إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء بعض كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم قد رمّ، فجعل يفته أمام النبي ويسأله ساخراً إن كان الله سيعيد خلقنا وبعثنا بعد أن نكون مثل هذه العظام، فأوحى الله إلى نبيه بالجواب، وهو أن الخلق حتى لو كانوا حديداً أو حجارة صلدة وليس فقط عظاماً بالية، فإن الله سيعيد خلقهم وبعثهم حين يشاء سبحانه، وعندها سيدعو كل مخلوق فيخرج من قبره طائعاً منقاداً إلى لقاء ربه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فها نحن مع سورة الإسراء المكية المشتملة على كثير من أخبار الرب تبارك وتعالى، وكلها صدق، فهيا بنا نسمع بعض آياتها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:49-52].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    الآيات التي تدارسناها سلفاً كانت تقرر النبوة والتوحيد، تقرر: لا إله إلا الله حقاً وصدقاً، ومحمد رسول الله حقاً وصدقاً، وهذه الآيات تقرر البعث الآخر، والحياة الثانية، وافهموا وكرروا الفهم وأعيدوه: أن الذي يفقد هذه العقيدة لا خير فيه، والله لا يرجى منه خير، ولا يؤمن على شيء، ولا يوثق فيه؛ لأن الذي يؤمن أنه سيدخل القبر وسيرسل إليه ملكان يستنطقانه ويستجوبانه وتعود إليه روحه ويجيب، ثم إما أن يعلم مكانه في الجنة فيزداد فرحاً وسروراً وإما في النار فيزداد هماً وكرباً، الذي ما يؤمن بهذا كيف يخاف الله؟

    ثانياً: الذي ما يؤمن أنه سيعود حياً كما كان، وخيراً مما كان، ويسأل ويستنطق ويستجوب، ويرى عمله كله بين يديه خيراً أو شراً، ثم والله يجزى به إما في عالم السعادة الجنة دار الأبرار، أو في عالم الشقاء النار دار البوار.. عالم علوي وعالم سفلي، الذي يفقد هذه العقيدة لا خير فيه، ومن غفل عنها وهو مؤمن بها ما ينتفع أيضاً، يجب أن تكون دائماً نصب عينيه، دائماً تعلم أنك ستسأل عما قريب في قبرك، وبعد القبر في الموقف في عرصات القيامة.

    والمشركون في مكة لبعد العلم عنهم قروناً جهلوا هذه الحقيقة، وكفروا بها، لماذا؟ انقطع العلم عنهم من قرون، فجاءت أجيال ما يسمعون بالبعث الآخر ولا الحياة الثانية، ليسوا كاليهود والنصارى عندهم كتباً يدرسونها، فهم مشغلون بدنياهم، وبتجارتهم في هذه البلاد، فلما فوجئوا بهذه الحقيقة تاهوا، وتساءلوا: كيف يكون هذا؟

    سبب نزول الآية

    إليكم هذا المنظر: الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصفا فيأتي العاص بن وائل وفي يده عظم من العظام المرماة في الشارع فيكسره بين يدي الرسول، ويقول له: أتزعم أن هذا يعود حياً كما كان؟ فأنزل الله تعالى فيه قوله من سورة يس : أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا [يس:77-78]، ذلك العظم، وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:78-83].

    وفي هذه الآية الكريمة يقول تعالى حاكياً عنهم قولهم: وَقَالُوا [الإسراء:49]، أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يجادلونه، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا [الإسراء:49]، والرفات الحطام والشيء المتلاشى الممزق، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، هذا الاستفهام يتعجبون به وينكرون: كيف يكون هذا؟! كيف بعدما نصبح عظاماً نخرة، ورفاتاً بالية مع التراب نعود من جديد، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، هذا هو قولهم، يتعجبون ويستسخرون ويستهزئون؛ وذلك لظلمة نفوسهم؛ لأنهم كافرون مشركون، ما عرفوا الله عز وجل حق المعرفة حتى يتأدبوا معه ومع رسوله.

    فأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم، فقال له: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا [الإسراء:50]، تفضلوا، كونوا حجارة من الحجارة، أو كونوا حديداً، أو كونوا خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [الإسراء:51]، كالسماوات.. كالجبال، ومع هذا الله عز وجل قادر على إحيائكم وإيجادكم، ليجزيكم على كسبكم وعملكم في دار العمل.

    ما ننسى معاشر المستمعين والمستمعات! الحقائق الثابتة، وهي: أن هذه الحياة الدنيا دار عمل خيراً كان أو شراً، دار عمل فقط لا جزاء فيها، وأن الدار الآخرة المقابلة لها، ليست دار عمل؛ لا صلاة فيها ولا رباط ولا جهاد ولا زرع ولا حصاد، وإنما هي دار جزاء على هذا العمل، يجب ألا تغيب عن أذهاننا هذه الحقيقة، ولهذا ما في كسل، ما في نوم، ما في عبث، اعمل في دار العمل، لو صمت ما صمت وصليت ما صليت، من يلومك دار عمل كدح، افعل الخيرات، نافس في الصالحات، كل هذا بجهاد؛ لأن الدار دار عمل ما هي دار راحة ودار جزاء، والدار الثانية التي تنتهي هذه وننتقل إليها مباشرة، وتكون العوالم كما كانت، دخان، بخار، سديم فقط لا سماء ولا أرض ولا جبال ولا ولا.. وإذا بنا في عالم آخر، سبحان الله، سبحان الخلاق العليم! ثم نتلقى جزاء عملنا اليوم؛ فمن غفر الله له أدخله جنته، ومن لم يغفر له ظلمه وشركه وكفره، وأهل الظلم والشرك والكفر لا يغفر لهم، يغفر لأهل الذنوب إذا تابوا أو ماتوا وما تابوا وأعمالهم الصالحة كثيرة تغطي أعمالهم الفاسدة، يرجى لهم المغفرة والرحمة، ولهذا أهل التوحيد الذين ماتوا على لا إله إلا الله، لا يعرفون إلهاً غير الله، ولا عبدوا غير الله بأي نوع من أنواع العبادة، قلوبهم دائماً مع الله، آمالهم دائماً بالله، هؤلاء وإن زلت أقدامهم وفعلوا معصية من المعاصي وما تابوا؛ فإنه يرجى لهم المغفرة والرحمة والدخول لدار السلام، أما أهل الشرك والكفر والنفاق -والعياذ بالله- فهم ميئوس من رحمتهم.

    نعود إلى هذا السؤال والجواب: وَقَالُوا [الإسراء:49]، لرسولنا، مستهزئين ساخرين متعجبين، أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، فقال الله تعالى للرسول ليجيبهم: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [الإسراء:50-51]، كونوا ما شئتم فستعودون، حتى لو كنتم الموت لا بد وأن يحييكم الله عز وجل، كونوا حجارة أو جبالاً أو السماوات أو ما شئتم، ولن يستطيعوا أن يكونوا شيئاً، ولكن من باب الحجاج والجدال، والأسلوب أسلوب رباني ما سبهم ولا شتمهم، ولكن بالتي هي أحسن، قُلْ [الإسراء:50]، لهم يا رسولنا: كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ [الإسراء:50-51]، وأنه شيء عظيم، كالسماوات أو الجبال أو الموت.

    سقوط الفكر الشيوعي

    فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا [الإسراء:51]، أنت تقول: لا بد وأن نعود وأن نبعث من جديد كما كنا؛ فمن يعيدنا؟ يسألون، فَسَيَقُولُونَ [الإسراء:51]، والله قالوا، مَنْ يُعِيدُنَا [الإسراء:51]، أجبهم يا رسولنا: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51]، السؤال والجواب، الذي خلقكم أول مرة يعيدكم مرة ثانية، والعقل البشري ما ينفي أبداً أن شخصاً صنع شيئاً ثم أفسده أنه لا يعيده، هل من بنى جداراً وهدمه يقال: مستحيل أن يعيده؟ أبداً ما كان هذا، من خاط ثوباً ثم مزقه، نقول: يستحيل أن يعيده مخاطاً كما كان؟ بالفطرة: الذي أوجد الشيء ثم أعدمه بنفسه يسهل عليه، ولله المثل الأعلى، بالفطرة والمنطق العقلي يخاطبهم، قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51]، أي: خلقكم أول خلق؟ لكم خالق أو لا؟ الأحمق يقول: لا خالق لي، اصفعوه على وجهه، كيف تقول لا خالق لك؟! دلنا على كأس فقط وقل: هذا مخلوق من نفسه، هات عود حطب تقول: هذا وجد من نفسه؟ فكيف تقول العالم هذا وجد نفسه وأنا لست مخلوقاً؟ هذا لا يكلم؛ لأنه لا عقل له.

    مخلوقون، مربوبون، مسادون، محكومون، كيف ننسى وجود الله عز وجل، ولهذا -كما علمتم- كان نفي وجود الله ما قالته البشرية إلا على عهد البلشفية الشيوعية، آلاف السنين ما وجد على الأرض أمة ولا أمم ولا شعب لا شعوب ينفون وجود الله قط، حتى أوجد بنو عمنا اليهود -عليهم لعائن الله- فكرة الشيوعية، لا إله والحياة مادة، والطبيعة هي الطبيعة، عندها انتشرت هذه الفكرة الخاطئة، قبلها والله ما كان يوجد على الأرض من ينفي وجود الله، هذا مخلوق، مخلوق يقول: لا خالق لي؟! تقول خلقني ربي، خلقني خالقي، يعرفه أو لا يعرفه شأنه. حتى أوجد اليهود المذهب البلشفي الشيوعي وتحول الآن بعد الهزيمة إلى العلمانية.

    ولماذا يفعل بنو عمنا هذا وهم يؤمنون بالله ولقائه، وبموسى ورسالته، وبالتوراة وكتاب الله وما فيه؟ لأنهم ما استطاعوا أن يحققوا هدفهم في السيادة على العالم كما كان سليمان وداود، والبشرية ذات عقول وذات فهوم وإدراكات، قالوا: نعمل على مسخها لتصبح كالحيوانات نركبها ونسوسها، ما هو الطريق؟ الطريق أن ننتزع منهم كلمة يوم القيامة والبعث والجزاء والدار الآخرة، وقد نجحوا نجاحاً كبيراً، فالمسيحية الصليبية وإن كانت باطلة وهابطة، لكن كانت ذات قيمة، كان الصليبي المسيحي يرحم، يشفق، يخاف من الله، يذكر الدار الآخرة، لكن مسخوهم، فالاتحاد السوفيتي، كم دولة؟ كم جمهورية؟ كلهم نزعوا من قلوبهم كلمة الله، واستبدلوها بكلمة: لا إله والحياة مادة، ومن ثم استطاعوا أن يصلوا إلى أهداف عجيبة، فهم الآن يقودون أوروبا قيادة مالية وقيادة عقلية؛ لأنهم أناخوها في الأرض، كان الصليبي المسيحي الحر ما يقدر على أن يفتح عينيه في وجه اليهودي، ما يستطيع أن ينظر إليه لأنه عدو. هذا قتل ربي، صلب عيسى، ما يقوى على أن ينظر إليه، كيف يرحمه؟ والله أوقعوهم في قدور الزيت وقلوهم كما يقلى السمك انتقاماً منهم، فكيف يخرجون من هذا العداء الأصيل في نفوس المسيحيين وهم أكثر العالم؟ استطاعوا أن يبعدوهم عن الله والمسيحية فاستراحوا، وانتقلت الفكرة الشيوعية حتى إلى العالم الإسلامي وأوجد بلاشفة حمر لا يؤمنون بالله ولا بلقائه عن جهل مركب لا قيمة له، ولما فضحوا استعاضوا عن ذلك بالعلمانية.

    المساكين الجهال ما يفهمون معنى العلمانية، يقولون: كل شيء للعلم، دعني من كلمة الله وكلمة الموت والجزاء، أصبح العلم هو كل شيء، ما هذا العلم الذي هو كل شيء؟ علم المهن والصناعات، هذا هو العلم، صل ما في صلاة، العزة والكمال والسيادة كلها بالعلم ما هو بغير ذلك، فأنسوا الناس الإيمان بالله ولقائه وصرفوهم عن عبادة الله وطاعته؛ إذ عبادة الله وطاعته نظام لاجتماع البشر، ليسود البشر ويسموا ويرتفعوا ويسودهم العدل والرحمة والإخاء والمودة والتعاون والبر والتقوى، ما هو مجرد كلمة دين، أو عبادة فقط، يريدونهم أن يبقوا كالبهائم يأكل بعضهم بعضاً.

    على كل حال! الحمد لله على أن الله أكرمنا بهذه العقيدة، وجعلنا من أهلها بسبب هذا القرآن وهذا النبي، اللهم صل على نبينا محمد وآله وسلم وتسليماً، ولا تحرمنا سماع هذا القرآن ولا تلاوته الليل والنهار.

    معنى قوله تعالى: (فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ...)

    نعود إلى الحوار والجدال: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49] أجبهم. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا [الإسراء:50-51] أنت تقول: سوف نعود.. من يعيدنا؟ يقول لهم: آباؤكم وأجدادكم؟ ما يعيدونهم؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51] كلمة قاطعة، الذي خلقكم أول مرة هو الذي يخلقكم مرتين، والثانية أسهل وأيسر من الأولى.

    أجبهم يا رسولنا: الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51] ما معنى فطر؟ خلق بدون شبه ولا مثيل ولا نظير، الفطر الخلق من دون مثال سابق، هل كانت البشرية موجودة وخلق الله مثلها؟ والله ما كان أحد فيها موجود، فطرهم فطراً وخلقهم خلقاً جديداً.

    قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ [الإسراء:51] أبو لهب وأبو جهل والعاص بن وائل وأمية فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ [الإسراء:51] ، أجبهم يا رسولنا، الله يعلمه قل لهم. فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ [الإسراء:51] متى هذا الوعد والحياة الثانية؟ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء:51] الله يعلم رسوله كيف يجادل، يطرح السؤال والجواب، سبحان الله!

    فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ [الإسراء:51] فسينغضون بالغين نغض من نغض الحل بالتحريك، ما يبقى هكذا أو هكذا، هذا النغض.

    فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ [الإسراء:51] في استهزاء وابتعاد مَتَى هُوَ [الإسراء:51] هذا الذي تقول، أجبهم يا رسولنا: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء:51] واجب أن يكون قريباً، والله قريب، كمن سنة الآن من يوم ما نزلت الآيات إلى الآن؟ ألف وأربعمائة سنة، هذا زمان هذا؟ هذا زمان طويل، من آدم إلى الآن ما في عشرة آلاف سنة، والأيام عند الله يوم واحد كخمسين ألف سنة، فلهذا قريب جداً، والرسول يقول: ( بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين أصبعيه ) بعثت أنا والساعة مع بعضنا البعض، والله يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] تشاهدونه، والله للساعة لقريب، والسنة والألفين ليس لها قيمة في عالم لا نهاية له ولا بداية؟

    قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء:51] هذا الموعد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً)

    يَوْمَ يَدْعُوكُمْ [الإسراء:52] ينفخ إسرافيل عليه السلام نفخة الفناء فتتبخر الحياة كلها وتتلاشى، واقرءوا: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:1-6].

    الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:1-5].

    إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:1-8].

    إذاً: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ [الإسراء:52] لما ينفخ إسرافيل نفخة الفناء، ولم يبق شيء في هذا الوجود، وتتحول الأرض والسماء إلى قرص أبيض، ما في جبل ولا تل ولا انخفاض ولا ارتفاع، كالقرص من الخبز، ثم ينزل ماء من فوق من السماء -وكل ما أظلك فهو سماء- فتنبت البشرية في الأرض كما ينبت البقل في الأرض، البقل ما هو البغل بالغين، ذاك البغال، البقل واللفت والبصل والثوم الذي ينبت تحت التراب، تعرفون كيف ينبت ويطول؟ فينبتون كما ينبت البقل، لما تستوي الأجسام بانتظام أربعين سنة ينفخ إسرافيل بتلك الأرواح من فمه، والأرواح الآن أين مودعها؟ أين مقرها؟ أرواح الطيبين الطاهرين والله في دار السلام، وأرواح المشركين الكافرين والأخباث الأنجاس في دار البوار في العالم السفلي، أي عالم سفلي هذا؟ أغمض عينيك، وضع رأسك بين ركبتيك، وفكر قل: أنا هابط، هابط، هابط، إلى أين تصل؟ فما عليك إلا أن تقول: آمنت بالله، آمنت بالله.

    فإذا نفخ الأرواح دخلت كل روح في بدنها والله ما تخطئه، هذا عجب! نقول: آمنا بالله.

    وضربنا لإخواننا العوام مثلاً نعيده:

    عندنا راعي الماعز أيام كنا نجمع المعز ونرعاها، نجمعها في العنبرية، فيأتي الراعي يذهب بها إلى جبال أُحد إلى كذا، إذا جاء المساء يأتي بها، يسوقها إلى مكان تجمعت فيه ثم يتركها، والله كل عنز تذهب إلى بيتها ولا تخطئه، وتعرفون البنايات الأولى، الأبواب مختلفة والأزقة ضيقة وكل عنزة تذهب إلى بيتها، فكيف بالأرواح؟ تدخل كل روح في جسدها فتحيا، فلما تتم الحياة ينفخ إسرافيل نفخة القيام فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    هذا معنى قوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:52] هذا اللبث يقول فيه بعض أهل التفسير: هذا اللبث الأربعين سنة التي تكون الأرواح في الأبدان ما فيها عذاب. وهو كذلك، الأرواح جيء بها من الجنة ومن النار ودخلت الأبدان، والأبدان مختلطة أشقياء وسعداء لكن ما في عذاب، الأرواح ساكنة في الأبدان ما في عذاب، فلهذا يظنون أنهم ما لبثوا إلا قليلاً، الأرواح التي شاهدوها ولما يشاهدوا من ألوان العذاب والشقاء.

    يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الإسراء:52] لما ننهض نقول: سبحانك اللهم وبحمدك.. لا يبقى أحد إلا وهو يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، فيبتدئون بحمد الله، وتنتهي الخمسون ألف سنة ويستقر أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، ويختم بالحمد، إذ قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:73-75] بدءوا بالحمد، وانتهى الأمر بالحمد، وليستقر أهل السعادة في سعادتهم، وأهل الشقاء في شقاوتهم بلا نهاية.

    يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:52] فالآيات قررت مبدأ البعث الآخر، الحياة الثانية بأوضح صورة، وكان الجدال فيها عجيباً عظيماً والرسول يعلمه ربه أن يجيب بكذا وكذا والكافرون، وقد هدى الله ملايين على هذه الآيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    تقرير عقيدة البعث والجزاء وبيان حتميتها ].

    ما معنى هداية الآيات؟ كل آية لها هداية، إي والله، كل آية لها هداية. ما معنى الآية؟ العلامة، أليس كذلك؟ آية الشيء علامته، كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ما وجه ذلك؟ هذه الآية كلام علمي من قاله؟ قاله الله، الله موجود، هذا علم؟ الله عليم حكيم، على من نزلت؟ على محمد، إذاً: فهو رسول الله، كل آية من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية علامة على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عقلاً ومنطقاً، ولا يرد هذا إلا أحمق أو مجنون لا عقل له.

    كيف الآية نزلت تقول، كلام من هذا؟ ما في أحد إلا يقول: الله، إذاً: الله هو موجود، هذا كلامه، هذا علمه، هذه حكمته، إذاً: لا إله إلا هو، أخبر أنه لا إله إلا هو، ومن نزلت عليه؟ ما في إلا واحد فقط، وهو والله لرسول الله، أو كيف ينزل عليه كلامه؟ كل آية تدل دلالة قطعية عقلية منطقية أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذه هداية: [ تقرير عقيدة البعث والجزاء وبيان حتميتهما ] آمنا بالبعث الآخر والجزاء فيه، ودلت عليه الآية الأولى.

    [ ثانياً: بيان ما كان عليه المشركون من شدة إنكارهم للبعث الآخر ].

    وقد كانوا جهالاً قروناً، ما عندهم علم ولا كتاب ولا وحي فكذبوا بالبعث الآخر وأنكروه، ما فهموا أنهم سيعودون أحياء، يؤمنون بالله ويحجون بيته ويتراحمون به، ولكن ما فهموا أنهم سيعودون أحياء من جديد، ويحاسبون ويجزون، حتى جاء الإسلام وغرس هذا النور في قلوبهم.

    [ ثالثاً: تعليم الله تعالى لرسوله كيف يجيب المنكرين المستهزئين بالتي هي أحسن ].

    سمعتم الله يقول للرسول: قل. في سب؟ في شتم؟ في تغيظ؟ في غضب؟ أبداً، يقولون كذا قل كذا، يقولون كذا قل كذا، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يسأل ويجيب بالموعظة الحسنة، ما يغلظ القول ولا يشدد، وهذا شأن العالمين العارفين بالله إذا سئلوا يجيبون بالموعظة والحكمة والكلمة الطيبة، لا سب ولا شتم ولا تعيير ولا تقبيح، ما قال: يا حمق، يا جهال، يا عميان، أبداً، يجيبهم بما سمعتم. قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:51].

    [ رابعاً: بيان الأسلوب الحواري الهادئ الخالي من الغلظة والشدة ].

    بيان الأسلوب الحواري الجبلي الهادئ الخالي من الغلظة والشدة كما سمعتم، هل سب الرسول أحدهم أو شتمهم؟ أو قال: أنتم حمق أو جهال؟ أبداً، يطرحون السؤال يطرح الجواب عليهم وهكذا علمنا ربنا.

    [ خامساً وأخيراً: استقصار مدة اللبث في القبور مع طولها لما يشاهد من أهوال البعث ].

    يقول: استقصار مدة اللبث في القبر بالنظر مع طولها أنها آلاف السنين ممكن، نحن ما ندري كم سنة نعيش أو نموت أو كذا، لكن آلاف السنين ومع هذا مع ما يشاهدون من هول القيامة يودون لو كانوا آلاف السنين في قبورهم ولا يخرجون منها لما يشاهدون من الهول العظيم.

    1.   

    الآيات التي إذا تلاها المؤمن ستره الله عن عيون أعدائه

    سألني سائل البارحة عن الآيات التي إذا تلاها المؤمن واستتر بها يستره الله عن أعدائه إذا كان يطارد من الكفار والمجرمين.

    الآية الأولى من سورة الكهف: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57] من سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1].

    إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57] هذه الأولى.

    الثانية: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [النحل:108] هذه الآية آية النحل، من سورة النحل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1] تتبع السورة تجد الآية فيها.

    الآية الثالثة: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية:23] هذه في سورة الجاثية: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ ... [الجاثية:1-3]، ما بين الأحقاف والدخان.

    هذه الأربع الآيات إذا كان مطارداً هارباً وتريد ألا يراك العدو كررها واتلوها فإذا به والله ما يراك، القرطبي نفسه قال: والله فعلت هذا وفزت به. الرسول كان إذا تلا هذه ما يشاهدونه، أما جاءت أمس العوراء في يدها حجر وما شاهدته؟ لأنه قرأ الآيات.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.