إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان بعض المسلمين يجادل بعض المشركين فأغلظ المسلم القول لخصمه، فأمر الله عباده المؤمنين أن يجتنبوا غليظ القول عند الجدال، وأن يقولوا أحسن القول ليكون ذلك وسيلة في دعاء خصومهم إلى الدين المبين والصراط المستقيم، فهو سبحانه أعلم بأحوال عباده وهو بيده الرحمة وبيده العذاب، وهو سبحانه الذي فاضل بين عباده، كيف لا وهو سبحانه قد فاضل بين أنبيائه ورسله، الذين هم خيرته من عباده وصفوته من خلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فها نحن مع سورة الإسراء المكية وهذه الآيات تقرر البعث الآخر، والحياة الثانية، والمشتملة على كثير من أخبار الرب تبارك وتعالى، وكلها صدق، فهيا بنا نسمع بعض آياتها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء:53-55].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] من الآمر؟

    الله جل جلاله، هو القائل: وَقُلْ [الإسراء:53] من المأمور؟

    رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن معه أتباع له.

    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَقُلْ لِعِبَادِي [الإسراء:53] أي: المؤمنون، إذا قالوا مجادلين معلمين أن يقولوا بالتي هي أحسن.

    ورد أن عمر رضي الله عنه سبه أعرابي جاهلي في مكة أيام إسلامه، فغضب عمر وشتمه وهم بقتله، فنزلت هذه الآية: وَقُلْ لِعِبَادِي [الإسراء:53] أي: المؤمنين من أمثالكم، وعمر على رأسنا.

    يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] إذا أرادوا أن يعلموا، أن يرشدوا، أن يوجهوا ينبغي أن يقولوا الكلمة التي هي أحسن، أما السب والشتم والتعيير وغلظ الصوت والتهديد؛ فهذا ليس من شأن المربين المعلمين، لا بد وأن تكون كلمتك مشفوعة بكلمة: عفا الله عنك، أو غفر الله لك، أو رحمني الله وإياك لو فعلت كذا، لو قلت كذا، أما: يا هذا، يا أحمق، يا جاهل. هذا لا يجوز أبداً.

    والخطاب وإن وجه إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن أمته تابعة له، وحاشاه أن يقول السوء أو ينطق بالهجر أبداً، ولكن ما دام نبينا مأمور بأن يقول التي هي أحسن فكيف بنا نحن؟ من باب أولى، ومعنى هذا: إذا نصحت شخصاً مستمراً على التدخين لا تقل له: يا أحمق أو يا فاسق أو يا فاجر أو يا ضال أو يا كذا، قل له: من فضلك! لو تترك هذا التدخين، أنا أراك عبداً صالحاً لو تعفي لحيتك أو على الأقل بعضاً منها لتظهر رجولتك، وتصبح ذلك المؤمن؛ فإن حلق اللحية مكروه، نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحرمه. بهذه الأساليب.

    شخص يصلي ولكنه يسارع، لما يفرغ: يا أخي! أنا أحبك في الله، لا تصل هذه الصلاة، فإنك لا تثاب عليها، اطمئن إذا ركعت قل: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات أو خمس مرات، وارفع رأسك وقل: سمع الله لمن حمده، إذا سجدت ما تضع رأسك وترفعه مباشرة، ما يريد الله منك هذا، ضعه على الأرض، ومكن جبهتك وأنفك على التراب، وقل: سبحان ربي الأعلى وبحمده وادع بما شئت، أي حاجة عندك اسأل الله عز وجل، ولو تسأله الثوم والبصل؛ لأن الرسول أخبرنا قال: ( أما الركوع فعظموا فيه الرب ) يعني قولوا: سبحان ربي العظيم وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك.

    ( وأما السجود فادعوا فيه بما شئتم؛ فقمن أن يستجاب لكم ) أي: حري أن يستجاب لكم، وكان أصحاب الرسول يقولون: كنا نسأل الله الثوم والبصل. فلو قالت له أم البيت: جيب بصل ما عندنا، ماذا يقول؟ يدعو الله أن يرزقه بصلاً في سجوده ولا حرج. وهكذا شخص قال كلمة الشرك: والنبي، قل له: يا بني! إن كان صغيراً، يا أخي! إن كان مثلك، يا أبي! إن كان أكبر منك سناً: أهل العلم لا يجيزون الحلف بغير الله، فلا تحلف بغير الله، لا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بغيره؛ فإن الحلف بغير الله حرام لا يجوز. يا بني، يا أُخَيَّ، يا أبت! انتبه، حفظك الله وبارك في حياتك، وهكذا.

    أما الكلمة الغليظة والشدة والعنف في الجدال والحوار والتعليم بطل بهذه الآية.

    وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] أي: الكلمة التي هي أحسن، ما هي التي أسوأ، ولا سيئة، ولا حسنة فقط، أحسن، يختارون أطيب كلمة يقولونها. وشاهدنا من قديم الرجال عندنا يقول لك: غفر الله لك، رحمك الله، فتح الله عليك ويعلمك، الآن الأحداث ما يقولون هذا، ما عرفوا، مات الشيوخ الذين كانوا يقولون.

    وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] لماذا يا رب؟ علل. قال: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] إذا أغلظت القول يدفع ذاك في قلبه فيغضب ويقول حتى الكفر -والعياذ بالله- الشيطان يتربص، بمجرد أن يجد فرصة يبعث تياره وناره في القلوب، فلا تجعلوا له سبيلاً أبداً إلى أن يفسدكم، فهو يود أنك تسب أو تشتم أو تغلظ القول على السائل فيفرح بذلك، فأنت خيب ظنه، تكلم بالتي هي أحسن وبالكلمة الطيبة، وأنت هادئ وأنت مستبشر، هو حينئذ ييأس، لكن إذا فتحت الباب له دخل.

    إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] وعلل تعالى فقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53] ما هو من اليوم، من أخرج أبانا آدم وامرأته حواء من الجنة، أليس إبليس؟ بلى ورب الكعبة، هو الذي زين لهم الأكل من الشجرة، وقد حرمها الله عليهم ومنعهم إياها لما يترتب عليها من الشر والفساد، وزين لهم أكلها، وحسنه بأساليب، وواعدهم بأن العمر يطول إذا أكلتم هذه الشجرة، فغرر بهم وأضلهما؛ فهو عدو لبني آدم، وكل الفتن والحروب والمحن والشدائد من أصابع إبليس وصوته، لماذا؟ ما يريد للإنسان أن يسعد أبداً، يكرب ويحزن إذا رأى المؤمن ساجداً يكاد يتمزق، يقول: آه! أمرت بالسجود فلم أسجد فشقيت، وأمر بالسجود فسجد فسعد. لأنه طرد من أجل أن قال له الله: اسجد لآدم، قال: كيف أسجد لآدم وأنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين؟! تكبر وإلا لا؟

    وقالت العلماء: هذا القياس باطل، لماذا؟ لأن النار ليست بأفضل من الطين أبداً بإجماع البشرية. الطين ينبت أنواع الزروع والحبوب والثمار، والنار تأكل وتحرق كل شيء، فهذا قياس باطل، لما قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين غير صحيح، الطين أفضل، لكن حمله الكبر على ألا يسجد فطرده الله عز وجل.

    وذكرت غير ما مرة: أننا نصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، كل من طاف بالبيت سبعة أشواط من السنة أن يأتي مقام إبراهيم ويصلي خلفه ركعتين، ليست للحجر الذي نصلي وراءه، بل لله تعالى، فمثل هذا مثل آدم لما أمرت الملائكة أن تسجد له، من الآمر بالسجود؟ من المطاع؟ الله، آدم ما أمر ولا أطيع، وإنما تحية له وتكريماً وتعظيماً سجدوا وراءه، فكذلك مقام إبراهيم حجر، ونحن ما نسجد للمقام ونصلي، ولكن نصلي لله عند هذا المقام، والمقام فاز بشرف؛ لأنه كان السبب في رفع بناء الكعبة وعلوه؛ فعرف الله تلك الفضيلة فجعل الصلاة دونه.

    والشاهد عندنا: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ [الإسراء:53] وما زال. لِلإِنسَانِ [الإسراء:53] وهو نحن بنو آدم. عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53] بين العداوة ظاهرها، وهل عدوك يريد لك أن تسعد؟ يريد لك أن تستريح وتطيب وتطهر؟ والله ما يريد إلا أن تخبث وتتحطم وتفسد وتشقى. إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا [الإسراء:53].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو أن يشأ يعذبكم ...)

    قال الله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] يا عبد الله! يا من تدعو أخاك الإنسان إلى الله، إلى عبادته، إلى طاعته! اعلم أن ربك تعالى أعلم بك وبمن تدعوه، فمن كان كتب سعادته أو شقاءه في كتاب الأزل، في كتاب المقادير؛ فهو واقع، وأنت لا تملك أبداً أن تسعد أو تشقي أحداً، أنت عليك الدعوة فقط بالتي هي أحسن، والله أعلم بمن هو سعيد وبمن هو شقي؛ إذ كتب في كتاب المقادير أسماء الأشقياء وأسماء السعداء، فمن كتب اسمه سعيداً، فسوف يخرج في الدنيا عند الوقت الذي محدد له ومعين، ويستقيم على منهج الحق، ويعبد الله ويموت، ونفسه طاهرة، ويدخل الجنة، ومن كتب شقاوته، فإنه يخرج إلى الدنيا في الوقت المحدد له ويرفض الدعوى ويحارب أهلها، ويرغب عنها حتى يشقى.

    ومعنى هذا: لم تشدد في دعوتك وتغلظ؟ من كتب الله سعادته بقولك له: أسلم يسلم، ومن كتب شقاوته لو تضربه بالحديد ما يسلم؛ لأنه مكتوب الشقاوة.

    رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ [الإسراء:54] بمؤمنكم وكافركم ومهديكم وضالكم وشقيكم وسعيدكم.

    إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] وهل توجد إرادة فوق إرادة الله تلزم الله بتعذيب فلان أو إسعاد فلان؟ لا والله، هو الواحد الأحد الفرد الصمد، بيده كل شيء، وهو خالق كل شيء، وإليه مصير كل شيء.

    إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] ومعنى هذا: ما تغضب لما تدعو ولا ترفع صوتك، ما أنت مأمور بهذا، السعادة والشقاء بيد الله، من شاء أسعده ومن شاء أشقاه، وإنما سنته في خلقه أن للسعادة أسبابها، وأن للشقاء أسبابه.

    أسباب السعادة: الإيمان والإسلام وصالح الأعمال، فتزكو النفس وتطيب وتطهر وتصبح كأرواح الملائكة يقبلها في الجنة دار السلام، والنفس الخبيثة الملوثة بأوضار الشرك والذنوب والمعاصي خبيثة ليست أهلاً لأن تعلو إلى السماء ولكن تنزل إلى الدركات السفلى لخبثها ونتنها وعفنها، بسب ماذا؟ الشرك، الكفر، الفسوق، الفجور، هذا هو السبب.

    رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] نعم. إن يشأ أن يرحم الكافر يرحمه، وإن شاء أن يعذب المؤمن يعذبه، ولكن حاشاه تعالى أن يعذب المؤمن ويرحم الكافر، وقد سن سننه ووضع شريعته؛ فمن أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن أقبل على الله أقبل الله عليه. من أراد أن يسعد يقرع باب السعادة ويدخل، يؤمن ويتقي الله فيزكي نفسه فالسعادة من نصيبه، أعرض عن دار السلام وما أراد الجنة أو ما آمن بها فأصر على الكفر والذنوب والآثام خبثت نفسه، وأصبحت كأرواح الشياطين، أين مصير الشياطين؟ في الجحيم.. في جهنم.

    ما زالت الآية في تأديبنا عندما ندعو إلى ربنا إخواننا من بني آدم، مجوساً كانوا أو يهوداً أو نصارى أو بوذاً أو من أي جنس أو خوارج وطوائف ضالة، لا بد من الحكمة في الدعوة: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] ما فيها غلظة ولا شدة ولا سب ولا شتم ولا تقبيح. هذه الحقيقة، عرفنا كتاب المقادير وإلا لا؟ قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين وما فيهما من مخلوقات.

    ( أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة ) فلا حركة نتحركها أو سكون نسكنه إلا وقد كتب أزلاً، ونطبق ما كتب بالحرف الواحد، لا نخرج عما كتب الله وقدر، فلهذا لا حاجة إلى الغضب والسيف والرماح والصياح، ادعو بالتي هي أحسن. ولا تقل: إذاً لم الجهاد؟ لم نقتل الكفار إذاً؟

    الجواب: علمتم هذا أيها المستمعون والمستمعات مرات، الجهاد معناه: أننا نرسي سفننا أو نوقف خيولنا وفرساننا على حدود الدولة الكافرة، هذه الدولة الكافرة تعبد الأصنام، تعبد الفروج، تعبد الهوى، الظلم، الفسق، الفجور، لا عدل ولا رحمة ولا.. ولا.. كالبهائم، كالحيوانات، وشر من الحيوانات، أمرنا بهدايتهم، أن ندعوهم إلى الهداية ليستقيموا فيطهروا ويطيبوا ويسودوا ويسعدوا في الدار الآخرة، فحينئذ ما جئنا لنقتلهم، ما قال تعالى: اقتلوهم، قال: قاتلوهم. فنقول للحاكم: يا سيادة كذا أو يا عظيم الروم -كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم- نحن جئنا لهداية هذه البشرية نائبين عن الله خالقنا وخالقكم، ادخلوا في الإسلام تسعدوا وتكملوا، فإن قالوا: مرحباً نريد ذلك. دخلنا وساد الأمن والسلم، فإن قالوا: ما نريد ديناً غير ديننا، نقول: اسمحوا لنا أن ندخل لنعلم إخواننا، أنتم أيها المسئولون من حكام وجيوش لكم شأنكم، لكن هذه الأمة تضيع؟ ادخلوا في حمايتنا ونحن نحميكم ونقاتل دونكم غيركم، ونصون أعراضكم وأديانكم وما أنتم عليه، ولكن ننشر دعوة الله في هذه الأمة. فإن قالوا: مرحباً ادخلوا؛ دخلوا في ذمتنا، ونحفظ أموالهم ونصون أعراضهم ونبقيهم على دينهم ويسعدون ويدخلون في الإسلام يوماً بعد يوم حتى ما يبقى كافر؛ لأن المسلمين هداة، دعاة، أنوار تتلألأ، ما إن يشاهدوهم إلا ودخلوا معهم، ما يمضي سنة إلا وكل البلاد داخلون في الإسلام، كالذي حصل في سوريا ومصر والشام وبلاد العالم كامل، في من أجبر على الإسلام بالعصا؟ ولا أحد أبداً. فإن قال: ما نقبلكم ولا دعوتكم والحرب بيننا، إذاً ماذا نصنع؟ نحارب هؤلاء الجيوش من أجل أن ينفتح باب الرحمة لتلك الأمة الضالة الحيرانة المسكينة، فنقاتلهم لا نقتلهم، نقاتلهم حتى يستسلموا وينقادوا، فإذا غلبنا ودخلنا نشرنا دعوة الله بين العباد. أرأيتم كيف الجهاد؟

    رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء:54] أي: رقيباً مسئولاً عن هدايتهم. الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: ما أرسلناك إليهم وكيلاً تدخلهم في الإيمان والإسلام بالقوة، ما وكلناك بهذا ولا جعلناك رقيباً كفيلاً لهذا، أنت ما عليك إلا الدعوة فقط، أن تدعوهم بالتي هي أحسن، أما هدايتهم فلنا نحن، من كتبنا هدايته سوف يهتدي، ومن كتبنا ضلاله فسوف يضل، وبذلك تكون السعادة والشقاء في الدار الآخرة.

    وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء:54] أي: موكلاً بهدايتهم، أو أسندنا إليك هدايتهم، ما تستطيع، ما تقدر، القلوب بيد الله. رقيب وحفيظ، ما جعلناك رقيباً ولا حفيظاً عليهم، جعلناك داعية تدعوهم فقط بالتي هي أحسن. وهذا الكلام الموجه للرسول وإلى أمة محمد.. موجه إلينا كلنا. هل هناك جماعة أو أمة لم يلزمهم الله بأن يهدوا الناس؟ ما هي إلا الدعوة فقط، من استجاب؛ لأنه كتب في القضاء والقدر إجابته بها ونعمت، ومن أعرض فذلك لأنه في القضاء والقدر معرض وهالك.

    هكذا يقول تعالى لمصطفاه صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء:54] أي: رقيباً وحفيظاً، فتلزم بهدايتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ...)

    وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الإسراء:55] وربك جل جلاله وعظم سلطانه، أي: خالقك ورازقك وموجد هذا الخلق ومودعه، هذا الرب تبارك وتعالى أعلم بمن في السماوات أشقياء وسعداء وبمن هو في الأرض، أي: أعلم بالأرواح الشقية والسعيدة قبل أن توجد الأبدان، أعلم بالملائكة وبالجن في السماوات وبمن في الأرض، لا يخفى عليه شيء، فلهذا تأدبوا معه عندما تدعون عباده، فوضوا الأمر إليه وأسلموا قلوبكم له ووجوهكم، فإنه أعلم بمن في السماوات والأرض، بالأشقياء والسعداء، بالأخباث والأطهار، بالصالحين والفاسدين، بمن يكملون ويسعدون وبمن يشقون ويخسرون، كل هذا على علمه، ففوضوا الأمر إليه إذاً، ولا تتحملوا ما لا تطيقون.

    وَرَبُّكَ [الإسراء:55] يا رسولنا؛ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الإسراء:55] من الإنس والجن والملائكة والبشر والكل.

    يقول تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء:55].

    إبراهيم فضله تعالى بفضيلة ألا وهي الخلة، وهي الحب في القلب، من الخليل من الناس؟ إبراهيم، ماذا قال تعالى عنه؟ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، أي: جعله خليلاً له، والخلة: الحب يتخلل القلب، فإبراهيم خليل الرحمن، فاز بها، وفضله على كثير من الأنبياء، إلا أن نبينا أيضاً خالـله الله فهو خليل؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر

    خليلاً ) والله العظيم. أبو بكر الصديق يقول فيه الرسول: ( لاتخذت أبا بكر

    خليلاً
    ) ويوجد من إخواننا الجهال والضلال من يكفرون أبا بكر ويسبونه ويشتمونه. لا إله إلا الله! أين يذهب العقل البشري؟ كيف تضيع البشرية؟ الشياطين هكذا تريد، ما يسعد آدمي في استطاعتهم أبداً، الشقاء. الرسول يقول: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر

    خليلاً
    ) وحقاً من أحب أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف وقد لازمه طيلة ما كان في مكة، وطيلة ما كان في المدينة؟ ما فارقه أبداً في حتى في غار حراء، دخل معه، وتسمح لنفسك أنت تسبه وتقول: أنا مؤمن، أين تذهب بعقلك؟ اسأل أهل العلم، كيف تكون مؤمناً وأنت تكذب الله ورسوله؟ ما الذي تستفيده لما تسب أبا بكر ؟ كم يزيد عمرك؟ والله ما هو إلا إرضاء للشياطين، وهذا سببه الجهل وعدم البصيرة والإصرار على الضلال، العاقل ما يسمع كلمة كهذه حتى يبيت طول الليل يفكر. لو قيل: إن عالماً في الهند أو في الصين أو في كذا يبين لك الطريق والله لتسافر، ما يبقى مُصِرّ على هذا الباطل حتى يتبين الحق.

    والشاهد عندنا: في أن إبراهيم عليه السلام فضله الله على سائر الأنبياء إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالخلة.

    ثانياً: موسى عليه السلام فضله الله على سائر الأنبياء بالكلام مباشرة وجهاً لوجه. وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] هذا المصدر للتوكيد وإلا لا؟ تكليماً، وفاز رسول الله بها، موسى كلمه ربه في الأرض ومحمد صلى الله عليه وسلم كلم ربه فوق السماوات السبع، كالخلة. موسى كلمه ربه ففاز بهذه وظفر بها ولم يظفر بها سواه، ولكن محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين كلمه ربه شفاهاً كفاحاً وجهاً لوجه في الملكوت الأعلى.

    عيسى عليه السلام فاز بمنقبة وهو: أنه روح الله وكلمته كآدم، خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه، عيسى نفخ فيه من روحه، لا أب له، آدم لا أب له ولا أم وإلا لا؟ وعيسى له أم ولا أب له. والله يخلق ما يشاء.

    إذاً: وداود فضله الله بفضيلة وهي: الزبور، والزبور كتاب ما فيه فرائض ولا أحكام ولا شرائع، وإنما أدعية وأذكار، فإذا ذكر يلتف حوله الطير، واقرءوا من سورة سبأ: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، فالزبور ليس فيه فرائض وأحكام؛ لأن التوراة سبقته، فيها شرع الله عز وجل أنزلها على موسى عليه السلام، فبنو إسرائيل يطبقونها عندما كانوا مستقيمين، وانحرفوا فتركها، فالزبور ليس فيه فرائض ولا أحكام، وإنما هو أدعية وأذكار، فاز بهذا داود عليه السلام.

    ونبينا صلى الله عليه وسلم بماذا فضله الله؟ فضله بأنه أرسله إلى الإنس والجن، ما أرسل نبياً كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] مرسل إلى الإنس والجن، هذه ميزة عظيمة، هذا دل عليه قوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55] كذا وإلا لا؟

    فكيف إذاً بكم أنتم؟ فلا يحملنك الفخر والمباهاة أنك أفضل من هذا الذي تعظه أو تذكره؟ انتبه، فالتفضيل لله تعالى، وهو الذي فضل بعضنا على بعض، ما يحملك أنك عالم وهو جاهل تتكبر عليه، أو أنك مهتدي وهو ضال فتسبه وتشتمه أو تحتقره، لا لا أبداً، هذا من فضل الله عليك فقط، فضل الله بعض النبيين على بعض، سليمان فضله بالملك، ما أعطى الله الملك لأحد إلا لسليمان، ملك الأرض كلها، هو قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] كان الجن يستخدمها في البناء وحفر الآبار وما إلى ذلك.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:55] فكيف بنا نحن؟ نحن مفضلون بعضنا على بعض بدرجات، منا أناس كالأموات وآخرون كالأحياء، منا أناس كالملائكة في الطهر والصفاء، ومنا أناس كالأنجاس، وهكذا فضل البعض على بعضهم.

    ومعنى هذا: إذا دعوت أخاك أو أباك أو قريبك أو بعيدك يهودياً أو نصرانياً يجب أن تحسن الدعوة، لا تغلظ له في القول ولا تغضب ولا تشتم ولا تسب، هذا المقصود من هذه الآيات: تعليم الله لنا كيف ندعو إليه ليعبد وحده دون سواه، كيف ننقذ إخواننا من الشرك والكفر حتى يخلصوا من عذاب الله، ويدخلوا الجنة دار السلام.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ مازال السياق في طلب هداية أهل مكة، من طريق الحوار والمجادلة، وحدث أن بعض المؤمنين واجه بعض الكافرين -ذكرنا أنه عمر- أثناء الجدال بغلظة لفظ كأن توعده بعذاب النار، فأثار ذلك حفائظ المشركين -وغضبوا- فأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين إذا خاطبوا المشركين ألا يغلظوا لهم القول؛ فقال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي [الإسراء:53] أي: المؤمنين، يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] أي: من الكلمات لتجد طريقاً إلى قلوب الكافرين، وذلك أن الشيطان كان ومازال للإنسان عدواً مبيناً، أي: بين العداوة ظاهرها، فهو لا يريد للكافر أن يسلم، ولا يريد للمسلم أن يؤجر ويثاب في دعوته.

    وقوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ [الإسراء:54] فيتوب عليكم فتسلموا.

    أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] بأن يترككم تموتون على شرككم فتدخلوا النار. مثل هذا الكلام ينبغي أن يقوله المؤمنون للكافرين، لا أن يصدروا الحكم عليهم بأنهم أهل النار والمخلدون فيها؛ فيزعج ذلك المشركين فيتمادوا في العناد والمكابرة.

    وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء:54] يقول تعالى لرسوله: إنا لم نرسلك رقيباً عليهم؛ فتجبرهم على الإسلام، وإنما أرسلناك مبلغاً دعوتنا إليهم بالأسلوب الحسن وهدايتهم إلينا، وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يدعون الكافرين إلى الإسلام.

    وقوله تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الإسراء:55] يخبر تعالى رسوله والمؤمنين ضمناً: أنه تعالى أعلم بمن في السموات والأرض فضلاً عن هؤلاء المشركين، فهو أعلم بما يصلحهم، وأعلم بما كتب لهم أو عليهم من سعادة أو شقاء، وأسباب ذلك من الإيمان أو الكفر، وعليه؛ فلا تحزنوا على تكذيبهم ولا تيأسوا من إيمانهم، ولا تتكلفوا ما لا تطيقون في هدايتهم، فقولوا التي هي أحسن واتركوا أمر هدايتهم لله تعالى هو ربهم وأعلم بهم.

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء:55] يخبر تعالى عن إنعامه بين عباده، فالذي فاضل بين النبيين وهم أكمل الخلق وأصفاهم: فهذا فضله بالخلة كإبراهيم، وهذا بالتكليم كموسى، وهذا بالكتاب الحافل بالتسابيح والمحامد والعبر والمواعظ كداود، وأنت يا محمد بمغفرته لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وبإرسالك إلى الناس كافة، إلى غير ذلك من الإفضالات. وإذا تجلت هذه الحقيقة لكم وعرفتم أن الله أعلم بمن يستحق الهداية وبمن يستحق الضلالة، وكذا الرحمة والعذاب؛ ففوضوا الأمر إليه، وادعوا عباده برفق ولين وبالتي هي أحسن من غيرها من الكلمات].

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات

    من هداية الآيات:

    أولاً: النهي عن الكلمة الخشنة المسيئة إلى المدعو إلى الإسلام ].

    هذه ما ننساها، النهي عن الكلمة الخشنة المسيئة لمن ندعوه إلى فضيلة أو إلى واجب أو إلى الإسلام، لا بد من الكلمة الطيبة من الليلة. وإذا سمعتم الشيخ يقول الغلظة أو الشدة ذكروني حتى أتوب.

    [ ثانياً: بيان أن الشيطان يسعى للإفساد دائماً، فلا يمكن من ذلك بالكلمات المثيرة للغضب والحاملة على اللجج والخصومة الشديدة ].

    الشيطان همُّه أن تحرم من الأجر، وهمه الآخر أن تبقى في جهالتك وكفرك، فلهذا ما تمكنه بالغضب والشدة.

    [ ثالثاً: بيان نوع الكلمة التي هي أحسن مثل: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] ].

    من علمنا هذا الكلام؟ الله، هكذا الكلم الطيب: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ [الإسراء:54] أيها الناس. إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء:54] ما نقول: أنتم أهل جهنم، أنتم الخالدون في النار، فنزعجهم ويبتعدون مرة واحدة.

    [ رابعاً: بيان أن الله تعالى أعلم بخلقه، فهو يهب كل عبد ما أهله له، حتى إنه فاضل بين أنبيائه ورسله عليهم السلام في الكمالات الروحية والدرجات العالية ].

    وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد.