إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خرج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه لاغتنام قافلة قريش، ولكن الله عز وجل أراد لهم غير ذلك، ففاتتهم القافلة، وهيأ الله الظروف لالتقاء المسلمين مع جيش قريش الذي خرج لاستنقاذ القافلة حتى لا يصل إليها المسلمون، فلما تبين ذلك كره بعض المؤمنين لقاء جيش المشركين بعد أن كانوا قد طمعوا في القافلة، ولكن تدبير الله عز وجل خير من تدبيرهم، حيث أراد من التقاء الجيشين إحقاق الحق سبحانه وإبطال الباطل، حيث كانت الغلبة في هذه المعركة للمسلمين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنفال

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الثلاثاء من يوم الإثنين ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). فحقق لنا ربنا هذا الخير، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    ها نحن مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، وكان ما درسناه منها أربع آيات. وقد علمنا من ذلك أن المؤمن الحق الصادق الإيمان الذي يقال حقاً فيه: عبد الله المؤمن هو الذي اتصف بتلك الصفات الخمس. وهي: إذا ذكر الله وجل قلبه، وإذا تليت عليه آيات الله زادته إيماناً، وعلى ربه وحده يتوكل، ويقيم الصلاة، وينفق مما رزقه الله. فهذه الخمس الصفات من اتصف بها أطلق عليه لفظ المؤمن.

    وقد سئل أحد الأصحاب: هل أنت مؤمن؟ فقال: إن كنت تعني أنني مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فأنا مؤمن، وإن كنت تريد مني قول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4]. فأنا لا أدري أنا مؤمن أو لا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون)

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال:8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سبب نزول هذه الآيات هو: أن المهاجرين من بلد الله مكة إلى المدينة أكثرهم انتزع منه ماله ولم يسمح له بالخروج به، وبعضهم تركه هناك ولم يقدر على أن يعود إليه ويأخذه، ونزلوا بالمدينة، وكانت البلاد محاصرة، وفي هذه الحال بالذات بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يقود عيراً من الشام، تحمل السلع والبضائع والحبوب إلى مكة، وقد بلغه هذا بواسطة المسافرين أو بواسطة الوحي، فقد بلغه أن عيراً لقريش يرأسها أبو سفيان بن حرب قادمة من الشام إلى مكة تحمل البضائع والسلاح، فاستشار رجاله في هذه المدينة في الخروج؛ لعل الله يرزقهم هذه الغنيمة مقابل أموالهم التي عند المشركين بمكة، فوافق كثيرون وخرجوا من المدينة، ثم بشرهم بأن الله أعلمه أن قريشاً بعثت برجالها؛ إذ إن أبا سفيان أرسل ضمضماً الغفاري يعلم قريشاً بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم وبمسير قافلته؛ لتأخذ بالحيطة، وتستقبل الأمر؛ حتى لا تضيع أموالها. وكان قد مشى الرسول ومعه الكثيرون بدون إلزام ولا إجبار، فلما وصلوا وادي ذفران وتجاوزوه نزل الوحي، وأعلمهم أن الله أعلمه بأن إحدى الغنيمتين لهم: إما النصر على المشركين وإما الغنيمة. فشرعوا في السير وهم لا يعلمون هل سيأخذون الغنيمة، التي هي الإبل وما عليها من البضائع والسلاح، أو الانتصار على المشركين.

    ثم استشارهم في الأمر، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال فأحسن القول، وقام عمر بعده فقال وأحسن القول، وقام المقداد بن عمرو فأحسن القول، بل قال: سر يا رسول الله! ونحن معك، فلو بلغت برك الغماد لمشينا معك، يعني: آخر عمران في الدنيا. ثم نظر الرسول إلى الأنصار؛ لأنهم لم يتكلموا، فسألهم، فقالوا: تعنينا يا رسول الله؟! وقالوا كلمات طيبات طمأنت النفس النبوية على الخروج والمشي ومواصلة الجهاد، وكان ممن تكلم سعد بن معاذ رضي الله عنه.

    ثم أخذت القافلة تمشي نحو الجنوب أو الغرب على ساحل البحر حتى نجت، وأتت قريش برجالها، ولم يبق إلا المواجهة بالحرب والسنان، وتألم الكثير من المؤمنين، كما دلت الآيات على ذلك، إذ قال تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال:5] من المدينة. وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5]. فقد قالوا: لم نعد العدة، ولم نهيئ أنفسنا.

    ثم قال تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ [الأنفال:6]. وذلك لما أعلن أن العير قد نجت، وأن العدو قد قارب دخول البلاد، لأن المعركة دارت في بدر.

    وقوله: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ [الأنفال:5] هذا تشبيه لهذا الخلاف الذي وقع اليوم بالاختلاف الذي وقع بالأمس لما اختلف الشبيبة والشيوخ في الغنيمة، فاستل الله منهم الغنيمة، وتولى قسمتها. فقال تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يجادلونك في الحق بعدما تبين ...)

    قال تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:6]. وهذا من ضعف الإنسان، ولم يكن هذا حال المقداد أو عمر أو عثمان مثلاً، والمؤمنون كان منهم من آمن من قبل يومين أو ثلاثة أو أسبوع أو سنة، وقد كانت هذه المعركة في السنة الثانية من الهجرة، بعد أن مضى عليهم سنة واحدة في المدينة، ولم يكن قد آمن ولا نصف المدينة في ذلك الوقت، فلا غرابة أن يقع هذا في بعضهم. كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:6].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ...)

    قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ [الأنفال:7]، أي: اذكر يا رسولنا! لهم إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [الأنفال:7]. إما العير بما فيها من السلع والبضائع، وإما هزيمة مشركي مكة، فقد وعدهم الله وعد الصدق، ولا بد وأن يتحقق لهم هذا، وهو إما الغنيمة الكاملة، وهي العير يأخذونها إلى المدينة، وإما أن يهزموا المشركين، ويكسروا عظامهم، ويأسرونهم في بدر، فقال تعالى: اذكر وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]. وهذا اللوم والعتاب للمؤمنين الذين خافوا واضطربوا، وودوا غير ذات الشوكة، والشوكة معروفة، وغير الشوكة هو الذي يحصل بدون سلاح ولا حرب، وهذا هو المطلوب الذي تمنوه، ولم يتمنوا الحرب والدماء والسلاح، فالشوكة هي المقاتلة، فهم يريدون الغنيمة فقط، وهي غنيمة إبل قريش التي جاءت من الشام. فقد كان فريق يريد هذا الذي ليس فيه صعوبة ولا حرب ولا قتال.

    ثم قال تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال:7]. وأنتم تريدون فقط الإبل وما عليها من السلع والبضائع، وتعودون فرحين بها إلى المدينة، والله يريد خلاف ذلك، فهو يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون، ولهذا شاء الله أن تهرب العير، فأخذوا بها طريق الساحل، وأسرعوا في السير، حتى تجاوزت المنطقة، ولم يبق مجال للحاق بها، ولما وصل الرسول إلى بدر وصلت أيضاً قريش بجيوشها، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون)

    قال تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال:8].

    ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاله وهم ثلاثمائة وأربعة عشر أو وثلاثة عشر، ونزلوا ببدر بجانب هذا الوادي، ونزلت قريش على الجانب الثاني الأعلى، وتمت المعركة.

    وهذه الآيات والتي بعدها كلها في بيانها، ونصر الله رسوله والمؤمنين على ألف مقاتل، وقد كان المؤمنون ثلاثمائة، ولم يكن معهم خيول ولا سلاح، ولا غير ذلك، ولم يكونوا مستعدين للحرب، ولكن الله أراد أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، فاقتتلوا ونصر الله المؤمنين، فأسروا سبعين صنديداً، وقتلوا مثلهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات ] الآن نسمع شرح هذه الآيات من الكتاب:

    [ قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ [الأنفال:5] أيها الرسول ] صلى الله عليه وسلم! [ مِنْ بَيْتِكَ [الأنفال:5] أي: بالمدينة. بِالْحَقِّ [الأنفال:5]. متلبساً به حيث خرجت بإذن الله ] فالله هو الذي أذن لك في الخروج [ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ [الأنفال:5]. لما علموا بخروج قريش لقتالهم، وكانت العاقبة خيراً عظيماً، هذه الحال مثل حالهم، لما كرهوا نزع الغنائم من أيديهم وتوليك قسمتها ] يا رسولنا! [ بإذننا، على أعدل قسمة وأصحها وأنفعها.

    فهذا الكلام في هذه الآية الخامسة تضمنت تشبيه حال حاضرة بحال ماضية، حصلت في كل واحدة كراهة بعض المؤمنين، وكانت العاقبة في كل منهما خيراً والحمد لله.

    وقوله تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ [الأنفال:6] أي: يجادلونك في القتال بعدما اتضح لهم أن العير نجت، وأنه لم يبق إلا النفير، ولا بد من قتالها.

    وقوله تعالى: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:6] أي: إلى الموت عياناً يشاهدونه أمامهم، وذلك من شدة كراهيتهم لقتال لم يستعدوا له، ولم يوطنوا أنفسهم لخوض معاركه.

    وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ [الأنفال:7] أي: اذكر يا رسولنا! لهم الوقت الذي يعدكم الله تعالى فيه إحدى الطائفتين العير أو النفير ] والمراد من النفير: الجيش الذي جاء من مكة [ وهذا في المدينة وعند السير أيضاً ] وقد كان هذا الوعد والخبر في المدينة عندما تجاوزوا وادي ذفران [ أَنَّهَا لَكُمْ [الأنفال:7]، أي: تظفرون بها. وَتَوَدُّونَ [الأنفال:7]، أي: تحبون أن تكون غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ [الأنفال:7]. وهي عير أبي سفيان . تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]. وذلك لأنها مغنم بلا مغرم؛ لقلة عددها وعددها ] لأنه عدد محدود في القافلة [ والله يريد أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ [الأنفال:7]، أي: يظهره بنصر أوليائه وهزيمة أعدائه. وقوله: بِكَلِمَاتِهِ [الأنفال:7] أي: التي تتضمن أمره تعالى إياكم بقتال الكافرين، وأمره الملائكة بالقتال معكم. وقوله: وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال:7]، أي: بتسليطكم عليهم فتقتلوهم، حتى لا تبقوا منهم غير من فر وهرب. وقوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ [الأنفال:8] أي: لينصره ويقرره، وهو الإسلام. وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ [الأنفال:8]. وهو الشرك. وَلَوْ كَرِهَ [الأنفال:8] ذلك الْمُجْرِمُونَ [الأنفال:8]، أي: المشركون الذين أجرموا على أنفسهم، فأفسدوها بالشرك، وعلى غيرهم أيضاً حيث منعوهم من قبول الإسلام، وصرفوهم عنه بشتى الوسائل ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] هذه الآيات لها هدايات ربانية نستعرضها هنا:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير قاعدة ] معروفة عندكم، وهي: [ عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ] فهذه قاعدة عامة إلى يوم الدين. فعسى أن تكره شيئاً وهو خيراً لك؛ لأن العلم لله، والغيب بيد الله، فإذا أمرك الله فافعل ولا تخف ولا تتردد، حتى ولو كنت تكره ما أمرك به، فعسى أن يكون هو الخير، فهم كرهوا الخروج، وكادوا يرجعون، ولكن كانت العاقبة أموال وغنائم وانتصار لا حد له.

    قال: [ وذكر نبذة عن غزوة بدر الكبرى، وبيان ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيراً لقريش تحمل تجارة قادمة من الشام في طريقها إلى مكة، وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب ] والآن نقول: رضي الله عنه؛ لأنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه [ فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه للخروج إليها ] والانتداب ليس أمراً ولا إلزاماً، بل إنه رغبهم في الخروج لتلقي هذه العير، وأخذ ما فيها؛ لحاجة أهل المدينة إلى الطعام، فقد كانت تحمل الطعام [ عسى الله تعالى أن يغنمهم إياها؛ لأن قريشاً صادرت أموال بعضهم، وبعضهم ترك ماله بمكة وهاجر، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأثناء مسيره ] أي: في الطريق [ أخبرهم أن الله تعالى وعدهم ] ووعد الله حق وصدق [ إحدى الطائفتين ] إما العير وإما النفير [ لا على التعيين ] فلم يعين لهم العير أو النفير، ولكن واحدة منهما، وهذا ابتلاء من الله عز وجل [ جائز أن تكون العير، وجائز أن تكون النفير، الذي خرج من مكة للذب ] والدفاع [ عن العير، ودفع الرسول وأصحابه عنها؛ حتى لا يستولوا عليها ] فقد خرج جيش مكة لأجل هذا الغرض، وهو الدفاع عن عيرهم [ فلما بلغ الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ نبأ نجاة العير ] وأنها قد أخذت ساحل البحر إلى جدة، وانتهى أمرها، ولم يبق شيء فيه مطمع [ و] كذلك بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم [ قدوم النفير استشار أصحابه ] على الحرب والمواجهة [ فواقفوا على قتال المشركين ببدر، وكره بعضهم ذلك ] من ضعاف الإيمان. ولو كنا نحن في ذلك الموقف فمنا من سيقول: افعل ما شئت يا رسول الله! ومنا من سيتململ ولا يفصح.

    قال: [ وقالوا: إنا لم نستعد للقتال ] يا رسول الله! ولم نتهيأ له [ فأنزل الله تعالى هذه الآيات: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ [الأنفال:6] إلى قوله: ... وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال:8] ] إلى آخر الآيات.

    قال في الهامش في نهر الخير قال: لأن أبا سفيان لما بلغه بواسطة بعض الركبان أن محمداً قد خرج برجاله يطلب عيره استأجر ضمضماً الغفاري ، فبعثه إلى أهل مكة يخبرهم بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن ينفروا لإنقاذ قافلتهم، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنهم لما بلغوا في مسيرهم وادي ذفران وخرجوا منه أتاهم نبأ خروج قريش من مكة ليمنعوا قافلتهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقام أبو بكر وقال فأحسن القول، ثم قام عمر فقال فأحسن القول، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]. وقد قال بنو إسرائيل هذا لما خرجوا من مصر إلى بيت المقدس لطرد العمالقة منها، ومضت لهم أيام بل شهور وهم في الطريق، ولما تهيأ موسى للقتال فشلوا وقالوا له: اذهب أنت وربك قاتلا، وأما نحن فلا نستطيع. وهذا في آية من سورة التوبة المدنية.

    قال: فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير، ثم قال: ( أشيروا علي أيها الناس! وهو يريد -بهذا- الأنصار ) ] وأما المهاجرون فقد سمع منهم ما سمع، وهم لم يكن عندهم حيلة؛ لأنهم هاجروا من بلادهم، فلا بد من القتال، وأما الأنصار أهل المدينة فقد يكونون غير مستعدين للقتال، فلهذا قال: ( أشيروا علي أيها الناس! وهو يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ

    رضي الله عنه: كأنك تعنينا يا رسول الله؟! قال: أجل )، أي: أعنيكم، فقال سعد كلمة سرت النبي وأفرحته وأثلجت صدره صلى الله عليه وسلم، وعندها قال صلى الله عليه وسلم: ( سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ).

    [ ثانياً ] أي: ثاني الهدايات القرآنية: [ بيان ضعف الإنسان في رغبته في كل ما لا كلفة فيه ولا مشقة ] وهذه طبيعة الإنسان. فهم أرادوا العير فقط، ولم يريدوا القتال، مع أن القتال كان خيراً لهم، ونصراً لدينهم، وقد أخذنا هذا من قوله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]. وكلنا يريد ما لا مشقة فيه ولا كلفة، بل إننا لا نرتاح للشيء الذي فيه مشقة وكلفة، وتعب أو مال، إلا إذا هذبنا تهذيباً خاصاً.

    [ ثالثاً: إنجاز الله تعالى وعده للمؤمنين؛ إذ أغنمهم طائفة النفير، وأعزهم بنصر لم يكونوا مستعدين له.

    رابعاً: ذكر نبذة عن وقعة ] ومعركة [ بدر ] في هذه الآيات [ وهي من أشهر الوقائع وأفضلها، وأهلها من أفضل الصحابة وخيارهم ] وحسبهم أن يقول الرسول: ( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ). فهي أول معركة في الإسلام، وانتصر فيها الإسلام، وكان أهلها ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهم أفضل الناس. والذي عليه عقيدة أهل السنة والجماعة أن أفضل الأصحاب إجماعاً أو جميعاً أبو بكر الصديق ، ثم يليه في المرتبة مباشرة عمر ، ثم عثمان مباشرة، ثم علي ، ثم الستة الباقين من العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر.

    قال: [ إذ كانت في حال ضعف المسلمين، حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة، وهم أقلية، والعرب كلهم أعداء لهم وخصوم ].

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وأن يغفر لنا ولكم. ويرحمنا وإياكم وسائر المؤمنين.