إسلام ويب

تفسير سورة الإسراء (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوجه الله عبده المؤمن إلى كيفية التعامل مع الأقارب والأرحام، سواء كان صاحب جدة ومال أو لم يكن عنده شيء من ذلك، فإن كان عنده شيء أعانهم، وإن لم يكن عنده شيء فيقول لهم قولاً ليناً ويعدهم بخير، ثم يوجه سبحانه إلى الاعتدال في الإنفاق على الآخرين من الأرحام والسائلين، ثم يحذر سبحانه من قتل الأولاد أو الامتناع عن إنجابهم خشية الفقر؛ فإن الله سبحانه متكفل برزق كل نفس يخلقها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا نصغي لتلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، ونتعلم أحكامها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونتعلم.

    وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:28-33].

    معاشر المستمعين والمستمعات! قول ربنا جل ذكره: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ [الإسراء:28]، يا عبد الله! لك أبوان ووجب عليك برهما؛ لقول الله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وللوالدين أقارب هم أرحامك، فإذا احتاج إليك قريبك تمد يدك بما استطعت وتزيل ألمه عن نفسه، سألك مسافر منقطع يريد أن تؤيه أو تطعمه وأنت قادر فافعل.

    إذاً: أرحامك من أمك وأبيك الكل إذا سألوا حاجتهم وأنت قادر عليها وجب أن تفعل، وإن كنت غير قادر، وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28]، لا تستقبلهم؛ لأنك ما عندك ما تعطيهم في هذه الحال، وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28]، إن شاء الله إذا جاء فلان، إذا حصدنا، إذا ربحت تجارتي، إذا كذا.. تقول لهم كلاماً كهذا تؤنسهم به، كيف تردهم؟ لا تردهم بكلمة (ما عندي) فقط، لا بد وأن يكون كلامك ليناً، وفيه عدة: إن شاء الله يحصل كذا، أو إن أتاني كذا، حتى تطمئن نفوس السائلين؛ لأن في الآية وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26].

    إذاً: يعلمنا ربنا تعالى كيف نتعامل فيما بيننا، أما طاعة الأبوين فيما يأمران وينهيان فهي واجبة، إلا إذا أمرا بمعصية الله ومعصية رسوله فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. هذه قاعدة عامة.

    وكما وجب البر والإحسان بالوالدين، وجب أيضاً بالأقارب والفقراء والمساكين؛ لأن مجتمعنا مجتمع الإسلام، والمسلمون أمرهم واحد، يسعى بذمتهم أدناهم، فلهذا إذا عجزت عن إسداء ما تقدر عليه فقل لهم قول ميسوراً، ليناً سهلاً: إن شاء الله عما قريب يحصل عندنا، حتى يجيء فلان إن شاء الله.. وهكذا حتى يطمئن السائل إلى أنك ما تملك هذا؛ فلا يغضب ولا يسخط، وتؤمله وتجعله يتأمل في المستقبل متى يحصل هذا الخير، هذه توجيهات الرب تعالى، واسمعوها: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الإسراء:28]، أي: مالاً يعطى لك وتحصل عليه، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28]، أي: سهلاً ليناً ليس فيه قبح ولا غلظة ولا شدة، ويمشي قريبك أو الفقير أو المسكين أو ابن السبيل، بمعنى: كيف نتعامل مع أقاربنا ومع أبناء السبيل بيننا والمساكين عندنا والفقراء؟ علمنا الله كيف نفعل، إذا كنت قادراً وطلبت فأعط في حدود قدرتك، وإذا كنت لا تملك غير قادر فالكلمة الطيبة، لا تنتهره وتطرده بعنف، أو أنت كذا أو كذا، كما يفعل الجهال، لا بد من الكلم اللين الهش البش ينصرف عنك وهو غير مكروب ولا حزين.

    هكذا يرشدنا الله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28]، أي: ما تعطيهم، ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28]، كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أين ينفق.. من أين يعطي؟ إذا جاءت غزوة من الغزوات وغنم فيها المؤمنون يوزع، قبل ذلك ما عنده، ولكن اللفظ عام يتناول رسول الله أولاً، وكل مؤمن ومؤمنة ثانياً، فنحن أتباعه صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: القول الميسور: الهين اللين الذي ما يشعر به أنك آلمته بشتمة أو بسبة أو بكلمة قاسية غليظة وهو أخوك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ...)

    ثاني هذه الأحكام: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، الملوم: الذي يلام، والمحسور: من انقطع به السير كالبعير إذا عيي وبرك حسر فهو حسير، وهنا وجهنا ربنا توجيه الآباء للأبناء، أو توجيه الحكام للمحكومين، فوق ذلك يا عبد الله! لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، بمعنى: تبخل وتمنع المعروف وتمنع الخير، كأن يدك التي تعطي بها مشدودة في عنقك ما تستطيع أن تعطي.

    وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً [الإسراء:29]، بالغل مربوطة بعنقك، بمعنى: ما تقوى على أن تمد ريالاً ولا ربعه. لا تفعل هذا، وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ، الطعام الذي فيها فيسقط، ولكن القصد القصد والعدل العدل، تعاليم ربانية هذه، المسرفون إخوان الشياطين، وهم كافرون بنعمة الله: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:27]، فلهذا نحذر أن نتصف بصفات الشيطان -عليه لعائن الله- وحسبنا أن يقول الله: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:27].

    كذلك البخيل وهو قادر كفر نعمة الله، ما اعترف بأن لله نعمة؛ فلهذا ما بذلها لعباده، وهم محتاجون فقراء يسألونه، وليحذر المؤمن أن يصبح موصوفاً بكفر النعمة هنا، كأنها ليست عنده، كلما سئل قال: ما عندنا، وهو في جيبه أو في بيته، كفر النعمة أو لا؟

    وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29] ما يبقى فيها شيء، بمعنى: أنفق على من سألك، وأبق لنفسك ما تسد به حاجتك، أما أن تخرج من مالك كله وتمد يدك فقيراً لا.

    وهذا تعليم إلهي، وهو الاقتصاد، مأمورون بأن ننفق في سبيل الله في أولئك المذكورين من الأقارب والمساكين، ولكن الإنفاق لا يكون بأن أخرج كل مالي أو ما في جيبي وأبيت جوعان أمد يدي أسأل الناس، أعط بقدر، وما أنت في حاجة إليه دعه، أخرج القدر الذي ما أنت بحاجة إليه، تعليم من هذا؟ الله. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:29]، أي: ما تتمكن من العطاء، كأن يدك مربوطة في عنقك، ولا تبسط يدك كل البسط فيطيح ويسقط كل ما فيها، وتمسي شحاذاً طالباً، العدل العدل، ذي رحمة الله عز وجل، ذي تعاليم الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ...)

    قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء:30]، هذا حكم آخر أو حكمة أخرى، أعلمنا الله عز وجل وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء:30]، لا بد من وجود أغنياء ولابد من وجود فقراء، لا تفهم أبداً أن الناس يصبحون دائماً على حد سواء، لا بد من وجود أغنياء ووجود فقراء، وهذا يعود إلى تدبير الله عز وجل وهو الحكيم العليم، يبتلي بالفقر عبده لينظر ماذا يفعل، يبتلي عبده بالمال؛ لينظر ماذا يصنع بهذا المال، فإننا والله لتحت النظارة، منظور إلينا كيف نتصرف، فمن عزم على الصدق والوفاء لله عز وجل فهو فائز وناجح، ومن تنكر لتعاليم الله، وكان فقيراً يشحذ وهو في غير حاجة للشحاذة، أو غنياً ويمنع الفضل وهو زائد عن حاجته يلقى جزاءه؛ لأن الرب تعالى هو الذي يتصرف في المال: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الإسراء:30]، أي: يضيق، لماذا يبسط ولماذا يضيق؟ الجواب: يبسط ويقبض امتحاناً ليمتحن العبد بالمال؛ لينظر ماذا يصنع به، فإن أقبل على الإسراف والترف والفجور هلك بذلك المال، وما هو أهل لولاية الله، يعطيه أموالاً ويبارك فيها، ويبخل بها ويمنع حتى الزكاة والحقوق والواجبات، امتحان عظيم يستوجب لعنة الله وعذابه في الدنيا والآخرة؛ لأن العبيد عبيد الله والله وليهم، هو الذي يربيهم كيف يعيشون وكيف ينفقون.

    فقال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ [الإسراء:30] من عباده، بمعنى: يوسعه، البسط: هو الوسع كالبساط، وَيَقْدِرُ [الإسراء:30] أي: يضيق، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:30]، فهو يعرف من يستحق المال ويعرف من لا يستحقه، يعرف من يستحق هذا المنصب ومن لا يستحقه، أليس عليماً بكل شيء؟ أليس هو والمدبر للكون؟ أليس العبيد عبيده؟ وهو يتصرف فيهم.

    فهو يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:30]، لو كان يدري عن البعض ويخفى عنه البعض لا حق له في هذا التصرف، لكن لما كان عليماً بنا خبيراً بأحوالنا بصفاتنا الظاهرة والباطنة نراه يبسط الرزق على أناس ويضيقها على آخرين، تدبير من هذا؟ تدبير الله، امتحان يمتحن بالغنى ويمتحن بالفقر، يمتحن بالصحة ويمتحن والله بالمرض؛ وذلك لكمال علمه وحكمته، فما علينا إلا أن نسلم الأمر له.

    فيا عبد الله لا تبخل إذا أعطاك الله مالاً فتجعل يدك مغلولة إلى عنقك وتمنع، وإذا أنفقت لا تخرج من مالك وتبقى تتسول وتسأل الناس، أبق لنفسك ما تقوم به في حياتك. هذه تعاليم الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ...)

    هذه الآيات كلها أحكام: يقول تعالى مخاطباً رسوله ونحن أتباع له، يقول له: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31].

    سبق أن عرفتم -زادكم الله معرفة- أن العرب في الجاهلية كانوا يقتلون الأطفال؛ لعلة من ثلاث علل:

    العلة الأولى: علة الفقر: ما يطيق فيقتل البنت أو الولد.

    العلة الثانية: ينذرون أولادهم لآلهتهم: ينادي إلهه ويقول: إن رزقت كذا أذبح لك.

    العلة الثالثة: خشية العار: وهذا يستوجب قتل البنات، فقد كانوا يئدون البنات ساعة الولادة ويدفنوها في مكان سقطوها.

    فهنا ذكر تعالى واحدة من الثلاث، فقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31]، أي: خشية الفقر، أملق يملق إملاقاً: ما بقي عنده شيء، خشية أن تصابوا بالإملاق والفقر.

    إذاً: لا تقتل ولدك خوفاً من الفقر.

    ويدخل أيضاً في القتل الإجهاض، المرأة تحمل ولدها وتسقطه بالآلة أو بغيرها، وقتل للنفس كذلك، ويدخل فيه أيضاً أن يمتنع عن الزواج خشية أن يكون له ولد، أو يمتنع عن امرأته ويقلل جماعها خوفاً من أن تحمل ولداً، كل هذا منهي عنه، والناهي هو الله واسمعوا نهيه: وَلا تَقْتُلُوا [الإسراء:31] أيها المسلمون! أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31]، أي: من خوف الفقر، واعلموا: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]، أنتم يرزقكم الله وليس الأولاد فقط، كما نرزقهم نرزقكم، أنتم محتاجون إلينا كما هم محتاجون إليكم. نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31] الخطء كالخطيئة، لكن أبشع من الخطيئة، قتل الأولاد؛ خشية الفقر؛ أو خشية العار؛ أو النذر بها للأولياء، هذه قضية من أبشع القضايا وأقبحها، حسبنا أن يقول الله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31]، لعلي بينت لكم أحوال القتل؟

    لما تلد المرأة يذبح الولد ويرميه في الحفرة، وإذا كانت البنت؛ خشية العار، فلان يتزوج بنتي! وإذا كان نذراً للآلهة كذلك، وإذا كان خوف الفقر والجدب هذا العام المطر قليل كيف يعيش الأولاد؟ اذبحوا أولادكم، من يولد له ولد يقتله، وفعلوا هذا، وجاء النهي إلى يوم القيامة: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31]، ما أنتم الرازقون لا لأولادكم ولا لأنفسكم، إي والله العظيم، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، ومن عرف أن الله رازقه يعصيه؟ يتمرد عليه؟ معناه: سيجوعه أو يطرده من رحمته، من عرف أن الله رازقه يبخل بما أمره أن يعطيه ويتصدق به، وهو يعرف أن الله ذا فضل عظيم، وسعة في الرزق على من شاء؟

    وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31]، ذنباً عظيماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً)

    ثم قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، ذي تعاليم الله عز وجل للمؤمنين، ولا تقربوا أيها المؤمنون الزنا، لم ما قال: ولا تزنوا، وقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)؟

    السر في هذا: لأن مما تصل به إلى الزنا النظر بعينيك، مكالمة الأجنبية.. الخلوة بها. ذي مقدمات الزنا، فلا تفعلوها حتى لا تتمكنوا من الزنا، لو قال فقط: ولا تزنوا، يقول: أنا ما زنيت، يقبلها ويجالسها ويقول: ما زنيت، لكن الله تعالى وهو العليم بذات الصدور، وهو خالق الخلائق، ورازق الأرزاق، وطابع الطباع عرف، فمن هنا قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، كل ما يؤدي إلى الزنا وجب البعد عنه وعدم القرب منه؛ خشية أن يقع الزنا.

    وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء:32]، والفاحشة والفحش أقبح الأشياء وأبشعها.

    حقيقة: هل تتصور أن شخصاً يرضى لآخر أن يزني بابنته أو بأمه؟ مستحيل، فهذا الذي تزني أنت بامرأته آذيته وحطمته، وقد يكون الولد منسوباً إليه، فهي محنة أخرى وبلاء عظيم، فلهذا الزنا وضع الله له حداً، فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2]، ومعنى هذا الأحكام الآتية:

    الزنا: هو نكاح المحرمة التي لا تحل لك، ثم وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، كما بينت لكم: عبر بالقرب عن الوصول إلى الفرج والجماع، حتى لا نقرب أبداً من ساحة الزنا، لو تعلم أنك مضطر أن تزني في هذه البلد يجب أن تهاجر ولا تبقى فيها، فتحت تجارة وخفت أن تقع في هذه المعصية أغلق باب هذا الدكان ولا تجلس فيه.. وهكذا يعلمنا الحيطة والأخذ بها؛ حتى لا نقع في أعظم فاحشة، فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وتعلم أنه أقبح طريق يسلكه المؤمن، ولهذا قل الزنا في ديار المؤمنين لاسيما أيام الأنوار الإلهية في القرون الثلاثة، نادر من يزني، أما الآن وإن كنا -والحمد لله- أفضل من اليهود والنصارى والمشركين، هذه الجريمة في ديار المسلمين أقل بكثير مما هي في العالم الكافر.

    وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ [الإسراء:32] طريقاً تسلكه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ...)

    ثم قال في حكم آخر: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]، ما هو الحق؟ بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني )، المحصن الزاني، الثيب هو المحصن الذي سبق وأن تزوج وماتت زوجته أو طلقها؛ لأن غير المحصن الشاب الذي ما تزوج ولا عرف الزواج، إن وقعت منه هذه الفاحشة يجلد مائة جلدة، ويغرب عاماً كاملاً عن بلده حتى يتوب، لكن المحصن الذي تزوج وعرف الزواج هذا إذا زنى وجب قتله، إذاً: الحق هنا القتل.

    ثانياً: ( النفس بالنفس )، من قتل نفساً يقتل بها مقابل قتله للآخر.

    ثالثاً: ( التارك لدينه المفارق للجماعة )، ألا وهو المرتد، والعياذ بالله تعالى.

    ( لا يحل دم امرئٍ مسلم )، والله يقول: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]، لا يحل لمؤمن أن يقتل آخر إلا في حالة من ثلاث: الأولى: إما أن يزني وهو محصن، تزوج وعرف الزواج فهذا يقتل، الثانية: أن يقتل نفساً فيقتل بها، سواء كانت النفس ذكراً أو أنثى.

    الثالثة: أو يرتد عن الإسلام ويخرج منه إلى دين اليهودية أو النصرانية أو العلمانية والإلحاد.

    وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33]، اسمعوا! يقول تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [الإسراء:33]، ما هي النفس التي حرم الله؟ كل نفس سوى ثلاثة أباح الله قتلهم دائماً: الثيب الزاني، والتارك لدينه، والذي يقتل نفساً مؤمنة.

    إذاً: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء:33]، أي: قتل أباه أو أخاه أو عمه أو مثلاً: رجل قتل أباك ظلماً وعدواناً، أباح الله لك أن تقتل القاتل الذي قتله، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء:33] بغير حق، فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ [الإسراء:33] وهم الورثة أبناؤه وغيرهم، سُلْطَانًا [الإسراء:33]، أي: قوة، لهم الحق أن يقتلوا ذاك الذي قتل قريبهم، ويستوي في هذا الذكر والأنثى، قتل أنثى يقتل بها، ولا يقال هذه أنثى، قتلت ذكراً تقتل به.

    إذاً: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء:33]، معنى الظلم: بغير حق، ما زنى ولا قتل ولا ارتد لا يجوز قتله وإلا هذا ظلم، فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ [الإسراء:33] من هو وليه؟ ورثته من الرجال والنساء، سُلْطَانًا [الإسراء:33] أي: قدرة وقوة، فليقتلوا قاتله، فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، بأن يقتل غير القاتل، أو يقتل اثنين في مقابل واحد، أو عشرة في مقابل خمسة، فقط النفس بالنفس، نفساً تقتل بها نفس، وهذا يعود إلى السلطان وإلى الحاكم، ولكن أولياء الميت هم مخيرون إن شاءوا عفوا وتركوا لله الأمر. يجوز ذلك، أو يأخذون دية كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين مقدارها، أو يقولوا: لا. نريد أن نقتل القاتل، لهم ذلك.

    واحدة من ثلاث: إما أن يعفوا؛ وذلك خير عظيم، وإما أن يأخذوا دية المقتول؛ وذلك فيه إذن من الله وخير كثير، وإما أن يقتلوا القاتل فقط، لا تقتل ابن عمه أو أخاه أو أباه، وأنت تعرف أن القاتل فلان ابن فلان، هذا إذا فوض الأمر إليك، وأما السلطان قطعاً ما يقتل إلا من قتل فقط.

    هذا معنى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [الإسراء:33]، أي: قتلها وهي واحدة من ثلاث، إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]، الذي يوجب القتل، الثلاثة التي سمعتم، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء:33] واعتداءً، فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء:33]، إذاً: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، لا تقل: جعل الله لي سلطاناً فتقتل بدل الواحد اثنين أو ثلاثة، أو تقتل غير القاتل، إن تمكنت من القاتل فنعم، أما غير القاتل ابن أو أخ أو أب فلا يحل قتله أبداً، وإنما الدية.

    إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33]، من نصره؟ الله، هو الذي أعطاه هذه النصرة، مادام قد قتل له فقد أعطاه الله القدرة والقوة على أن يقتل القاتل، والله ناصره، لكن كما علمنا: إذا أردت أن تعفو فباب العفو مفتوح، إذا أردت أن تأخذ دية فالدية موجودة من إبل أو من دينار أو درهم، فإن أردت إلا القتل فلك ذلك، ولكن لا تسرف في القتل؛ لكون الله أقدرك وقواك ونصرك تقتل واحداً واثنين وثلاثة بغير حق؟!

    تنبيه: لا حق لك في أن تقتل الساحر، ولا حق لك في أن تقتل هذا المرتد، هذا يعود إلى إمام المسلمين، يحاكم ويقتل، فقط أنت إذا قتل رجل ولدك وعرفت أنه قتله ظلماً وعدواناً لك الحق بأن تقتله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: العدة الحسنة تقوم مقام الصدقة لمن لم يجد ما يتصدق به على من سأله ].

    سأله فما وجد عنده شيئاً يعده، إن شاء الله بعد كذا وإذا حصل كذا تكون هذه العدة صدقة.

    [ ثانياً: حرمة البخل والإسراف معاً، وفضيلة الاعتدال والقصد ].

    من أين أخذنا هذا؟ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29].

    [ ثالثاً: تجلي حكمة الله تعالى في التوسعة على أناس، والتضييق على آخرين ].

    لا إله إلا الله، يغني ويفقر لتعاليم إلهية؛ ليمتحن وينجو من نجاه الله.

    [ رابعاً: حرمة قتل الأولاد بعد الولادة أو إجهاضاً قبلها؛ خوفاً من الفقر أو العار].

    كما قدمنا: لا يصح قتل الولد إن ولد أو وهو في بطن أمه أبداً بحال من الأحول، وإن خفت الفقر وإن خفت العار ليس لك من حق أن تقتل الولد.

    يقول السائل: أرأيت لو كان ما زال مضغة في رحم أمه ونسقطه؟ فهذا قدمنا: إذا قرر الأطباء أن هذه المرأة لا تطيق الحمل وسوف تموت به، يجوز لزوجها العزل عنها، أو يجوز له أن يخرج هذه المضغة قبل أن تتكون إنساناً، فإذا تكونت فلا.

    [ حرمة مقدمات الزنا كالنظر بشهوة، والكلام مع الأجنبية، ومسها، وحرمة الزنا وهو أشد ].

    من أين أخذنا هذا؟ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، ما قال: ولا تزنوا، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] معناه: عطل كل ما يصل بالعبد إلى الزنا حتى النظرة حتى التلذذ بكلمة، حتى المشي وراءها، حتى لا يقع في هذه الفاحشة العظيمة، هذا من باب الاحتياط: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32].

    [ سادساً: حرمة قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، والحق قتل عمد عدواناً، وزناً بعد إحصان، وكفر بعد إيمان ].

    هذه الثلاث يجب أن نحفظها: يجوز قتل العبد بواحدة من ثلاث فقط: الأولى: أنه قتل فيقتل بمن قتل، الثانية: زنا بعد إحصان، أما لو كان شاباً ما تزوج فالشريعة تقول: يجلد مائة جلدة أمام المسجد ويغرب من المدينة إلى الرياض، أو من جدة إلى الطائف، وهذا التغريب بينا فائدته وحكمته، والثالثة: كفر وردة بعد إيمان.

    وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد.