إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (45)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تأذن الله أن يبعث على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب فسادهم وعنادهم، وتكذيبهم المستمر، وإعراضهم عن الحق والدين، كما بين سبحانه أنه مزقهم وفرق جمعهم من بعد أن كان لهم دولة، وهي دولة سليمان عليه السلام، فصاروا أشتاتاً، وكان منهم الصالحون، ومنهم من يأخذون بالعرض القريب الزائل ويتركون ما وعدهم الله به من الفضل العظيم، ظانين أن الله سيغفر لهم إسرافهم وظلمهم، وما ذاك إلا لجهلهم وسفاهة عقولهم.

    1.   

    تأكيد تقرير السور المكية لقضايا العقيدة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، ولنذكر دائماً أن المكيات يعالجن العقيدة بأركانها الستة، ومن أبرز ذلك عقيدة التوحيد، أي: أنه لا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، وأنه صلى الله عليه وسلم رسول الله حقاً وصدقاً.

    ثالثاً: البعث الآخر، الدار الآخرة وما يجري فيها وما يتم فيها، وما تنتهي إليه باستقرار أهل الأرواح الطيبة في الجنة وأهل الأرواح الخبيثة في النار.

    ثم قضية التشريع وأنه حق الله، وليس من حق أحد أن يقنن أو يشرع لعباد الله أبداً، وإنما هو حق الله عز وجل، العبيد عبيده وهو الذي يغفر لهم ويرحمهم أو يعذبهم ويخسرهم، فهو الذي يقنن لهم ويشرع.

    وهذه الآيات في قصة بني إسرائيل كلها تشهد أن محمداً رسول الله، وإلا فكيف لرجل أمي عاش في مكة لا يقرأ ولا يكتب أن يحدث عن أحداث تمت منذ قرون في بني إسرائيل وهم يسمعون كلامه وما استطاعوا أن يردوا كلامه، كأنه عايشها وعاصرها وتعلمها، إذا لم يكن هذا وحياً فكيف يصل إليه؟ فهو -إذاً- رسول الله.

    وإذا آمنت أنه رسول الله فماذا يجب عليك؟ هل حسبك أن تعرف أنه رسول؟ لا، بل يجب أن تمشي وراءه، فما أحل فهو الحلال، وما حرم فهو الحرام، وما أمر به يجب أن يفعل، وما نهى عنه ينبغي أن يترك، وما بشر به ينبغي أن يستبشر به، وما حذر منه وأنذر فكذلك نحذر، ليس الإيمان مجرد أننا آمنا بأنه رسول، بل آمنا من أجل الاتباع والانقياد والمشي وراءه، واعلم أن انقيادك للرسول ومشيك وراءه والله لا ينتهي بك إلا إلى سعادة الدارين: الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ...)

    وها نحن مع الأربع الآيات، وهي آخر ما بقي في الحديث عن بني إسرائيل بعد آيتين، فلنصغ مستمعين إلى ترتيل هذه الآيات وتجويدها متفكرين متدبرين متأملين، حتى إذا أخذنا في شرحها تكون عندنا معلومات سابقة، فهيا بنا نصغ ونستمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:167-170]. الله أكبر.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هيا نتدارس هذه الآيات.

    أولها قوله عز وجل: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف:167] المخاطب من هو؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدير الكلام: واذكر يا رسولنا، اذكر يا نبينا، من هو؟ محمد صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه هذا القرآن، وتأذن بمعنى: أعلم وأعلن، أعلن ماذا؟ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167]، أعلن الجبار جل جلاله بأنه سيصيب أهل الكتاب واليهود خاصة، لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167] أي: أسوأه وأشده، أي: ليسلطن عليهم جبابرة من البشر يسومونهم سوء العذاب، والله منجز وعده أم لا؟

    فما إن أخذوا في الباطل والفسق والفجور حتى تمزقوا وتشتتوا، فسلط الله عليهم البابليين فساموهم سوء العذاب، وبعد قرون جمعهم الله تحت راية نبيه داود عليه السلام وكانت لهم دولة وسلطان، ومات داود وورثه سليمان في الرسالة والدولة والسلطان، ما إن فسقوا وخرجوا عن طاعة الله -كما سيأتي بيانه- ولعبوا بكتاب الله حتى سلط الله عليهم الرومان، فمزقوهم، شتتوهم، شردوهم إلى الآن.

    هذا معنى قوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167]. ‏

    ‏تخصيص الآية بقوله تعالى: (إلا بحبل من الله وحبل من الناس)

    هذه الآية عامة خصصتها آية آل عمران المدنية، يقول تعالى في سورة آل عمران: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] ضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى متى؟ إلى أن يأخذوا بحبل الله أو بحبل دولة من الدول، حبل الله هو الإسلام، إذا أسلموا تزول المسكنة والذلة عنهم، وحقاً إن الذين أسلموا لم يبقوا أذلاء ولا مساكين، عزوا وسادوا وكملوا، والذين استمروا على اليهودية الباطلة وعلى ذلك التمرد والفسق عن أوامر الله هاهم بين أمرين: بين أن يدخلوا في الإسلام، أو يرتبطوا بدولة من الدول تحميهم وهو حبل الناس، وتم هذا وشاهدناه.

    قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم كانوا مشردين مطردوين، يكفي أنهم نزحوا إلى هذه الديار الحارة وخرجوا من ديار الخبز والسمن، ثم جاء الإسلام، فالذين أسلموا سادوا وعزوا وكملوا، والذين استمروا على كفرهم ويهوديتهم الباطلة بقوا مشردين، بعضهم في الشرق وبعضهم في الغرب، ما عندهم مكان يستقرون فيه، ثم لما حمتهم بريطانيا وحمتهم أمريكا وأخذوا بحبل الدولتين فهم الآن آمنون، لكن إذا شاء الله وقطع هذا الحبل غضبت أمريكا وبريطانيا وقالت: اقتلوهم أو شردوهم، وهذا حصل بالحرف الواحد مع ألمانيا، فإن هتلر النازي أذاقهم مر العذاب، قتل منهم أكثر من ثلاثين ألفاً، شردهم في الشرق والغرب، اكتشف جريمة من جرائمهم، فلهذا لو تكتشف بريطانيا أو أمريكا فعلة شنعاء لهم فسيشتتونهم ويقتلونهم وينتهي هذا الحبل حبل الناس، ويبقون شر الخلق وأسوأ الناس.

    والمنتظر إما أن المسلمين يسلمون من جديد، فتتحد كلمتهم ورايتهم وشريعتهم ودولتهم ويصبحون أمة قوية، وحينئذ يسلطهم الله على اليهود، وقد أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: ( تقاتلون اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله، إلا شجر الغرقد ) وسبحان الله! شجر الغرقد كان في المدينة في البقيع، لكن نقلوه هناك لما أسسوا دولتهم واحتفوا به واحتفلوا وأصبح من أعظم الشجر عندهم؛ ليتحقق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه وحدها تشهد أن محمداً رسول الله.

    فإما أن ينقطع حبل الناس بريطانيا وأمريكا وتتخلى عنهم وحينئذ يذوقون مر العذاب، وإما أن ينتصر المسلمون على أنفسهم وشهواتهم وأهوائهم ويكونون مسلمين بحق فيقاتلون اليهود ويقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم ! هذا يهودي ورائي فاقتله.

    وإن قلت: لم العرب الآن ما يقتلونهم؟ نقول: ما هم بالمسلمين بحق، وهل الشجر والحجر يكذب؟ كيف يقف أمامه عربي لا يصلي ويسب الله والرسول ويقول: يا مسلم؟ حاشا لله أن يكذب الشجر أو الحجر.

    والبرهنة واضحة: فالمسلمون كذا دولة واليهود حفنة وما استطاعوا أن يخرجوهم من فلسطين، هذه لو كانت في التاريخ لكانت كالخيال، مائة مليون بين أيديهم مليون ونصف أذلوهم وأهانوهم، من يصدق هذا في التاريخ؟ وعلة ذلك تدبير ذي العرش، ما هو تدبير الخلق.

    ( تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم )، يسلطنا الله أو تسلطنا أوروبا وأمريكا، وحينئذ يقتلهم المسلمون، وليس شرطاً أن يكون العالم الإسلامي الدولة المسلمة، الشعب المسلم، الجماعة المسلمة، المهم أن تكون أمة مسلمة يسلطها الله على اليهود تنفيذاً لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فاسمع الآية: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف:167] هذه لفظة عامة مخصصة بآية آل عمران المدنية: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112]، وعرفنا الحبلين: حبل الله الإسلام، لو تمسكوا به فلا ذل ولا مسكنة أبداً، وحبل الناس هو هذا الذي حصل لهم بعد التشريد والطرد والإهانة في الشرق والغرب، لاذوا بأمريكا واحتالوا على بريطانيا أولاً ودخلوا في قلبها وبذلك عزوا وسادوا، فإلى متى يكونون هكذا؟

    أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لتقاتلن اليهود ) فما هي إلا كما قلت لكم، إما أن ينقطع حبل الغرب وليس بعجيب ولا غريب، أما انقطع حبلهم مع ألمانيا؟ كادوا يملكونها، أما رفسهم هتلر ومزقهم؟ ما المانع أن ينقطع حبل بريطانيا وتفعل ما فعل هتلر ، وتسلط عليهم العرب؟

    وإما أن المسلمين -وهو الرجاء- سيسلمون إسلاماً حقيقياً، ويصبحون بحق مسلمين أسلموا قلوبهم لله ووجوههم، وحينئذ يقاتلون اليهود لينشروا دعوة الله في تلك الأرض ويرفعوا راية التوحيد هناك، ومن ثَمَّ يسلطهم الله عليهم فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله، إلا شجر الغرقد، وتعرفون بقيع الغرقد، كان فيه الغرقد بكثرة، وأهل فلسطين يعرفونه، وأخبرونا بأن اليهود يعتنون بالغرقد عناية أكثر من التفاح والرمان، لعلمهم بما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم)

    وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ [الأعراف:167] هذه سنته في خلقه، إذا عاقب فعقابه سريع، فقط يمهل، ويملي، فإما أن يتوب العبد وإما أن تنزل به النقمة، ومع هذا: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167] صفتان عظيمتان: العزة والقوة والمغفرة والرحمة، فمن تاب إليه واطرح بين يديه أعزه وغفر له ورحمه، ومن تكبر عنه وأدبر وأعرض سلط عليه بلاءه ونقمته؛ لأنه يملك الاثنتين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقطعناهم في الأرض أمماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ...)

    ثم قال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف:168] من مزقهم؟ من شردهم بعدما كانت لهم دولة سليمان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؟ إحدى الدول الثلاث التي ملك الأرض صاحبها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب دولة سليمان، وبعدها لما فسقوا وفجروا وأكلوا الربا وأباحوا الزنا واحتالوا على دين الله وحرفوا كلامه سلط عليهم الرومان، فشتتوهم، مزقوهم، إلى أن اجتمعوا في القرن التاسع عشر تحت راية بريطانيا وهم مشتتون.

    وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف:168] جماعات مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف:168]، وهذا ليس بعد البعثة النبوية، هذا كلام الله في اليهود قبل سليمان وبعده، هذه سنته فيهم.

    وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ [الأعراف:168] المؤمنون الموحدون العابدون لله رب العالمين، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف:168] وهم المفسدون الملحدون والكافرون والمشركون.

    ثانياً: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ [الأعراف:168] واختبرناهم بماذا؟ بالحسنات: الرخاء، المال، الدولة، فإن أبوا نبتليهم بالسيئات، بالنقم والعذاب والبلاء وتسليط العدو عليهم، وكل ذلك يقول تعالى فيه: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] إلى الحق ويتوبون إليه فيعبدون الله وحده، ويعبدونه بما شرع، ويدعون إلى عبادته أهل المشرق والغرب، لأنهم من أعلم الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ...)

    ثم قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف:169] الخَلَفْ أحسن من الخَلْف، الخَلْف الشقي الفاسد، والخَلَف النقي التقي الفائز.

    فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ [الأعراف:169] أي التوراة، أي: بعد التدمير الذي تم لهم بعد دولة سليمان خلف من بعدهم خلف وَرِثُوا الْكِتَابَ [الأعراف:169] أي: التوراة يقرءونها ويعملون بما فيها ويفهمون مراد الله فيها، أخذوا التوراة وورثوها.

    يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى [الأعراف:169] هذا بيان عيبهم، عوارهم، فسادهم: ورثوا الكتاب وهو نور وهداية الله، ورثوا الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى [الأعراف:169] أي: المال، الدينار والدرهم وأوساخ المال، فاستباحوا الربا وهم الذين قننوه وبنوا بنوكه ودعوا إليها، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169]، فما نعمله لأجل الظروف، الوقت، كيف نكون دولتنا؟ كيف نجمع شملنا؟ إذاً: لا بأس، لا بد من المال وليكن إذاً من الحرام.

    فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] وهذه أيضاً تنطبق علينا انطباقاً كاملاً، أما خلفنا نحن في ذلك النور الإلهي الذي ساد البشرية ثلاثمائة سنة؟ أما ورثنا الكتاب كما ورثوا الكتاب؟ وخلفنا من سلفنا وسبقنا من تلك الأمة النورانية الطاهرة والتي عاشت ثلاثمائة سنة لم تحلم الدنيا بمثلها ولم ير الكون أبداً أمة أعلى ولا أسمى ولا أطهر ولا أطيب من تلك الأمة، والذين ورثوا القرآن بعدهم يقرءونه على الموتى، يكتبونه في الأوراق يطلبون به بالمال، تنطبق علينا انطباقاً كاملاً.

    يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى [الأعراف:169] هذا المال الحاضر، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] يقولون: إن الله غفور رحيم. الظروف هي التي ألجأتنا إلى هذا، سيغفر الله لنا.

    وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ [الأعراف:169] أيضاً، عفونا عنكم حال الفقر أو الشدة، وبعد ذلك جاء المال وجاءت الراحة، فلم تأخذونه من جديد؟ وإن يأتهم عرض مالي مثله يأخذوه.

    قال تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف:169] أما أخذ الله عليهم في التوراة ألا يقولوا على الله إلا الحق، فكيف يكذبون على الله ويستبيحون الربا وما حرم الله عز وجل من قتل العلماء وقتل الأنبياء وقتل الصلحاء من الناس؟

    أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف:169] إذاً: هذا توبيخ وتقريع.

    قال: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف:169] ودرسوا ما في الكتاب وعرفوا ما فيه من الحلال والحرام والمباح، وما فيه من عقائد وآداب وأخلاق، ومع هذا أعمتهم شهواتهم، أصمتهم دنياهم فأقبلوا على أوساخها وأعرضوا عن الله وذكره وكتابه. سبحان الله! اقرأ هذه على المسلمين تجدها منطبقة تماماً.

    فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف:169] ما قيمة الدنيا لو ملكت كل ما فيها؟ غداً تموت وتتركها كلها، ولن يخرج معك شيء، ولن يدخل في قبرك سوى الكفن، فالدار الآخرة خير، أليس كذلك؟ فكيف إذاً يبيعون الآخرة بالدنيا؟ الآخرة الباقية يبيعونها بالدنيا الزائلة الفانية، ولهذا قال: أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169].

    اتباع المسلمين سنن اليهود والنصارى

    خاطبنا جميعاً: أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169] لعلم الله تعالى أن هذه الأمة ستتورط فيما تورط فيه بنو إسرائيل، وقد أخبر بهذا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ).

    وأذكر بمناسبة هذا الحديث لطيفة: كان خطيب يخطب الناس يوم الجمعة في المغرب، وما كان المسلم يلبس لباس الكافر أبداً ولا يستسيغه، لماذا؟ لأن الله حرم هذا على لسان رسوله، حتى إن فرنسا وهي مستعمرة لشمال إفريقيا كان العسكر العرب فيها يلبسون لباسهم العرب، البوليس الفرنسي على رأسه برنيطة والمسلم على رأسه طاقية حمراء، لأن الرسول يقول: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، وهذه الجملة حلفت بالله لو يجتمع علماء النفس كلهم، علماء الآداب، الأخلاق، السياسة؛ فوالله ما نقضوها ولن تنقض، صحت عن أبي القاسم وقالها: ( من تشبه بقوم فهو منهم ).

    ثم ظهر من يلبس البنطال: السراويل الطويل، فرأينا في العسكر من رجال تركيا من سرواله عريض، لأن المسلم لا يليق به أن يلبس بنطالاً فتكون أليتاه بارزتين وبصورة بشعة؟

    فلما ظهرت هذا قال الخطيب: وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )، دخلوا في هذا البنطلون الضيق فدخلتم فيه أنتم.

    فالعرب أيام الاستعمار ما كان عربي مسلم أبداً يلبس بنطالاً حتى لا يتشبه باليهود والنصارى.

    والشاهد عندنا في هذه الآية المنطبقة علينا: أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169] أيها المؤمنون ويا معشر اليهود والكتابيين.

    مرة ثانية أعيد الآية: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف:169] وهم يعرفون هذا، أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأعراف:169].

    وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف:169] ما معنى يتقون؟ يتقون البلاء، العذاب، الشقاء في الدنيا والآخرة، بم نتقي العذاب في الدنيا والآخرة؟ بطاعة الله ورسوله، بالتمسك بشريعة الله، نحل ما أحل ونحرم ما حرم، ننهض بالواجب ونتخلى عن المحرم، هذه هي التقوى.

    بم نتقي العذاب في الدنيا وفي الآخرة؟ بالأسوار والحصون؟ بالجيوش والرجال؟ والله ما كان، لا يتقى عذاب الله إلا بطاعته وطاعة رسوله، أي: بالأخذ بالأسباب المفضية بصاحبها إلى الجنة والمبعدة له عن النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ [الأعراف:170] ومعنى (يمسكون): يتمسكون بصورة أشد وأكثر من (يتمسكون). والمراد من الكتاب: القرآن والتوراة والإنجيل، فـ(أل) للجنس.

    وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ [الأعراف:170] ما معنى يمسكون به؟ لا يضيعون ما فيه من العقائد، الشرائع، الآداب، العبادات، الأخلاق، كل ذلك يحافظون عليه ويعملونه بجد واجتهاد.

    وثانياً: وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170] سبحان الله! لم ذكرت الصلاة هنا؟ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170] لأن الصلاة إذا أقيمت فالشعب ما يتحلل أبداً، ولا يتحلل الشعب إلا إذا تركت الصلاة؛ لأن الصلاة حبل يربط الإنسان بربه، يكفيك أنك تناجيه وتتكلم معه خمس مرات في الأربع والعشرين ساعة وفي بيته ومع أوليائه وعبيده، فإقامة الصلاة لها شأن عظيم، وما تهتك العرب والمسلمون وجرى فيهم ما جرى إلا بتركهم الصلاة.

    إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170] هذا وعد الله، المصلحون الذين أصلحوا أنفسهم، ما أفسدوها بالمال والشهوات ومتاع الدنيا الهابط، بل أصلحوها بصحيح الإيمان وصالح الأعمال لا يضيع الله أجرهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وعلى سبيل المثال الواقع: دولة عبد العزيز لما أقاموا الصلاة عزوا وطهروا وطابوا أم لا؟ من ينكر هذا؟ ودول العالم الإسلامي ما فيها من يقول: أقيموا الصلاة إجبارياً أبداً، فكيف حالهم؟ اعرف نسبة الصلحاء والأطهار بينهم وقسها إلى نسبة الفساق والفجار، سبب ذلك أنهم ما أقاموا الصلاة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    هيا بنا مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان موجز لتاريخ اليهود في هذه الآيات الأربع ].

    اسمع: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:167-170].

    فهذا القرآن عجب، وقد صدق الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن:1] ماذا؟ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن:1] استمعوا ماذا؟ القرآن، فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2] مجموعة من الجن مروا برسول الله في طريق الطائف وهو يصلي الصبح ويقرأ، ما إن سمعوا القرآن حتى التفوا حوله وتعجبوا وعادوا إلى قومهم في العراق والمناطق كلها منذرين: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف:30-31]، فبلغوا رسالة الله، مروا بالرسول وهو في مكان يقال له: نخلة في طريق الطائف يصلي الصبح، ما إن سمعوه حتى التفوا حوله وكادوا يكونون عليه لبداً وعادوا يقولون ذلك.

    إذاً: هذا القرآن عجب أم لا؟ فأربع آيات أعطتنا تاريخ اليهود من أوله إلى آخره، وبيان الأسباب والعلل، وكيف كانت النكبات، وكيف تكون السعادة.

    [ ثانياً: من أهل الكتاب الصالحون، ومنهم دون ذلك ] المفسدون، أخبر الله بهذا: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف:168] غير الصالحين، والمسلمون الآن أليسوا كذلك؟ والله! لكذلك، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك الذين يستبيحون الربا والزنا والخمر ويتركون الصلاة ويكفرون ويسبون الله في الشوارع وفي الطيارة وفي كل مكان وليس فيهم من يقول: هذا حرام؛ فكيف حالهم؟ أسوأ من اليهود.

    [ ثالثاً: التنديد ]، ندد به يندد: إذا قبح سلوكه وبغضه فيه وأنكره عليه. [ التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة ]. كيف يؤثر الدنيا على الآخرة؟ يترك الصلاة والعمل الصالح ويقبل على التجارة والدنيا، من يقول غير هذا؟ أصبح ما يستحي، يقول الباطل، يأكل الحرام، يشرب الحرام، مؤثر لدنياه وشهوته، مؤخر للآخرة وراءه، آثر الدنيا على الآخرة، يقال: آثر الشيء: إذا فضله وأحبه دون الآخر وقدمه عليه.

    [ التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة، وبتمني المغفرة مع الإصرار على الإجرام ]، الغالب في فساق العالم الإسلامي اليوم ومنذ قرون أنهم ليسوا بآيسين، يقولون: سيغفر لنا. امش إلى صاحب بنك وعظه فما تجده آيساً، بل يقول: سيغفر لنا، إن الله غفور رحيم. فهل يجوز هذا الكلام؟ أنت مصر على معصيته وتقول: إن الله غفور رحيم؟ هذا الذي ندد الله به على اليهود، عاهرة تفسد البلاد بعهرها وفجورها وتقول: الله غفور رحيم، هل يقبل هذا الكلام حتى تستمر على عهرها؟ دجال كذاب يأخذ أموال الناس بالتدجيل ويقول: إن الله غفور رحيم! وهكذا كل مصر على معصية وهو يعلم أنها معصية ويقول: إن الله غفور رحيم؛ يدخل في هذا الوعيد الشديد.

    قال: [ التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة، وبتمني المغفرة مع الإصرار على الإجرام ]، الذي يتمنى المغفرة ويطلبها إذا تاب أقلع، قطع الحبال التي تربطه بالمعصية، أما وهو مصر على المعصية يأتيها ليلاً نهاراً ويقول: إن الله غفور رحيم؛ فهو كالمستهزئ، كالساخر بربه.

    اذكروا -معاشر المستمعين- التنديد بإيثار الدنيا على الآخرة، يا عباد الله! اطلبوا الدنيا واطلبوا الآخرة، ولكن لا تؤثروا الدنيا على الآخرة، إذا كنت لا تصلي صلاتك على الوجه المطلوب حرصاً على دنياك فهل آثرت الدنيا أو الآخرة؟ إذا كانت الزكاة ما تخرجها أو تخرج بعضها مؤثراً الدنيا؛ فقد آثرت الدنيا على الآخرة، والأمثلة كثيرة.

    [ رابعاً: تفضيل الآخرة على الدنيا بالنسبة للمتقين ]، والله! الدنيا أفضل من الآخرة للفجار والكفار، والآخرة أفضل من الدنيا للمتقين، وحسبنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر )، سجن المؤمن؛ لأن المؤمن دار السلام عنده وهو في الدنيا، ولو أكل وشرب ونكح ولبس كل شيء فذلك بالنسبة إلى مقامه في الجنة لا شيء يذكر أبداً، كأنه في السجن، المؤمن في الدنيا في السجن بالنسبة إلى دار الآخرة وكمالها والسعة والنعيم الذي فيها، والكافر بالنسبة إلى الجحيم والعذاب الأبدي هو في جنة وإن كان فقيراً أعرج أعمى في الأرض، هو في جنة، فلهذا قال: [ تفضيل الآخرة على الدنيا بالنسبة للمتقين ] فقط، الدنيا أفضل من الآخرة بالنسبة لأهل التقوى، أما أهل الكفر فلا.

    [ خامساً: الحث على التمسك بالكتاب قراءة، وتعلماً، وعملاً، بإحلال حلاله، وتحريم حرامه ]، أما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ [الأعراف:170] يتمسكون به، وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170].

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا من المتمسكين بكتاب الله المقيمين للصلاة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301420

    عدد مرات الحفظ

    711425953