إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما حرم المشركون الطواف بالبيت بالثياب بدعوى أنه لا يجوز الطواف بثياب سبق أن عصوا الله فيها، ولما حرموا على أنفسهم السوائب، أنكر الله عليهم ذلك كله، ونعى عليهم تحريم ما أحل الله لعباده من الطيبات، وأن هذه الطيبات قد أحلها الله لعباده قاطبة، وجعلها لعباده المؤمنين خالصة يوم القيامة، وأنه سبحانه إنما حرم على عباده الفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي، والشرك بالله وصرف شيء من العبادات التي يستحقها سبحانه لغيره من الخلق أو الأصنام والأوثان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ...)

    الحمد، لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس بإذن ربنا كتابه القرآن العظيم، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأعراف المكية التي كسابقتها الأنعام تعالج القواعد الأصولية الأربع:

    تقرير التوحيد: لا إله إلا الله، لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا هو، فلا يعبد إلا هو.

    تقرير النبوة المحمدية وإثباتها، وأنه رسول الله إلى الإنس والجن كافة.

    تقرير البعث الآخر، والدار الآخر وما فيها من حساب وجزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    ثم تقرير ألا شارع إلا الله، فلا يشرع أحد إلا الله عز وجل، وعلة ذلك: أن الذي يشرع يجب أن يكون عالماً بمن يشرع لهم قبل وجودهم وبعده، ويعرف ظاهرهم وباطنهم، ومستقبلهم، ولا يعلم هذا إلا الله، فلا يحل أن يشرع لعباد الله ولو كلمة إلا الله عز وجل؛ وذلك لكمال علمه وحكمته ورحمته، ومن هو العليم الحكيم الرحيم بالخلق سوى الله عز وجل؟

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث فهيا نستمع إلى تلاوتها مجودة مرتلة ثم نأخذ في دراستها مع بعضنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:32-34]. إي والله.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ [الأعراف:32] الله الذي أمر الرسول أن يقول، قل يا رسولنا أيها المبلغ عنا قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

    الإنكار على المشركين في تحريم الحلال من الملبس والمأكل

    هذا إنكار على المشركين وإبعاد لهم عن ساحة العلم والمعرفة والبصيرة والهدى؛ لأنهم حرموا لبس الثياب على الطائفين والطائفات، كيف تحرمون ما لم يحرم الله؟ منعوا أي طائف رجلاً كان أو امرأة أن يطوف بالبيت إلا عرياناً، اللهم إلا إذا حصل على ثوب أو رداء أو إزار من الحمس، أي: من أشراف قريش، فإذا لم تملك هذا الثوب وما ظفرت به وما منحته فانزع ثيابك عند باب المسجد وادخل عارياً لتطوف بالبيت عارياً، لماذا؟

    قالوا: هذه الثياب عصيت فيها الله فكيف تطوف بها بيته؟ انزعها خارج الحرم ثم ادخل وطف، وكانت امرأة تطوف بالبيت وهي من حرائر النساء، فما استطاعت أن تطوف عارية فوضعت يدها على فرجها وهي تقول:

    اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله.

    تعني: فرجها، فكيف تحرمون ما لم يحرم الله، أنتم عبيده أم أنتم آلهة معه؟ مع الجهل والكفر والشرك يزين الشيطان لهم الباطل ويجعلهم يحرمون، هذا بالنسبة للباس.

    وبالنسبة إلى الطعام حرموا لحوم السوائب والحاميات والوصائل، أنواع من الإبل يجعلونها للآلهة، يسيبونها فلا تركب ولا يحمل عليها، وإذا ماتت لا تؤكل، فهذه للإله، للات أو العزى، هذه الطيبات من الطعام كيف تحرمونها؟ هذا مع المشركين، والآن علماء طاروا إلى السماء ويحرمون ما لم يحرم الله!

    والخلاصة: أن الذي يحرم ويحلل هو الله، ومن حرم وحلل دون الله فقد اعتدى على منصب الله، وسوى نفسه بالله، فلهذا أصبح يحلل لعباده ويحرم عليهم، وبهذا أصبح كفرعون من أشد الناس كفراً.

    واعلموا أن الذي يحلله الجاهل أو يحرمه الضال ليس فيه من الخير لمن حلل لهم أو حرم عليهم قط، وإنما هو كفر من أفظع أنواع الكفر؛ فلهذا لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول: هذا حرام علي، أو هذا لا يحل لي، أو هذا حرام عليك يا فلان، ولا يحل لأكبر عالم بالكتاب والسنة أن يحلل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله.

    قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، والاستفهام للإنكار.

    معنى قوله تعالى: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)

    ثم قال له وهو يخاطبه: قُلْ [الأعراف:32] يا رسولنا: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32]، الطيبات من الطعام والشراب واللباس على أنواعه ما لم يكن حريراً أو ذهباً فإنه محرم على الرجال دون النساء، هذه الثياب الفاخرة والملابس الحسنة والأطعمة اللذيذة والأشربة الطيبة هذه للذين آمنوا في الحياة الدنيا، هم أولى بها من الكفار والمشركين.

    خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] لهم، اليوم يشاركهم فيها الكافرون والمشركون، يأكلون كما نأكل اللحم المشوي والأرز مثلاً، لكن في يوم القيامة هذه الطيبات خاصة بالمؤمنين، فقولوا: الله أكبر، الحمد لله.

    قل يا رسولنا: هذه التي حرمتموها من الطيبات ومن فاخر اللباس من الرياش هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32]، جدارة وأصالة فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32]، ما السر في ذلك؟ لأنهم بعلمهم وبصائرهم وهدى الله لهم يعملون وينتجون ويوفرون أنواع الأطعمة وألوان الملابس، بخلاف الجهلة والهابطين والمشركين فأنى لهم أن يتوصلوا إلى هذا!

    ومن قال: المؤمنون اليوم محرومون من كثير من الأطعمة والأشربة والملابس، والكفار في أوروبا هم الذين يتمتعون بها؛ فذلك لأنهم عرفوا فعلموا ولم نعمل، علموا وعملوا ولم نعلم ولم نعمل؛ لأنهم سلبونا روح الحياة، أفقدونا النور وتركونا كما كان العرب والمشركون، وسنوضح هذه القضية في الشرح إن شاء الله.

    أما ما أخبر به تعالى فهو والله كما أخبر: قُلْ [الأعراف:32] يا رسولنا: هِيَ [الأعراف:32]، أي: الطيبات والملابس الفاخرة، لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32]، قدمهم على غيرهم، وفي الآخرة: خَالِصَةً [الأعراف:32] لهم، لا يشاركهم يهودي ولا مجوسي ولا كافر؛ إذ الكل في عالم الشقاء، والمؤمنون في عالم السعادة.

    دلالة قوله تعالى: (كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ [الأعراف:32]، كهذا التفصيل، كهذا البيان، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32]، أما الجهلة فلا يعرفون شيئاً ولا يستفيدون.

    إذاً: حرام على المسلمين أن يعيشوا جهلاء جاهلين، حرام على المسلمين أن يعيشوا جهلاء، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعلم وأن يكون في عداد العلماء، وحين لم نعرف هذه الحقيقة وأعرضنا وأعطينا ظهورنا لكتاب الله وهدي رسوله أصابنا الجهل الذي أصاب المشركين في السابق، فحرمنا كما حرموا، وهل يحل لمؤمن أن يعبد الله وهو جاهل؟ لا بد أن يعرف الحلال والحرام من المناكح والمطاعم والمشارب والملابس، لا بد أن يعرف الآداب والأخلاق السامية، وكيف يتحلى بها، لا بد أن يعرف ما أحل الله وما حرم من النظر والكلمة إلى قتل الإنسان وذبحه، لا يحل الجهل أبداً.

    وليس شرطاً أن تتناول القرطاس والقلم، المؤمنون الأولون في القرون الذهبية كانوا يجتمعون على كتاب الله وسنة رسوله في بيوت ربهم، إذا مالت الشمس إلى الغروب وقف العمل وأقبلوا على الله يصلون المغرب والعشاء ويتعلمون الكتاب والحكمة، النساء والأطفال والرجال طول العام، تمضي السنوات العديدة وكلهم علماء بصراء، تسأل عجوزاً في القرية فتجيبك عن أمر دينك، لكن العدو عرف كيف يبعدنا عن بيوت الله وعن كتاب الله وهدي رسوله.

    فمن يفهم هذا الكلام ويرق له قلبه وتسيل دموعه؟ الذين يعلمون: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32]، لذا يجب أن نتعلم، وحرام عليك يا ابن الإسلام أن تجهل محاب الله ومكارهه، اقرع أبواب العلماء واسأل: ما الذي يحب ربي من الكلام حتى أتملقه به؟ ما الذي يحب ربي من العمل حتى أعمله له أتزلف به إليه؟ ما الذي يكره مولاي؟ قل يا شيخ أي شيء تعلم أن الله يكرهه حتى أتركه أنا وأكرهه؟ تمضي سبعة أيام وأنت عالم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ...)

    والآن مع أصول المفاسد الخمسة، يجب على كل مستمع الآن أن يحفظ هذه المفاسد ولو كان عامياً لا يقرأ ولا يكتب.

    تحريم الفواحش الظاهرة والخفية

    قُلْ أيها المبلغ عنا يا رسولنا صلى الله عليه وسلم، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33]، العلني كالخفي، والفواحش: جمع فاحشة، كل قبيح شديد القبح من الزنا واللواط والبخل وما إلى ذلك من سوء القول وفساد الحركة، كل فاحش حرمه الله، ما معنى حرمه؟ منعه، فإذا كان هناك مؤمنون وحاكم فإن الذي يفعل الفاحشة يعزر أو يؤدب ويقام عليه الحد، كل مؤمن يجب عليه أن يتجنب الفاحشة من القول والعمل.

    هذه الصيغة صيغة حصر: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ [الأعراف:33]، لا الطعام اللذيذ والشراب واللباس، حرم الفواحش، جمع فاحشة، من كلمة قبيحة إلى أشد الفواحش قبحاً كالزنا واللواط والعياذ بالله تعالى.

    مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33]، ما عندنا شيء يفعل في الخفاء ومحرم أن يفعل في الجلاء والنهار، فالخمر كما لا تشربها أمام الناس لا تشربها في سرداب، والكلمة السوء الخبيثة كما لا تقولها بين الناس لا تقلها بينك وبين نفسك.

    ومن باب زيادة البيان: كان العرب يبيحون الزنا السري تحت عنوان الخلة والصحبة والمودة ويحرمونه علنياً تحريماً باتاً، فلهذا قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33]، هذا أولاً.

    تحريم الإثم والبغي بغير الحق

    ثانياً: وَالإِثْمَ [الأعراف:33]، حرم الله الإثم، والإثم: كل ضار قبيح. كل ما يضر من قول أو عمل أو اعتقاد قبيح ليس بحسن فهو إثم، كلمة جامعة: كل قول كل عمل كل نظرة كل حركة تكون ضارة بك أنت أو بمن تقال فيه أو أمامه، ومع الضرر القبح فهو حرام، وهذا هو الإثم.

    قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ [الأعراف:33] أيضاً، هذا هو المحرم الثاني، ما يضر بالعقل بالدين بالجسم بالمال بالعرض حرام، وكلما كان مع الضرر قبيحاً كان كذلك.

    ثالثاً: وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:33]، البغي: الظلم والعدوان والقتل بغير الحق، أما إذا اعتدي عليك وأراد أن يأخذ مالك أو يقتلك فاقتله ولا حرج، أما أن تبغي على إنسان بدون حق فهذا هو البغي الذي حرم الله عز وجل في كل كتبه وشرائعه، هذا القيد جميل: وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:33]، أما مع الحق فنعم، القاتل يقتل، من قطع يد مؤمن تقطع يده، من سبك وشتمك لك أن تسبه وتشتمه مقابل سبه وشتمه إذا لم تعف.

    وما البغي يرحمكم الله؟ الاعتداء والظلم، وهل يوجد اعتداء بحق؟ نعم، اعتدى علي فاختطف مني مالي فإني ألحقه وأضربه.

    تحريم الشرك بالله تعالى

    رابعاً: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف:33]، أيما عبادة لم ينزلها الله في كتابه أو على لسان رسوله فذلكم هو الشرك الذي ما أنزل الله به من حجة ولا برهان، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف:33]، وهل الله عز وجل يأمر بالشرك ويبيحه لعباده؟ حاشاه، ولكن من باب المبالغة في العبارة: وأن تشركوا بالله شركاً ما أنزل الله به من سلطان، فالله عز وجل أمرنا أن نطيع أبوينا، فهذه الطاعة هل هي عبادة يبغضها الله؟ الجواب: لا، فقد نزل بها سلطاناً، وطاعة أولي الأمر والاستجابة لأمرهم فيما هو معروف وليس بمنكر هل هي عبادة لهم؟ كلا. بل طاعة مأذون فيها.

    والشاهد عندنا في قوله: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف:33]، أيما عبادة لم يشرعها الله ولم يأذن فيها فهي شرك وهي من أكبر الذنوب، وإن وجدنا عبادة وطاعة أمر الله بها ونزل بها سلطانه وكتابه وبينها الرسول فليست حراماً، على سبيل المثال: طاعتك لأبويك أليست كالعبادة؟ ولكن أذن الله فيها.

    والإحسان إلى المؤمنين، تجد عاجزاً فتحمله على ظهرك وتصل به إلى بيتك، عبدت الله، لكن أمر الله بهذا: وَأَحْسِنُوا [البقرة:195].

    تحريم القول على الله بغير علم

    خامساً: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، تلك المفاسد العظمى أولها: الفواحش، وبعدها الإثم، وهو أثقل من الأولى، وبعد الإثم: البغي والعدوان، وهو أثقل مما قبله، والشرك أثقل مما قبله، والقول على الله بغير علم أثقلها، الأولى، أخف، والثانية أثقل، والثالثة أثقل، والرابعة والخامسة أشدها، فلماذا كان القول على الله بغير علم أعظم من الشرك؟ لأنك حين تقول على الله تحلل للناس ما حرم الله، أو تحرم عليهم ما حرم الله، أليس كذلك؟ فتفسد أمة كاملة.

    فلهذا قالت العلماء: هذه المفاسد مرتبة على الأثقل فالأثقل، وأثقلها وأقبحها أن تقول على الله ما لا تعلم، لأن الذين يفتون ويقولون بدون علم لمصالح وفوائد خاصة بهم كما كان رؤساء قريش نصبوا أنفسهم منصب الرب يحللون ويحرمون، ويقولون: أحل الله كذا وما أحل، أو أنزل كذا وما أنزل، أو طلب منكم كذا ولم يطلب.

    وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، لا يحل لأحدنا أن يقول: قال الله كذا أو حرم الله كذا أو أباح الله كذا بدون علم، وإلا فسيهلك ويتمزق، وعندنا نصف العلم في كلمة: الله أعلم، إذا سئلت عما تعلم فقلت فذاك، فإن لم تعلم فقل: الله أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)

    ثم قال في الآية الأخيرة: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، يشير إلى أن ارتكاب هذه المفاسد أهلها لهم ساعة تنتهي بهم، هذه القبائح العظمى إذا شاعت وانتشرت وسادت في أمة والله ليهلكنها الله، لكن لا تستعجلها أنت، لها ساعة معدودة عند الله لا بد أن تحل بها.

    وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وكم من أمم أهلكها الله عز وجل.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، إنكار عليهم لأنهم حرموا وأحلوا، وهل لهم حق في هذا وهم جهلة مشركون؟

    ثانياً: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32]، لماذا؟ لأن المؤمنين علماء بصراء، أصحاب إرادات، أصحاب قوى؛ لأنهم أحياء، فلهذا قد يزرعون ويحصدون ويبنون وينشئون فيكونون أفضل بكثير من الكافرين، فيظفرون بهذه اللذائذ والطيبات، ويحرمها الجهال والضالون، أما يوم القيامة فقطعاً ليس للكافرين فيها نصيب، والله! لا يظفرون بكاس ماء.

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32]، فالذي لا يعلم لا يستفيد أبداً من كلام الله وتفصيل آياته.

    قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ [الأعراف:33]، رد على الذين حرموا ما لم يحرم، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33].

    ثانياً: وَالإِثْمَ [الأعراف:33].

    ثالثاً: وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:33].

    رابعاً: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [الأعراف:33]، أما إذا أذن لكم في عمل فاعملوا، وسلطانه: وحيه الذي ينزل على رسوله.

    خامساً: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، وهذه أعظم لأن فيها التحليل والتحريم والإذن والإباحة، فتهلك الأمة بتلك الفتاوى وبتلك التعاليم، ما يتعلق ضررها بشخص واحد، ولهذا ما عندنا من يقول: هذا حلال وحرام إلا إذا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    واسمعوا الآن شرح الآيات؛ لتزدادوا علماً وبصيرة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ لما حرم المشركون الطواف بالبيت بالثياب وطافوا بالبيت عراة بدعوى أنهم لا يطوفون بثياب عصوا الله تعالى فيها ]، وهذه لطيفة: ما عرفوا الله ولكن عرفوا أنهم يعصونه؛ لأن بقايا دين إبراهيم وإسماعيل موجودة عندهم، فقط عمهم الجهل وغلبهم، لكن فيهم بقايا موجودة، منها أنهم يشركون مع الله، آمنوا بالله ويدعون معه غيره توسلاً وتقرباً كما يفعل ضلال المؤمنين وجهالهم.

    قال: [ أنكر تعالى ذلك عليهم بقوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، كلحوم ما حرموه من السوائب، فالاستفهام في قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ [الأعراف:32] للإنكار، ومعنى أخرجها: أنه أخرج النبات من الأرض كالقطن والكتان ومعادن الحديد؛ لأن الدروع من الحديد ] وهي تلبس.

    وقوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:32]، بالأصالة؛ لأن المؤمنين علماء فيحسنون العمل والإنتاج والصناعة، والكفار تبع لهم في ذلك لجهلهم وكسلهم وعدم بصيرتهم، خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32]، أي: هي خالصة للمؤمنين يوم القيامة لا يشاركهم فيها الكفار؛ ولأنهم في دار الشقاء النار والعياذ بالله تعالى ]، فكيف يأكلون ويشربون ويلبسون غير الزقوم والحميم؟

    [ وقوله تعالى: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32]، أي: كهذا التفصيل والبيان الذي بيناه وفصلناه في هذه الآيات، وما زلنا نفصل ونبين ما ننزل من آيات القرآن الكريم لقوم يعلمون، أما غيرهم من أهل الجهل والضلال فإنهم لا ينتفعون بذلك؛ لأنهم محجوبون بظلمة الكفر والشرك ودخان الأهواء والشهوات والشبهات. هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الآية الثانية: فقد تضمنت بيان أصول المحرمات وأمهات الذنوب، وهي: الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم: وهو سائر المعاصي بترك الواجب أو بفعل الحرام، والبغي: وهو الاستطالة على الناس والاعتداء عليهم بهضم حقوقهم وأخذ أموالهم وضرب أجسامهم، وذلك بغير حق أوجب ذلك الاعتداء وسوغه، كأن يعتدي الشخص فيقتص منه ويعاقب بمثل ما جنى وظلم، والشرك بالله تعالى بعبادة غيره، والقول على الله تعالى بدون علم منه، وذلك كشرع ما لم يشرع بتحريم ما لم يحرّم، وإيجاب ما لم يوجب. هذا ما دلت عليه الآية الثانية.

    أما الثالثة والأخيرة في هذا السياق: فقد أخبر تعالى فيها أن لكل أمة أجلاً محدداً، أي: وقتاً معيناً يتم هلاكها فيه لا تتقدمه بساعة ولا تتأخر عنه بأخرى.

    وفي هذا إشارة أفصح من عبارة: وهي أن هلاك الأمم والجماعات والأفراد يتم بسبب انحرافهم عن منهج الحياة، كالمرء يهلك بشرب السم، وبإلقاء نفسه من شاهق، أو إشعال النار في جسمه، كذلك ارتكاب أمهات الذنوب وأصول المفاسد التي ذكر تعالى في قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ... [الأعراف:33] إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] من شأنها أن تودي بحياة مرتكبيها لا محالة ما لم يتوبوا منها وتصلح حالهم بالعودة إلى منهج الحياة الذي وضع الله في الإيمان والتوحيد والطاعة لله ورسوله بفعل كل ما أمر وبترك كل ما نهى عنه وزجر ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات ]، ولكل آية هداية.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: الإنكار الشديد على من يحرم ما أحل الله من الطيبات كبعض المتنطعين ].

    هذا واقع في رجالات التصوف الكاذب يحرمون على أنفسهم الثياب الجديدة، لا يلبس إلا ثوباً ممزقاً، ويحرمون على أنفسهم الطعام اللذيذ فلا يأكلون إلا الخبز الجاف، هذا وجد أيام كان التصوف، وهو تنطع، أو يحرم على نفسه الماء البارد فلا يشرب إلا الحار مثلاً، أو لا ينام على سرير، يقول: لا أنام إلا على الأرض.

    قال: [ روى النسائي بسند صحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف؛ فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده ) ]، والمخيلة: الكبر والاختيال، والسرف معروف، لم يا رسول الله؟ قال: ( إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده )، ما دام أنه أنعم عليك بثوب أبيض جديد فإنه يحب أن يراك تلبسه، أعطاك الله مثلاً لحماً طيباً ثم تقول: لا نأكل اللحم، سنأكله في الجنة! لقد عرف رسول الله هذا وعلمه الله ووصانا.

    قال: [ وقال البخاري عن ابن عباس : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة ]، لكن قوله: كل ما شئت والبس ما شئت واشرب ما شئت ليس على إطلاقه، فالخمر محرمة والميتة والدم ولحم الخنزير، فهو يعني: فيما أحل الله، كل ما شئت والبس ما شئت على أن تتجنب الاختيال والسرف والترف.

    قال: [ قال: المستلذات من الطعام والشراب والمزينات من الثياب وغيرها المؤمنون أولى بها من غيرهم؛ لأنهم يحسنون العمل، ويبذلون الجهد لاستخراجها والانتفاع بها، بخلاف أهل الجهالات فإنهم عمي لا يبصرون ومقعدون لا يتحركون.

    وإن قيل: العكس هو الصحيح؛ فإن أمم الكفر وأوروبا وأمريكا هي التي تقدمت صناعياً وتمتعت بما لم يتمتع به المؤمنون؟ فالجواب: أن المؤمنين صرفوا عن العلم والعمل وأقعدوا عن الإنتاج والاختراع بإفساد أعدائهم لهم عقولهم وعقائدهم، فعوقوهم عن العمل مكراً بهم وخداعاً لهم.

    والدليل: أن المؤمنين لما كانوا كاملين في إيمانهم كانوا أرقى الأمم وأكملها حضارة وطهارة وقوة وإنتاجاً، مع أن الآية تقول: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف:32]]، قيدت فلو علمنا الآن لقفزنا إلى علو، [ فإذا حل الجهل محل العلم فلا إنتاج ولا اختراع ولا حضارة ].

    وكم بينا وقلنا: لما شاهدوا أنوار الإسلام وعدالته ورحمته وجيوشه والغزو والفتح اجتمع الثالوث الأسود: المجوس، واليهود، والنصارى، ونظروا كيف نعوّقهم؟ فقالوا: الحروب هزمونا فيها، فلنبحث عن سبب هذا الكمال، قالوا: إنه القرآن، فكيف نصنع؟ هل نسحب منهم القرآن؟ لا نستطيع، يحفظونه نساءً ورجالاً في صدورهم، وإنما نحرمهم من تعلم ومعرفة ما فيه والاجتماع عليه، كيف؟ قالوا: حولوه إلى المقابر والموتى، فأكثر من ألف سنة والمؤمنون يقرءون القرآن على الموتى أو في المقابر، أما أن يجتمعوا هكذا وتدرس الآية بينهم فوالله ما كان، وحرام هذا، والذي يقول: قال الله يا ويحه! إن أصاب أخطأ وإن أخطأ كفر، والسنة يقرءونها للبركة في الروضة إلى الآن، ولعلهم تركوها، كان في آخر رمضان يجتمع كبار أهل المدينة ويقرءون البخاري للبركة فقط، رأينا هذا في الجزائر، في الجامع الكبير يجتمعون على البخاري :حدثنا حدثنا. ولا تقل: حلال وحرام، اسمع للبركة فقط! فمن أين يأتي العلم إذا صرفونا عن القرآن والسنة؟ من أين نعلم؟ هل بالسحر؟

    وإن قلت: ما البرهنة والدليل؟ أقول: حكمونا وسادونا واستعمرونا من إندونيسيا إلى موريتانيا أم لا؟

    فلو كنا علماء ربانيين فهل يمكن أن يحكمونا؟ مستحيل، والله يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، وما زلنا في غفلتنا.

    قال: [ ثالثاً: بيان أصول المفاسد وهي الفواحش وما ذكر بعدها إلى قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] ]، أولا: الفواحش، ثانياً: الإثم، ثالثاً: البغي، رابعاً: الشرك بالله، خامساً: القول على الله بغير علم، هذه أصول المفاسد، فلا يرانا الله عز وجل نرتكب واحدة منها.

    [ رابعاً: ذكرت هذه المفاسد بطريق التدلي آخرها أخطرها وهكذا أخفها أولها ].

    هذه المفاسد الخمسة ذكرت بطريق التدلي، لا بطريق الترقي، الأولى أخف والثانية أثقل .. وأشدها الخامسة.

    [ خامساً: أجل الأمم كأجل الأفراد، يتم الهلاك عند انتظام المرض كامل الأمة أو أكثر أفرادها كما يهلك الفرد عندما يستشري المرض في كامل جسمه ].

    والله تعالى أسأل أن يتوب علينا وأن يعصمنا من أن نقع في هذه المهلكات.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711251172