إسلام ويب

تفسير سورة الأنفال (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يندد الله عز وجل بالمشركين من أهل مكة وأعمالهم الخاسرة في حرب الله ورسوله، والصد عن دينه القويم، وصراطه المستقيم، دين الإسلام سبيل الله رب العالمين، ويخبر سبحانه أن كل ما أنفقوه في سبيل إطفاء نور الله في بدر وأحد والخندق وغيرها سيندمون عليه ندامة شديدة، لسوء عاقبتهم فيها، وانتهاء سلطانهم، وفتح الله على رسوله وعلى المؤمنين مكة، ثم يتوعد الذين ماتوا منهم على ذلك بالنار، حيث يجمعون مع بعضهم ثم يركمون في الجحيم.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم والذي بعده ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأنفال المدنية المباركة الميمونة، ومع هاتين الآيتين، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتهما مرتلتين مجودتين. والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونعمل.

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:36-37].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم ونفسي بهداية الآيات الثلاث التي تدارسناها بالأمس، وهي:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للحق وكراهية له، حتى سألوا العذاب العام، ولا يرون راية الحق تظهر ] بين المسلمين [ ودين الله ينتصر ] فقد قالوا: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32].

    [ ثانياً: النبي صلى الله عليه وسلم أمان أمته من العذاب، فلم تُصب هذه الأمة بعذاب الاستئصال والإبادة الشاملة ] إذ قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33]. فالأمم السابقة منها من أبيد واستئصل نهائياً، وأما أمة محمد -مؤمنها وكافرها، ومن استجابوا ومن لم يستجيبوا- فلم يصابوا بعذاب الإبادة والاستئصال؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أماناً لهم، والذي جعله أمانا لهم الله ربنا وربه.

    [ ثالثاً: فضيلة الاستغفار، وأنه ينجي من عذاب الدنيا والآخرة ] وقد أخذنا هذا من قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]. وقلنا: الأمان لنا هو الاستغفار، فمن زلت قدمه وسقط في معصية الله فالذي يجزيه وينفعه هو قول: أستغفر الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن أنه يتوب إلى الله ويستغفره في اليوم مائة مرة، فليكن لكم ورد للاستغفار على الأقل مائة مرة في اليوم والليلة.

    [ رابعاً: بيان عظم جرم من يصد عن المسجد الحرام للعبادة الشرعية فيه ] وقد بينا أن الله أمّن هذا المسجد والمسجد النبوي، وهذا من عهد رسول الله إلى اليوم، فلم يحكمهما كافر ولا تولى عليهم سلطان فاجر ولا مشرك، فحرم المؤمنين من عبادتهما، وهذا بفضل الله عز وجل، وقد أخذنا هذا من قوله تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال:34]. وقد كان المشركون يمنعون من يصلي حول الكعبة، أو يطوف بها حتى فتحها الله على يد رسوله في السنة الثامنة وانتهت المشكلة.

    [ خامساً: بيان أولياء الله تعالى والذين يحق لهم أن يلوا المسجد الحرام ] ويحكموا ويسودوا، ألا [ وهم المتقون ] وأما الفجرة فلا حق لهم في ذلك؛ إذ قال تعالى: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال:34]. لا غيرهم، سواء قلنا: أولياء الله وأولياء المسجد لا بد من أن يكونوا متقين.

    [ سادساً: كراهية الصفير والتصفيق، وبطلان الرقص في التعبد ] وقد أخذنا هذا من قوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]. والعياذ بالله تعالى.

    ونبهت إلى أن بعض الجهلاء من المسلمين يذكرون الله بالرقص والتصفيق، وهو حرام، وأسوتهم المشركون في مكة، فالله يقول في آداب الذكر: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الأعراف:205]. وهذا بيان الله، وهو توجيه لرسول الله وأمته، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف:205].

    هذا هو ما درسناه بالأمس في هذه الآيات الثلاث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ...)

    الآن هيا بنا إلى هاتين الآيتين النوريتين، وأولاهما قول ربنا عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:36]، أي: غطوا وجحدوا ما أراد الله أن يظهر ويعلن، أي: كفروا بالله رباً وإلهاً، أو كفروا به إلهاً وآمنوا به رباً، فهم كفار؛ إذ حال هؤلاء المشركين أنهم آمنوا بالله رباً، أي: خالقاً رازقاً مدبراً للكون، ولم يؤمنوا بألوهيته، فرفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، وقالوا للرسول محتجين عليه: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]. فكفروا وجحدوا نبوة خاتم النبيين، فكل من أنكر شيئاً من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر. وكذبوا بالآيات القرآنية وقالوا: إنها ليست كلام الله. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان:5]. وكفروا بتكذيبهم للقرآن، وأنه كلام الرحمن عز وجل.

    ومن: إنكارهم تكذيبهم بالبعث الآخر والحياة الآخرة، وما يجري فيها من حساب وجزاء، وذلكم هو الكفر والعياذ بالله، فكل من كذب الله ورسوله في شيء أمر الله بالإيمان به فهو كافر؛ لأنه غطى الحق وستره، ولم يعترف به؛ لأنه كلام الله. وأنت لو كذبت بآية واحدة اعتبرت كافراً عند الله، وعند أوليائه وسائر المؤمنين. والمراد من الكفار هنا: أبو جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وجماعتهم من طغاة مكة، فهؤلاء هم الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]، أي: ليصرفوا عن الإسلام من أراده ودخل فيه. فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36].

    واذكروا -وأذكر الناسين، وأعلم غير العالمين- أن أبا سفيان رضي الله عنه أيام كان رئيس الجهلة والكفرة في مكة لما علم أن عيره قد نجت وأن رسول الله وأصحابه يريدون قتاله بعث ضمضماً إلى مكة، يأمر أهلها أن يجمعوا رجالهم وأموالهم، وبالفعل تمت معركة بدر التاريخية العظيمة، وانهزم فيها المشركون، وكانت هزيمة مرة عليهم؛ إذ قتل من رجالهم سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون أسيراً، وأخذت أموالهم التي جاءوا بها، وأصبحت غنائم، وزعت على المسلمين المجاهدين.

    ولما عاد أبو سفيان بعد الهزيمة أعلن التعبئة العامة، وأعلن جمع الأموال؛ للانتقام من محمد صلى الله عليه وسلم، وجمع لغزوة أحد أموالاً طائلة من الذهب والفضة، واستأجر ألفين بالأجرة للحرب معه من الأحباش، وجاء لغزو رسول الله بالمدينة برجاله. وانتهت المعركة ولم يظفروا بشيء، وحقاً فقد وقعت هزيمة للمسلمين أثناء النهار، وأما أول النهار فكان النصر للمؤمنين، وكانت الغنائم وكانت الأسرى، ثم لما اشتغل المؤمنون بالمادة وتركوا ما أوصاهم به رسول الله من الثبات على الجبل كانت هزيمة، ولكن كانت هزيمة المشركين أعظم؛ إذ ضاعت أموالهم وضاعت ورجالهم، ولم يستفيدوا شيئاً، وعادوا وكأن لم ينتصروا في شيء. فقد ضاعت هذه الأموال التي أنفقوها، فبقوا متألمين.

    ثم جمعوا المال والرجال، وجاءوا للانتقام، وحزبوا الأحزاب بواسطة اليهود، إخوانهم في الكفر والشرك، وجاءوا إلى غزوة الخندق بالآلاف، وطوقوا المنطقة، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خمساً وعشرين ليلة في جبل سلع، وكانت الهزيمة نكرة ومرة؛ إذ أرسل الله عليهم ريحاً ما رأت الدنيا مثيلها أو نظيرها، ووالله لقد كانت تقتلع الخيام، وتقلب القدور وتكسرها، وما كان إلا أن عادوا منهزمين بعد أن فقدوا ما فقدوا من الأموال.

    واسمع إخبار الله تعالى في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]، أي: حتى لا يعبد الله جل جلاله، وحتى لا يبقى الإسلام على الأرض.

    خسارة الكافرين المحاربين لدين الله في الدنيا والآخرة

    قال تعالى: فَسَيُنفِقُونَهَا [الأنفال:36]. وقد أنفقوها في المعارك الثلاث. ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36]. وندامة. وقد كانت. وهذا إخبار الله قبل أن يقع هذا الحدث، فقد قال: فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36]. وقد غلبوا وانهزموا في كل المعارك مع رسول الله حتى الفتح. ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36]. ثم بعد ذلك وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]. وليس عذاب الدنيا فقط وخزيها، بل الذين كفروا إلى جهنم يساقون، ويحشرون عندها كتلاً، لا تعرف عددهم، ولا ترى وجوههم، فهم خلق لا يحصيهم إلا الله، فهم كل الكافرين من عهد آدم إلى يوم الدين، فسيحشرون حشراً حول الصراط المستقيم. وأما المؤمنون الأتقياء الأطهار فسوف يجتازون ذلك الجسر الممدود على سطح جهنم، وهؤلاء يحشرون في جهنم حشراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليميز الله الخبيث من الطيب ...)

    قال تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال:37].

    فتحشر الخليقة كلها مؤمنها وكافرها .. طيبها وخبيثها في تلك الساحة العظيمة، قريباً من الصراط المستقيم، ثم يوضع الجسر، ثم يجتازه المؤمنون، والرسول يقول: ( ودعوة الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم ). فيجتاز المؤمنون الأتقياء، فمنهم من يجتازه كالطير، بل كالطير الخاطف بسرعة، ومنهم من يجتازه ككذا، ومنهم من يجتازه يزحف على ركبتيه زحفاً؛ بسبب ذنوبه وآثامه، مع أنه من أهل لا إله إلا الله إلا الله.. أهل التوحيد، وأما الكافرون المشركون فيجمعون فيدفعون دفعاً كما قال تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:37]. فالخاسرون ليسوا هم الذين خسروا تجارة كسدت، أو خسروا حرباً وانهزموا. فالخاسرون بحق هم هؤلاء الذين يدخلون جنهم، ولا يجدون فيها أباً ولا أماً، ولا أخاً ولا أختاً، ولا أحداً، بل يخسرون أموالهم وأنفسهم، وكل ما يملكون، فهذا هو الخسران العظيم، فهم يخسرون كل شيء ويفقدونه، ويبقون في تلك المحنة بليارات السنين بلا نهاية، ولهذا جاء في سورة الزمر قول الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]. وليس الخسران فقدك الشاة والبعير كما يقولون، وإنما أن تفقد كل شيء حتى نفسك. وهذا مصير المشركين والكافرين والله الذي ينتهون إليه، فقد قضى الله بهذا وحكم، وقد أوحدهم لهذا جل جلاه وعظم سلطانه.

    وتأملوا هاتين الآيتين، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]. وإلى الآن ما زال من الكافرين من اليهود وغيرهم من ينفقون أموالهم لصرف البشرية عن الإسلام، وصدها عن الدخول فيه والله.

    والآية وإن كان نزولها له سبب فهي عامة فالجزاء واحد لكل الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا [الأنفال:36]، أي: ليصرفوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]. وسبيل الله هو: الطريق الموصل إلى الله، أي: هو الإسلام بعقائده وعباداته، وأحكامه وآدابه وقضائه، فالإسلام هو سبيل الله، ونحن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] في كل ركعة. فنحن نطلب الصراط المستقيم، وهو الإسلام الذي يصل بك إلى حب الله ورضوانه.

    ثم قال تعالى: فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36]. وقد كانت عليهم حسرة والله، فهم لم يستفيدوا مما ينفقون، ووالله لن تكون إلا حسرة عليهم. ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] في النهاية، ويموتون ويهلكون. ثم: إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]. ويجمعهم الله تعالى مع المؤمنين في ساحة فصل القضاء؛ لأجل إصدار حكم الله تعالى، ثم يركمون في جهنم ركماً، ويدعون فيها دعاً، ويخلدون فيها أبداً، وأما أهل الإيمان -لا أهل الكفر- وأهل التوحيد -لا أهل الشرك- وأهل الحق -لا أهل الباطل- يسمون ويرتفعون إلى الملكوت الأعلى إلى الجنة دار السلام.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاني الآيات

    [ معنى الآية الكريمة ] الآن أسمعكم شرح الآيتين من الكتاب.

    قال: [ ما زال السياق في التنديد بالمشركين وأعمالهم الخاسرة ] فقد خسروا كل شيء [ يخبر تعالى ] فيقول: [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:36] وهم أهل مكة من زعماء قريش. يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ [الأنفال:36] في حرب رسول الله والمؤمنين؛ للصد عن الإسلام المعبر عنه بسبيل الله ] فالإسلام يعبر عنه بعبارة سبيل الله؛ لأنه يصل بالعبد المسلم إلى الله ومجاورته في الملكوت الأعلى.

    قال: [ يقول تعالى: فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36]، أي: ندامة شديدة؛ لسوء العاقبة التي كانت لهم في بدر وأحد والخندق، إذ أنفقوا على هذه الحملات الثلاث من الأموال ما الله به عليم، ثم خابوا فيها وخسروا، وبالتالي غلبوا، وانتهى سلطانهم الكافر، وفتح الله على رسوله والمؤمنين مكة ] فدخلوها منتصرين [ وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال:36]، أي: من مات منهم على الكفر ] أما من أسلم قبل موته فلا يدخل في هذه الزمرة الكافرة، بل هذه الزمرة الكافرة [ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، أي: يجمعون، وعلة هذا الجمع أن يميز الله تعالى الخبيث من الطيب، فالطيبون وهم المؤمنون الصالحون يعبرون الصراط إلى الجنة دار النعيم، وأما الخبيث ] أو الخبث [ وهم فريق المشركين فيجعل بعضه إلى بعض، فيركمه جميعاً كوماً واحداً، فيجعله في جهنم.

    وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:37] إشارة إلى الذين أنفقوا أموالهم للصد عن سبيل الله وماتوا على الكفر، فحشروا إلى جهنم، وجعل بعضهم إلى بعض، ثم صيروا كوماً واحداً، ثم جعلوا في نار جهنم ] هؤلاء [ هم الخاسرون بحق، حيث خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم وكل شيء وأمسوا في قعر جهنم مبلسين. والعياذ بالله من الخسران المبين ] فقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:36-37]، لا غيرهم. وإن شاء الله نكون قد فهمنا كلام الله.

    ولو كنا كل ليلة ندرس كتاب الله طول حياتنا لأصبحنا كالملائكة، ولكنهم حرمونا من هذا، وقالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر. فأصبحنا نقرأ القرآن على الموتى، وكان هذا هو الواقع المرير مدة ألف سنة تقريباً، فكنا نقرأ القرآن على الموتى ونوبخهم به.

    هداية الآيات

    [ هداية الآيات ] الآن هيا ننظر ما في الآيتين من هداية ونتأملها.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: كل نفقة ينفقها العبد للصد عن سبيل الله بأي وجه من الوجوه تكون عليه حسرة عظيمة يوم القيامة ] سواء قلت أو كثرت، وسواء كانت مالاً أو طعاماً، أو لباساً أو دواء. والنصارى ينفقون الأدوية على الفقراء والمساكين، وهذه نفقة، وستكون والله عليهم حسرة يوم القيامة؛ لأنهم يفعلون هذا ليصدوا عن الإسلام، وليدخلوا الناس في الكفر، وأمثالهم كثير، وحتى من المسلمين هناك من ينفقون للجهل والتجهيل. والعياذ بالله تعالى.

    ومعنى الصد: الصرف والإبعاد عن سبيل الله بأي وجه من الوجوه.

    [ ثانياً: كل كافر خبيث، وكل مؤمن طيب ] فالأخباث هم الكفار، والطيبون هم المؤمنون. وهذه قاعدة عامة. فكل كافر خبيث مهما تنظف واغتسل وتطيب، فهو والله خبيث، وكل مؤمن طيب ولو كانت عليه أدران وأوساخ؛ إذ العبرة بالروح لا بالبدن.

    [ ثالثاً: صدق وعد الله تعالى لرسوله والمؤمنين بهزيمة المشركين، وغلبتهم وحسرتهم على ما أنفقوا في حرب الإسلام، وضياع ذلك كله، وخيبتهم فيه ].

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711250080