إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل هو حسب عباده المؤمنين يكفيهم عدوهم وما يخيفهم وما يرهبهم، ومن أجل ذلك فليس لهم القعود عن الجهاد، وهنا يأمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال، ويعدهم سبحانه أنهم إن صبروا فإن الواحد منهم يغلب عشرة من العدو بإذن الله تعالى، ثم خفف عنهم سبحانه ورفع عنهم اللوم إن هم واجهوا عدواً يزيد عليهم أضعافاً في العدد، وفي كل أمرهم سبحانه بالصبر والتوكل عليه.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنفال

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم واليومين بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة ثلاث آيات مرتلة مجودة، ثم نأخذ في تدارسها مع بعضنا بعضاً إن شاء الله ربنا، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:64-66].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قبل أن نتدارس هذه الآيات الثلاث التي سمعنا تلاوتها أعيد إلى أذهانكم ما جاء في الآيات السابقة من هدايات، قال الشارح: [ من هدايات الآيات: أولاً: وجوب إعداد القوة وهي في كل زمان بحسبه، إن كانت في الماضي الرمح والسيف ورباط الخيل، فهي اليوم النفاثة المقاتلة والصاروخ والهدروجين والدبابة والغواصة والبارجة ]، وأخذنا هذه الهداية من قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60] الآية، وهذا أمر يدل على الوجوب.

    قال: [ ثانياً: تقرير مبدأ السلم المسلح ]، أو السلام المسلح، وأخذنا هذا من قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنفال:61]، بالإضافة إلى إعداد العدة وإظهار القوة للعدو، إذ إنه إذا رآنا عدونا مسلحين لم يمكنه أن يفكر في قتالنا أو غزونا، لكن إن رأى ضعفنا سولت له نفسه غزَّونا وقتالنا.

    قال: [ ثالثاً: لا يخلو المسلمون من أعداء ما داموا بحق مسلمين ]، أما إذا فسقوا وفجروا وتحللوا وعطلوا كتاب الله عز وجل، فإنه يصاحبهم البعيد والقريب، إذ لم يبغضونهم؟ لكن إذا كانوا مسلمين قلوبهم وجوههم لله، مقيمين لشرع الله تعالى، فإن هذه الحال تجعل الكفار في الشرق والغرب يبغضون المسلمين ويعادونهم، وأخذنا هذا من قول تعالى: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60]، أي: يبغضونكم ويكيدون لكم ويريدون قتالكم.

    قال: [ رابعاً: نفقة الجهاد خير نفقة، وهي مضمونة التضعيف ]، أي: ما يُنفق في سبيل الجهاد فإن هذه النفقة مضمونة التضعيف، وهي وافية بإذن الله، قال: [ رابعاً: نفقة الجهاد خير نفقة ]، أفضل نفقة على الولد والأهل، على الفقراء والمساكين، على المشاريع الخيرية، لكن أفضل نفقة والله لنفقة الجهاد، وأخذنا هذا من قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272]، وقوله: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ [الأنفال:60]، أي: في الجهاد، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال:60]، بأن ينقص منه ولا شيئاً واحداً.

    قال: [ خامساً: جواز قبول السلم في ظروف معينه ]، جواز قبول السلم والهدنة والمصالحة والتعاقد على عدم الاعتداء والحرب في ظروف يكون المسلمون فيها ضعفاء، وفي هذه الحال يعقدون عقدة سلم وعدم قتال مع عدوهم، قال: [ خامساً: جواز قبول السلم في ظروف معينة وعدم قبوله في أخرى، وذلك بحسب حال المسلمين قوة وضعفاً ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64].

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64]، هذا نداء الله عز وجل لرسوله بعنوان النبوة في صورة التفخيم والتعظيم، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64]، الأعظم، والنبي من نبأه الله بأخباره الغيبية، وبعث به رسولاً يعلم الناس الهدى والخير.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64]، أي: يكفيك الله عز وجل أعداءك وما تخافه وما ترهبه، حسبك الله، أي: الله كافيك فلا تحتاج إلى غيره سبحانه وتعالى، حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال:64]، وحسب، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، فيا أيها المؤمنون! حسبكم الله، أي: يكفيكم الله فهو كافيكم، وهذه بشرى عظيمة، إذ إنه خبر يحمل بشرى عظيمة، فيبشر الله تعالى رسوله بأنه يكفيه كل ما يهمه، ويبشر المؤمنين كذلك بأن الله يكفيهم وكافيهم.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، أي: حسبهم الله، ولا تقل: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، لا والله ما أراد الله هذا، وإنما هم حسبهم الله، أي: كافيهم.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، أي: حسبهم الله، أي: كافيهم، فلهذا لا تقعدوا عن الجهاد، بل شمروا وجاهدوا والله عز وجل كافيكم، وقد فعل ذلك سبحانه وتعالى، إذ قد نصرهم على الشرق والغرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65].

    ثم نادى الله نبيه بهذا النداء المقرر لنبوته والدال على فخامته، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال:65]، فما أمره أن يلزم المؤمنين بالقتال، لكن أمره أن يحرضهم، أي: يحثهم، وذلك بالترغيب والترهيب على أن يقاتلوا، وجاء من سورة النساء: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:84]، فما كان يلزم أحداً أن يقاتل، اللهم إلا في آخر سنة، وذلك عام التعبئة العامة والنفير العام، إذ قال تعالى: انفِرُوا [التوبة:41]، فقد أمر الله بذلك، خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41].

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال:65]، قتال من؟ المشركين الكافرين المنافقين أعداء الإسلام، والذين يريدون أن يقاتلونا، حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا [الأنفال:65]، فالمؤمن الواحد يواجه عشرة من الكفار فيهزمهم بإذن الله تعالى؛ لأن الله تعالى كافيه، ومائة تغالب ألفاً، وهذا كله بثلاثة شروط: الشرط الأول: الإيمان الصحيح والإسلام الحق، وثانياً: الصبر، وهو حبس النفس فلا تتزعزع ولا تتأخر أبداً، بل تتحمل وتصبر، والصبر له قيمته في ميادين القتال، وقد سئل عنترة: كيف تنتصر وتهزم من يقاتلك؟ فقال: ما هو إلا أن أصبر ساعة، فالوقت الذي أشعر فيه بالسقوط والضعف أتحمل فيه حتى يسقط الثاني، ولذلك لابد من الصبر والمصابرة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا [آل عمران:200].

    إذاً: الشرط الأول: الإيمان الصحيح بالله رباً لا إله غيره ولا رب سواه، وبما أمرنا الله أن نؤمن به، ومن ذلك الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وثانياً: الصبر، وثالثاً: الفقه، أي: فهم الحرب وما تتطلبه، إذ الفقه أعظم من العلم، فهو معرفة دقائق العلم، ومعنى هذا: معرفة حمل السلاح واستعماله، ومعرفة الظروف الملائمة للحرب، وكل هذا من الفقه في المعركة، إذ قال تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65]، وأيام كان ينتصر المسلمون على الروم وفارس، وعلى الكفار في الشرق والغرب، والله ما كان أعلم من المسلمين في شئون الدنيا كلها، وما أخذ العدو هذه العلوم التي تفوقوا فيها إلا من المسلمين، ولكن مكروا بنا فمكر الله بهم، فقالوا: كيف نغالب هذه الأمة؟ كيف نقهرها؟ بالحرب لا نستطيع، فقالوا: هيا نكيد لهم، فكادوا لنا، ومن كيدهم أن مزقوا شملنا وفرقونا مذاهب وطوائف قدداً، ومن كيدهم الأكبر أنهم صرفونا عن القرآن فلا نجتمع عليه لدراسته، إذ قالوا: صوابه خطأ وخطؤه كفر، وأبعدونا عن سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، ووضعوا لنا كتب الفقه وقالوا لنا: إنها كافية لنا، ولما تمكنوا منا فعلوا بنا ما فعلوا، ونحن إلى الآن أذل وأحقر منهم.

    وقد كان رجال الإسلام فقهاء يحسنون الحرب، ويحسنون معداتها ومهيئاتها، وهذا هو الشرط الثالث، فأولاً: الإيمان، إذ من لا إيمان له فلن ينتصر، وثانياً: الصبر، إذ المنهزم الذي ترتعد فرائصه لا يثبت ولا ينتصر في معركة، وثالثاً: الفقه، أي: العلم والبصيرة بالحرب وأساليبها وفنونها وأدواتها ومعداتها، فهذه الثلاثة قد دل عليها قوله عز وجل: يَا إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:65]، فلماذا من الذين كفروا؟ لأنهم هابطون إلى الأرض، فلا صلة تربطهم بالسماء والملكوت الأعلى، فهم كفرة مشركين، ولهذا هم أذل الخلق والله ينصركم عليهم، وسبب ذلك: بأنهم قوم لا يفقهون، أي: لا يعرفون لمَ يقاتلون؟ وما هي أسرار القتال؟ وما هي الدوافع الحاملة عليه؟ فقط الأكل والشرب، إن هذه بهيمية.

    وهنا لما نزلت هذه الآية تململ المسلمون وتألموا وقالوا: كيف هذا؟ ما نستطيع أن نقاتل، الواحد منا يقاتل عشرة! والمائة تقاتل ألفاً! فما إن قالوها حتى أنزل الله الآية التي بعدها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً...)

    قال تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66].

    الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ [الأنفال:66]، وله الحمد والمنة، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال:66]، وعليه، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66]، فلطف الله عز وجل ورحمته بأوليائه المؤمنين أن خفف عنهم، فإذا واجهت ثلاثة أو أربعة وعجزت فلا تلام، أما أن تواجه واحداً أو اثنين فلا تتأخر ولا تفشل ولا تنهزم، ومائة من المؤمنين إذا واجهت أربعمائة أو خمسمائة فقد يعجزون، ولهم الحق أن يعتذروا، أما مائتين فلا يصح عذرهم أبداً، وليس معنى هذا أننا لا نقاتل أبداً إلا إذا كان عدد العدو ضعف عددنا، بل قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لن يغلب اثنا عشر ألف مقاتل من قلة )، أي: إذا كان عدد المسلمين اثنا عشر ألفاً فلن يغلبوا من قلة أبداً، فإن غلبوا فليس من قلة العدد، بل من نواحي أخرى وأسباب غير العدد، ومع هذا -كما علمتم- قاتلوا في مؤتة مائتا ألف مقاتل وهم ثلاثة آلاف، وإنما هذا فقط من باب الرحمة بالمؤمنين والتخفيف عنهم، أما هم فإذا كان الواحد يقاتل مائة فله ذلك، وذلك قد تجد البطل يقود معركة يقاتل ألف شخص ولا حرج، وإنما فقط إذا ضعف وما استطاع فمعذور؛ لأن العدد الذي قاتله لا يقوى عليه، أما مع قدرته وصبره وفقهه وثباته فقد يخوض، ويكفي كما قدمنا ثلاثة آلاف مع خالد بن الوليد قاتلوا مائتي ألف، ومرة أخرى خمسة وعشرين ألفاً من المسلمين قاتلوا مائتي ألف من الروم.

    إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا [الأنفال:65]، فلا ينهزم عشرة من الألف أبداً، ولا ينهزم الواحد من عشرة، أما إذا زاد فوق العشرة أو فوق الألف بالنسبة للمائة فنعم، وقد تململ الأصحاب وقالوا: كيف هذا؟ لا نستطيع ولا نقدر على هذا، فعلم الله ضعفهم فخفف عنهم وقال: لا مانع أن يقاتل الواحد الاثنين، ولا يحل له أن يفشل وينهزم من اثنين، لكن ما فوق الاثنين فلا بأس، وعشرة يقاتلون مائة أو يقاتلون أربعين، عشرة وأقل من العشرين لا يجوز لهم أن ينهزموا، وهكذا.

    وأخيراً قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( لن يغلب اثنا عشر ألف مقاتل من قلة )، معناه: إذا بلغ أفراد الجيش اثنا عشر ألفاً فإنهم لا ينهزمون بسبب القلة، ولو واجهوا عشرات الآلاف، وهذا معنى قوله تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ [الأنفال:66]، والحمد لله، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال:66]، أي: عدم قدرة، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [الأنفال:66]، أي: بتدبيره وتيسيره وتسهيله ونصره وتأييده ومشيئته وإرادته، والله دائماً وأبداً مع الصابرين في أي ميدان، إذ الصابرون معهم الرحمن، وإذا كان معهم لا ينهزمون، وإذا كان معهم لا يختلفون، وإذا كان معهم لا يتحاربون ولا يفتتنون، والمهم أن يكون الله معنا، فمتى يكون الله معنا؟ يوم ما نكون صابرين في أي ميدان من ميادين أعمالنا كان الله معنا بالتوفيق والسداد والعون والتأييد.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى: اسمعوا إلى تفسير هذه الآيات، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، أي: حسبهم الله، وما معنى: حسبك وحسبهم؟ كافيك وكافيهم، ولا تفهم أبداً: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، إذ أولئك ما لهم قدرة ولا سلطان، ولكن القدرة والسلطان لله تعالى، فهو الذي يكفيك ويكفيهم، لا أنهم يكفونك مع الله عز وجل، وذلك حتى لا يكون الشرك في هذه العبارة.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، وكلمة (المؤمنين) دائماً نعطيها حقها، أي: البالغين الكمال في إيمانهم، إذ البالغ الإيمان يقال فيه: المؤمن، ومثله من سفه مرة لا يقال فيه: السفيه حتى يسفه ويصبح دائماً فيه سفه، وكذلك الفاسق، فمن ارتكب جريمة لا يقال فيه: الفاسق إلا إذا توغل في ذلك الباطل والمنكر، وكذلك هنا لا يقال: المؤمن إلا إذا تأكد إيمانه وثبت ورسخ، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، الصادقين بحق، وذلك كالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال:65]، وهذا التحريض واجب على النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلفه، إذ كل من تولى أمر المسلمين وكانت الحرب دائرة، فعليه أن يحض ويحث المؤمنين على القتال، وذلك حتى لا ينكسروا وينهزموا وتذهب دولتهم وسلطانهم ودينهم ونورهم.

    حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال:65]، والآن ليس هناك حرب، ولكن هناك التحريض، فأولاً: إدخالهم في الجيش، وثانياً: تدريبهم وتعليمهم وتربيتهم وتثقيفهم بشئون الحرب كلها، أي: إعداداً كاملاً للقتال يوم أن يقع، أما قال تعالى: وَأَعِدُّوا [الأنفال:60]؟ فإذا كان الشعب كله صعاليك أو حشاشين أو أصحاب مقاهي فمن يقاتل؟ لا بد وأن يكون الجيش منظماً متفقهاً بصيراً عالماً عارفاً ربانياً، ويكون أكثر الشعب كذلك، لا أفراد معدودين فقط.

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:65]، لماذا؟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65].

    ثم قال تعالى: الآنَ [الأنفال:66]، أي: هذا الوقت، خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ [الأنفال:66]، أي: صابرة، يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! نستمع إلى هداية هذه الآيات فتأملوا.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: لا كافي إلا الله تعالى ]، أو يوجد من يكفي الناس ويكفينا؟ [ لا كافي إلا الله تعالى، ومن زعم أن هناك من يكفي سوى الله تعالى فقد أشرك ]، ولهذا نبهت إلى قوله تعالى: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64]، أي: ليسوا كافينك يا رسولنا! إذ الله عز وجل يكفيهم، إذ لا كافي إلا الله تعالى، حتى لو كان معك مليارات البشر وليس الله معك والله ما كفاك ذلك أبداً.

    قال: [ أولاً: لا كافي إلا الله تعالى، ومن زعم أن هناك من يكفي سوى الله تعالى فقد أشرك ] والعياذ بالله في صفة الرب الكافية، إذ جعل غيره يكفيه.

    قال: [ ثانياً: وجوب تحريض المؤمنين على الجهاد وحثهم عليه في كل زمان ومكان ]، وجوب تحريض وحث المؤمنين على الجهاد في كل زمان ومكان، فأيما مكان يوجد فيه مسلمون يجب على أمرائهم وحكامهم أن يحثوهم ويحضوهم ويسلحوهم ويدربوهم استعداداً للجهاد، ومتى دقت ساعته كانوا مستعدين، ولا يحل إهمال الناس أبداً في هذا الباب، وهذا يتعلق بالحكام والمسئولين.

    قال: [ ثالثاً: حرمة هزيمة الواحد من الواحد، والواحد من الاثنين، ويجوز ما فوق ذلك ]، فحرام أن ينهزم المؤمن من كافر، بل حرام أن ينهزم المؤمن من كافرين، بل حرام أن ينهزم العشرة من المؤمنين من العشرين، وأما ما فوق ذلك فيجوز إن حصل، وليس معناه لازم، بل إن فرضنا ذلك، وأخذنا هذا من قول الله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65]، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال:66].

    قال: [ رابعاً: وجوب تثقيف المجاهدين عقلاً وروحاً وصناعة ]، وهذا الواجب على الحاكم والأمة معه، قال: [ وجوب تثقيف المجاهدين عقلاً وروحاً وصناعة ]، فالعقول يهذبونها حتى تصبح مبصرة واعية فاهمة، وكذلك الأرواح يجب أن تطهر وتنظف من أدران الأوساخ والذنوب والآثام، والصناعة كذلك بحيث يكونون صانعين لسلاحهم قادرين على استعماله، وأخذنا هذا الواجب من قوله تعالى: ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65]، ولهذا ينهزمون أمامكم.

    قال: [ خامساً: وجوب الصبر في ساحة المعارك، ويحرم الهزيمة إذا كان عدد المؤمنين اثني عشر ألف ]، أما أقل من اثني عشر ألف وانهزموا من مائة ألف أو مائتين فلا بأس.

    قال: [ خامساً: وجوب الصبر في ساحة المعارك، ويحرم الهزيمة إذا كان عدد المؤمنين اثني عشر ألف مقاتل أو أكثر، إذ هذا العدد لا يغلب من قلة بإذن الله تعالى ]؛ لحديث أحمد وأبو داود والترمذي: ( لن يغلب اثنا عشر ألف من قلة ).

    قال: [ سادساً: معية الله تعالى بالعلم والتأييد والنصر للصابرين دون الجزعين ]، معية الله تكون بالعلم والتأييد والنصر للصابرين دون الجازعين، ومن لم يصبر لم يكن الله معه، إذ الله مع الصابرين، هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.