إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن حياتهم وكمالهم إنما هو بالاستجابة لما يأمرهم الله عز وجل به، والانتهاء عما ينهاهم عنه، والاستماع إلى بشاراته سبحانه وتعالى، ويحذرهم سبحانه من الفتن التي لا يصيب شرها الذين ظلموا وحدهم، وإنما العقاب يعم الجميع، والله سبحانه إذا عاقب فإن عقابه أليم شديد، ثم يذكرهم سبحانه ممتناً عليهم حيث كانوا قليلين مستضعفين في مكة يخافون من بطش المشركين، فآواهم وجعل لهم دولة، ومكنهم في الأرض ورزقهم من الطيبات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم واليومين بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25].

    وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26]. ‏

    سبب نداء الله تعالى لعباده المؤمنين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))[الأنفال:24]! إنه نداء الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه، يوجهه إلى عباده المؤمنين - ونحن إن شاء الله منهم-. فيا له من شرف! ويا لها من كرامة! أن ينادينا رب السماوات والأرض وما بينهما، وأن ينادينا ملك الملوك جل جلاله وعظم سلطانه، ونحن لسنا شيئاً حتى ينادينا رب السماوات والأرض، والحمد لله أنه رزقنا الإيمان، وجعلنا مؤمنين، فحيينا وأصبحنا أهلاً لأن ينادينا ويكرمنا، فقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))[الأنفال:24]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! مر نفعل، وانه ننتهي، وبشر نستبشر، وأنذر نخاف ونحذر، وعلمنا نتعلم. وهذا لسان حال كل مؤمن ومؤمنة. والله ربنا جل جلاله لا ينادينا إلا لواحدة من هذه: إما ليأمرنا باعتقاد أو قول أو فعل ما يكملنا ويسعدنا في الدارين، أو ينادينا لينهانا عما يشقينا ويردينا ويخسرنا في الدارين، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إليه؛ لنكمل ونسعد، أو ينادينا ليبشرنا؛ لتزداد الصالحات عندنا، وتزداد رغبتنا في لقائه، أو ينادينا ليحذرنا ولينذرنا من مخاوف ومخاطر نحن نقترب منها، أو ينادينا ليعلمنا. معاشر المستمعين والمستمعات! اعلموا أنه من أجل هذا ينادي الله عباده المؤمنين، فأعيدوا هذا الخبر بين إخوانكم. وبالاستقراء والتتبع وجدنا مولانا تعالى نادانا في كتابه تسعين نداء. ولم ينادنا فيها إلا ليأمرنا، كقولك: يا عبد الله! اتق الله، أو لينهانا لا تفعلوا كذا، أو ليبشرنا، أو ليحذرنا، أو ليعلمنا. ولا ينادينا لا لشيء، تعالى الله عن اللهو واللعب. وأود بكل رغبة من كل مؤمن سمع هذا اليوم أن يحدث به نفسه وغيره، فيقول: عرفنا السر في نداء الرب تعالى لنا، فهو ينادينا ليأمرنا بالذي إذا فعلناه كملنا وسعدنا، ونجونا وفزنا، أو ينادينا لينهانا عن اعتقاد أو قول أو عمل من شأنه أن يفسدنا، ويورثنا الخسران والدمار في الدنيا والآخرة، أو ينادينا ليبشرنا؛ لنزداد في الصالحات انطلاقاً، وفي ميادين الخير سيراً ومسيراً، أو ينادينا لينذرنا عواقب ويخوفنا من أمور تأتي على حياتنا، وتخسرنا خسراناً أبدياً، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى علمه ومعرفته. وينادينا لا لشيء، فالله منزه عن اللهو والعبث.

    ما تتحقق به ولاية الله عز وجل ومكر العدو بالمسلمين في ذلك

    علمتم سر نداء الله لنا، وإنه ولايتنا له. والمؤمنون أولياء الله، فلهذا يدعوهم ويناديهم، ويبشرهم وينذرهم؛ لأنهم أولياءه، فهو يعلم أولياءه ليرتفعوا ويسموا.

    وهذه الولاية لم تتحقق لأولياء الله بكثرة الدراهم والدنانير، ولا بشرف الأسر، ولا بسمو الفصائل والقبائل، بل حازوها بالإيمان وتقوى الله. فالإيمان والتقوى صاحبهما ولي الله، ومن آذاه أعلن الله الحرب عليه وآذاه، كما قال تعالى: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). فلهذا لا يسب مؤمن مؤمناً أبداً، ولا يقذفه، ولا يشتمه، ولا يناله بمكروه أبداً، بل ولا ينظر إليه بنظرة شزرة؛ لأنه ولي الله، وهو لا يقوى على أن يؤذي أولياء الله.

    وهنا لطيفة من لطائف العلم فخذوها: عرف العدو -عدو الإسلام والمسلمين- المكون من ثلاثة فصائل مجرمة منتنة، وهي: المجوسية واليهودية والنصرانية أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وعلموا أن أهل القرية إذا عرفوا أنهم أولياء لله انتهى بينهم كل باطل وشر، وسوء وظلم وخبث، وأنه لا يستطيع عبد مؤمن أن يزني بامرأة ولي الله، ولا يقدر على هذا، ولا يستطيع مؤمن أن يؤذي ولياً من أولياء الله، ولن يسبه أو يشتمه، أو ينال منه أو يأخذ ماله، وأنه والله لا يقدر على هذا. فقالوا: لابد أن نطفئ هذا النور من بينهم؛ ليكونوا مثلنا. وعلمهم العدو الأول إبليس أبو مرة وقال لهم: احتالوا عليهم، واحصروا الولاية في الموتى فقط، ولا تتركوا ولياً حياً. ومن ثَمَّ أصبح أولياء الله هم الذين ماتوا، وضربنا على قبورهم القباب، ووضعنا لهم التوابيت، وأنرناها بالشموع، ولم يعد يوجد ولي يمشي في السوق أبداً.

    وقد قلت وكررت القول: أنه قبل هذه الفترة قبل خمسين .. ستين سنة لو تدخل القاهرة المعزية وتقول لأول قاهري تلقاه في الطريق: أنا جئت من بلاد بعيدة لزيارة أحد الأولياء في هذه البلاد، فدلني يرحمك الله على ولي، فإنه والله لا يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن هناك ولياً حياً بين الناس. وهذه القاهرة أم العلوم والمعارف. وأما إذا دخلت قرية أو مدينة أخرى فكن موقناً أنك إذا واجهت أحد رجالها وقلت: إني جئت لزيارة أحد الأولياء فأرشدني ودلني على ولي فوالله ما يهديك إلا إلى قبر. وأنا أحلف لأني على علم، فقد شخنا وشبنا في هذه الدعوة.

    ولو عرفنا أن أولياء الله لما استطاع بعضنا أن يسب بعضاً، ولا أن يشتم بعضنا بعضاً، ولا أن يزني بعضنا بنساء بعض، ولا أن يسلب بعضنا مال بعض، ولا أن يكره ولي الله ويبغضه، فهذا والله ما يكون؛ لأننا سمعنا: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64]. وسمعنا الرسول يقول: ( قال الله: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). ولهذا كانوا لا يستطيع أحدهم أن يمس ضريحاً بأي مساس، ولا يستطيع أن يقول في ولي كلمة، بل كان يسب الله ولا يستطيع أن يسب الولي. فافهموا هذا العلم، ولا تظنوا أنكم لستم في حاجة إليه.

    واعلموا أنكم أنتم أولياء الله، وأنه ما منا أحد إلا وهو ولي لله؛ لأننا آمنا واتقينا، واجتنبنا الزنا والربا، والخمر والحشيش، والغيبة والنميمة، والسرقة والكذب، والعداوة والبغضاء، والظلم والاعتداء، وهذا هو شأننا. فإذاً: نحن أولياء الله، ولنا البشرى، وهي رؤيا صالحة نراها قبل موتنا.

    الحث على الاهتمام بنداءات الله عز وجل لعباده المؤمنين

    نعود إلى هذا النداء الإلهي: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال:24]! أي: يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، ويا من آمنتم بلقاء الله، والوقوف بين يديه، والحساب والجزاء يومئذ إما بالجنة وإما بالنار، ويا من آمنتم هذا الإيمان! فلنقل: لبيك اللهم لبيك! اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ [الأنفال:24]. فإذا ناداك الرب آمراً إياك أو ناهياً فيجب أن تستجيب، ولا تتردد ولا تتأخر، وإذا ناداك رسول الله أن افعل كذا أو اترك كذا فواجب عليك أن تستجيب؛ وذلك لكمال حياتك؛ لأنك مؤمن ولي الله. وهذا معنى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59].

    وقال هنا: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]. ولا يعقل أن الله ينادينا لغير ما يحيينا، فهذا والله ما كان، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينادينا لغير ما يحيينا، فهذا والله ما كان، وهو لا يكذب أبداً؛ لأنه معصوم محفوظ. والله لا يغرر بنا أبداً، ولا ينادينا لغير ما يكملنا ويسعدنا.

    فمن بلغه أمر الله فيجب أن يستجيب ويقول: لبيك اللهم لبيك! ويفعل ما أمره، أو يترك ما نهاه عنه، أو يؤمن بما أمره أن يؤمن به. ومن بلغه عن رسول الله الحديث الصحيح أن افعل كذا فيجب أن يفعل، أو أن اترك كذا فيجب أن يترك، وإلا لم يحقق معنى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، أي: لما يحييكم بالإيمان؛ إذ الحياة بالإيمان. فإذا دعاكم إلى الإيمان بما شاء أن تؤمنوا به فآمنوا؛ لتزداد حياتكم، وتعظم في هذه الحياة. فإذ ناداكم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] أطهاراً أصفياء إخواناً متحابين فاستجيبوا.

    ولا أطيل عليكم أيها الأبناء أولياء الله! فأقول: إذا سمعت الله تعالى ينادي: يا أيها الذين آمنوا ! فأعطها سمعك، واسمع، فإنه خير يأمرك به، أو شر ينهاك عنه؛ لأنك وليه. وإذا كنت ماشياً في الطريق وسمعت قارئاً يقرأ: يا أيها الذين آمنوا ! فاسمع، فأنت والله لمنادى؛ لأنك مؤمن. والله لا يناديك لأنه يلعب، بل يناديك من أجل أن يعزك ويكرمك، فاسمع إذاً. فإذا قال لك: قل كذا فقل، أو أعط كذا فأعط، أو اجتنب كذا فاجتنبه. وهو لا يناديك إلا لمثل هذا.

    وكان ابن أم عبد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصاحب الجليل يقول: إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا ! فأعرها سمعك؛ فإنه خير يدعوك إليه، أو شر يحذرك منه.

    مكر العدو بالمسلمين وصرفه لهم عن القرآن الكريم

    اعرفوا مكر الثالوث في إبعاد الولاية عن الأحياء، وحصرها في الأموات؛ وهذا من أجل أن ينتشر الظلم والخبث، والشر والفساد بين المؤمنين.

    ونظير هذا أيضاً: إبعادنا عن الاجتماع على القرآن إلا ليلة الموت أو عند القبر، واستمرينا على هذا قروناً، وكنت إذا مررت بشارع من الشوارع في أي بلد أو قرية أو حي وسمعت القرآن يقرأ تحكم وتعلم بأن هناك ميتاً، ولا تتردد في هذا. ولم يكن المؤمنون يجتمعون عليه اجتماعنا هذا؛ ليتلوه ويتدارسوه ويتعرفوا إلى ما فيه من هدى، بل كان هذا بعيداً، ولا يقع أبداً؛ لأنهم قالوا لنا: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر، راجعوا حاشية كذا على خليل الحطاب .

    فقد قالوا: تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ. فإياكم أن تقول: قال الله إذاً، بل دعوه مدفوناً فقط، وتعلموه من أجل تقرءونه على الموتى؛ لأنكم إذا فسرتم أخطأتم وأثمتم، وإذا فسرتم وأخطأتم كفرتم؛ لأن صوابه خطأ، وخطؤه كفر. فأصبح أهل القرية أو الحي من إندونيسيا إلى موريتانيا لا يجتمعون ليتدارسوا آية؛ ليعرفوا مراد الله منها، وبماذا يأمرهم أو عن ماذا ينهاهم، أو بم يبشرهم أو مما يحذرهم أو ينذرهم. وهذه مكرة الثالوث الأسود. وهذا الثالوث لم يمت بعد، بل والله إنهم إلى هذه الساعة وهم يعملون بجد على انطماس نور الإسلام من الأرض، ونحن مع الأسف مددنا أعناقنا واستجبنا.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]. وكل أمر يأمرنا به أو نهي ينهانا عنه أو بشارة يبشرنا فكل هذا يزيد في حياتنا وكمالنا الروحية والبدنية.

    التحذير من الاستمرار في الذنوب والمعاصي

    ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا [الأنفال:24] يا عباد الله! ويا أولياء الله! أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]. فإياك أن تسمع النداء ولا تجيب! وأن تشتغل بدنياك أو بباطلك أو بلهوك أو يغرر بك عدوك وتعرض عن الاستجابة ولا تجيب! واعلم أنه قد يحال بينك وبين ذلك الخير، فالله يحول بين العبد وقلبه.

    وهذا له أمثلة حية مازلنا نكررها ونقول: أيما عبد يستمر على معصية من المعاصي والذنوب أو كبيرة من كبائر الذنوب ويتعاطاها ويفعلها ليل نهار، وعاماً بعد عام فإنه لا تمضي عليه فترة حتى يصبح لا يستطيع أن يرجع عن تلك المعصية أبداً، بل يحال بينه وبين الرجوع حسب سنة الله تعالى.

    وكذلك الذي يتعاطى كبيرة من كبائر الذنوب ولا يتوب منها وهو يسمع نداءات الله: يا أيها الذين آمنوا ! وقوله: اتقوا الله ! ويستمر عليها عدة سنين فإنه إذا نهي عنها يضحك عمن نهاه، ولا يؤمن بكلامه، ولا يستجيب له؛ لأن الله حال بينه وبين قلبه. وهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان في دعائه يقول: ( اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ). ( اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك ). لأن القلوب بيد الله، فهو الذي جعلك تحب وتكره، وترضى وتسخط، فهو مالك ذلك وخالقه.

    إذاً: خلاصة القول: إذا بلغك أمر الله وأنت قادر على الفعل فافعل، ولا تتأخر؛ خشية أن يحال بينك وبينه، وإذا وصلك نداء الله ينهاك عن ذنب من الذنوب فعجل بالانتهاء، وقل: أتوب إلى الله وأستغفره؛ مخافة أن تتمادى في تلك المعصية، فيحال بينك وبين التوبة، وتموت على غير توبة.

    فـ( اللهم يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلوبنا على دينك ). ( واللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك ). فهده دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم العريف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ...)

    قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] أبداَ يا عباد الله! ويا أولياء الله! بل تعم. فاحذروا فتنة تحل بدياركم! أو تنزل ببلادكم! ولا تختص بالظالمين فقط، بل تعم الظالمين وغيرهم، الصالحين والمفسدين.

    وعلى سبيل المثال: ديارنا الجزائرية فيها فتنة عظيمة، نسأل الله أن يطفئ نارها، وفيها صالحون لا يريدونها، ولكن لما ظهرت عمت، واكتوى بنارها البعيد والقريب.

    ومثال آخر أكرره: لو أن الكناسين في حي من أحياء المدينة أضربوا عن الكناسة وأصبحت المرأة ترمي طبق الأوساخ عند بابها، والأخرى كذلك، وهكذا الثالثة والرابعة، فإن تلك القاذورات تتجمع؛ لأن الكناسون أضربوا، ثم بعد خمسة أيام .. ستة .. سبعة .. ثمانية .. نصف شهر يصبح الحي كله مزابل، ثم ينتشر منه الوباء والجراثيم التي تكونت من الأوساخ، وتلك الجراثيم لن تخص واحداً من أهل الحي، بل تلتصق بأي واحد منهم. وسبب هذا: أنهم لما شاهدوا القذر عند الباب ما أمروا بإزالته، ولم ينظفوها بأنفسهم. فلما جاء البلاء أصابهم جميعاً.

    ولو أن قرية فقط من قرى المسلمين الطاهرة فتح فيها شخص من الأشخاص مقهى يبيع فيه الخمر ولم ينكر عليه أحد، ولا احتج عليه بأن لا يفعل هذا، بل أخذوا يشربون الخمر فيوماً بعد يوم ويفتح أيضاً مقهى أخرى، ويصبح الخمر مشاعاً بين أولئك الأفراد.

    فالمهم أنه يجب أن نتقي سخط الله وغضبه، ولا يكون السخط ولا الغضب إلا بترك ما أمر الله به أو فعل ما نهى عنه. فإن كنا بمجرد ما تظهر الفاحشة أو يظهر الباطل نصيح الله أكبر ونصفيه يستمر الطهر والصفاء، وأما إذا رأينا المنكر وسكتنا وأغمضنا أعيننا فوالله لينتشرن من بيت إلى بيت. والواقع شاهد لا يحتاج إلى برهنة. وهذا تدبير الله عز وجل لأوليائه.

    إذاً: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]. فأيما بلد وقعت فيه فتنة فإنها لا تصيب الذين ظلموا فقط، كالفتنة التي وقعت على عهد عثمان ، أو في عهد علي ومعاوية ، فإنهما لم تخصا أناساً دون أناس، بل عمتا الكل. فهذا تحذير الله عز وجل. فلا نسمح للفتنة أن تظهر أبداً.

    ثم قال تعالى وقوله الحق: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25]. فعصا الرحمن ليست كعصاك، وضربة الله ليست كضربة المخلوقين، وعقاب الله إذا عاقب كان شديداً، والله لشديد العقاب، يبيد .. يدمر .. يخرب .. يهلك. فلهذا احذروا يا أولياء الله! من غضبة الرب إذا غضب. إذاً: فاتقوا الفتنة، وانصبوا أنفسكم كالجبال الراسية؛ حتى لا تقع بينكم، خشية أن تقع، وبعد ذلك تعم الفتنة، ويعاقب الله بما يشاء، والله شديد العقاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ...)

    ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26]. هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يذكر المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فقد كانوا مستضعفين في مكة، فكل واحد يخاف أن يختطف في ليلة من الليالي. فَآوَاكُمْ [الأنفال:26] بالأنصار هنا، وضمكم إليهم، وأصبحت لكم قوة، وأيدكم بروح منه، ونصركم في حروبكم كلها مع المشركين، فاذكروا هذا، واشكروا الله عز وجل.

    وقد كان العرب كلهم جياعاً، وكانت الفرس تحيط بهم من جهة، والرومان من جهة، والأحباش من جهة، وهم أذلاء مضطهدون يتخطفون، وما إن دخلوا في رحمة الله وأسلموا حتى أصبحوا سادة الدنيا وقادة البشرية، وعم الخير والبركة، والطعام والشراب، وأصبحوا أسعد الناس. فالله يذكرهم بهذه النعمة.

    ونحن عندنا لابد أن نُذَكَر بها، ووالله إننا لفي نعم، فلنذكر هذه، ولنشكر الله عليها، ونقول على الأقل: الحمد لله، ونحن نشاهد بيننا من هو جائع أو عارٍ، أو من هو مظلوم مضطهد، وليس هناك نعمة أكثر من هذه، فالحمد لله.

    وهكذا يقول تعالى: وَاذْكُرُوا [الأنفال:26]. ولا تنسوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ [الأنفال:26] بالمدينة والأنصار والهجرة إليها. وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [الأنفال:26]. وأعدكم بذلك لتشكروا، فإن شكرتم زادكم، وإن كفرتم سلبكم.

    والشكر هو الذي يرسي سفينة النعمة ويثبتها، فإن لم تشكرت تسلب.

    وهذا الخطاب وإن كان موجهاً لأصحاب الرسول فهو موجه لأمة الإسلام كلها. فالحمد لله أن نصر الله أولياءنا .. أن نصر نبينا .. أن نصر أصحابه .. أن نشر دعوته حتى بلغتنا، فنحن ننعم بها. فالشكر واجب علينا لله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن أسمعكم هداية هذه الآيات الثلاث؛ لتعرفوا أن لكل آية هداية. وقد بينا أنه لا توجد آية ليس فيها هداية تهدي إلى الله وإلى الخير والمعروف.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الاستجابة لنداء الله ورسوله بفعل الأمر وترك النهي؛ لما في ذلك من حياة الفرد المسلم ] فالاستجابة لنداء الله إذا نادى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم إذا نادانا لنفعل أو نترك؛ إذ لا ينادينا الله إلا لنفعل شيئاً في صالحنا، أو لينهانا عن آخر أيضاً في صالحنا. وقد أخذنا هذا من النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    [ ثانياً: تعين اغتنام فرصة الخير قبل فواتها، فمتى سنحت للمؤمن ] فرصة [ تعين عليه اغتنامها ] أي: تعين للمؤمن اغتنام فرصة الخير قبل فواتها. فإذا رزقك الله شيئاً من الخير فحافظ عليه، واغتنم الفرصة فيه قبل أن يسلب منك، فمثلاً إذا: رزقك الله وظيفة تقتات منها فهذا فضل الله، فإذن لا تضيعها بأساليب المكر والخداع، أو الأباطيل أو غير ذلك؛ حتى لا تسلب منك. وكذلك إذا رزقك الله زوجة صالحة، فهذه نعمة، فحافظ عليها بآدابها وبأخلاقها، ولا تسخط ولا تغضب ولا تلعن، أو سوف تنقل منك، وتخرج من يديك، وستكون أنت الذي تطلقها. وهكذا إذا رزقك الله تجارة خفيفة تستفيد منها عشاءك وغداءك، فحافظ عليها؛ لأنها نعمة، ولا تغش ولا تخدع، ولا ترابي ولا تكذب؛ خشية أن تسلب منك. وكذلك إذا رزقت علماً وعرفت فطبق ذلك، واعمل به، وعلمه؛ ليبقى ويستمر، فإن عرفت ولم تعمل ولم تعلم فوالله ليفارقنك، وتصبح من صعاليك الناس.

    [ ثالثاً: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ اتقاء للفتن العامة التي يهلك فيها العادل والظالم ] كما بينا. والعياذ بالله.

    فلو أن أهل قرية ظهرت فيهم معصية فيجب أن يتعاونوا على إبطالها، ولو أن أهل حي من الأحياء ظهر فيهم منكر من المنكرات فيجب عليهم أن يلتفوا حول صاحبه - هذا يقبل رأسه، وهذا يده- حتى يترك هذه المعصية. وإذا فتح في قرية أو مدينة بنك ربوي فوالله لو أن أهل القرية كلهم التفوا حوله يبكون بين يديه لخاف الله وأغلق الباب، ولم يفتحه والله العظيم، إذ أن المعصية لم تفرض علينا فرضاً في أي مكان في العالم، ولكنا نحن الذين نستجيب لها؛ لأننا ما عندنا بصيرة ولا علم.

    وأزيدكم وضوحاً: إننا نشكو الربا في ديارنا من إندونيسيا إلى موريتانيا، فهيا نتفق ألا ندخل هذا البنك أبداً، وألا نودع فيه ولا نستلف منه، وإن أودعنا فيه سكتنا وتركنا، ولن يمر أربعون يوماً والله أو أربعة أشهر حتى يغلق بابه. ولا تقولوا: أني مجنون؛ لأنه لن يجد من أين يسدد أجور العمال. ولكننا نحن الذين أوجدنا الفتنة، وهيأنا لها الفرصة حتى أهلكتنا.

    وكذلك لو فتح في القرية حلاق صالون حلاقة وأصبح يحلق لرجالنا وجوههم لو أن أهل الحي اجتمع منهم كل ليلة ثلاثة أنفار يزورونه في بيته، ويقولون له: هذا لا يصح ولا يجوز أبداً، فلا يجوز أن تحلق وجوه الناس، بل شجعهم على إعفاء لحاهم، أو صلحها لهم وحسنها لهم، لا أن تحلق وجوههم حتى يصبحوا كالنساء، فهذا حرام، وحالق وجهه ملعون على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ). وليس المقصود التشبه في اللباس فقط، بل لا يوجد تشبه أعظم من أن يحلق شاربه ووجهه.

    ولو ظهرت عاهرة في القرية أو في الحي وعرفنا بذلك فلو أننا تجمعنا وأخذنا نتوسل إلى الله ونحاول والله لأبطلت فجورها، وتابت إلى الله. وهذه أمثلة فقط.

    والمهم أننا إذا لم نتآمر بالمعروف ونتعاون عليه ولم نتعاون على ترك المنكر فلابد وأن يعم المنكر، وينتهي المعروف، فهذه سنة الله عز وجل، فقد قال: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]. ونتقيها بألا نسمح بوجود المنكر.

    [ رابعاً: وجوب ذكر النعم ] وجوباً [ لشكرها بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ] وليس بيننا من ليس له نعمة. والنعم مثل نعمة البصر، فلو كان الشيخ أعمى لم يرد عليه بصره أحد، ومثل نعمة النطق واللسان، ونعمة الذات والدنيا، ونعمة الطعام والشراب، وغيرها من النعم. فلا ننسى هذه النعم، بل يجب أن نذكرها في كل وقت، ونقول: الحمد لله.

    [ خامساً: وجوب شكر النعم بحمد الله تعالى، والثناء عليه، والاعتراف بالنعمة له، والتصرف فيها حسب مرضاته ] عز وجل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.