إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أنزل رسول الله يهود بني قريظة على حكم سعد بن معاذ جزاء خيانتهم، بعث إليهم بأبي لبابة رضي الله عنه ليخبرهم بأن ينزلوا على هذا الحكم، فلما أتاهم أبو لبابة أخبرهم برسالة رسول الله، إلا أنه أشار إلى عنقه كناية عن ذبحهم إن هم نزلوا على هذا الحكم، وسرعان ما انتبه أبو لبابة رضي الله عنه إلى فداحة ما فعله فانطلق إلى مسجد رسول الله تائباً منيباً، وربط نفسه إلى إحدى سواري المسجد حتى يحكم الله فيه، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، وصحت توبة أبي لبابة رضي الله عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم واليومين بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث من سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، فهيا نصغي ونستمع تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نأخذ في تفسيرها وبيان مراد الله تعالى منها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:27-29].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قال ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:27]. وقد علمنا أن هذا النداء فيه شرف لهذه الأمة، فالله جل جلاله وعظم سلطانه ملك الملوك ورب كل شيء ينادينا، ونحن لسنا شيئاً حتى ننادى، والله ينادينا بنفسه، ولم يكلف أحداً ينادينا؛ وذلك لشرف الإيمان. فالإيمان الصحيح هو سبب هذا الفضل والخير. وأما غير المؤمنين فلا يكلمهم الله ولا يناديهم؛ لأنهم أموات غير أحياء، وأما المؤمن فهو حي، فإذا ناداه ربه قال: لبيك اللهم لبيك! وإذا أمر قال: سمعاً وطاعة، وإذا نهى كذلك. فلا ننسى هذه الفضيلة أبداً.

    وكما علمنا فهو ينادينا إما ليأمرنا بفعل ما يسعدنا ويكملنا في الدارين، أو لينهانا عما يشقينا ويخسرنا في الدنيا والآخرة، أو ليبشرنا حتى نزداد في الصالحات، وبعداً عن المفسدات، أو ينادينا ليحذرنا من عواقب السوء، أو ينادينا ليعلمنا ما ينفعنا في حياتنا. ولا ينادينا لغير ما ينفعنا؛ وذلكم لأنه ولينا، ونحن أولياؤه، والله ولي الذين آمنوا.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ...)

    نادانا الله هنا بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:27] لينهانا عن أمر عظيم، وهو خيانته وخيانة رسوله وخيانة الأمانات، فويل للخائنين! وويل للخونة! فقد قال: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    ولا بأس أن نذكر ما قيل إنه سبب في نزول هذه الآية، وهو: لما جاءت غزوة الأحزاب وتحزب فيها المشركون في الشرق والغرب، وزحفوا لإنهاء رسول الله وأهله من المدينة المنورة، وطوقوا المدينة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن ينزلوا بسفح أحد، وهو جبل عالٍ -وراءنا الآن-، وأن يجعلونه حصناً لهم من ورائهم، ويواجهون العدو من أمامهم.

    وكان بنو قريظة في الجنوب، وكانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يحاربوه، ولا يحاربون مع من يحاربه.

    وأما بنو قينقاع فقد أجلاهم الرسول من المدينة في السنة الأولى لخيانتهم، وفي السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة كاد بنو النضير لرسول الله وهموا بقتله، فأجلاهم من المدينة، وبقي بنو قريظة على ميثاقهم وعهدهم، ثم لما جاء الأحزاب ذهب إليهم عفريت من عفاريت اليهود، وحرضهم على أن ينضموا ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب، وبالفعل أعلنوا توليهم للأحزاب المقاتلين، وبعث الرسول إليهم، وجاء الرسول يخبر بالواقع، وأن وجوههم متغيرة.

    ثم لما هزم الله الأحزاب بريح عاصفة، وتشردوا من الشرق والغرب ما عاد الرسول بعد خمسة وعشرين يوماً من هذا الخندق إلى بيته حتى نزل جبريل يخبره: أن الملائكة ما وضعت السلاح، فلا تضع السلاح يا رسول الله! بل اخرج إلى بني قريظة، فأمر الرسول بالمشي إلى بني قريظة على الفور، وقال: ( لا تصلوا العصر إلا عند بني قريظة ). فنزلوا حولهم وطوقوهم، وما كان منهم إلا أن رضوا بقضاء وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم.

    فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة يعلمهم بأن الرسول حكم فيهم سعداً، وواجههم بأن يقبلوا حكم سعد، ولكنه أشار بيده إلى عنقه، بمعنى: أنه الذبح. فكانت هذه خيانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولله تعالى. فقد أشار بمعنى إذا تنازلتم ورضيتم بحكم سعد فسوف يكون الذبح، وما إن أشار بيده أبو لبابة حتى وقع في نفسه أنه خان، وما كادت الأرض تحمله، فجاء وربط نفسه في سارية المسجد -وهي التي تسمى الآن سارية أبي لبابة -، وحلف ألا يأكل ولا يشرب حتى يتوب الله عليه أو يموت، ومكث مربوطاً بحبل في السارية سبع ليال، حتى نزلت توبته، فأرادوا أن يحلوا رباطه فقال: لا، حتى يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فكان هذا وجه خيانة، وكان إشارة فقط رحمة بأولئك اليهود، فقد أشار فقط بيده ولم ينطق، فكيف بالذين يوجهون الكافرين ويساعدونهم، ويعينونهم على الإسلام والمسلمين بالقول والعمل؟ فنزلت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالذي يتظاهر لنا بأنه تقي ويطيع الله ويخون ويعصي الله في السر فهو والله لمن الخائنين، وكذلك الذي يظهر أمام الناس أنه مطيع لله يصلي ويزكي ويعمل الجرائم في الخفاء، فهذا قد خان الله وخان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا جميع المنافقين يدخلون تحت هذه الآية؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام، وهم يبطنون الكفر، فهم خونة وخائنون.

    فعلينا ألا نخون الله والرسول في أوامرهما ونواهيهما، بل ما استطعنا فعله فعلناه، وما عجزنا عنه أعذرنا إلى ربنا، وأما أن نتظاهر بالدين والإسلام ونخفي الجرائم ونواقعها في الظلام فهذه والله لهي الخيانة لله وللرسول، والله حرمها بقوله: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال:27].

    التحذير من خيانة الأمانة

    قال تعالى: وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ [الأنفال:27]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ). وقال تعالى عن الأمانة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]. فإذا وضع مسلم شيئاً تحت يدك أو وضعه في صدرك لتخفيه فلا يحل أبداً أن تخونه بأي وجه من أوجه الخيانة، فإذا استودعك مالاً أو استودعك كلمة أو وضع أهله عندك أو استأمنك على كذا فإياك أن تخونه! فالله يقول: وَتَخُونُوا [الأنفال:27]، أي: ولا تخونوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    وآية المنافق وعلامته ثلاث علامات، الأولى: إذا وعد أخلف، والثانية: إذا خاصم فجر، والثالثة: إذا ائتمن خان.

    والشاهد عندنا: حرمة الخيانة مطلقاً، فمن عهد إليك بشيء وائتمنك عليه ووضعه تحت يديك فإياك أن تخونه! بل ارض أن تموت ولا تخونه؛ لأن خيانته كخيانة الله ورسوله، فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] عواقب الخيانة وآثارها، وما تفسد وتجعل في المجتمع من شر وفساد، فمن ائتُمن فليثبت على أمانته وليحفظها، وليصنها حتى يقدمها لمن ائتمنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ...)

    يقول تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28]. وهذا يشير إلى أن الخيانة لله والرسول سببها هو حب المال والولد، فالذي يحب ماله وولده فهذا الحب هو الذي يسبب له خيانة الله ورسوله والمؤمنين. فهو يقول هنا: وَاعْلَمُوا [الأنفال:28]، أي: يعلمكم خالقكم بأن أموالكم وأولادكم فتنة، تفتنون بها وتمتحنون. فلا يحملنك حب مالك أو البقاء عليه أو كثرته على أن تخون الله ورسوله، وتخون أماناتك، ولا يحملك حب أولادك وبناتك وبنيك على أن تعصي الله ورسوله، وتخون المؤمنين.

    فقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] هذه إشارة بل عبارة صريحة في أن الخيانة أكثر ما تكون بسبب حب المال والولد، وأن الذين يعصون الله ورسوله أغلب حالهم ليس مجرد شهوة، بل مجرد عمل للحفاظ على المال والولد. وقد شاء الله أن يجعل المال والولد فتنة، أي: محنة واختباراً للمؤمنين، فمن ثبت ولم يؤثر فيه حب ولده ولا ماله فلم يسرق ولم يخن ولم يغش ولم يكذب فقد نجح، والذي يستجيب لتلك الوسوسة وذاك النداء الشيطاني يخون الله ورسوله والمؤمنين.

    واعلموا أيضاً أن الله عنده أجر عظيم، فإذا فقدت ولدك أو فقدت مالك لوجه الله تعالى فالله يجزيك بما هو خير؛ لأن عنده أجر عظيم، ألا وهو الجنة ونعيمها. وإذا وسوس لك الشيطان وأرادك أن تخون الله ورسوله أو تخون أماناتك فاذكر أن الله عنده أكثر مما تخون من أجله من مال وولد، فإن الله عنده أجر عظيم، ألا وهو الجنة دار السلام.

    وهذه التعاليم تعاليم الله، ولولا حبه لعباده الصالحين ما كان ليوجههم هذا التوجيه، ولكنه وليهم وهم أولياؤه.

    فاعلم أن الله عنده أجر عظيم، فلا يحملنك حبك لأولادك أو مالك على أن تخون الله ورسوله وتخون أماناتك، واذكر أن الله عنده أجر عظيم، أعظم مما عندك من المال والولد، فاترك هذا الدنيوي، وخذ الأخروي.

    هذا النداء الأول، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال:27]. وخيانة الله والرسول تكون بالمعصية، فإذا أمراك ولم تفعل فقد خنتهما، وإذا نهياك وفعلت ما نهياك عنه فقد خنتهما، وأبشع من ذلك أن تطيعهما في الظاهر وتعصيهما في الباطن، فهذه هي الخيانة نفسها.

    وأما أماناتنا ففي كل شيء، فكل شيء أمانة، فذاتك أمانة الله عندك يجب أن تحافظ عليها، ودينك أمانة استأمنك الله عليه، وكل ما في الحياة أمانة وأنت مأمور بالمحافظة عليها. فالأمانات كثيرة، وليست أمانة واحدة، وقد قال تعالى: وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] عاقبة الخيانة وشؤمها وسوءها، وأنتم تعلمون أنكم خنتم وخائنون، ولو كانت الخيانة في حال جهل أو عدم بصيرة فهي أخف، لا مع العلم أنها خيانة.

    ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28]. وهذا الكلام معناه: أن أكثر الخيانات تكون بسبب المال والولد، والله يعلم ذلك، فقد غرز الغرائز في قلوبنا، فهو يعلم أن حبك لمالك وولدك يحملانك على أن تخون أمانتك، وهذا هو الواقع. فعلمنا على أن نصبر وألا نبالي بأموالنا وأولادنا؛ لأن الله عنده أجر عظيم أعظم مما نريد نحن من المال والولد، كما قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28]. وهذا الأجر العظيم هو الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والأجر مقابل العمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)

    قال تعالى في النداء الثاني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29]. فإذا أعطيتموه هذه العطية فإنه يعطيكم ثلاثاً.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]. والفرقان من فَرَقَ الشيء يفرق إذا بان وانفصل وظهر، والمراد من الفرقان هنا: نور يقذفه الله في قلب العبد المتقي، فيصبح صاحب هذا النور يميز بين الحق والباطل، ولا يلتبس عليه أمرهما، ويفرق بين الخير والشر، ولا يضل في ذلك، ويفرق بين المعروف والمنكر ويميز بينهما؛ لما عنده من هذا النور الباطني. وهذا النور مقيد بتقوى الله عز وجل، فإن تتقوا يجعل، وإن لم تتقوا لم يجعل لكم.

    وسر ذلك: أن التقوى -وهي الخوف من الله الحامل للخائف على أن يطيع الله ورسوله بفعل الأوامر وترك النواهي- تصفي الروحي وتزكي النفس وتطهر القلب، ومن شأن القلوب أن تستنير بهذا النور. وصاحب القلب المنير يفرق بين الحق والباطل، ولا يلتبس عليه أمرهما، ويفرق بين الخير والشر، وبين المنكر والمعروف، وبين النافع والضار، وكأنه أعلم الناس، وهذا بواسطة النور الذي في قلبه، والذي لا نور في قلبه يتخبط في الظلام، ولا يميز بين الحق والباطل، بل يقف إلى جنب الباطل ويظن أنه واقف إلى جنب الحق، ويقول المنكر ويظن أنه يقول المعروف، وذلك لجهله.

    فمن هنا تقوى الله عز وجل أي: الخوف من الله الذي يحمل عبد الله الخائف أو أمة الله الخائفة على أن يطيع الله ورسوله فيما يأمران به من العقائد ومن العبادات، ومن الأقوال ومن الأفعال، ويجتنب ما نهى الله عنه وحرمه ورسوله كذلك من الاعتقادات الفاسدة والأقوال الباطلة والأعمال غير الصالحة؛ لأن صاحب هذه التقوى يتلقى هذا النور، كما قال تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]. فالله يعدكم، والله لا يخلف وعده، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    وعندنا صورة واضحة لذلك، وهي: أن عمر رضي الله عنه أوتي هذا الفرقان العظيم، وبرز فيه، وتفوق فيه، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه قائلاً: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه ). فلا يقوى إبليس أن يمشي مع عمر ، فضلاً على أن يدخل فيه ويوسوس له. وقال: ( لو كان في أمتي محدثون )، أي: من تحدثهم الملائكة ( لكان منهم عمر ، ولكن لا نبي بعدي ).

    وأعطيكم صورة واضحة لكيفية فوز عمر بهذا الكمال: دعاه أحد أمرائه إلى غداء أو عشاء، ووضع له السفرة، ونوع فيها الطعام، فتقدم عمر وهو خليفة المؤمنين، وما إن شاهد ألوان الطعام حتى ارتعدت فرائصه كالأسد وقام، فصاح الأمير: لم يا أمير المؤمنين؟! قال: خشيت أن أكون ممن قال الله فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20]. حتى قال ولده بعد موته: ما قال أبي في شيء أظنه كذا إلا كان كما قال، أو كما ظن. ولم يخطئ في سياساته العامة والخاصة. وسبب هذا هو: الفرقان الإلهي. وهذا الفرقان ليس خاصاً ببني تميم، ولا ببني هاشم، ولا بالعرب، ولا بالعجم، ولا بالأغنياء، ولا بالفقراء، ولا نقول: قد ذهب أصحابه ولم يبق له مجال، بل والله أيما فرد من أفراد أمة الإسلام عربياً أو عجمياً .. شريفاً أو وضيعاً يتقي الله حق التقوى إلا رزق هذا الفرقان، ولم تخطئ نظرياته السياسية قط.

    ولهذا قلنا غير ما مرة: أنه يجب على الساسة ألا يكتفوا بشهادات كليات السياسة، بل يجب أن يتمرنوا على تقوى الله عز وجل وطاعته؛ حتى يكتسبوا هذا الفرقان، وحينئذ تكون نظرياتهم دائماً صائبة، ولا تخطئ أبداً، وإلا فإنهم يتخبطون كما تشاهدون؛ لأنهم ليس لهم فرقان. وأعظمهم يأخذ شهادة سياسية من كلية من الكليات، ثم يسود الناس ويقودهم، وهو أعمى لا يعرف الخير من الشر، ولا يعرف الحق من الباطل، ولا تشكوا في هذا، فالواقع شاهد. وهذا كلام ربنا، فقد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:29]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]. فهذا وعد الله.

    إذاً: من لم يتق الله يحرمه الله الفرقان، ووالله ما يظفر به، والله ليتخبطن في شئونه كلها. فلا بد من هذا يا أبناء الإسلام! هذا لا يكلفنا إلا أن نعرف ما يحب الله وما يكره، وأن نفعل المحبوب، وأن نترك المكروه فقط، ولا يوجد هناك شيء ثانٍ، فلا تبحث عن أصلك ولا من أين جئت، بل فقط اعلم ما يحب ربك، وما أحبه الله هو الذي أمر بفعله، واعلم ما يكرهه الله، وما يكرهه الله هو الذي حرمه ونهى عن فعله، وافعل المحبوب بإخلاص، واترك المكروه بإخلاص، ووالله لتصبحن ولي الله، وتعطى هذا النور الإلهي، وتصبح في أي منصب لا تخطئ في نظريتك.

    إذاً: فقوله: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29] هذه أول عطية.

    وثاني عطية هي قوله: وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [الأنفال:29]، أي: ذنوبكم التي مضت تنمحي، ولا يبقى لها أثر ولا وجود مهما كانت، فبعد تقوى الله لم يبق ذنوب ولا آثام.

    والسيئات هي الكبائر والصغائر، ونحن على كل حال معنا كبائر وصغائر الذنوب، فيمحى الكل كبيره وصغيره، ببركة تقوى الله عز وجل.

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29]، أي: والجزاء زيادة على هذا الجنة دار السلام، فالله صاحب الفضل العظيم الذي لا يقادر قدره.

    وقد قال أهل العلم: التقوى في هذا الباب بالذات -أي: التقوى المورثة والمكسبة للفرقان للفرقان، والتي تعطيك الفرقان وتورثك إياه- هي: امتثال الأوامر واجتناب النواهي، أي: امتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وترك الشبهات؛ مخافة الوقوع في المحرمات؛ حتى تكون هذه التقوى مورثة لهذا الكمال، وموجدة لهذا النور القلبي. فـعمر انتفض، ولم يرد أن يأكل من أنواع الطعام؛ خشية أن يكون من المشرفين.

    إذاً: على العبد ترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وأن يشحن القلب ويملأه بالنية الخالصة، بل لا بد وأن يكون هذا العبد نيته تملأ قلبه، وأن تكون خالصة لله عز وجل، فلا يعمل ولا يترك إلا من أجل الله، ولا يتحرك ولا يسكن إلا من أجل الله، وتكون حياته وقفاً على الله، وتكون جوارحه مملوءة بالأعمال الصالحة، فعينه تنظر للقرآن في المصحف، وتنظر إلى السماء وتحمد الله، ولسانه يذكر ويشكر، وأعضاؤه تمشي في سبيل الله، وتقعد في سبيل الله، فكل جوارحه موقوفة على الله، وكذلك يتحفظ من شوائب الشرك الخفي، الشرك الخفي كما قدمنا مثل قال إبليس لحواء وآدم: سميا ولدكما عبد الحارث؛ حتى لا يموت أو لا يصاب بمرض. فهذا شرك خفي. ومثل قولك: لولا فلان ما حصل كذا وكذا. فهذا شرك خفي. وقد بينا: أنك كل ما تقول: سأفعل غداً فقل: إن شاء الله، أو يكون من الشرك الخفي.

    والمهم أن هذه التقوى تقوى خاصة، وهي أولاً: فعل الأوامر كاملة، وثانياً: اجتناب النواهي مطلقاً، وثالثاً: ترك الشبهات. فإذا اشتبه عليك الأمر هل هو حلال أو حرام فاتركه حتى لا تقع في محرم.

    وكذلك شحن القلب بالنية الصادقة، بحيث تكون حياتك لله دائماً، وجوارحك كلها منقادة طائعة الله.

    ونقول: لا بد من تحقيق هذه كلها، أما الأوامر فبفعلها، والنواهي باجتنابها ولا بد، وأما النية الخالصة فلا بد، واتقاء الشبهات حتى لا تحول بين العبد وبين ولاية الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    [ أولاً: تحريم الخيانة مطلقاً، وأسوأها ما كان خيانة لله والرسول ] وقد دلت على هذه الآية الأولى. وقد عرفتم خيانة الله والرسول في أبي لبابة ، وأنها كانت بالإشارة فقط، فكيف بالذي يعلم ضد الله وينبه ضد رسوله؟

    [ ثانياً: في المال والأولاد فتنة قد تحمل على خيانة الله ورسوله، فليحذرها المؤمن ] فقد قال تعالى: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28]. ففي المال والولد والله فتنة، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14]. فعلى المؤمن البصير أن يحذر هذه الفتنة، ويذكر ما عند الله، وسيغنيه الله عن ماله وولده.

    [ ثالثاً ] من ثمرات التقوى: [ تكفير السيئات، وغفران الذنوب، والفرقان، وهو نور في القلب يفرق به المتقي بين الأمور المتشابهات، والتي خفي فيها وجه الحق والخير ].

    واسمعوا مرة أخيرة: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]. والله لا يخلف الله وعده وحاشاه. وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29]. إذاً: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال:28]. والمناسبة بين قوله: أموالنا وأولادنا فتنة، وقوله: والله عنده أجر عظيم أي: بمعنى: لا تبعثك نفسك لحب ولدك ومالك على أن تخون الله والرسول، بل اعلم أن الله عنده خير من أولادك ومالك، فعنده الأجر العظيم.

    وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ [الأنفال:29] كما علمتم، أي: تخافونه، فتطيعون أمره وتفعلونه، وتتركون نهيه، فإذا فعلتم ذلك فإنه يجازيكم بقوله: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29]، أي: ويعطيكم ما لا تطيقون من نعيم الجنة في دار السلام.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا دائماً وإياكم بما ندرس ونسمع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966333178

    عدد مرات الحفظ

    711650226