إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة الوعيد بنزول العقوبة بهم إن هم استمروا على عصيانهم، قاموا على إثر ذلك بالدعاء إلى الله أن يعجل عليهم بما يتوعدهم به الرسول، فأخبر الله رسوله أنه لن ينزل العقوبة العامة على أهل مكة ما دام أن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام أن فيها من يستغفرون ربهم، فهذان أمانان لأهل مكة من نزول العذاب بهم، وما إن خرج النبي من بين أظهرهم حتى أصابهم ما كانوا يستعجلون من العذاب جزاء صدهم عن المسجد الحرام وإعراضهم عن الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم واليومين بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومعنى المدنية: أنها نزلت بالمدينة النبوية، أي: هذه التي أكرمنا الله بوجودنا فيها، وهي بخلاف المكية، أي: التي نزلت بمكة قبل الهجرة النبوية. وها نحن مع أربع آيات، فهيا بنا نصغي مستمعين لتلاوتها مجودة مرتلة، ثم نأخذ بإذن الله في شرحها وبيان ما جاء فيها من الهدى والنور.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنفال:32-35].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه يذكر رسوله وأولياءه بتلك الأحداث الجسام، وتلك الشدائد العظام، وينظر كيف أصبحوا في عز وكمال؛ إذ أنقذهم من تلك الإحن والمحن والفتن، فهو يذكرهم بتلك الشدائد من أجل أن يشكروا، فمن ذكر شكر، ومن نسي كفر، فالذكر الذكر لنعم الله! فمن أنعم الله عليه بنعمة فليذكرها؛ حتى يشكر الله تعالى عليها. واعلموا أن رأس الشكر كلمة: الحمد لله. فإذا قلتها في أية نعمة من النعم، فقولك: الحمد لله أعظم وأفضل.

    قال تعالى: وَإِذْ قَالُوا [الأنفال:32]، أي: واذكر يا رسولنا! واذكروا أيها المؤمنون! إذ قال الطغاة الجبابرة المتكبرون وعلى رأسهم النضر بن الحارث -وقد عرفناه أمس- وأبو جهل الطاغية المعروف، إذ قالوا سائلين الله عز وجل: اللَّهُمَّ [الأنفال:32]! أي: يا الله! فاللهم معناها: يا الله. وهذا نداء لله عز وجل ودعاء. وقد حذفت الياء وعوض عنها الميم، فأصبحت اللهم بعد أن كانت يا الله؛ لأن الياء ينادى بها البعيد، مثل قولك: يا فلان! وأما القريب فلا يحتاج إلى حرف نداء، بل تقول: عبد الله أنت تسمع؟ ولا تقول: يا عبد الله.

    واللهم هذه خاصة بالرب تبارك وتعالى، فبها ينادى ويدعى، ويجوز أن تقول: يا الله! ولكن اللهم أولى؛ لأنها خاصة به سبحانه وتعالى.

    إيمان المشركين بربوبية الله وكفرهم بألوهيته

    كان المشركون يؤمنون بالله رباً، ولكن لا يؤمنون به إلهاً واحداً، وكانوا يؤمنون بأنه الرب الخالق الرازق، المميت المحيي، لا رب غيره، ولكن زينت لهم الشياطين عبادة غير الله، فألهوا الأصنام والأحجار، وعبدوها مع الله. وهذا دليل قاطع على أنهم كانوا يؤمنون بالله، فقد كانوا من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم الذي بنى هذا البلد الأمين البيت العتيق مع أبيه إبراهيم، وهم عدنانيون من ذريتهما، فكانوا يؤمنون برب العالمين، ولكن يشركون به غيره، ولا يعبدونه وحده، فقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم انتهت العبادات السليمة الصحيحة بتطاول الأعوام، وامتداد القرون، وموت العلماء، فكانوا جهلة لا يعرفون كيف يعبدون الله، وكل ما في الأمر من عبادتهم لله أنهم قد يطوفون بالبيت، ويقفون بعرفات.

    شدة تغيظ الكافرين من دين الله وانتصاره

    قال تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ [الأنفال:32]! أي: يا الله! إِنْ كَانَ هَذَا [الأنفال:32] الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن وما يحويه من الهدى والنور والبيان إن كان هو الحق من عندك فأهلكنا؛ حتى لا نراه يسود وينتشر ويعلو، وهذا من شدة التغيظ، ومن شدة الكرب والحزن والهم، فهم لم يريدوا أن تنتصر دعوة لا إله إلا الله، بل أرادوا الإبقاء على الوثنية التي خلقوا منها ووجدوا فيها، ولم يستطيعوا أن يشاهدوا الحق يعلو، وأنواره تلوح، والباطل يذهب ويندثر، ولم يطيقوا هذا، فقالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا [الأنفال:32]، أي: القرآن الذي جاء به محمد ونزل عليه وما يحويه من الشرائع والبيانات والأحكام والهدى إذا كان هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32] لنهلك ونستريح. وليس هناك تغيظ أكثر من هذا، فقد رضوا بالموت ولا ينتصر الحق، وما زال هذا النوع في بني آدم وبني الجن موجوداً، وسيوجد إلى يوم القيامة، فهناك من لا يريد أن يرى دين الله منتصراً، ويرضى أن يمزق يحرق ولا ينتصر دين الله عز وجل؛ لأن الشياطين هي التي تنفخ فيهم هذه الروح الخبيثة، فمهمة الشياطين تكفير بني آدم، وإضلالهم وإبعادهم عن الحق؛ ليكونوا معهم في دار البوار في جهنم. فهم يقولون: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، أي: عذاب موجع يفسد حياتنا علينا، ولا نرى هذه الدعوة تنتصر، وهذا النور يعلو. وهذا قول أفراد، وليس قول العرب والمشركين عامة، وكان على رأس من قالها: النضر بن الحارث وأبو جهل .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ...)

    قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]. فليس من شأن الله تعالى أن يعذب هؤلاء المشركين الكافرين العتاة المعاندين وأنت بينهم؛ لأنك رحمة الله، فحيثما وجدت وجدت الرحمة معك، ولو أنك لست بينهم أو خرجت منهم لنزل بهم العذاب.

    وهذه لطيفة، وهي: أيما إقليم أو بلد فيه صلحاء ربانيون أتقياء فببركتهم يقيهم الله العذاب. فالبيت أو القرية أو المدينة أو الإقليم إذا وجد فيه الصالحون يرحمهم الله عز وجل بهم، وإذا فقدوا -أي: فقد الصالحون- حل العذاب بالمعاندين والظالمين والكافرين والمشركين.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة، وقد أخبر تعالى أنه رحمة للعالمين، إذ قال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]. فما دام في مكة فلن ينزل الله بهم هذا العذاب الذي طالبوا به، ولا هذا الدمار والهلاك الذي سألوه، إذ قالوا: فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]. فقد قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]. وسبق أن علمنا أن المعذبين من الأمم قبل أن ينزل العذاب كان يخرج الرسول ومن معه من المؤمنين، فقد خرج مع هود العدد الذي خرج وأنزل الله بهم العذاب، ودمر عاداً بكاملها، وثمود كذلك، ولوط خرج هو وابنتيه. وهذه سنة الله. فإذا أراد الله أن يهلك الأمة بالهلاك العام يخرج الله المؤمنين وينجيهم. ‏

    الاستغفار أمان من العذاب

    قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] هنا أمانان، أمان وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، وأمان ثانٍ وهو استغفارهم، كأن يقولوا: اللهم اغفر لنا .. سبحانك اللهم! فاغفر لنا. فلا نفوت هذه؛ لأن الاستغفار والله أمان، من لازمه بقلب صادق ولسان طيب طاهر فرج الله عنه كل كربة تنزل به، أو محنة تصيبه. وهذا أمان ثابت. وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]. فالذين يطلبون المغفرة بصدق من الله بكلمة: أستغفر الله .. نستغفر الله .. غفرانك ربنا .. اللهم اغفر لنا، فهذا الاستغفار أمان لأهله، على شرط أن يكون كثيراً، وملازماً للعبد ليلاً نهاراً، وأن يكون بقلب خاشع، ومعترف بالخطيئة والذنب وهو يطلب المغفرة من الله عز وجل، فيفرج به الله الغموم والهموم، والكروب والأحزان. أما الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو الأمان الأول فقد رفعه الله إليه وتوفاه، ولكن أمان الاستغفار هذا باقياً إلى يوم القيامة.

    فالأمان أمانان: أمان استأثر الله به وأخذه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمان بقي لنا، وهو الاستغفار، فلنستعذ بالله من الشياطين التي تحرمنا هذا الاستغفار؛ حتى لا نصاب بالهم والكرب، والحزن والألم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ...)

    قال تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [الأنفال:34]. وما إن خرج من بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبوا بعذابين شديدين:

    العذاب الأول: السنين السبع التي أصيبوا فيها بالجدب والقحط، حتى كانوا يأخذون وبر الإبل ويغمسونه في الدم ويأكلونه. ثم جاء أبو سفيان يطلب من رسول الله الشفاعة لهم بعد أن دعا عليهم الرسول، واستجاب الله؛ إذ قال: ( اللهم اجعلها عليهم كسني يوسف )، أي: السبع السنوات. وهذا بعدما أخرجه أخرجوه من مكة.

    وأصابهم عذاب آخر في بدر، فقد أذلهم الله وأخزاهم، وقتل منهم سبعين صنديداً، وأسر سبعون، فلهذا قال تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:34]. ومعنى يصدون عن المسجد الحرام أي: يمنعون الناس من الطواف بالبيت والصلاة حوله، أي: يمنعون المؤمنين الذين في مكة ولم يهاجروا، ويطردونهم من المسجد، ولا يسمحون لهم بالصلاة فيه، ولا بالطواف بالبيت.

    وهذه كبيرة من كبائر الذنوب، فإذا منعت مؤمناً من بيت الله عز وجل، وسواء كان المسجد الحرام أو أي بيت من بيوت الله، التي بنيت ليعبد فيها الله فهذه كبيرة من كبائر الذنوب. فلا يمنع منه مؤمن ولا مؤمنة إذا كان يعبد الله عز وجل بعلم وحق، وأما أن يعبده بالضلالة والخرافة والشرك فلا.

    وقوله تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ [الأنفال:34] أي: غيرهم من الناس، أي: من المؤمنين عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:34].

    أولياء الله عز وجل المؤمنون المتقون

    قال تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [الأنفال:34]. وهذه دعوى، فقد قالوا: نحن أحق بالمسجد الحرام، ونحن أولياؤه، وليس محمد ولا المؤمنين بأولياء له، بل نحن أولياؤه، وأحق بالمسجد الحرام وبحمايته، والعناية به والوقوف إلى جنبه، فنحن أحق به، فأثبتوا الولاية لهم، فردها الله بقوله: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [الأنفال:34]. والمشرك لا يكون ولياً لله، بل هو يمنع ويصد من يعبد الله، فلا ويكون وليه، وإنما هو ولي بالعصا فقط حسب هواه وشهوته، والسيطرة عليه.

    فقوله: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [الأنفال:34] أي: أولياء الله عز وجل، فالضمير في أولياءه صالح للمعنيين الكريمين، فهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، ودعواهم باطلة، فليسوا بأحق به، ودعواهم أيضاً أنهم أولياء الله دعوى باطلة، وإن كانوا لم يدعوها ولكن لتعلم أن أولياء الله لن يكونوا من المشركين ولا الظالمين، ولا الفاسقين ولا الكافرين ولا المجرمين، بل أولياؤه فقط المتقون. فهم وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34]. وهذه متقررة ثابتة، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون أمواتاً كانوا أو أحياء، فقراء وأغنياء، أعزاء أم أذلاء، أصحاء أم مرضى، بيض أم سود، بل ولي الله يا عباد الله! هو المؤمن المتقي، ولا يوجد ولي ليس بمؤمن ولا تقي، فهذا والله لن يكون ولياً لله، وإنما يكون ولياً للشيطان، فأولياء الشياطين هم الكافرون والمجرمون والفاسقون.

    والآية الدالة دلالة قطعية على أن أولياء الله من المؤمنين والمؤمنات هم المتقون هي قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ [يونس:62]. وألا هذه يا مستمعي الكرام! بمعنى ألو، وألو هذه ألفناها، وعرفها حتى الأطفال الصغار، فالطفل يحبو ويقول: ألو. وعندما نقول: ألا فليس لها طعم ولا ذوق؛ لأننا ما عرفنا ألا، وهي بمعنى: انتبهوا وأصغوا واستمعوا ما يقص عليكم ويتلى.

    وقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] بشرى، ويا لها من بشرى! فأبشروا يا أولياء الله! فإنه لا خوف عليكم في الدنيا ولا حزن، لا في القبر ولا يوم القيامة. وهذه بشرى تزف إلى كل ولي من أولياء الله ذكراً كان أو أنثى.

    ونحن ما عرفنا من الأولياء إلا الموتى فقط كسيدي عبد القادر وأحمد التجاني والبدوي والرفاعي ، وأما أولياء غير هؤلاء فلا نعرفهم. ولو دخلت لأية مدينة من مدن العالم الإسلامي وقلت لأول من تقابله من أهل البلاد: يا عم! أو يا أخي! أنا جئت من بلاد بعيدة لأزور ولياً من أولياء الله عندكم فأحلف لكم أنه لا يأخذ بيدك ويقودك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن في تلك المدينة ولياً حياً، وجربوا. وهذا باستثناء الذين بلغتهم هذه الدعوة وعرفوها، وإلا فمن قرون لا يعرف المؤمنون ولياً أبداً حياً، إلا إذا مات وبني على قبره قبة، ووضع له تابوت، ووضعت له الأزر، وأوقدت حوله الشموع، وذكر عنده واستغفر، وفعل أنواع الشرك كاملة حوله، فهذا يدعوه، وهذا يستعيذ به، وهذا يستغيث، وهذا يذبح له. والذي فعل بنا هذا هو العدو، وما زال يفعل، وما زال ينشر الخبث بشتى أنواعه وألوانه.

    فاسمع الله تعالى يخبرك من هم أولياء الله بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]. فلا يلتبس علينا بعد هذا الأمر، فأولياء الله هم كل مؤمن ومؤمنة تقي.

    وقوله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64] وهي رؤيا منامية صالحة يراها أو ترى له، بهذا أخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فلن تموت يا ولي الله! حتى ترى مقامك في الجنة.

    إذاً: فنفى تعالى عن المشركين أن يكونوا أولياءه؛ إذ قال: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34]. وهم فجرة كفرة مشركون، فكيف يدعون أنهم أولياء الله؟ أو أولياء مسجد الله وبيته الحرام؟

    فليرغب المستمعين والمستمعات الزوار أن يكونوا أولياء لله، وكلنا نرغب؛ لأننا إن لم نكن أولياء لله فإننا أعداء لله، ومن عادى الله لم يكمل أو يسعد، فما منا أحد إلا وهمه وغايته من حياته أن يكون ولياً لله.

    وولاية الله تحقق بالإيمان، فمن آمن إيماناً صادقاً جازماً بكل ما أخبر الله به ورسوله، وصدق تصديقاً كاملاً تاماً، واتقى الله بفعل ما يحب أن يفعله، وترك ما يحب أن يتركه، أي: بفعل ما أمر الله وترك ما نهى الله أصبح ولي الله.

    تفاوت درجات الولاية

    الولاية ليست درجة واحدة، بل أصحاب رسول الله درجات أفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصديق ، ثم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، فهم يتفاوتون، وكذلك أنتم، والحمد لله، ولكنكم والله كلكم أولياء فيما أعلم، إلا إذا كان بينكم منافق كافر، جاء لمهمة أو لكذا فالله أعلم. فكلكم أولياء الله، ولكنكم تتفاوتون بحسب تقواكم لله. والمثل عندنا: الجيش السعودي جيش واحد، ولكنه ليس في مرتبة واحدة، بل هناك عدة مراتب من مرتبة أولى وثانية وثالثة ورابعة إلى جنرال، وليس مستواهم واحداً، وكذلك أنتم أيها الأولياء! ليس مستواكم واحداً، فواحد لواء، وواحد عقيد، وواحد عريف، وواحد كذا بحسب تقوى الله عز وجل، فأكثرنا تقوى أطيبنا نفساً، وأزكانا روحاً، والله يقرب إليه من كان أزكى الناس نفساً، وأطيبهم روحاً؛ إذ الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    وإذا كنتم أولياء الله فاعلموا أنه والله لا يصح لأحد أن يؤذي فرداً منكم ولو بكلمة قاسية، ولو بنظرة شزرة، ولا يحل أن تؤذوا بعضكم لا في أبدانكم ولا أموالكم ولا أعراضكم؛ لأنكم أولياء الله، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). ومن أعلن الله الحرب عليه لم ينتصر، بل والله ينكسر.

    ولهذا تعيش في بلد المؤمنين الأتقياء عشرين سنة لا تؤذى لا في عرضك ولا في مالك، ولا دمك أبداً؛ لأنهم يبجلونك ويحترمونك؛ لأنك ولي ربهم.

    ولما عرف هذا العدو المكون من المجوسية واليهودية والصليبية نزع هذا العلم من قلوب المسلمين لأكثر من ألف سنة تقريباً، حتى لم يصبحوا يعرفون ولياً إلا من مات وبني عليه، وبذلك أصبحوا يزنون بنساء بعضهم البعض، ويختطفون أموال بعضهم البعض، ويضربون بعضهم البعض، ويسبون ويشتمون، يتكبرون، ويفعلون العجائب التي يصيبون بها إخوانهم في ولاية الله عز وجل. ولست كاذباً في هذا.

    ولو عرفوا أن هؤلاء أولياء الله وأنهم مؤمنون لم يستطيعوا أن يقول لهم كلمة سوء أبداً، فضلاً عن أن يفجروا بزوجاتهم أو ببناتهم، أو أن يحتالوا على أموالهم، أو أن يتعاونوا على قتلهم.

    واعلموا يا أولياء الله! أنكم فزتم بهذه الولاية بالإيمان والتقوى، ويرمز لذلك بـ: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن قال: أشهد أن محمداً رسول الله مشى وراءه فتعلم محاب الله وعرفها، وأتاها وفعلها، وعرف مكاره الله وابتعد عنها وتركها، وبذلك تتم له ولاية الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ...)

    قال تعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ [الأنفال:35] أي: البيت الحرام، أي: البيت العتيق، إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]. وهذه هي صلاتهم، فقد كانوا يقولون: نحن أحق بالمسجد الحرام وببيت الله، وكان صلاتهم أنهم: يطوفون ويصفقون ويصفرون، والمكاء طائر معروف له صوت، وهو الصفير، وهذه انتقلت إلى أهل التصوف عندنا نحن المسلمين في عهدنا هذا وقبله، فتراهم يعبدون الله بالصياح والصفير والتصفيق في حضرات معينة. وكان هذا عمل المشركين حول الكعبة، وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً [الأنفال:35]، أي: تصفيراً. وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]. فقد كانوا يطوفون ويصرخون وهكذا.

    وتلك البدعة شاعت عند المتصوفة بالذات، فتراهم يذكرون الله والله ويهيجون ويصفرون، وقد نقلها إليهم أبو مرة إبليس عليه لعائن الله. وهم ما عرفوا هذا لأنهم ما درسوا هذه الآية أبداً، ولا فسرت لهم، ولا اجتمعوا عليها قط؛ لأن تفسير القرآن حرام عندهم، فقد كان المسلمون يعدون تفسير القرآن قروناً عديدة من الذنوب، فلا تقل: قال الله، ووضعوا تلك القاعدة المشئومة: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطأه كفر. وإلا فهذه الآية صريحة: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً [الأنفال:35]، أي: تصفيراً. وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]، أي: تصفيقاً.

    ثم قال تعالى: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنفال:35]. هذا لما ينزلون دار البوار جهنم، فيذكرون بذنوبهم، ويقال لهم: ذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بالله ولقائه، وبرسوله وكتابه وشرعه، فيذوقون العذاب ويتذوقونه ليس سنة ولا ألفاً، وإنما على مدى البقاء، والآخرة ليس لها فناء ولا انتهاء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    [ هداية الآيات ] معاشر المستمعين! أسمعكم هداية هذه الآيات الأربع، فتأملوها.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للحق وكراهية له، حتى سألوا العذاب العام، ولا يرون راية الحق تظهر ودين الله ينتصر ] وقد أخذنا هذا من قولهم: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    [ ثانياً: النبي صلى الله عليه وسلم أمان أمته من العذاب ] بل وأمان من العذاب العام أيام كان الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وإلى الآن لا يجيء عذاب استئصال وإبادة كما كان يصيب الأمم قبل نبينا صلى الله عليه وسلم [ فلم تُصب هذه الأمة بعذاب الاستئصال والإبادة الشاملة ].

    والأمة الإسلامية قسمان: أمة دعوة، وأمة إجابة، والكل يشملهم لفظ الأمة. وأمة الدعوة هم الذين ندعوهم ليدخلوا في الإسلام، وأمة استجابة الذين استجابوا ودخلوا. فالآن البشرية كلها أمة محمد؛ إذ بعث إليهم أجمعين، وهي قسمان: قسم منهم استجاب وهم المسلمون، وقسم رفض الدخول في الإسلام، وهم أهل الدعوة، فندعوهم ليل نهار علهم يسلمون.

    [ ثالثاً: فضيلة الاستغفار، وأنه ينجي من عذاب الدنيا والآخرة ] وقد عرفنا وتكرر هذا.

    [ رابعاً: بيان عظم جرم من يصد عن المسجد الحرام للعبادة الشرعية فيه ] وهذا ظلم ليس فوقه ظلم، وهو أن يمنع شخص أن يطوف بالبيت، أو يصلي في المسجد الحرام.

    [ خامساً: بيان أولياء الله تعالى والذين يحق لهم أن يلوا المسجد الحرام، وهم المتقون ] فليس الأحق بولاية المسجد الحرام بريطانيا ولا الكفار، ولهذا حرمهم الله من هذا، فلا تولى يهودي ولا نصراني على بيت الله مع أننا غلبنا وانهزمنا أمامهم، ولا يتولى الحرمين إلا المؤمنون الأتقياء فقط؛ لقوله تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34].

    [ سادساً: كراهية الصفير والتصفيق، وبطلان الرقص في التعبد ].

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.