إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم يكف الذين كفروا من أهل مكة ما أصابهم من الهزيمة في بدر، وما لحقهم من قتل صناديدهم وأكابرهم ورميهم في القليب، حتى زاد الله في تبكيتهم حين ذكر حالهم عند موتهم، وما تقوم به الملائكة من ضرب وجوههم وأدبارهم، ثم ما ينتظرهم من العذاب الأليم في النار، وأن هذا الحال الذي هم فيه كحال آل فرعون والذين من قبلهم ممن كفر وكذب بآيات الله، وآذى عباد الله المؤمنين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الأنفال

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم والذي بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات الخمس، فهيا بنا نصغي مستمعين لتلاوتها مجودة مرتلة، ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [الأنفال:50-54].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تقدم في هذا السياق الكريم الآيات التي تنظم القتال، وتضع له الخطة الرشيدة التي لا ينهزم أصحابها أبداً، وهي تدور حول خمس مسائل:

    فأولاً: الثبات، قال تعالى: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45]، وألاحظ أن هذا القتال هو القتال الشرعي الذي أمر الله تعالى به وشرعه لعباده المؤمنين، وذلك من أجل نشر دعوة الخير بين العالمين، ومن أجل نشر دعوة الإسلام في العالم، إذ قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، فهذا هو القتال الشرعي الذي كان يقوده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استخلف الله من شاء بعده فقادوه حتى بلغت دعوة الإسلام أقصى الشرق والغرب، وقبل ذلك لما فرض القتال وضع لهم الخطة الرشيدة التي إذا استعملوها وانقادوا واستجابوا لها فإنهم ينتصرون في كل معاركهم ضد أهل الكفر والشرك، فقال تعالى: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45]، وهذا أولاً.

    وثانياً: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الأنفال:45]، وقد بينا أن الذكر حصن حصين للمؤمن، وأنه السلاح القوي له؛ لأن ذكر العبد لربه ولوعده ووعيده بإفضاله وإحسانه ولعلمه وخبرته وإحاطته، يثبت قلب العبد ويجعله يثبت ويصمد ولا يتأخر أبداً في المعركة، كما أن لهذا الذكر أيضاً فوائد، ومن بينها: أنه يحفظ الذاكر من الوقوع في معصية الله عز وجل، إذ الذي يذكر الله عز وجل بقلبه ولسانه لا يقع في كبائر الذنوب والآثام، إذ يحفظه الله ويعصمه منها، وعلى سبيل المثال: من يستطيع أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهو عالم بما يقول ثم يمد يده لمعصية الله؟! لا يقوى أبداً، وإنما يقارف الذنب من نسي الله عز وجل، ولهذا فالذكر ينبغي أن يكون سلاح المؤمنين والمؤمنات، إذ ليس هناك عصمة أعظم من عصمة الذكر لله عز وجل بالقلب واللسان، ففي المعركة وأثناء القتال وعند التقاء الفئتان يتعين الذكر.

    ثالثاً: والصبر، والصبر معشر المستمعين والمستمعات! هو حبس النفس على ما تكره، وحبسها على طاعة الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وإذا ابتلي الله العبد إنما ذلك ليعلم صبره من جزعه، وذاك هو موطن الصبر، فلا جزع ولا سخط ولا تضجر، ولكن ذكر الله تعالى والصبر.

    رابعاً: طاعة الله وطاعة رسوله، وتدخل في ذلك طاعة القيادة التي تقود الجيش الإسلامي، إذ لا بد وأن يطاع الله فيما أمر به من الثبات والصبر، ويطاع أيضاً أولوا الأمر الذين يقودون المعركة، والخلاف هو الذي يمزق الجمع ويشتت الفئة، وهو الذي يسبب الهزيمة المرة.

    خامساً: عدم الاختلاف، إذ الخلاف كله شر، واقرءوا قول الله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118-119]، فالمرحومون هم الذين لا يختلفون، وخلافهم هم الهلكى، ولهذا أمرنا الله تعالى بالاتفاق ونهانا عن الاختلاف والفرقة، وبالتالي فواجب المسلمين في كل بقاع الأرض أن تكون كلمتهم واحدة، بل الأسرة ذات السيد والسيدة والأولاد يجب أن يتفقوا، فإذا اختلفوا هلكوا، وكذلك أهل القرية صغرت أو كبرت، إذا اتفقوا وكانت كلمتهم واحدة، نجوا وسلموا من كل الأذى والمصائب، وإن اختلفوا تعرضوا لذلك، بل الأمة الإسلامية بكاملها يجب أن تكون متحدة كاتحادها على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا فرقة مذهبية ولا عنصرية ولا طائفية أبداً، ولكن مسلمون موحدون، ولهذا أمر الله تعالى بهذه التعاليم فقال: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:45-46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم...)

    قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50].

    وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ [الأنفال:50]، أي: لو ترى يا رسولنا! لو ترى أيها السامع! أيها المؤمن! بعينيك أو ببصرك الوقت الذي يتوفى فيه الملائكة الكافرين، أي: يقبضون فيه أرواحهم، وهذا يتلائم مع أبي جهل وجماعته الضالة المشركة التي حاربت الرسول والمؤمنين، وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال:50]، ويقولون لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]، حقاً لا نستطيع أن نرى لضعف بصرنا فقط، إذ بصرنا محدود القوة، فلا تستطيع أن تنظر أكثر مما حدد لبصرك، فلو كنا نرى الملائكة وهم ينتزعون روح الكافر ويضربونه ويقولون له: ذق، فإننا لا نستطيع الحياة، بل نصعق ويغمى علينا.

    وقد جاء من سورة الأنعام قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93]، فالاستكبار والفسق سببا هذا العذاب، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ [الأنعام:93]، من هم الظالمون؟ إن أول ظلم عرفناه هو أن يعبد مع الله غيره، أن يشرك بالله والعياذ بالله، ثم بعد ذلك وضع كل شيء في غير موضعه هو ظلم، فالله ينزل شرائعه وقوانينه فيعرض عنها الإنسان ولا يلتفت إليها فذاك ظلم، وكل من خرج عن طاعة الله وطاعة رسوله يعتبر ظالماً وفاسقاً، إذ الخروج عن الطاعة هو الفسق.

    وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ [الأنعام:93]، وتعرفون سكرات الموت وما يعانيه الإنسان وهو على سرير الموت، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ [الأنعام:93]، وهل يستطيعون أن يخرجوا أنفسهم؟ ما إن ترى النفس ملك الموت حتى تعود إلى أظافر الرجلين هاربة، ولكن تنتزع بقوة وشدة، واقرءوا قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1]، بخلاف روح المؤمن الطاهرة فإنها تفرح وتسارع للخروج؛ لما تشاهد من استقبال الملائكة الكرام لها، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:2]، والناشطات هي أرواح المؤمنين الطاهرة، إذ إنها تنشط كالعقال، بخلاف الروح الخبيثة، فإنها ما إن تشاهد الملائكة حتى تتفرق في كل الجسم خائفة من الخروج.

    وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93]، والاستكبار في الأرض ما هو؟ هو عدم عبادة الله تعالى، وبالتالي كل من أعرض عن عبادة الله فوالله لقد استكبر، ومن أبى أن يغتسل ويصلي فقد استكبر، ومن أبى أن يصوم ويزكي فقد استكبر، وهكذا كل معرض عن عبادة الله فهو مستكبر، وفي نفس الوقت هو فاسق، بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20].

    والآية التي معنا يقول الله تعالى لرسوله وللمؤمنين: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:50]، أي: كفروا بالله عز وجل وبلقائه، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبرسالته، كفروا بالملائكة وما أُسند إليهم من الأعمال، الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال:50]، فهذا الجحود أصحابه لو تراهم والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ضرباً شديداً أخرجوا أنفسكم، والأدبار هي الوراء، والوجوه في الأمام، ويقولون لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]، أي: ما إن تخرج النفس بذلك العذاب إلا انتقلت إلى عالم الشقاء في جهنم والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:51].

    ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [الأنفال:51]، أي: أن هذا العذاب الذي يبدأهم ساعة وفاتهم على أيدي الملائكة الموكلين بإخراج الروح وتعذيبها، بسبب ما قدمته أيديهم، إذ إن أيدي الظالمين والفاسقين قدمت الشرك والكفر والفسوق والعصيان، فما آمنت ولا عملت الصالحات، وبالتالي فعلى أي شيء تزكو نفوسهم وتطيب؟! وكيف تصفو روح الإنسان دون استعمال مواد التزكية والتطهير؟! إن الإيمان والعمل الصالح هما مادتا التزكية والتطهير للنفس البشرية والله العظيم! ومادة الماء والصابون هما مادتا تزكية الأجسام وتطهير الأبدان والثياب، وأما الروح فلها مادتان هما الإيمان والعمل الصالح، فمن آمن وعمل صالحاً فقد زكى نفسه وطيبها وطهرها، ومن كفر وأشرك وفسق وخرج عن طاعة الله ورسوله فقد دسا نفسه وخبثها ولوثها.

    إذاً: فقول الملائكة: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [الأنفال:51]، أي: ما ظلمكم الله تعالى، إذ أنتم الذين قدمتم هذا، فقد أعرضتم عن الإيمان والعمل الصالح، ورضيتم بالشرك والذنوب والمعاصي، فأنتج لكم كفركم وشرككم وظلمكم هذا البلاء الذي أنتم فيه، فلا تلوموا أحداً ولوموا أنفسكم.

    بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:51]، واحلف بالله جل جلاله على أن الله لا يظلم أحداً من خلقه، لا من الإنس ولا من الجن ولا من غيرهم، إذ قد نفى سبحانه وتعالى الظلم عن نفسه نفياً كاملاً وحرمه علينا، فقال عليه السلام: ( إن الله حرم الظلم على نفسه فلا تظالموا )، والظلم -ما علمتم- هو وضع الشيء في غير موضعه، فهذه النفس المفروض أنك تزكيها وتطهرها بالإيمان والعمل الصالح، فإن أبعدتها عن الإيمان والعمل الصالح ووضعت عليها الشرك والمعاصي فقد ظلمتها، إذ إن نفسك هذه قد أُدخلت ونفخت في جسمك وهي أوضح من هذا النور، وأصفى من هذا النور، فالمحافظ على ذلك النور كما هو أهل لأن يدخله الله الجنة وينزله دار الأبرار، ومن صب عليها أطنان الذنوب والآثام فتلطخت واسودت وأنتنت وعفنت فليس أهلاً أبداً لأن تدخل نفسه الجنة دار الأبرار، وعلى هذا أقسم الله عز وجل فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:1-4] لم تحلف يا رب؟ يحلف من أجلنا، وذلك لتطمئن نفوسنا إلى الخبر، إلى الحكم الصادر، وهذه طبيعة البشر، إذ لم يحلف لك من يخبرك ما تصدقه، وإذا حلف وقوى الأيمان اطمأنت نفسك وقبلت الخبر، فلهذا لما كان الأمر عظيماً أقسم بهذه الأيمان فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]، فهذه الأيمان كلها من أجل ماذا؟ من أجل قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فهذا حكم الله عز وجل، فهل هناك من يعقب على حكم الله فيبطله؟! لقد أعلن تعالى أن هذا لن يكون أبداً، فقال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41].

    ولهذا لا يظلم ربك أحداً أبداً، إذ قد وضع لك مادة التطهير فطهر نفسك، وحذرك من مادة التلويث والتخبيث فاحذرها، وكل ذلك حتى تعيش طاهر النفس زكي الروح، فتؤخذ روحك إلى دار السلام مع الأصفياء والأطهار، فإن رفضت أن تؤمن وأن تعمل الصالحات، وأقبلت على الشرك والكفر والذنوب والآثام فلا تلم إلا نفسك، إذ لم يظلمك ربك أبداً، ولكنك أنت الذي ظلمت نفسك.

    ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:51]، فحاشاه تعالى أن يظلم عبداً من عباده، والذي يدلك على ذلك أنه بيده كل شيء، وغناه مطلق عن كل شيء، فلماذا يظلم؟! إن الظلم ينتج عن الضعف والحاجة، فالضعيف هو الذي يظلم ليكتسب حاجة من حاجاته، أما الله الغني الغنى المطلق، والذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، كيف يظلم؟! لمَ يدخل هذا النار وهو من أهل الجنة؟! حاشاه تعالى، ولا يتصور أبداً الظلم من الله تعالى، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، أبيضاً كان أو أسوداً.

    والباء في قوله: بِمَا [الأنفال:51]، للسببية، أي: بسبب ما قدمته أيديكم، من أين؟ من الشرك والكفر والذنوب والفسق والمعاصي، إذ إن تلك الذنوب والمعاصي هي التي خبثت النفس وسودتها وعفنتها، وبالتالي فيرسل الله ملائكة مختصين بهذه الروح الخبيثة على صورة لا تتصورها أيها المسلم، ولو كانت النفس أو الروح طيبة طاهرة فإن الملائكة الأطهار يأتون ليأخذون هذه الروح الطيبة الطاهرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات ربهم...)

    قال تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:52].

    كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنفال:52]، أي: شأن مشركي قريش أو كفار مكة الذين حاربوا رسول الله في بدر كشأن آل فرعون الذين أعلنوا عن كفرهم وعنادهم وحربهم لموسى وبني إسرائيل، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنفال:52]، من هم الذين من قبلهم؟ قوم نوح وهود وصالح ولوط والمؤتفكات، فكلها أمم كفرت وخرجت عن طاعة الله وحاربت رسل الله تعالى، فنزل بها العذاب في الدنيا وتخلد فيه في الآخرة والعياذ بالله، كَدَأْبِ [الأنفال:52]، أي: كعادة آل فرعون الذين آمنوا بفرعون رباً وإلهاً، وعبدوه وكفروا بالحق وجحدوه، وحاربوا موسى وأرادوا قتله.

    وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنفال:52]، أي: والذين من قبل آل فرعون، إذ إن فرعون كان مع موسى، وقبله إبراهيم، وقبل إبراهيم نوحاً، وقبل إبراهيم هوداً وصالحاً، وأمم كلها هلكت بسبب كفرهم وظلمهم، وليس الأمر خاصاً بقريش أو بكفار مكة، بل حالهم كحال من سبق من المكذبين.

    وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنفال:52]، أي: جحدوها ولم يعترفوا ولم يذعنوا لما فيها من الهدى والحق، وهذه الآيات هي: أولاً: المعجزات التي يظهرها الله على أيدي رسله وأنبيائه، وثانياً: الآيات التي تحمل البيان والهدى إلى الصراط المستقيم، وكفرانهم بها جحودهم لها وعدم اعترافهم بها فلم يعملوا بها.

    ثم قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [الأنفال:52]، والذنوب جمع ذنب، أتعرفون ذنب الحيوان؟ ذنب الحيوان من ورائه، والإنسان كذلك يؤخذ من ذنبه كالحيوان من ذنَبِه، فالذنوب هي المعاصي والخروج عن طاعة الله ورسوله بالكفر والتكذيب والفسق والفجور، فيؤخذ الإنسان بذنبه كما يؤخذ الحيوان من ذنبه، ولهذا سميت بالذنوب، فالمرء لا يؤخذ إلا من ذنبه فقط، والحيوان تأخذه من ذنبه إذا مشى أمامك، فهذا هو معنى الذنوب، أي: المخالفة لله ورسوله، والمعصية لله ورسوله، وهذه تسبب الهزيمة والعذاب الدنيوي والأخروي، ويؤخذ العبد بواسطتها؛ لأنها له كالذنب، فهكذا يقول تعالى وهو يخاطب رسوله ومصطفاه والمؤمنين من أوليائه، فيبين لهم ما سبق من الأمم وما حل بها من العذاب، وسوف ينزل على الآخرين ما نزل بالأولين؛ لأنها سنة الله عز وجل التي لا تتخلف، وحالهم هو كحال آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:52].

    أما أخذ الله سبعين صنديداً في بدر؟ رجالات قريش وصناديدها وأبطالها كلهم صرعهم الله في بدر، فقد أخذهم بسبب بذنوبهم كما أخذ آل فرعون والأمم التي من قبلهم، وذلك لأنهم كفروا وخرجوا عن طاعة الله تعالى، وكفروا برسوله صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:52]، قوي لا يعجزه شيء، إذ قدرة الله لا يعجزها شيء، فمن خلق القوة؟ إنه الله عز وجل، فخالق القوى وواهبها ومعطيها قطعاً هو أقوى منها، وهو شديد العقاب، والعقاب هو المعاقبة، أي: الأخذ بالذنب، وعاقبه مأخوذ من العقب، وعقبك من رجلك من وراء، فهم مأخوذين بعقوبهم بذنوبهم، والذنوب والعقوبة بمعنى واحد.

    إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:52]، إذا عاقب فعقابه شديد، فهذه مدن عاد لا نظير لها كلها أحيلت إلى دمار، وكذلك فرعون مع مائة ألف من جيشه أغرقوا كلهم في البحر، وقوم صالح أخذتهم صيحة واحدة فلصقوا بالأرض وجثموا فوقها، ومدن المؤتفكات أحالهم إلى بحيرة منتنة إلى الآن، فهو سبحانه وتعالى شديد العقاب، وليس بلين ولا هين، إذا عاقب فإن بطشه لشديد، ولا يعاقب ولا يبطش إلا من استوجب البطش والعقوبة، وحاشا لله أن يظلم عبداً من عباده، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، لكن إذا استوجب العبد عقوبة الله عز وجل فإن عقوبته شديدة فلنخفها ولنحذرها، ولنعش خائفين منها فإنها ليست بالهينة ولا بالسهلة ولا باللينة، إن الله شديد العقاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53].

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، وهذه سنة من سنن الله تعالى المطردة في الحياة كلها، ويتم هذا بسبب أن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يكونوا هم المغيرين لما في أنفسهم، فأمة سعيدة طاهرة طيبة تقبل على معاصي الله ورسوله، وتخرج عن طاعة الله ورسوله، فإنه يسلبها ذلك النعيم، وما ظلمها، إذ هي التي غيرت ما بنفسها، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، وأمة مقبلة على الفسق والفجور والشرك والباطل، فإن غيرت ما بنفسها فعادت إلى الإيمان والعمل الصالح، فإن الله يغير حياتها من حياة الرخص والذل والهون إلى العز والطهارة والكمال.

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53]، سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، ولهذا يكون الجزاء بحسب العمل، إذ لو كان لا يعلم شيئاً دون شيء أو لا يسمع أصوات دون أصوات فقد تقول: لماذا يعذبنا؟! أما ظلمنا؟ لكنه سميع لأقوال عباده، عليم بأحوالهم وأفعالهم، ظاهرها كباطنها، فلهذا يكون الجزاء حسب عدله عز وجل في خلقه، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم...)

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المؤمنين! أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب لنزداد معرفة وعلماً.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: ما زال السياق مع كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس، فيقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال:50]، وهم يقولون لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]، وجواب لولا محذوف تقديره: ( لرأيت أمراً فظيعاً )، وَلَوْ تَرَى [الأنفال:50]، لو رأيت لرأيت أمراً فظيعاً.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال:51]، هو قول الملائكة لمن يتوفونهم من الذين كفروا، أي: ذلكم الضرب والتعذيب بسبب ما قدمت أيديكم من الكفر والظلم والشر والفساد، وأن الله تعالى ليس بظالم لكم، فإنه تعالى لا يظلم أحداً.

    وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنفال:52]، أي: دأب هؤلاء المشركين من كفار قريش في كفرهم وتكذيبهم: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [الأنفال:52]، وكفر هؤلاء فأخذهم الله بذنوبهم ]، إذ قد أهلكهم في بدر.

    قال: [ وقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:52]، يشهد له فعله بآل فرعون والذين من قبلهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات، وأخيراً أخذه تعالى كفار قريش في بدر أخذ العزيز المقتدر.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، إشارة واضحة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة، وإلى بيان سنته في عباده، وهي: أنه تعالى لم يكن من شأنه أن يغيّر نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء، أو الطهر والصفاء حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بأن يكفروا ويكذبوا ويظلموا، أو يفسقوا ويفجروا، وعندئذٍ يغير تعالى تلك النعم بنقم فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء، ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد، هذا إن لم يأخذهم بالإبادة الشاملة والاستئصال التام ]، كما فعل بالأمم السابقة.

    قال: [ وقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:53]، أي: لأقوال عباده وأفعالهم، فلذا يتم الجزاء عادلاً لا ظلم فيه.

    وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [الأنفال:54]، هذه الآية تشبه الآية السابقة إلا أنها تخالفها فيما يلي: في الأولى: الذنب الذي أُخذ به الهالكون كان الكفر، وفي هذه: كان التكذيب، في الأولى: لم يذكر نوع العذاب، وفي الثانية: أنه إغراق -أي: أن العذاب هو الإغراق- وفي الأولى: لم يسجل عليهم سوى الكفر فهو ذنبهم لا غير، وفي الثانية: سجل على الكل ذنباً آخر هو الظلم، إذ قال تعالى: وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ [الأنفال:54] ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين! هل لهذه الآيات من هدايات يُستنبط منها؟ إي والله، قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير عذاب القبر بتقرير العذاب عند النزع ]، وقد دلت الآيات على أن في القبر عذاباً يتم لأهل الظلم والفسق والفجور، فإذا أخذت الروح وأدخلوا تحت الأرض في القبور فإنه يأتي العذاب.

    قال: [ ثانياً: هذه الآية نظيرها آية الأنعام: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ... [الأنعام:93]، الآية.

    ثالثاً: تنزه الخالق عز وجل عن الظلم لأحد ]، تنزه الخالق عز وجل عن الظلم لأحد من الإنس أو من الجن، بدليل قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182].

    قال: [ رابعاً: سنة الله تعالى في أخذ الظالمين وإبدال النعم بالنقم ]، سنة الله تعالى في أخذ الظالمين بظلمهم، وإبدال النعم بالنقم، فالأمن بالخوف، والرخاء بالقحط والجذب والجوع، والطهر بالخبث.

    قال: [ خامساً: لم يكن من سنة الله تعالى في الخلق تغيير ما عليه الناس من خير أو شر حتى يكونوا هم البادئين ]، لم يكن من سنة الله تعالى أن أمة مجمعة على الكفر والفسق والفجور، يحولها إلى أمة طهر وصفاء أبداً حتى تكون هي البادئة، أو أمة تعيش على الأمن والسعادة الطهر، لن يزيل ذلك عنها حتى تغير هي بالفسق والظلم والفجور، وهذه هي سنة الله عز وجل، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا [الأنفال:53]، هم، مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53].

    قال: [ سادساً: التنديد بالظلم وأهله، وأنه الذنب الذي يطلق على سائر الذنوب ]، أي ذنب يطلق على كل الذنوب؟ إنه الظلم، ويدخل تحته كل ذنب من الكفر والشرك والسرقة والزنا وغير ذلك، وسر ذلك أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع الشيء في غير موضعه فقد ظلم، فبدل أن يقرأ القرآن يغني فقد ظلم، وبدل أن يحمد الله ينكر فقد ظلم.

    معاشر المستمعين والمستمعات! لا ننسى ما دعت إليه هذه الآيات الكريمة، ومن بينها: أن من كان في نعمة يجب عليه أن يحافظ عليها بعبادة الله وطاعته، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، أفراداً أو جماعات أو أسرة، فإذا الفرد أنعم الله عليه بنعمة فيجب عليه أن يحافظ عليها بذكر الله وشكره وعدم الخروج عن طاعته، ومن ابتلي بفسق وفجور فيغيره الله عنه إذا هو أقبل على الله وقال: أتوب إلى الله وأستغفره، فيغير الله ذلك الخبث إلى طهر وصفاء، وهذه سنة مطردة من سنن الله عز وجل لا تتخلف.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711249279