إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان صلى الله عليه وسلم يتلوا آيات الله على مسامع المشركين كانوا يسخرون منه، زاعمين أنهم لو أرادوا لأتوا بمثل ما أتى به من البيان، وإن ما يأتي به إنما هو أساطير الأولين، ثم لم يكتفوا بهذا الكفر والجحود وإنما تمادوا عازمين على إسكات صوت الحق، المتمثل في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فتآمروا على أن يفعلوا به أحد ثلاثة أمور؛ إما أن يحبسوه فلا يخلص إليه أحد من الناس، أو يخرجوه من مكة، أو يقتلوه، ثم أجمعوا أمرهم على الخيار الثالث، ولكن الله عز وجل أخرجه من بين أظهرهم سالماً غانماً محاطاً بعناية الله وتأييده.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم يوم السبت ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومع هاتين الآيتين، فلنستمع إلى تلاوتهما مجودتين مرتلتين، ثم نأخذ في درسها وبيان ما فيهما إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:30-31].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سبق هاتين الآيتين ثلاث آيات، وبينهما ارتباط، فلنشر أو فلنذكر ما جاء في هداية تلك الآيات السابقة:

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تحريم الخيانة مطلقاً، وأسوأها وأقبحها ما كان خيانة لله والرسول ] إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    وخيانة الله تكون بأن تتخلى عما أوجب عليك في الباطن، وتظهر أمام الناس أنك تؤديها، فتلك هي الخيانة، وكذلك الحال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتدعي أنك مؤمن به وأنك تحبه وتؤثره على نفسك ومالك وإذا بك لا تمشي وراءه ولا تتبعه إلا أمام الناس. هذه هي الخيانة لله والرسول.

    والأمانات هي: كل ما استودعته وقيل لك: احفظه حتى القول، فهو أمانة يجب أن تحفظها. وقد قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]. والأمانة هنا هي هذه العبادات التي تعبدنا الله بها، ومنها: الوضوء، فيجب ألا تخون الله تعالى فيه كأن فتغسل بعض جوارحك وتترك البعض. فكل هذه العبادات ائتمننا الله تعالى عليها، وحرم خيانته وخيانة رسوله بهذا النداء الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    [ ثانياً: في المال والأولاد فتنة قد تحمل على خيانة الله ورسوله، فليحذرها المؤمن ] فهذه الفتنة في المال والأولاد قد تحملنا على أن نخون الله ورسوله بأن نقصر فيما أوجب وننتهك ما حرم؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28]. فالمال إذا فتن صاحبه حمله على أن يكذب ويخون ويأكل الحرام، وحمله على أن يمنع ما أوجب الله فيه من زكوات، وعلى أن يغش ليربح ويزيد ماله.

    والأولاد كذلك، حبهم وتعلق القلب بهم قد يحول بينك وبين أداء الفرائض، فقد ينادى للصلاة: حي على الصلاة والأولاد بين يديك فيعز عليك أن تقوم وهم يبكون، فيفتنوك، وأيام الجهاد أيضاً يفتنون والدهم عن الجهاد، ويقولون: لمن تتركنا يا والدنا؟! وكيف تسافر عنا وتتركنا؟

    [ ثالثاً ]: من ثمرات التقوى: [ تكفير السيئات، وغفران الذنوب، والفرقان، وهو نور في القلب يفرق به المتقي] أي: صاحبه [ بين الأمور المتشابهات، والتي خفي فيها وجه الحق والخير ] وبين الحق والباطل؛ لأن الله تعالى قال في الآية: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29].

    فيا عباد الله! ويا أيها المؤمنون! اسمعوا ربكم تعالى يقول: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29]. فلا يرغب عن هذا الخير إلا محروم جاهل به لم يعرفه. فهذا وعد الله الصادق. وليس هناك من اتقى الله ثم لم يظفر ولم يفز بهذا الموعود الإلهي، فهذا والله ما كان.

    وإن تقوى الله -يا عباده!- هي خوف منه يملأ قلب العبد، ويحمله على ألا يعصيه وألا يعصي رسوله لا بترك واجب وجب، ولا بفعل محرم حرم.

    العلم طريق التقوى

    هنا لطيفة نذكر بها، وهي: أن الذي لا يعرف محاب الله ومكارهه، ولا يعرف ما أوجب الله ورسوله، ولا ما نهى الله عنه ورسوله لم يمكنه أن يتق الله. ولذلك تجدنا مضطرين اضطراراً كاملاً إلى أن نقول: العلم أولاً، وقد بدأ الله تعالى به في قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]. فقد أمرنا بأن نتقيه ليثيبنا وليجزينا، وليعطينا عطاء عظيماً، وهو: أن يجعل لنا فرقاناً في قلوبنا نفرق به بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الضار والنافع، في الحال والمستقبل ويغفر ذنوبنا ويكفر سيئاتنا، مقابل تقواه، فهيا نتقي الله، حتى نصبح نخافه، وترتعد فرائصنا عند ذكره، ويقشعر جلدنا. فنحتاج إلى معرفته أولاً بصفات الجلال والكمال، فضع رأسك بين ركبتيك وفكر: من خلقك؟ ومن وهبك سمعك وبصرك؟ وانظر إلى هذا الكون وفكر: من أوجده؟ ومن يديره؟ ومن يحيي ويميت؟ ويعز ويذل؟ وستجد نفسك تقول: الله. فإذا عرفته طلبت حبه، وخفت من غضبه وسخطه، فترشد إلى أن تعرف كل ما يحب، وأن تعرف كل ما يكره، وإذا عرفت ما يحب فعلته، وإذا عرفت ما يكره تركته، وبذلك تكون قد اتقيت الله، وأنت من المتقين، والمتقون لهم قيمتهم ودرجتهم ومنزلتهم، فهم الوارثون لدار السلام، وهم أولياء الله عز وجل، فالمتقون هم ورثة الجنة، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63]. وقال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    فهيا نعمل على أن نتقي ربنا، فنكثر من ذكره، والنظر في الكون، وسماع كلامه؛ حتى تزداد معرفتنا به، ويزداد خوفنا ورهبتنا منه، وبذلك يسهل علينا أن نسأل أهل العلم عن ماذا يحب ربنا من الأقوال ومن الأفعال، ومن الاعتقادات ومن النيات، فنعلم ونعمل، ونسأل أهل العلم عن الذي يبغضه الله ويكرهه من قول أو اعتقاد، أو عمل أو صفة أو ذات، فنعرف ونترك ما يكره الله عز وجل، وبذلك تتحقق ولاية الله عز وجل، ومن والاه الله لا خوف عليه ولا حزن يلقاه، لا في هذه الحياة ولا في الدار الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ...)

    الآن مع هاتين الآيتين الكريمتين، وقد سمعنا تلاوتهما مرتلتين. قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، أي: اذكر يا رسول الله! هذا، واذكروا أيها المؤمنون! هذا، فهذه نعمة من نعم الله عز وجل، وهي إنقاذ نبيكم، ونجاة حبيبكم صلى الله عليه وسلم من قبضة الكفرة ومؤامراتهم. وهذه نعمة يجب أن يشكرها كل مؤمن ومؤمنة طول الحياة.

    تآمر الكفار على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة

    قيل: إنه لما توفي عمه أبو طالب اشتد كرب المجرمين، وعظم همهم من خوفهم من هذه الدعوة النورانية الربانية، فما كان منهم إلا أن تجمعوا في نادٍ من أنديتهم، وقالوا: ننظر في أمر هذا الرجل، ونحكم بأمر ينهينا من هذه المشكلة، ويخلصنا منها. وإذا بشيخ حسن الطلعة والوجه يدخل عليهم، فسألوه من أين هو، فقال: من نجد؛ لأن رجالات نجد ممتازين في الهيئة، فقالوا: أهلاً وسهلاً، فقال: أنا معكم أشارككم في محنتكم، فقال أحدهم: نربطه ونشده بوثاق متين، ونلصقه بجدار حتى يموت، هذا هو الحل، فنأخذ محمداً صلى الله عليه وسلم، ونوثقه بوثاق متين، ونلصقه بالأرض، ونربطه في منزل حتى يموت، كما فعلنا مع زهير والنابغة وفلان وفلان. فقال أبو مرة -وهي كنيته-: أرأيتم لو هاجم أتباعه هذا البيت وأخرجوه منها فسيخرج خارج البلاد، ويؤلب عليكم الدنيا كلها، فهذا ليس برأي، فحبسه وتوثيقه وربطه بحبال متينة وبسلاسل لا ينفع؛ إذ من الجائز أن أنفاره وأتباعه يهجمون ليلة من الليالي على هذا المنزل ويخرجونه، فهذا ليس برأي.

    فقال آخر: نخرجه من البلاد ونبعده من ساحة ديارنا بالمرة، وننفيه نفياً كاملاً، ونستريح من فتنته وما نعانيه منه، فقال أبو مرة: هذا الطريق سيعيده إليكم، فكلامه وصوته لا يرد، والناس مقبلون عليه، مجذوبون له، فسيجمعهم ويأتيكم، ويخرجكم من دياركم، ويقتل أشرافكم، فهذا ليس برأي.

    فقال أبو جهل: الرأي أن نأتي من كل قبيلة بشاب قوي البدن، سليم الذات، ونعطيهم سيوف مصلتة، ويضربونه ضربة رجل واحد، فيتوزع دمه بين قبائل قريش، وحينئذ لا يسع بني هاشم إلا أن يقبلوا العقل والدية فقط، ولا يطالبون بالقتل؛ لأنهم لا يستطيعون أن يحاربوا أربعين قبيلة أو فصيلة. فقال أبو مرة : هذا هو الرأي الصائب، فانتخبوا أربعين شاباً من شبيبة القبائل، من أصحاب البنية السليمة والقوة البدنية الصحيحة، فيأتونه إلى بيته، فيطوقونه وينتظرون خروجه، فإذا خرج صوبوا عليه سيوفهم بضربة واحدة، فيتوزع دمه في أربعين قبيلة أو فصيلة.

    وبالفعل جمعوا أربعين شاباً من خيرة شبيبتهم، وسلحوهم بسيوفهم، وقال: قفوا عند الباب، وأُبلغ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بما صدر في ناديهم من الحكم بالقتل عليه، وسأل الله تعالى أن يأذن له في الهجرة، فقال لـعلي بن أبي طالب : نم أنت على فراشي، أي: فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، وغطاه ببرد أخضر كان له صلى الله عليه وسلم، وهم واقفون، فأخذ حفنة من تراب وقال: باسم الله، شاهت الوجوه، فأخذوا يمسحون أعينهم من التراب حتى نفذ رسول الله، وخرج إلى دار أبي بكر الصديق ، وقد اتفق معه على الهجرة بالفعل.

    وهاجر صلى الله عليه وسلم، وعانى ما عانى، ولكن ما إن وصل إلى المدينة حتى لاحت الأنوار، وما هي إلا عشر سنوات ولم يبق في هذه الجزيرة من لا يعبد الله. وهذه نعمة ذكرنا الله تعالى بها فاسمعوها، قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:30] أي: اذكر هذا، واذكر هذا يا مؤمن! ويا مؤمنة!

    معنى المكر والإثبات

    المكر هو: تبييت المكيدة والخيانة، ومكر به: أظهر له حسن الظاهر والباطن سيئ. وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال:30]. والإثبات: هو الشد والربط بالوثاق المتين، أي: ليثبتوك في السجن. أَوْ يَقْتُلُوكَ [الأنفال:30] قتلاً كما تآمروا. أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30]، أي: ينفونك من ديارهم. وَيَمْكُرُونَ [الأنفال:30] بالفعل، وتم مكرهم ومؤامرتهم، وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]. فنجى رسوله، واستخلصه من مكرهم، وكانوا هم الممكور بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ...)

    قال تعالى في الآية الثانية: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31]. وهؤلاء هم خصوم الإسلام ودعوته. فهم كما قال الله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [الأنفال:31]، أي: إذا قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات القرآن الموضحة للطريق، المبينة للهداية، المنقذة للنفوس والأرواح من الشرك والكفر والضلال، وإذا تليت عليهم الآيات المبينة لجلال الله وكماله وعظيم سلطانه، والتي تشرح لهم الدار الآخرة وتبين ما فيها من نعيم مقيم وسمعوها قالوا: سمعنا ما تقرأ، ولو شئنا لقلنا مثل ما تقول. وليس هناك ضلال أكثر من هذا الضلال. فهم يقولون: إنهم سيقولون مثل ما يقول. وقد تحداهم الله عز وجل بسورة واحدة فطأطئوا رءوسهم، وكانوا يقولون في بداية الأمر: لو نشاء لقلنا مثل ما قال، فتحداهم الله بقوله: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:23-24]. ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا، والآن يقولوا: لو شئنا لقلنا مثل ما يقول.

    وكان النضر بن الحارث شيطان المشركين ورئيسهم يذهب بالتجارة إلى الحيرة -وهي تابعة لحكم الفرس- ويشتري مجموعة من أحاديث كليلة ودمنة وأحاديث قيصر وكسرى، ويجمعها ويأت بها، ويقول: تعالوا أسمعكم ما لم يقله محمد، فعندي قصص خير مما يقصه عليكم. فقد كان يذهب إلى الحيرة، وإذا وجد فرصة لجمع أحاديث كليلة ودمنة وأحاديث قيصر وكسرى جمعها، ويصبح يجمع الناس في جهة من المسجد ويقول: تعالوا أسمعكم قصصاً لم يسمعكموها محمد، فنزل فيه هذا القول الإلهي: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31]. والأساطير: جمع أسطورة، وهي: ما يسطر ويكتب ويدون. وقد رددوا هذه الكلمة، ولكن خيبهم الله وأذلهم. وقالوا: هذا سحر من سحر الأولين فقط، وأنه سحر يؤثر، وليس هو بكلام الله. ونتوقع أن يقولوا أكثر من هذا؛ لأن قلوبهم مظلمة بالكفر، ميتة بالشرك، ويوم أن أزيح ذلك الظلام وبعدت تلك الفتنة من الشرك أصبحوا أعدل الناس، وأرحمهم وأعلمهم في الأرض.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين أقرأ عليكم شرح هاتين الآيتين من الكتاب؛ لتزدادوا معرفة.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    يذكر تعالى رسوله والمؤمنين نعمة من نعمه تعالى عليهم ] وقد عرفنا أنها نجاة رسولنا وسلامته، وانتصار دعوته وظهور دينه في العالم، وليس هناك نعمة أعظم من هذه [ فيقول لرسوله: واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30]. إذ اجتمعت قريش في دار الندوة، وائتمرت في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وفكرت ومكرت، فأصدروا حكماً بقتله صلى الله عليه وسلم، وبعثوا من ينفذ جريمة القتل ] فطوقوا منزله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رماهم بحثية من تراب قائلاً: شاهت الوجوه، فلم يره أحد [ ونفذ وهاجر إلى المدينة، وهذا معنى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    فكان في نجاته صلى الله عليه وسلم من يد قريش نعمة عظمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سائر المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.

    وفي قوله تعالى في الآية الثانية: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31] هذا الخبر تنديد بموقف المشركين ذكر بعد ذكر مؤامراتهم الدنية، ومكرهم الخبيث، حيث قرروا قتله صلى الله عليه وسلم. يخبر تعالى أنهم إذا قرأ عليهم الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ آيات الله المبينة للحق، والمقررة للإيمان به ورسالته بذكر قصص الأولين قالوا: سَمِعْنَا [الأنفال:31] ما تقرأ علينا. لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [الأنفال:31]، أي: الذي تقول. إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:31]، أي: أخبار السابقين من الأمم، سطرت وكتبت فهي تملى عليك، فتحفظها وتقرأها علينا، وكان قائل هذه المقالة الكاذبة النضر بن الحارث عليه لعائن الله؛ إذ مات كافراً ] إلى جهنم والعياذ بالله.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيتين ] فإليكم ما في الآيتين من هداية:

    [ من هداية الآيتين:

    أولاً: التذكير بنعم الله تعالى على العبد؛ ليجد العبد في نفسه داعية الشكر ] والذكر [ فيشكر ] الله عز وجل. ووالله لو كنا نذكر النعم ونتفرغ لذكرها لحظة فقط لشكرنا الله عز وجل، ولكن والله تمضي الأيام والليالي ولا نذكر نعمة من نعمه إلا إذا ذكرنا بها آخر، ونحن نتقلب في النعم الليل والنهار، ويكفي منها بقاءنا أحياء وقد مات ملايين غيرنا.

    فالتذكير بنعم الله تعالى على البعد توجد في نفس العبد داعية الشكر والذكر، فقد قال لرسوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:30]. وقال له هذا الكلام ليذكره ويذكر أمته بنجاة رسوله من الهلكة والقتل والتدمير.

    ما زلت أقول: هيا نكون بحيث لا تمضي ساعة من ساعاتنا إلا ونذكر فيها نعم الله علينا، ولا تقل: لا يمكن هذا، بل لما تريد أن تلبس ثوبك فاذكر من ألبسك هذا الثوب، وإذا أردت أن تتناول الماء وأنت ظمآن فاذكر من خلق هذا الماء، ووهبه لك، وإذا أردت أن تركب سيارتك فاذكر من أوجدها، فتذكر نعمة الله عليك، فتقول: الحمد لله والشكر لله.

    المؤمنون الذاكرون أحياء، والناسون أموات.

    [ ثانياً: بيان مدى ما قاومت به قريش دعوة الإسلام، حتى إنها أصدرت حكمها بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: بيان موقف المشركين من الدعوة الإسلامية، وأنهم بذلوا كل جهد في سبيل إنهائها والقضاء عليها ] وإنهم والله إلى الآن يعملون، فالمؤامرة ضد الإسلام من الثالوث الأسود إلى الآن يعملونها، وإن شئنا كشفنا النقاب، فهم إلى الآن يعملون على إطفاء هذه الأنوار، وهم لا يريدون الإسلام ولا أهله، وهم يقدمون لنا أنواع الطعام والشراب، واللباس والمراتب؛ لينسونا ذكر الله عز وجل.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.