي؛ لأنها بمنزلة الروح، وأن فاقد العقيدة الإسلامية الصحيحة -بالمرة- ميت، وقلنا للبرهنة على ذلك والتدليل: أن اليهود والنصارى إذا كانوا تحت رايتنا ويعيشون في بلدنا أهل ذمة لا نكلفهم بصيام ولا بصلاة، لماذا؟ لأنهم أموات، فإذا أسلم أحدهم، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من تلك اللحظة، نقول: اغتسل وتعال صل، وغداً رمضان صم، وبعده الحج فحج، وذلك لأنه حيي بعد ما كان ميتاً.

    وعلمتم أن العقيدة الإسلامية قد يداخلها زيادة أو نقصان، للجهل وتغرير المغررين وفساد المفسدين، يصبح صاحبها ليس بميت ولا بحي، مريض، وهذا المرض ظاهر في أمة الإسلام، الذي يفعل واجباً ويترك آخر، يتجنب محرماً ويغشى آخر ويفعله سليم العقيدة؟ والله مريض، ما صحت عقيدته. هذا أذكر به الناسين وأعلم به غير العالمين.

    نعود إلى الآية الكريمة، قال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:56] أي: من دون الله.

    فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا [الإسراء:56] تحويله إلى غيركم. من هم الذين يدعون؟ هؤلاء في العرب جماعات، أفراد آمنوا بالجن وعبدوها، فترة من الزمن دخل أولئك الجن في الإسلام وأسلموا، وقد جاء في القرآن بيان هذا. فلما أسلموا أصبح دعاؤهم لا يرضون به ولا يقبلونه، وأهل الجهل ما زالوا يدعونهم، وسبحان الله! الآية -كما سمعتم- نزلت في أفراد يدعون الجن، يؤلهونهم ويعبدونهم، أسلم أولئك الجن فأصبحت عبادتهم باطلة لا معنى لها، فنبههم الله تعالى إلى هذا الغلط وهذه الغفلة، فقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]، والقرآن كلام الله، والله عليم حكيم.

    وتمضي القرون الثلاثة الأولى والتوحيد سائد عام في أمة الإسلام ثم يداخلها الشرك، فأصبح في أمة الإسلام ملايين ممن يدعون غير الله ويتقربون إلى غير الله ويتوسلون إلى غير الله، هذا يذبح، وهذا ينذر، وهذا يخاف، وهذا يعكف ، فسبحان الله! الآية تنطبق على الحاضرين أكثر من الأولين؛ لأن الأولين مجموعة قليلة آمنت بالجن، وإذا بأمة الإسلام من القرن الرابع تصاب بعبادة الأولياء والصالحين، بالذبح والنذر والحلف والعكوف والحج وما إلى ذلك، وصدق الله العظيم.

    قولوا لهم: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ [الإسراء:56] إن مرضتم، ولا تحويله إلى غيركم إن أردتم أن يصاب به عدو من أعدائكم، وهذا تحدٍ، افعلوا، قل لهم يا رسولنا.. أيها المبلغ عنا صلى الله عليك وسلم، قل لهم: ادعوا الذين زعمتم من دون الله أن يستجيبوا لكم ويكشفوا الضر ويقضوا حوائجكم، ادعوهم فإنهم لا يملكون أبداً كشف الضر، ولا تحويل الضر من شخص إلى آخر إذا كنت ترضى أن يحول إلى عدوك. وهذا يدل على ضعف الناس وحاجتهم، ما عرفوا ربهم ليطرحول بين يديه ويسألونه كشف ضرهم، والشيطان عرفهم بالأصنام والأوثان والأحجار والشياطين فعبدوها، فجاء القرآن ليبين الطريق لمن أراد أن ينجو ويسعد؛ فالله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:56] أي: من دون الله أن يقضوا حوائجكم، ويفرجوا كربكم، ويشفوا مرضاكم وأسقامكم ادعوهم، فلا يملكون والله كشف الضر ولا تحويله، والله ما يملكون لا كشف الضر وإزالته ولا تحويله من شخص إلى آخر.

    إذاً: فما الفائدة في دعائهم والاستغاثة بهم والعكوف على أصنامهم والتقرب إليهم؟ عمل باطل، سببه: الجهل، وعدم العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ...)

    قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57].

    عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه، فلان وفلان من أولياء الله الذين عبدناهم بالذبح والنذر والعكوف حولهم، هؤلاء والله لا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وكانوا يقومون الليل ويصومون النهار ويتصدقون بأموالهم ويدعون الله راجين آملين خائفين، كيف نحن ندعوهم ونخافهم ونرجوهم؟ نعكس القضية؟

    أولئك الذين يدعونهم هم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يتملقون إلى الله ويتزلفون بالذكر، بالدعاء، بالصلاة، بالاعتكاف، بالرباط، بالجهاد، بكل الأعمال الصالحة يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، هؤلاء الذين يدعونهم، كانوا يدعون ربهم ويستغيثون به ويتقربون إليه، فكيف تدعو من يدعو؟ تدعو فقيراً يحتاج؟ ادع من يملك العطاء ويعطيك ويعطي غيرك، وهذه صفعة على وجوه أولئك الذين عموا عن الله وأصبحوا مقبلين على غير الله من الجن والإنس، ودخل في هذا عالم النصارى، عالم الصليب، عالم المسيح، أما يدعون المسيح وأمه ويستغيثون بهما؟ وعيسى كان مفتقراً إلى الله، محتاجاً إليه يدعوه، ويرغب في ما عنده، وأمه كذلك فكيف يدعون من دون الله؟

    والآية نزلت في مكة من أجل جماعة يدعون الجن، وإذا بها تشمل البشرية كلها؛ لأنه كتاب الله للبشرية إلى يوم الدين.

    وتأملوا صيغة الكلام! قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ [الإسراء:56-57] يكون أقرب عند الله من غيره، هذا يصوم الإثنين والخميس، هذا يصوم يوماً بعد يوم، هذا يتصدق بمليون، هذا خرج من ماله، الكل يريدون القرب من الله عز وجل، فكيف إذاً تدعونهم وتذبحون لهم وتعكفون على قبورهم وتحلفون بهم؟ هم كانوا يتوسلون إلى الله، ويستغيثون به، ويعملون ليلاً ونهاراً من أجل أن يرضى عنهم ويقربهم ويدنيهم.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ [الإسراء:57] أي: يدعوهم أولئك المشركون.

    يَبْتَغُونَ [الإسراء:57] أي: يطلبون إلى ربهم الوسيلة؛ ليقربوا منه ويصبحوا أولياء فيحبهم ويعلي درجتهم وينزلهم بجواره في دار السلام.

    وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] أيضاً. يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، فلا يعصونه لا بترك واجب ولا بفعل محرم، ويسابقون في الخيرات وينافسون فيها.

    وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] لماذا؟ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ [الإسراء:57] يا أيها السامع؛ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] يحذره المؤمنون ويحسبون له حسابه، فلهذا لا يعصون الله ولا يخرجون عن طاعته لا بترك واجب أوجبه ولا بفعل حرام حرمه ونهى عنه.

    وفي الآية لطيفة: وهي الجمع بين الخوف والرجاء، وقد علمنا أن الخوف كالجناح للطائر، والرجاء كالجناح الثاني، والطائر إذا انكسر أحد جناحيه يطير؟ لعله يطير؟ والله ما يطير أبداً.

    فالمؤمن الحق -من أمثالكم- يعيش بين الخوف والرجاء، الخوف يحمله على ألا يترك واجباً أوجبه الله، وعلى ألا يغشى محرماً حرمه الله.. من خوفه من الله أن يعذبه ويسخط عليه، والرجاء يجعله يسابق في الخيرات، وينافس فيها لتعلو درجته، ويسمو مقامه مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    الآية دلت على أن الرجاء والخوف من صفات المؤمنين، ومن فقد واحدة منهما هبط، ما يستطيع أن يمشي، كالطائر إذا انكسر أحد جناحيه هبط، وإن انكسر الجناحان من باب أولى، لكن المؤمن حي ليس بميت، وله جناح الخوف وجناح الرجاء، فحافظ عليهما يا بني. فالخوف يحملك قطعاً على ألا تعصي الله تعالى، لا بترك واجب أوجبه وفريضة فرضها.

    ولا بفعل محرم حرمه ونهى عنه، هذا الخوف، والرجاء يفيدك في أن تسابق في الخيرات وتنافس في الصالحات لتعلو درجتك، ويسمو مقامك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دل على هذا قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ [الإسراء:57] يدعونهم من الأصنام والأحجار أو من الأولياء والأنبياء هؤلاء هم يطلبون الوسيلة إلى ربهم، ويتنافسون أيهم يكون أقرب من الله عز وجل، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] لماذا؟ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ [الإسراء:57] يا رسول الله! كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] من يحذره؟ المؤمنون العالمون الربانيون، يحذرونه أشد الحذر، ما يستطيع أحدهم أن يقبل على معصية ليفعلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ...)

    قال تعالى وقوله الحق: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الإسراء:58].

    (إنْ) بمعنى: ما، ما من قرية، والمراد من القرية: المدينة الجامعة للرجال والنساء، والأشراف ومن دونهم، ليست القرية من قرى المعاصرين في جغرافيتهم المادية، القرية في القرآن المدينة، الحاضرة، العاصمة. ما من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها، إما نهلكها بالدمار والإهلاك والخراب، أو نعذبها بالجوع والبلاء والأمراض والأسقام، ما من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة كما أهلك عاداً أو ثمود، أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا [الإسراء:58] بالأمراض والأوجاع، أو بتسليط الأعداء عليهم، أو بالفقر والبلاء.

    كَانَ ذَلِكَ [الإسراء:58] الذي قلت؛ فِي الْكِتَابِ [الإسراء:58] في لوح القضاء والقدر. مَسْطُورًا [الإسراء:58] مكتوباً، لماذا هذا؟ لأن بعض المؤمنين في مكة في وقت نزول هذه السورة كانوا يتمنون أن ينزل العذاب بالمشركين، بالكافرين، آذوهم، عذبوهم، حرموهم من كل شيء، فهم يتمنون العذاب لهم، فأخبرهم تعالى بهذا الخبر لتطمئن نفوسهم، وتسكن أرواحهم، ويفوضوا الأمر إلى ربهم، فيقول تعالى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الإسراء:58] أي: في اللوح المحفوظ، فلا يتقدم ولا يتأخر، لو أراد الله أن يهلك أهل مكة لأهلكهم؛ فلهذا لا تطلبوا ذلك ولا تتمنوه، فوضوا أمره إلى الله عز وجل. والله يهلك القرى بسبب ماذا؟ كفرهم، شركهم، باطلهم، فسادهم، خروجهم عن أئمتهم ورسلهم الذين أرسلهم إليهم، فإذا أراد إهلاكهم كتبه في كتاب المقادير أهلكهم، وإن أراد تعذيبهم عذبهم بما شاء من ألوان العذاب من الفقر والجوع إلى الخوف والمرض والسقم.

    وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ [الإسراء:58] الهلاك أو العذاب؛ فِي الْكِتَابِ [الإسراء:58] أي: في اللوح المحفوظ، مَسْطُورًا [الإسراء:58] أي: مكتوباً، سطَّره إذا كتبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ...)

    قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ [الإسراء:59] ما الذي منعنا أن نرسل الرسل بالآيات؟ أن نرسل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الخارقة للعادة؟ ما الذي منعنا؟ إلا أن الأولين كذبوا فأهلكناهم، ما نريد أن نهلك أهل مكة، فنحن نرجو لهم الإيمان والإسلام بعد قليل، وفي أصلابهم مؤمنون.

    وَمَا مَنَعَنَا [الإسراء:59] ما الذي منع الله تعالى أن يرسل محمداً بالآيات كما أرسل موسى وعيسى والأنبياء والمعجزات؟ ما منعه إلا شيء واحد، ما هو؟ إلا تكذيب الأولين بالآيات، فقد نأتي لمحمد بمعجزة وحينئذ يكذبونه فيهلكون.

    وهنا ورد أن أهل مكة قالوا للرسول: إن كنت رسول الله حقاً كما تزعم ادع الله أن يحول لنا جبل الصفا ذهباً حتى ينتهي فقرنا وحاجتنا، ادع الله أن يزيل هذه الجبال ويحول مكة إلى أرض زراعية ننتفع بها، هكذا طالبوه وتحدوه، فكان الجواب من الله عز وجل: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [الإسراء:59] فلو أن الله استجاب وحول جبل الصفا إلى ذهب وما آمنوا كيف تكون المحنة؟ الدمار الكامل، لن يبقى أحد، والله ما أراد هذا ولا كتبه، وسوف يخرج من أصلابهم من ينشرون الإسلام في العالم بأسره.

    هذا معنى قوله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ [الإسراء:59] والبرهنة والدليل: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59] شمالنا مدائن صالح، أمة راقية يكفيها قصورها في الجبال، وطالبوا بالآية وقالوا: إن كنت حقاً رسول الله ادع الله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة، فقام يصلي ورفع يديه، وما زال يصلي ويرفع يديه حتى انفلق الجبل عن ناقة أحسن ما تكون لا مثيل لها في كمالها وجمالها، لكن هل آمنوا؟ كذلك لو حول الله جبل الصفا إلى ذهب قد يزدادون كفراً، فلم يرد الله ذلك؛ لأنه كتب في كتاب المقادير أنهم سيؤمنون، وينشرون دعوة الله، ويدخلون الجنة مع الداخلين، كما قلت لكم: حتى من المؤمنين كانوا يتمنون الآيات ليخف عنهم العذاب والضغط وما هم يعانون منه.

    ولما أعطى الله رسوله الآية -وهي آية الإسراء والمعراج- بعض المؤمنين كفروا، ما صدقوا.

    قال تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا [الإسراء:59] إلا تكذيب الأولين بها.

    وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59] عقروها بعد موافقة كاملة، لأن قدار بن سالف الذي عقرها كان يمر بالجماعات، وبالبيوت: هل تريدون أن نعقر الناقة؟ فيوافقون، ولما وافقوا أصابهم العذاب كلهم أجمعين، وإن كان العاقر لها واحداً، لكنه أخذ موافقتهم ورضاهم.

    وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء:59] آية كأنها بعينيها، أليس كذلك؟ كيف ناقة تخرج من الجبل؟ وفوق ذلك جعل الله تعالى ماء المدينة يوماً لها ويوماً لأهل المدينة، تشرب ماء المدينة وحدها طول النهار، وفي الغد يتحول ذلك الماء كله إلى لبن، ما من عجوز ولا خادم ولا مرأة ولا عبد إلا في يده القدح يحلب طول النهار، وما آمنوا. حتى أهل مكة ممكن لو أعطاهم الله آية كتلك ما آمنوا، وهو ما يريد هلاكهم.

    وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59] فظلموا أنفسهم بذبحها وقتلها وارتكاب الشر والباطل والإصرار عليه.

    ثم قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء:59] الذين نرسلهم بالمعجزات الخارقة من أجل التخويف فقط لعلهم يؤمنون أو يسلمون، فإن أبوا نزل بهم العذاب وأهلكهم الله كما أهلك عاداً وثمود وفرعون وما إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ...)

    قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ [الإسراء:60] يا رسولنا. إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء:60] اصبر واعلم أن ربك أحاط بالناس بقدرته وعلمه، فلا تخف ولا تحزن ولا تكرب، فالله معك وناصرك وحافظك، أمَّنَه، يمشي في مكة كالأسد، لن يستطيع أحد أن يضره أو يناله بسوء بعدما نزلت هذه الآية.

    وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء:60] أحاط بهم بعلمه وقدرته وهم في قبضته، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً بدون إرادة الله وقدرته.

    وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ [الإسراء:60] هذه الرؤيا ليست رؤيا منامية، وإن كان لفظ الرؤيا يطلق على المنام ويطلق على الرؤية بالعين في لغة العرب، والمراد من الرؤيا هنا: الإسراء والمعراج وما رأى وشاهد من آيات الله وعجائب خلقه في الملكوت الأعلى وفي الملكوت الأسفل، لم جعل الله هذه الرؤيا؟ للامتحان.

    وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60] فقط، آمن من آمن وكفر من كفر، قالوا: كيف يمكن أن يسري إلى بيت المقدس في لحظة ويعود؟ كيف يعرج إلى الملكوت الأعلى ويشاهد الجنة والنار والعالم العلوي بكامله؟ المؤمنون ازدادوا إيماناً، وضعاف الإيمان ارتدوا، فلم جعل هذه؟ للفتنة، ليصح إيمان المؤمن بحق.

    وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ [الإسراء:60] من أراه إياها؟

    وقد علمتم كيف جاء جبريل وأخرجه من بيت أم هانئ إلى المسجد الحرام، إلى بئر زمزم، وشق صدره وغسل قلبه، وحشي بالإيمان والحكمة والنور، وركب البراق من باب المسجد إلى بيت المقدس، وصلى بالأنبياء أجمعين، وعرج به، وعاد وما زال فراشه دافئاً ما برد كما تقول أم هانئ رضي الله عنها. هذه الرؤيا امتحن بها من أراد أن يؤمن ومن أراد أن يكفر.

    وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60] مؤمنهم وكافرهم، المؤمن يزداد إيماناً والضعاف هبطوا.

    وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ [الإسراء:60] كذلك فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60] لماذا؟ الشجرة الملعونة؛ لأن العرب إذا كان الطعام ما يأكلونه يقولون: ملعون، أي: مبعد عنا، أو آكلوها ملعونون. إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46] ما إن سمع أبو جهل هذا حتى قال: النار التي تحرق كل شيء تنبت فيها النخلة والعرجون، ازدادوا كفراً، والمؤمنون قالوا: آمنا بالله. النار من خلقها؟ من جعلها تحرق؟ إذاً: يجعلها لا تحرق، والماء من جعله يطفئ؟ قد يجعله يحرق، هذا أمر الله.

    إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:43-49].

    وذكرت لكم الرواية: كان أبو جهل يضع الزبدة وتمر المدينة بين يديه وأولاده يقول: تعالوا نتزقم.. تعالوا نتزقم، محمد يهددنا بالزقوم وهذا هو، تعالوا نتزقم الزبدة والرطب أو تمر العجوة، يستهزئ ويتهكم، فنزلت الآية فيه فذبحته: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:43-44] أبي جهل -عليه لعائن الله- كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [الدخان:45-47] ادفعوه. إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47] وسطها، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان:48] وقولوا له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49] إذ كان يتبجح، ويقول لأولاده: تعالوا نتزقم.

    إذاً: لم جعل الله هذه الشجرة؟ للابتلاء.

    وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ [الإسراء:60] أي: أهل مكة والمشركين من العرب.

    وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60] والعياذ بالله تعالى. هذه العصابة التي كتب الله شقاءهم كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط ومن إليهم، هذا تخويف لهم وإلا لا؟ أبو جهل لما سمع هذه كاد يموت من الكرب والهم، يدخل في الإسلام، أصر، بل جاءوا وحاربوا الرسول في المدينة. فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن مع هداية الآيات.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير التوحيد بالحكم على عدم استجابة الآلهة المدعاة لعابديها ].

    الهداية الأولى: تقرير التوحيد بالحكم على عدم استجابة الآلهة المدعاة لعابديها ممن يعبدون الأولياء والقبور أو الجن والشياطين أو عيسى وأمه. هذا دلت عليه الآية الأولى.

    [ بيان حقيقة عقلية: وهي أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل إليهم بالذبح والنذر هو أمر باطل ومضحك في نفس الوقت ] لماذا؟ [ إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ ] ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ أبداً [ ومن كان يَتَقرب لا يُتقَرَّب إليه ] لا يتقرب إليه [ ومن كان يَتَوَسَّلْ لا يُتَوسلْ إليه، بل يعبد الذي كان يُعْبَد ويَتُوَسل إلى الذي كان يُتَوسل إليه، ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله سبحانه وتعالى ].

    إن شاء الله ما بيننا أحد يقول: يا سيدي عبد القادر ، أو يا رسول الله، أو يا فاطمة ، يا حسين ، يا علي ، يستغيثون ويدعون غير الله فيشركون به وهم لا يشعرون، يتقربون إلى من كانوا يتقربون ويتوسلون إلى الله. نعم.

    [ ثالثاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر ].

    من أين أخذنا هذه الهداية؟ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ [الإسراء:58] أي كتاب هذا؟ كتاب القضاء والقدر، مسطور بمعنى: مكتوب. تعرفون كتاب القضاء والقدر؟ قبل أن يخلق الله شيئاً من العوالم، خلق القلم وقال: اكتب في كتاب، فكتب كل ما يقع إلى يوم القيامة.. كتاب القضاء والقدر.. اللوح المحفوظ، كل أحداث العالم والله موجودة فيه حتى حركة يدي هذه، حتى اجتماعكم هذا.

    [ رابعاً: بيان المانع من عدم إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات على قريش ].

    بيان المانع من عدم إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات، أي: المعجزات الخارقة على قريش ] كيف منعهم؟

    لأنهم يُخشى إذا أعطوا الآيات يكذبون فيهلكهم الله، والله يريد ألا يهلكهم لأنهم سوف ينشرون دعوة عباده إلى الله عز وجل، فلهذا ما استجاب لهم ولا أعطاهم الآيات.

    [ خامساً: بيان علة الإسراء والمعراج، وذكر شجرة الزقوم في القرآن الكريم ].

    لماذا الإسراء والمعراج؟ علته ماذا؟ للفتنة، للامتحان، المؤمن يؤمن والكافر يزداد كفراً.

    وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ [الإسراء:60]، وشجرة الزقوم أيضاً لماذا ذكرت؟ فتنة أيضاً تخويف وتخويفاً للمشركين.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.