إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه إذا قرأ القرآن العظيم فإنه يكون بينه وبين الكافرين حجاب، وذلك ناشئ عن بغضهم له، وكراهيتهم لدعوته، فهم لذلك لا يرونه ولا يسمعون قراءته، وقد علم الله عنهم أنهم إنما يستمعون إلى قراءته من أجل الاستهزاء به والسخرية منه، وإذا انصرفوا يتناجون بينهم بالتهم التي يصبونها عليه صلى الله عليه وسلم، من اتهامه بالسحر مرة، وبالكهانة مرة، وبالجنون مرة أخرى، فكان ذلك سبباً في ضلالهم وعدم توفيقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فما زلنا مع سورة الإسراء نتدارس أخبار الرب تبارك وتعالى، فهيا بنا نسمعها ونتأملها، ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بها، إنه أهل لذلك.

    وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:45-48].

    معاشر المستمعين والمستمعات!

    قول ربنا جل ذكره: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]. من المخبر بهذا الخبر؟

    الله جل جلاله. يقول لرسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [الإسراء:45]، هذا الذي بين أيدينا، هذا الذي في صدور بعضنا، هذا القرآن العظيم، الذي تحدى الله تعالى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فما قدروا ولا استطاعوا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وتحدى بلغاء وفصحاء العرب، وأرباب البيان فيهم أن يأتوا بعشر سور فقط فعجزوا، ثم تحداهم أخيراً بأن يأتوا بسورة واحدة، وهو بالمدينة، وذلك في سورة البقرة المدنية: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24]. إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]، هذا القرآن العظيم.

    وَإِذَا قَرَأْتَ [الإسراء:45]، يا رسولنا! الْقُرْآنَ [الإسراء:45]، العظيم، الذي أوحيناه إليك، وأنزلناه عليك لهداية الخلق، جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الإسراء:45].

    أعيد إلى أذهانكم معشر المستمعين والمستمعات! أن الذي لا يؤمن بالدار الآخرة، وبما يجري فيها ويتم من حساب وجزاء، لا يوثق فيه ولا يعول عليه، وليس بإنسان بل هو شر المخلوقات، ومن أراد أن ينازع فلا حاجة إلى النزاع، إذا القلب فرغ من عقيدة أنه سيموت ويبعث ويسأل ويحاسب ويجزى، من لم تكن هذه العقيدة في قلبه فهو شر من الخنازير والقردة والكلاب، ولا يعول عليه أبداً، هذه مقابل الإيمان بالله، واقرءوا: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، ذلك لمن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، حتى النساء قال: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، فلهذا يجب أن يعنى بعقيدة البعث والجزاء كما يعنى بعقيدة التوحيد لا إله إلا الله.

    اسمع ما يخبر تعالى به: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، لا يرونك، ولا ينظرون إليك، ولا يسمعون منك؛ لأن قلوبهم عمياء حجب عليها.

    هذه الآية المباركة وغيرها من الآيات منها آية يس: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، وآية في سورة الكهف، وهذه الآية يروى عن الصحابة أن من قالها وهو خائف لا يُرى، ويؤكد هذا القرطبي ويقول: أنا من أولئك، فقد هربت من قرطبة أجري وحدي والعدو يلاحقني -فارسان على خيل- ووقفت بعد ما تعبت ومروا بي، ذهبوا وآبوا ولم يروني، والله العظيم! فأيما خائف من عدو كافر وهو مظلوم يقرأ هذه الآيات ما يرونه.

    وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يروي لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه في ظل الكعبة المشرفة، ونزلت سورة المسد، تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5]، والسورة مكية، فلما سمعتها أم جميل ، العوراء امرأة أبي لهب جاءت تغني:

    مذمماً عصينا.. وأمره أبينا.. ودينه قلينا

    وفي يديها فهر -حجرة كبيرة- وتبحث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءت فقالت: أين صاحبك يا أبا بكر ، يقول الشعر؟ قال: والله ما يقول الشعر أبداً، والتفتت ما عثرت عليه، وقالت: إنك تصدقه، وانصرفت، فقال للرسول: كيف ما رأتك؟ قال: ما تراني، وقرأ هذه الآية وآية يس: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، أي: ساتراً، أو مستوراً لا يُرى، إن شئت قل ساتراً وقل مستوراً، أي: حجاب لا يرى، ما شافت حجاباً هي، ولكن ما رأت الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، إن شئت قل مستور مفعول بمعنى لا يرى، وإن شئت مفعول بمعنى ساتر ومغطي لك. هذا وجه مشرق للآية.

    والوجه الآخر العام: وهو أن الرسول إذا قرأ القرآن ما يطيق المشركون سماعه، ولا يقدرون عليه، حجاب مستور، ما يفقهونه ولا يحفظونه ولا يعملون به، ولذلك كتب الله في كتاب المقادير شقاوتهم وخسرانهم في الدنيا والآخرة.

    وإلى الآن جربنا هذا مع إخواننا العوام والمتعلمين؛ إذ كنت تتكلم عن التوحيد وتقرره، وتنفي الشرك وأمثاله ينزعجون ما يجلسون يغضبون، والله العظيم، سنة الله عز وجل!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ...)

    وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، أولاً: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الإسراء:46]، أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء:46]، من الفاعل؟ الله جل جلاله، حسب سنته؛ لجحودهم وعنادهم وكفرهم وإصرارهم على الباطل، ما يفهمون معنى كلمة يقولها الرسول، ولا كلمة يقولها الله، كأنما على قلوبهم أغطية كالأغطية على العينين، صاحبها لا يرى شيئاً، وكذلك القلوب التي هي تعي وتفهم، نحن لا نفهم ولا نعي إلا بقلوبنا لا بعيوننا، القلوب كذلك تغطى بظلمة الجهل والكفر والشرك، صاحبها ما يرى شيئاً ولا يفقه شيئاً.

    وقد عرفتم أن الذنوب الكبار تغطي القلب وتعميه، وتجعله لا يعي أبداً ولا يفهم، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء؛ فإن تاب واستغفر مسحت وصقلت -وزالت- وإن لم يتب وعاود الذنب وقعت نكتة سوداء -إلى جنب الأولى والثالثة والرابعة والخامسة- فيغطى القلب، فذلكم الران الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] )، فأصحاب الذنوب الكبيرة تحدث معه عن الله أو الدار الآخرة ما يستطيع، لا يعي ما تقول، يقوم ولا يقبل؛ لأن قلبه عمي.

    وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الإسراء:46]، ثِقل ما يطيقون سماعه، وقد قلت لكم: هذه طبيعة البشر، أيما جماعة يتكلمون عن شيء ما يحبه السامع يقوم، ما يقدر على أن يفهمه ويسمعه. هذا هو الواقع الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة.

    وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الإسراء:46]، أي: أغطية، أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء:46]، ما تقرأه، أي: يفهموا معناه، وما يدل عليه، وما يهدي إليه من الإيمان بالله ولقائه والعمل الصالح، وترك الشرك والذنوب والمعاصي، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الإسراء:46]، ثِقلاً، وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46]، ما يطيقون كلمة: لا إله إلا الله، أبداً، إذا سمعوا والرسول يقرأ كلمة لا إله إلا الله، أو ما يدل عليها، ما يطيقون السماع؛ لأنهم ألفوا عبادة الأصنام، هذا يعبد اللات، هذا يعبد العزى، هذا يعبد هبل، هذا يعبد مناة، هو وآباؤه وأجداده، فلما جاءهم الرسول بدعوة التوحيد ما أطاقوها، لاسيما الذين ينتفعون بها، من رؤساء وسادة وأشراف بين إخوانهم وأهليهم ما يريدون أن ينزلوا عن كرامتهم إلى أن يصبحوا كسائر الناس.

    وهذه طبيعة البشر إلى الآن، الأشخاص الذي يعيشون على بدعة صعب عليهم جداً أن يتخلوا عنها.. ما أطاقوا، يبقون عليها وإن فهموا أن هذا منكر، وأنه بدعة، وأنه شرك لا يستطيعون ترك ذلك؛ لأنهم يعيشون عليها.

    ومثل هذا أيضاً الحكام، أما يعرفون الشريعة الإسلامية وأنها حق وواجب؟ لماذا لا يطبقونها؟ ما يستطيعون، ما يقدرون على ذلك، لا يقدرون على التنازل عن كراسيهم ومناصبهم، ويقولون مع المؤمنين: ربنا الله ثم يستقيمون، أمر صعب عليهم، وهكذا.. حتى التاجر إذا اعتاد بيع الباطل واستفاد منه لا يستطيع أن يتخلى عنه، أما ضربنا المثل ببائع الدخان أو لا؟

    يا عم! الدخان حرام، أخبر المؤمنين بحرمته ما يجوز لا تبيعه، يقول: الزباين إذا لم نبع الدخان لا يشترون شيئاً آخر، على من توكلت إذاً؟ على بيع الدخان، أين التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه؟ ليس له وجود، هذه طبيعتنا نحن بني الناس، نحن بني آدم، والمهتدي من هداه الله، والضال من أضله الله، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن إذا سمعت أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، يجب أن تفهم يقيناً أن من طلب الهداية الله هو الذي يهديه، وأن من رغب في الضلال وآثره هو الذي يضله الله، وحاش لله أن يضل مهتدياً أبداً، أو أن يهدي ضالاً لا يريد الهداية، إلا إذا قرع باب الله وقال: اهدنِ وطلبها، هذه سنة الله في الخلق، يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، من قرع باب وناداه: رباه اهدنِ، ومن أعرض وعرف الله وتنكب وأبى أن يسأل يبقى في ضلاله ثم يضله الله.

    وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:46]، يا رسولنا، إذا ذكرت الله وحده بأن قلت: لا إله إلا الله، ماذا فعلوا؟ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46]، يريدون أن يسمعوا ، لكن عندما يأتي إلى التوحيد يهربون، ويولون على أدبارهم هاربين.

    وورد أن علي بن أبي طالب أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقيم مأدبة للوليد بن المغيرة وأبي جهل وكبار المشركين؛ حتى يتمكن من تبليغهم الرسالة، فأقام علي المأدبة اللحم والرز -إذا كان رزاً يومئذٍ- فلما اجتمعوا دخل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم آية، فأصابهم هذا الذي أخبر تعالى بهم، ولوا على أدبارهم نفوراً، سبحان الله العظيم! وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46]، أي: هاربين نافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نحن أعلم بما يستمعون به ...)

    ثم قال تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [الإسراء:47]، إذ كانوا وخاصة أبا سفيان والوليد بن المغيرة وجماعة كانوا يريدون أن يسمعوا، أساساً ممنوع، لا يحل لمواطن أن يسمع لمحمد فيما يقرأ، هذا بيان رسمي، قال تعالى مخبراً عنه، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، بيان رسمي، ممنوع على واحد في مكة يسمع كلمة قرآن من أبي بكر أو من عمر أو من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما منعوا احتاجوا أيضاً هم أن يسمعوا؛ لأنهم مسئولون ورؤساء، فوالله لكانوا يأتون في ظلام الليل، في نصف الليل الرسول يتهجد يتعبد، يأتون ويجلسون عند باب البيت يسمعون، ما هي أبواب كهذه وبنايات ضخمة، يسمعون القرآن فيعجبون، وفي ليلة من الليالي تلاقى بعضهم ببعض، يا ويحكم كيف تأتون؟! تنهون الناس وأنتم تسمعون؟! وتعاهدوا ألا يعودوا، وعادوا أيضاً، ما يطيقون، ما يستطيعون ألا يسمعوا هذا القرآن، ولهذا أسلم أبو سفيان وكان من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [الإسراء:47]، فيما بينهم، ماذا يقولون؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، إياكم وإياكم أن تتبعوا رجلاً مسحوراً.. شاعراً، مجنون، كيف تتبعونه وتمشون وراءه؟! هذه هي الدعوة التي ينشرونها، يأتون يتسمعون، لما يسمعوا يخافوا أن ينتشر ذلك النور، فيقلبون الوضع، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، أي ما تتبعون، إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، والمسحور يهرف ويقول بما لا يعرف، وهو شاعر أيضاً ومجنون و.. و.. وكذا.. لماذا يفعلون هذا؟ ليبعدوا المواطنين عن سماع القرآن والهداية، وعندنا إلى الآن أصحاب الخرافات في العالم الإسلامي يقفون هذه المواقف، وينهون عن سماع التوحيد، ويقولون: هذا كذا.. في بلادنا هذه لا، في الأخرى يقولون: وهابيين، هذا وهابي لا تسمعه، والله العظيم.

    وهذه هي النفوس البشرية إذا عبث بها الشيطان واستغلها وسخرها لما يهواه ويشتهيه، يفقد صاحبها البصيرة والنور والهداية، ويقول ما لا يقول، وصدق الله العظيم.

    نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، فقط لا تتبعوه، كيف تتبعون مسحوراً يتخلط ويتخبط؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال ...)

    قال تعالى: انظُرْ [الإسراء:48]، يا رسولنا، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ [الإسراء:48]، مرة قالوا: ساحر، ومرة شاعر، ومرة مجنون، قالوا مرة به كذا.. أساطير الأولين، خرافات يتلقاها من بعض الناس؛ ليصرفوا أهل مكة ومن وراءهم عن الإيمان والإسلام والدخول في رحمة الله، انظُرْ [الإسراء:48]، وتأمل، كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ [الإسراء:48]، يا رسولنا! بكلمات هو ساحر شاعر مجنون كذا.. فَضَلُّوا [الإسراء:48]، الطريق.. ضلوا الطريق الذي يهدي إلى دار السلام ودخول الجنة الطريقة الموصلة للإيمان الحق، والإسلام السليم الصحيح ليسعد ويكمل، ضلوا الطريق، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:48]، ما يقدرون أن يعودوا، هذه الطائفة وهذه الجماعة التي وقفت هذا الموقف نادر أن يؤمن منهم أحد، والعياذ بالله تعالى!

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ [الإسراء:45-46]، ماذا؟ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:45-48]، ولا يهتدون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات: [ قوله تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [الإسراء:45]، يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أنه إذا قرأ القرآن على المشركين ليدعوهم به إلى الله تعالى ليؤمنوا به ويعبدوه وحده، جعل الله تعالى بينه وبين المشركين حجاباً ساتراً أو مستوراً لا يُرى، وهو حقاً حائل بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يسمعوا القرآن الذي يقرأ عليهم فلا ينتفعون به.

    وهذا الحجاب ناتج -ناشئ- عن شدة بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم]، إذا كنت تبغض شخصاً ما تقدر أن تسمع كلامه أو حتى تنظر إلى وجهه. هذه طبيعة البشر، [وكراهيتهم لدعوته، فهم لذلك لا يرونه -ما يشاهدونه وهو بينهم- ولا يسمعون قراءته.

    وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الإسراء:46]، جميع كنان -أكنة واحده كنان- وهو الغطاء -الذي يغطى به الشيء- حتى لا يصل المعنى المقروء من الآيات إلى قلوبهم فيفقهوه، وقوله: وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الإسراء:46]، أي: وجعل تعالى في آذان أولئك المشركين الخصوم ثقلاً في آذانهم؛ فلا يسمعون القرآن الذي يتلى عليهم.

    وهذا كله من الحجاب الساتر والأكنة، والوقر في الآذان -كل هذا- عقوبة من الله تعالى لهم حرمهم بها من الهداية بالقرآن لسابقة الشر لهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمون ببغضهم للرسول، وما جاء به، وبحربهم له ولما به من التوحيد والدين الحق.

    وقوله تعالى: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَه[الإسراء:46]، قلت: لا إله إلا الله، أو: ما أفهم معنى لا إله إلا الله، ولى المشركون على أدبارهم نفوراً من سماع التوحيد؛ لحبهم الوثنية وتعلق قلوبهم بالشرك ]، والعياذ بالله.

    [ وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ [الإسراء:47]، يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم نحن أعلم بما يستمع به المشركون، أي: بسبب أنهم يستمعون من أجل الاستهزاء بك والسخرية منك ومما تتلوه، لا أنهم يستمعون للعلم والمعرفة وطلب الهدى والحق.

    وقوله: إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [الإسراء:47]، أي: يناجي بعضهم بعضاً. إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ [الإسراء:47]، أي: المشركون -لأن الظلم هو الشرك الأكبر- إِنْ تَتَّبِعُونَ [الإسراء:47]، أي: لا تتبعون، إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، أي: مخدوعاً مغلوباً على أمره، فكيف تتبعونه إذاً؟

    وقوله تعالى: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ [الإسراء:48]، أي: انظر يا رسولنا كيف ضرب لك هؤلاء المشركون المعاندون الأمثال، فقالوا عنك: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون؛ فضلوا في طريقهم، فلا يهتدون سبيلاً، إنهم عاجزون عن الخروج من حيرتهم هذه التي أوقعهم فيها كفرهم وعنادهم ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ].

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير قاعدة حبك الشيء يعمي ويصم ].

    تقرير قاعدة معروفة عند أهل العلم وأصحاب المنطق: حبك الشيء يعمي ويصم، سبحان الله! إي والله، إذا أحببت شيئاً ما تراه هو أعمى هكذا.. ما فيه، لو قيل لك: ما يصلح فيه هذا؛ ما تسمع، حبك الشيء يعمي ويصم، يجعلك أصماً ما تسمع الكلام ولا ترى، تنبهوا لهذه، فلهذا يجب ألا نحب إلا ما يريد الله أن نحبه، وألا نكره إلا ما يريد الله أن نكره؛ لأننا أولياؤه، فنحب ما يحب ونكره ما يكره، وقد ضربنا المثل في جريمة والله في الكون أبشع أقبح من أن ينزو الذكر على الذكر، والله ما توجد ما في جريمة أبشع من هذه ولا أقبح ولا أسوأ، ولما يحبها أهل الباطل والشر، تصبح عندهم لا أفضل منها، ويشترونها بالمال، وأندية اللواط في أوروبا منتشرة، وهذا المثل ما ينسى: حبك الشيء يعميك ويصمك! يجعلك لا تبصر ولا تسمع.

    إذاً: فاحذر أن تحب الباطل فإنك تهلك، فلا تحب إلا ما يحب الله، ألست وليه أنت؟ قل لي: بلى.

    إذاً: أحبب ما أحب ربك واكره ما يكره، فإن عكست وأحببت ما يكره -والعياذ بالله تعالى- هلكت، ما تنفع فيك موعظة ولا نصح؛ لأنك ما تسمع ولا تبصر.

    [ تقرير قاعدة حبك الشيء يعمى ويصم؛ فإن الحجاب المذكور في الآية وكذا الأكنة والثقل في الآذان هذا كلها حالت دون سماع القرآن من أجل بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم ].

    نعم، هذه كلها حالت دون سماع القرآن وتفهمه والعمل بما فيه، كل هذه الثلاث؛ لأنهم أحبوا الأصنام وعاشوا عليها واستفادوا منها وعبدوها ما استطاعوا الرجوع إلى الحق.

    [ هذه كلها حالت دون سماع القرآن من أجل بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللقرآن وما جاء به عن الدعوة إلى التوحيد ].

    نعم من أجل بغضهم للرسول صلى الله عليه وسلم، أبغضوه بغضاً شديداً، وأبغضوا القرآن، كل ذلك؛ لأنه يصرفهم عما هم عليه وما يريدونه، هذا هو السبب.

    [ ثانياً: بيان مدى كراهية المشركين للتوحيد وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله ].

    وهذا كما قلنا إلى الآن، اليهود، النصارى، المشركون، ما يطيقون أن تقول: لا إله إلا الله، هات مسيحي قس، رهبان.. في الميكانيكا في كذا.. قل: لا إله إلا الله، يقول: لا لا لا.. وعيسى وأمه كم واحد، اثنان أو ثلاثة؟

    إذاً: إلى الآن الخرافيون في المسلمين الذين يعبدون القبور، ويتقربون إلى الله بها، ويزورونها، ويذبحون لها، ويحلفون بها، هذا اللفظ ينطبق عليهم ما يطيقون أن يسمعوا كلامك أبداً، ولا يشاهدونك لبغضهم لك.

    [ ثالثاً: بيان مدى ما كان عليه المشركون من السخرية والاستهزاء بالرسول والقرآن ].

    هذا فيه أسوة لنا لو كنا صادقين في دعوتنا إذا استهزئ بنا، إذا سخري منها، إذا سببنا، إذا شتمنا، يجب أن نتسلى برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا نكرب ولا نحزن ولا نترك دعوتنا ونتخلى عنها؛ لأننا ما وجدنا من يحبنا أو من يمشي وراءنا. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعتم ما حصل له بمكة، ثلاثة عشر سنة وهو يحارب، ويبغض ويسب ويشتم فوق ما تتصورون، فكل داع إلى الله عز وجل يجب أن يأتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يترك دعوته؛ لأنهم منعوه من كذا أو سبوه أو شتموه أو كذا أو كذا.. لا ما يمنعه هذه، فالرسول ثبت حتى نصر الله دعوته.

    [ رابعاً: بيان اتهامات المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم بالسحر مرة، والكهانة ثانية، والجنون ثالثاً، بحثاً عن الخلاص من دعوة التوحيد؛ فلم يعثروا على شيء، كما قال تعالى: فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:48] ].

    وهذا الشائع بينكم وتعرفونه، فلان عميل.. اسكت ذاك عميل ما تقبل كلامه، والله مؤلف ما يقرأه، لم؟ هذا ذنب، هذا عميل فقط، آخر يقول: هذا وهابي، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    إذاً: فلنصبر على دعوة الحق، والله مع الصابرين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.