إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أسر العباس بن عبد المطلب في بدر طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يفادي نفسه وأبناء أخيه المأسورين معه، فلزمه لذلك مال كثير، وهذا كان حال سائر الأسرى بيد المسلمين، فكان بعضهم يظهر الإسلام هروباً من المال الذي سيدفعه للفداء، فأخبر الله المؤمنين أن يخبروا من عندهم من الأسرى أن الله عز وجل سيعوضهم بعد إيمانهم عما أخذ منهم من الفداء إذا علم صدق إيمانهم، وأما من يؤمن في الظاهر مخادعة للمؤمنين فإنه لن يضرهم وسيمكن الله عز وجل منهم في مرة ثانية كما أمكن منهم في المرة الأولى.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنفال

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومع هاتين الآيتين الكريمتين، فهيا بنا نصغي مستمعين لتلاوتهما مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسهما، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس وما نتعلم ونسمع، فإلى تلاوة الآيتين الكريمتين بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:70-71].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قبل الشروع في دراسة هاتين الآيتين أذكركم ونفسي بهداية الآيات الثلاث التي تدارسناها بالأمس، قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: إرشاد الله تعالى لقادة الأمة الإسلامية في الجهاد ألا يفادوا الأسرى، وألا يمنوا عليهم بإطلاقهم إلا بعد أن يثخنوا في أرض العدو قتلاً وتشريداً، فإذا خافهم العدو ورهبهم عندئذٍ يمكنهم أن يفادوا الأسرى أو يمنوا عليهم ]، وأخذنا هذه الهداية من قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ [الأنفال:67].

    قال: [ أولاً: إرشاد الله تعالى لقادة الأمة الإسلامية ]، أي: الذين يخوضون معارك الجهاد في سبيل الله، وذلك ألا يفادوا الأسرى ولا يمنوا عليهم حتى يثخنوا في أرض العدو ويشردوه ويصبحوا يرهبهم ويخافهم، وحينئذٍ هم أحرار، إن شاءوا فادوا وإن شاءوا منوا بلا فداء.

    قال: [ ثانياً: التزهيد في الرغبة في الدنيا لحقارتها، والترغيب في الآخرة لعظم أجرها ]، وأخذنا هذا من قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [الأنفال:67]! فهذا اللوم وهذا العتاب موجه إلى الذين رغبوا في الفداء وأرادوا أن يفادوا أسراهم، فعاتبهم الله بهذا اللفظ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [الأنفال:67]!

    قال: [ ثالثاً: إباحة الغنائم ]، إذ كانت محرمة على الأمم السالفة، فقد كان النبي إذا غزا وغنم فإنه يجمع الغنائم وتأتي نار من السماء فتحرقها ولا يستفيدون منها شيئاً، وإكراماً لهذه الأمة فقد أباح الله لها الغنائم، إذ قال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا [الأنفال:69].

    قال: [ رابعاً: وجوب تقوى الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي ]، وطاعة قادة الحرب للمسلمين، وكل ذلك في ما هو معروف؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، والآية الكريمة تقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ [الأنفال:69].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:70].

    يقول تعالى منادياً نبيه صلى الله عليه وسلم بعنوان النبوة، وهي أشرف ما يكون: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:70]، ألا وهو خاتم الأنبياء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن نبأه غير الله تعالى؟ وهاهو تعالى يناديه بعنوان النبوة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:70].

    وقد سبق لنا مما فتح الله تعالى به علينا -أذكر الناسين وأعلم غير العالمين- أن الله عز وجل لا ينادينا إلا لواحدة من خمس: إما ليأمرنا بما فيه سعادتنا بعد نجاتنا في الدنيا والآخرة، أو ينادينا لينهانا عن ما يشقينا أو يردينا أو يخسرنا في دنيانا وأخرانا، أو ينادينا ليبشرنا فنزداد رغبة في العمل الصالح والطلب له والمنافسة فيه، أو ينادينا ليحذرنا عواقب السوء وعواقب المعصية وعواقب الإثم والذنوب والآثام، أو ينادينا ليعلمنا، وهاهو ذا تعالى نادى نبيه ليأمره بهذه المهمة التي يقوم بها.

    وتذكرون بالأمس أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء المعركة وأخذ الأسرى، جمع أصحابه واستشارهم في شأن الأسرى، فبدأ بـأبي بكر: ما ترى في الأسرى؟ هل نفاديهم أو نقتلهم؟ فقال أبو بكر: قومك وعشيرتك، علهم يؤمنون ويسلمون، وكانت كلمات أبي بكر كلمات رقيقة، ثم استشار عمر فقال: أخرجوك من بلدك وحاربوك وكفروا بك، فجزاؤهم القتل، وجاء سعد بن معاذ فوقف إلى جنب عمر، وجاء أكثرهم ووقف إلى جنب أبي بكر، ولما كان أمر القيادة يجب طاعته امتثل القوم أمر رسول الله، وأذن لهم في الفداء، فمن أخذ أسيراً يفاديه ويأخذ الفداء، وما هي إلا ليلة أو ساعات إلا والوحي ينزل، وإذا برسول الله وأبي بكر يبكيان، فنزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ [الأنفال:67-68]، أي: لولا كتاب القضاء والقدر سبق في حلية هذه الغنائم فيما بعد، لكان ينزل بكم العذاب العظيم.

    ثم مسح الله دموعهم وخفف آلامهم، فقال سبحانه وتعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ [الأنفال:69]، فلا تخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:69].

    والآن نادى رسوله صلى الله عليه وسلم ليقول له: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى [الأنفال:70]، وهذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب عم سيد الناس صلى الله عليه وسلم، إذ أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفادي نفسه وابني أخيه عقيلاً ونفيل بن نوفل، وكان الفداء أربعين أوقية من الذهب، فلزم العباس مائة وعشرين أوقية، فنزلت هذه الآية في العباس، فماذا يقول؟ يقول: لم نر خيراً أكثر من هذه الآية التي نزلت فيَّ.

    قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70]، يا معشر الأصحاب! يا من بأيديهم أسرى! قولوا لأسراكم، بلغوا عن الله ورسوله هذا القول: إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم؛ لأنهم تألموا من أخذ المال منهم، إذ كان المال يأتي من مكة.

    إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]؛ لأن بعضهم أعلن عن إسلامه بلسانه فقط ليخلص من فتنة المال، وبعضهم جمع بين القلب واللسان لكن لا عزم له على الإيمان والإسلام، ففحص الله تعالى هذه القلوب وأظهر ما في باطنها بقوله تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]، وهو الإيمان الصادق والعزم الصحيح على الدخول في الإسلام وتطبيق شرائعه، يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70]، من هذا الفداء، وتمضي الأيام ويأتي مال من البحرين، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم للعباس: ( خذ يا عباس! قد عوضك الله ما أخذ منك )، فأخذ يحمل الذهب والفضة حتى عجز عن حملها، وقال للرسول: أعني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا أعينك ).

    ثم قال تعالى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:70]، أي: الكفر والشرك الذي سبق، وقتل المؤمنين ومحاربتهم ومحاربة رسوله، فهذه الذنوب كلها يمحوها ويزيل أثرها من نفوسكم، وهذا شأنه تعالى، إذ إنه غفور رحيم، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:70]، يا لهذا الخير العظيم! ما فوق هذا خير أبداً.

    إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70]، من أربعين أوقية، يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:70]، فقط مغفرة كفرهم وشركهم وضلالهم وحربهم لرسول الله، فبم تتم هذه؟ وكيف يحصل عليها العبد؟ ولكنه فضل الله تعالى، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال:70].

    وهذا خطاب الله موجه للأسرى الذين فاداهم أهلوهم، وأخذ الأصحاب فداهم، فوجه تعالى إليهم هذا الخطاب، فقل لهم يا رسولنا! إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]، معناه: ادخلوا في الإسلام، آمنوا وأسلموا، اعزموا وصمموا على الدخول في الإسلام، ولا تسلموا فقط في الظاهر؛ لأن العباس قال: أنا كنت مسلماً يا رسول الله! وإنما قومك أكرهوني على ألا أعلن عن إسلامي، فلم يقبل ذلك منه رسول الله، ولذلك أسلم العباس في هذه الواقعة على الصحيح.

    إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]، وهذا عام في كل مؤمن ومؤمنة، فما من مؤمن ولا مؤمنة يعلم الله في قلبه الخير إلا أعطاه الخير في الدنيا والآخرة، وما من عبد يعلم الله في قلبه السوء والشر إلا جازاه بسوئه وشره، على شرط أن يكون عازماً على الشر وتنفيذه، أما مجرد وسواس فإنه معفو عنه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل )، واقرءوا قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وهذه الوساوس التي يلقيها العدو في النفس لا تضر المؤمن إذا لم يكن له عزم على فعل السوء ولا رغبة فيه، وإنما مجرد خاطر فقط، فيستعيذ بالله ثلاث مرات ويقول: آمنت بالله، آمنت بالله، آمنت بالله، ولا يضره حتى ولو كان كفراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل...)

    قال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:71].

    وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ [الأنفال:71]، يخاطب رسوله وهم يسمعون، وَإِنْ يُرِيدُوا [الأنفال:71]، أي: الأسرى الذين فادوا أنفسهم، فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71]، كيف خانوا الله؟ كفروا وأشركوا به وحاربوا رسوله والمؤمنين، فأية خيانة أعظم من هذه؟!

    ثم إنه سبحانه وتعالى أخذ على كل آدمي العهد والميثاق وهو في صلب أبيه آدم ألا يشرك به وأن يعبده وحده، واقرءوا لذلك قول الله تعالى من سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:172-173]، فهذا العهد أيضاً خانوه، إذ كل كافر بالله ورسوله ولقاء الله هو خائن لهذا العهد والميثاق، وخيانتهم لله في عبادة غيره، وفي حربهم لرسوله ودعوته في مكة معلوم وبين.

    وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71]، أي: مكن رسوله والمؤمنين منهم، فهاهم أسرى تحت أيديكم، وصناديهم ألقوا جيفاً في البئر، وما زال الله أيضاً يمكن لرسوله والمؤمنين منهم، وهو خبر بشرى، وَاللَّهُ عَلِيمٌ [الأنفال:71]، أي: بخلقه، حَكِيمٌ [الأنفال:71]، أي: في تشريعه وتقنينه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم معاشر المستمعين والمستمعات! شرح هاتين الآيتين من الكتاب فتأملوا.

    معنى الآيات

    قال الشارح : [ معنى الآيات: هذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، إذ كان يقول: هذه الآية نزلت فيَّ ]، وهذه الآية هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ [الأنفال:70].

    قال: [ وذلك أنه بعد أن وقع في الأسر أسلم وأظهر إسلامه ]، العباس بخلاف غيره، ما إن وقع في الأسر حتى أسلم وأظهر إسلامه.

    قال: [ وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه ما أخذ منه من فدية، فأبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]، الآية، أي: إسلاماً حقيقياً ] وصحيحاً، قال: [ يُؤْتِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70]، أي: مالاً خيراً ]، من ذلك المال، قال: [ مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:70]، ذنوبكم التي كانت كفراً بالله ورسوله، ثم حرباً على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وَاللَّهُ غَفُورٌ [الأنفال:70]، يغفر ذنوب عباده التائبين، رَحِيمٌ [الأنفال:70]، بعباده المؤمنين، فلا يؤاخذهم بعد التوبة عليها، بل يرحمهم برحمته في الدنيا والآخرة.

    وقوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ [الأنفال:71]، أي: وإن يريد هؤلاء الأسرى الذين أخذ منهم الفداء، ونطقوا بالشهادتين مظهرين إسلامهم، خيانتك والغدر بك بإظهار إسلامهم، ثم إذا عادوا إلى ديارهم عادوا إلى كفرهم، فلا تبال بهم ولا ترهب جانبهم فإنهم قد خانوا الله من قبل بكفرهم وشركهم، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71]، المؤمنين، وجعلهم في قبضتهم وتحت إمرتهم، ولو عادوا لعاد الله تعالى فسلطكم عليهم وأمكنكم منهم.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:71]، أي: عليم بنيات القوم وتحركاتهم، حكيم فيما يحكم به عليهم، ألا فليتقوه عز وجل، وليحسنوا إسلامهم، ويصدقوا في إيمانهم فذلك خير لهم ].

    هداية الآيات

    والآن هيا نستنبط الهدايات من هاتين الآيتين، قال الشارح: [ من هداية الآيتين: أولاً: فضل العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنزول الآية في حقه وشأنه ]، إذ الآية نزلت من أجله، فأي فضيلة أكبر من هذه؟

    قال [ ثانياً: فضل إضمار الخير والنيات الصالحة ]، وذلك لكل مؤمن ومؤمنة في هذه الحياة، قال تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا [الأنفال:70].

    قال [ ثالثاً: إطلاق لفظ الخير على الإسلام والقرآن، وحقاً هما الخير والخير كله ]، وأخذنا هذا من قوله تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70]، والخير هو الإيمان والإسلام والقرآن.

    قال: [ رابعاً: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه خيراً منه ]، ما ترك إنسان شيئاً لوجه الله إلا عوضه الله خيراً منه، وأخذنا هذا من قوله تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70]، ما ترك عبد أيها المستمعون والمستمعات! شيئاً لوجه الله إلا عوضه الله خيراً منه في الدنيا والآخرة.

    قال: [ خامساً: الله جل جلاله لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب، ألا فليتق وليتوكل عليه ]، الله جل جلاله لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب، ألا فلنتق الله ولنتوكل عليه، وأخذنا هذا من قوله تعالى: فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الأنفال:71].

    لطيفة: كان ممن أسر يوم بدر أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثت زوجته زينب رضي الله عنها الفداء مع الذين جاءوا بالأموال من مكة ليفادوا الأسرى، وكان هذا الفداء عبارة عن قلادة فيها ذهب، فما إن شاهدها الرسول صلى الله عليه وسلم حتى رق رقاً عظيماً؛ لأن هذه القلادة كانت لـخديجة أم المؤمنين أعطتها لابنتها ليلة الزفاف في مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي العاص: ( فداك أن ترسل إلينا زينب

    )، أي: فداك فقط أن ترسل إلينا زينب، ورد القلادة والمال إليها، ثم أمر حماها أن يأتي بها من مكة، فخرج بها فاعترضتها قريش فردتها بالقوة ولم يسمحوا لها أن تخرج، لكن أبا سفيان رضي الله عنه طمأنهم إذا سكنت الأمور وهدأت الظروف فلا بأس أن تخرج إلى المدينة، وبعد ثلاثة أيام خرج بها في الظلام حتى وصل بها إلى المدينة، وذلك إلى أبيها ووالدها صلى الله عليه وسلم.

    فهكذا عانى المؤمنون، ونحن اليوم نعيش في هذا النعيم وشكرنا قليل لا يذكر، وحمدنا نادر، فماذا لقيتم يا عباد الله في إسلامكم؟ لا قتل ولا تشريد ولا تعذيب ولا إهانة ولا حرب، ومع هذا قلَّ منا من يشكر الله في صدق ويحمده بقلبه ولسانه، والحمد لله رب العالمين.